رواية شظايا قلوب محترقة بقلم سيلا وليد الجزء الاول

لمحة نيوز


وسألتها
لسه عايزة تنزلي البيبي
هزت رأسها بسرعة وقد اتخذت قرارها
لا..مش هنزله.
أومأت الطبيبة برضا ووضعت صورة السونار في يدها
اللي كنتي عايزة تعمليه دا..جريمة حرام شرعا وقانونا..لو زعلانة مع جوزك حاولي تشوفي حل...غير إنك تقتلي روح بريئة.
ارتعشت شفاهها وتمتمت
خلاص..مش عايزة أنزله..شكرا لحضرتك...
ثم توجهت نحو الباب قبل أن تتوقف فجأة
ممعيش فلوس لفيزا الكشف... هعدي عليكي في وقت تاني.
أوقفتها الطبيبة 
استني..اسمك إيه وساكنة فين أخلي السواق يوصلك.
أجابتها بصوت خافت
شكرا لحضرتك...قالتها وغادرت...
نزلت السلم بخطا مثقلة وجلست على الرصيف كأنها تحمل الدنيا فوق كتفيها..الشارع بدا موحشا والضوء شاحبا..مرت سيارة
ابعد عني ثم دوى صوت الممرضة التي كانت تتحرك بالجانب المقابل متجهة إلى وسيلة مواصلات
فر الشاب واقتربت الممرضة منها بينما ارتجفت ميرال وقالت بصوت باك
شكرا لحضرتك..قالتها وهمت بالمغادرة ولكنها أوقفتها
استني يا بنتي..أنا سمعت كلامك مع الدكتورة...
ترددت لحظة ثم أردفت
أوعي تخلي راجل يتحكم في وجعك...ماتتنازليش عن حتة منك حتى لو العالم كله باعك...لو الحمل دا شر ربنا ماكانش رزقك بيه.
انهمرت دموع ميرال وتمتمت بصوت كصوت طفل يدافع عن أبيه
هو ميعرفش...هو كويس...
اقتربت منها الممرضة وقد بدا عليها القلق
إنتي مين يابنتي إيه اللي وصلك لكدا!
أجابت ميرال بصوت متقطع
أنا معرفش أنا مين...أنا...معرفش...
تحركت مبتعدة لكنها توقفت بعدما شعرت بكف الممرضة تمسك بذراعها برفق
هتروحي فين الدنيا ليل...والجو برد.
هزت كتفيها وأجابت بيأس
معرفش...همشي يمكن..ربنا يخلصني من الدنيا دي بس مش عايزة أموت نفسي علشان ماكونش كافرة...
سكتت المرأة لحظة ثم قالت بهدوء حنون
طيب...إيه رأيك تباتي عندي الليلة والصبح يبقى ربنا يحلها...
توقفت ميرال عند الرصيف مترددة قدماها كأنما التصقت بالأرض عيناها متشبثتان بنظرات السيدة التي مدت لها يد النجاة..جسدها يرفض أن يستجيب...
اقتربت نعيمة وربتت على كتفها بعدما انهمرت الأمطار بغزارة ومالت عليها بحنو 
الجو بيمطر يابنتي...وأنا مستحيل أسيبك هنا ياتقوليلي اسمك أو رقم جوزك ياتيجي معايا.
وضعت ميرال يديها المرتجفتين على بطنها المنكمش من الخوف فاسترسلت نعيمة
علشان خاطر اللي في بطنك...ده أمانة حرام عليكي تسيبيه هتتسئلي عنه.
هزت رأسها بعناد موجوع وابتعدت ببطء كأن كل خطوة منها تجرها بأنين
شكرا...أنا همشي.
لكن نعيمة اعترضت طريقها بعد أن اشتدت زخات المطر وضربت الأرض بجنون ثم سحبتها من كفها برفق وهمست برجاء
مستحيل أسيبك في الجو ده..حتى لو لقيتي حيطان تحميكي من البرد
توقفت ميرال للحظة وهي تشعر بوهج حنانها يتسلل لجسدها البارد هنا..تذكرت فريدة وكيف أمسكت يد رؤى يوما ما وقالت لها الحياة الوحيدة اللي فيها أمل هي اللي بنلاقي فيها حد يمسك إيدينا عمر الخير مايضيع يابنتي ودي بنت مفيش حاجة اسمها ارمي الخير في البحر وزي ماأنا لقيت مصطفى وغادة..رؤى كمان لقيتنا وهكذا الحياة
تحركت بجوار نعيمة تردد في عقلها
هل تعيد مأساة فريدة من جديد
أقنعت نفسها لعلها تجد عند هذه السيدة ماوجدته فريدة عند غادة ومصطفى ورؤى عند فريدة..
استسلمت لجسدها المرتعش وتحركت بجانب السيدة التي أسرعت بخلع وشاحها الثقيل ولفه على أكتاف ميرال المرتجفة تربت عليها بحنو بالغ
متخافيش يابنتي...والله ماهعمل

فيكي حاجة.
ابتسمت بهدوء ولكنها توقفت بعدما شعرت بشيء داخل كفها حين سحبته...صورة مشوشة الملامح تبللت من المطر سألتها بدهشة
مين ده
نظرت ميرال إلى الصورةفملأتها بالدموع ورفت أناملها المرتعشة عليها تحاول أن تعدل من وضعية الصورة بعد ماأصابها المطر وهمست بأنين أم
يوسف..ابني.
شهقت السيدة وهي تضرب على صدرها
أوعي تقولي مات
هزت ميرال رأسها نافية ثم تمتمت بصوت مخنوق
بعد الشر عليه من أي ألم لا..هو مع باباه سبته مقدرتش آخده معايا.
وصل الميكروباص فأشارت السيدة إليه
طيب اركبي بسرعة.
ترددت قليلا لكن هتف السائق بصوته الغليظ كسر ترددها
يلا ياأبلة...عايزين نروح من البرد.
صعدت السيارة بجهل وجلست بجوار النافذة وعيناها لا ترى سوى قطرات المطر تحاول عبثا أن تمحو ماضيها...
ظلت نعيمة جوارها طوال الطريق حتى توقفت السيارة في موقف آخر ثم استقلتا توكتك عبر شوارع ضيقة متشابكة كأنها متاهة من قدر...
ترجلتا في حي شعبي متواضع بأطراف القاهرة..
نظرت ميرال حولها بخوف كأنها دخلت كوكبا غريبا حتى شعرت بكف نعيمة تسحبها من ذراعها
حتى الكهربا قاطعة...ياترى ياهند بتعملي إيه ياقلبي لوحدك.
تبعتها ميرال مترددة إلى أن دلفت إلى بيت صغير..
صاحت نعيمة من الداخل
تعالي يابنتي ادخلي.
خرجت فتاة صغيرة تحتضن مصحفها وتنير وجهها بطارية شحن خافتة وقالت بلهفة
اتأخرتي أوي ياماما.. والكهربا قطعت.
ضمتها نعيمة وقبلت جبينها
معلش ياحبيبتي..الدكتورة مسافرة وكان عندنا كشوفات كتير...بس الحمد لله جيت.
نظرت هند إلى ميرال وسألت بفضول
مين دي ياماما
استدارت نعيمة تنظر إليها برقة
ادخلي يابنتي..دي هند بنتي ومفيش غيرنا في البيت جوزي متوفي من سنين...ارتاحي اعتبريه بيتك.
دخلت ميرال بتردد تسمرت عيناها على المصحف بين يدي هند فهدأ قلبها قليلا..
اسمك إيه يابنتي تساءلت بها نعيمة فأضاءت الكهرباء فجأة..
ابتسمت ميرال بخفة وقالت
اسمي..مروة.
لم تعرف لماذا نطقت بهذا الاسم..
هل الماضي أصبح جزءا منها...أم أن حياتها أجبرت على دفنها لاستقبال الماضي
جلبت لها نعيمة ثيابا نظيفة
عارفة هدومنا بسيطة بس حاولي تقضي بيهم لحد ماهدومك تنشف جسمنا واحد..قالتها ثم التفتت لهند
روحي مع أبلة مروة ووريها الحمام تاخد دش سخن..وأنا هسخن شوربة العدس..
بعد قليل جلس الثلاثة على طبلية صغيرة أمامها شوربة العدس الساخنة وبعض المخللات..
نظرت ميرال إلى الطعام وارتعشت جفونها...متذكرة حديث فريدة عن شوربة العدس الدافئة وأهميتها بالشتاء..
ربتت نعيمة على ظهرها
عارفة أكلنا بسيط بس نضيف وهيدفيكي.
تناولت الملعقة بأصابع مرتعشة وقالت بخفوت
ريحته حلوة...وأنا مش قرفانة.
رفعت الملعقة إلى فمها لكنها لم تتذوق الطعم...بل تذوقت مرارة الفراق..
مرارة صورة زوجها وطفلها وهي تعصف بها من الداخل..
وضعت الملعقة بهدوء وقالت
مليش نفس..أنا عايزة أنام شوية ممكن
هزت نعيمة رأسها بأسى
يا بنتي إنتي حامل...ولازم اللي في بطنك يتغذى.
شكرا..بجد بس مليش نفس.
وقفت نعيمة وساعدتها على النهوض
دي أوضة هند..بتذاكر فيها وبتنام معايا أنا هخليها تذاكر برة وإنتي نامي وارتاحي زي أختي بالظبط.
شكرا لحضرتك..
دخلت الغرفة الصغيرة وطافت عيناها على الأركان شعرت بدفء غريب لم تعرفه من قبل..
اتجهت للفراش البسيط وتمددت... كانت تظن أنها لن تنام لكنها غابت في سبات عميق وكأن الحياة منحتها فرصة للهرب..ولو لساعات.
بقصر الجارحي.. بعد عدة أيام
كان الجميع يجلسون على طاولة الطعام ولكن هناك من الألم ماتنطقه العيون بعد ماصار لميرال..
رفع فاروق رأسه وتساءل
أرسلان في فيلا السيوفي دلوقتي. 
أومأ إسحاق وقال 
حالتهم صعبة جدا المشكلة ميعرفوش إنها عايشة ولا ميتة وإلياس بيقول طول مادفنهاش يبقى لسة عايشة.. 
تآذر الوجع بالقلوب لتتمتم صفية 
حبيبتي لسة صغيرة وكمان ابنها ياحبيبي..إزاي وقعت في النيل.
زفر اسحاق باختناق يمسح على وجهه بسأم وقال
محدش يعرف لحد دلوقتي إيه اللي حصل وزي ماغرام قالت دي كانت فرحانة علشان حامل.. 
شهقت صفية تضرب على صدرها
ياحبيبتي يعني حامل كمان يارب يصبرك يافريدة إنتي وابنك الله يكون في عونهم. 
ربنا يصبرهم فعلا إلياس عامل زي المجنون ومصطفى اتحجز في المستشفى هو وفريدة..الاتنين حالتهم توجع القلب.. 
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. 
طيب إيه ياإسحاق مش المفروض نكون معاهم في الوقت دا..قالها فاروق.
تأرجحت عيناه بحيرة ونطق 
والله ماعارف يافاروق كل اللي أعرفه 
إلياس رافض أي كلام في الموضوع دا وأنا سيطرت على الخبر كل اللي قاله إنها سافرت برة مصر وبس غير كدا مقالش..مش عارف بقى هنروح إزاي.
أصدرت صفية ايماءة بسيطة وقالت 
خلاص خلي غرام وأرسلان هناك وكدا كدا هما بيزوروهم على طول يعني إلياس مش هيتكلم.
بعيون مكدسة بالحيرة هز كتفه ورد 
والله أنا مقدرش أقول حاجة لأرسلان لأنه أصلا تايه ومش حاسس بحاجة مهما كان دا أخوه ومرات أخوه بغض النظر لو رفضنا إنها بنت عمه..
نهضت ملك معتذرة
أنا شبعت هطلع أكمل مذاكرة..قالتها بنبرة حزينة..
ربتت صفية على كتفها وقالت
روحي حبيبتي ومتنسيس تكلمي خطيبك تسأليه عن مامته وباباه..
حاولت كبح دموعها هزت رأسها بعدما فقدت النطق وصعدت إلى غرفتها دلفت للداخل ولم تستطع مقاومة طوفان دموعها التي انسدلت كزخات المطر وضعت كفيها على فمها تمنع شهقاتها واتجهت إلى فراشها تتخذه ملجأها بعدما فقدت قدرتها على الحركة جلست لبعض الوقت اتجهت بنظرها إلى هاتفها مررت أناملها عليه لبعض اللحظات ثم رفعته دون تراجع وطلبت رقمه لحظات إلى أن رد
ألووو..
نطقها إسلام بنبرة ثقيلة ممزوجة بنيران الألم..
عامل إيه.
مش كويس خالص..
تمتم بها بتنهيدة واستطرد بنبرة حزينة
ماما تعبانة أوي ياملك وإلياس حياته ادمرت..
إسلام ممكن تهدى وإن شاءالله كل حاجة هتكون تمام. 
انكمشت ملامحه بألم يصرخ داخله 
إيه اللي هيكون تمام بس ياملك ميرال اللي خلاص مش لقينها ولا ماما اللي مش حاسة بحاجة من وقت الخبر ولا أخويا اللي عايش ومش عايش.. 
حاولت أن تخرجه من حالته فقالت
طيب إنت فين دلوقتي عمو إسحاق بيقولي باباك ومامتك في المستشفى.

.
اتجه بنظره إلى الغرفة التي تحجز بها فريدة وطالعها بأعين هالكة بالألم وأجابها
بابا فاق والحمد لله كويس ماما بس اللي تعبانة شوية أنا عندها في المستشفى وغادة هنا كمان. 
أجيلك..همست بها بصوت خافت.. 
صمت ولم يجبها ردت 
هكون معاك بس مش هنتكلم في حاجة بس لازم أكون جنبك قلبي بيقولي كدا ياإسلام..
قالتها بتوسل اخترق قلبه وشعر كأنها سلبت فؤاده بنعومتها أومأ رأسه وقال
مستنيكي..
اغروقت عيناها بالدموع وابتسمت ناهضة من فوق الفراش قائلة
عشر دقايق وأكون عندك. 
ملك..نطقها بنبرة خافتة وقال 
خلي بالك بلاش تسوقي بسرعة الجو مطر متقلقنيش عليكي.. 
لامست كلماته حواف قلبها مما جعله ينبض بعنف من فرط سعادتها وردت
متخافش عليا..
بمنزل يزن..
جلس في الحديقة يحتضن رأسه بين كفيه وعيناه تقذفان شرر الألم.. اقتربت منه إيمان وجلست بجواره تطوق كتفه بيدها بحنو
حبيبي عامل إيه
تنهد بعمق وتراجع بجسده للخلف يهز رأسه نفيا
مش كويس خالص ياإيمان..
هتجنن وأعرف إيه اللي حصل..مش معقول حادث طبيعي!!.حتى لو كان طبيعي...إيه اللي وداها هناك!
أنهى كلماته بوصول كريم الذي جذب مقعدا وجلس بجوارهم
فيه جديد يايزن
لأ...تلات أيام ومفيش أي خبر..كذا فريق إنقاذ وبرضو مفيش نتيجة.
أجابه كريم بنبرة واقعية تخالطها الحذر
النيل كبير وعميق يايزن..مش سهل يلاقوها بسرعة وكمان ممكن الحادثة حصلت قبل ماإلياس يعرف بوقت طويل.
تساءلت إيمان وقد بدا القلق في نبرتها
هو طارق ورؤى فين
أجاب يزن وهو يطالع الأرض بشرود
رؤى في فيلا السيوفي وطارق راح الشركة مع رحيل عندهم اجتماع مهم..
عايزين كل حاجة تمشي طبيعية... محدش يشك في حاجة الحكاية دي لو انكشفت هتكون خبطة كبيرة لإلياس..متنسيش من فترة كانت قضية راجح ودي ممكن تحطه في دايرة الاتهام تاني.
شهقت إيمان وقد بدأ الخوف يتسلل إلى صوتها
يعني ممكن يتهموه بقتلها!
أغمض يزن عينيه بقوة وأرخى رأسه على ظهر المقعد كأن الغصة التي شقت جوفه تحاول أن تخنقه
دي مشكلة كبيرة جدا لإلياس للأسف..إسحاق الجارحي لمحلي إن رانيا لو عرفت ممكن تتهمه بقتلها وتقول إنهم أرغموها وهددوها تزور تحليل DNA
صاحت إيمان بدهشة
مش معقول يايزن!.. دي لسة هتقدر تعمل حاجة بعد اللي حصل!
طيب ناويين على ايه!
معرفش والله ياكريم أنا كل اللي يهمني دلوقتي ميرال عايشة ولا ميتة
ربت كريم على كتفه 
إن شاءالله هتكون عايشة وأكيد هيوصلولها.
على ماأظن إلياس مش هيسكت ولا حيرتاح غير لما يوصلها.
بالمشفى وخاصة بغرفة فريدة..رفرفت أهدابها متأوهة نهضت غادة سريعا من مكانها واتجهت إليها بدخول أرسلان وإسلام 
ماما حبيبتي..قالتها غادة لتفتح فريدة عينيها تتجول بأنظارها في الغرفة نظرت إلى الأبر التي تغرز بكفيها وهمست متسائلة
أنا فين.
اقترب إسلام ورسم ابتسامة قائلا
إيه يامدام فريدة على رأي إلياس كدا توقعي قلوبنا.. 
تاهت بنظراتها بينهم 
إيه اللي حصل..
انحنت غادة تساعدها في الجلوس تضع خلفها وسادة 
حبيبتي ارتاحي مفيش حاجة.. 
رفعت رأسها تنظر بعيون غادة 
فين ميرال محدش قالها إني تعبانة..
قالتها محاولة الهروب من صفعات عقلها عندما تذكرت ماصار.. 
اقترب أرسلان الذي يحاول التماسك أمامها بشق الأنفس
حبيبتي ارتاحي دلوقتي الدكتور قال ممنوع الإرهاق..
أمسكت كفيه وحاوطته بنظراتها 
فين أخوك ومراته. 
جاهد في إخفاء اعتصار أضلعه أمامها ولكن خانت قواه رغم محاولاته المستميتة لتتدحرج دموعه ابتعد وأدار ظهره بينما اقترب إسلام بدخول ملك ملقية السلام
مساء الخير..إزي حضرتك ياطنط فريدة حمد الله على سلامة حضرتك.. 
أهلا حبيبتي. 
دلف مصطفى يجر أذيال جراحه المتلاطمة بصدره 
حمد الله على السلامة يافريدة.
مصطفى...فين إلياس وميرال..
ماما..تمتم بها إسلام في محاولة تهدئتها فوالده يمر بوعكة صحية غير عتابه الدائم لنفسه لما جنته يداه..
اتجه مصطفى وجلس بجوارها يطوقها تحت جناح ذراعيه
فريدة ميرال عملت حادثة والعربية وقعت في النيل وبيدوروا عليها ادعيلها.. 
كانت مشدوهة لما تسمعه حتى شعرت بثقل لسانها مما جعلها فاقدة النطق لبعض الدقائق.. 
مسد مصطفى على رأسها بحنان
عايزك قوية زي كل مرة لو سمحتي.
تسارعت نبضاتها وشعرت بالاختناق وألما حادا استوطن خلاياها تهمس باسم ميرال..
في حين نكس مصطفى رأسه أسفا وتمتم بألم اعتصر روحه
الانقاذ بيدوروا على الجثة في النيل.
شهقت بصوت مسموع ثم رفعت رأسها وارتسم الألم بمقلتيها وهي تطوف بنظرها بينهم تحاول استيعاب ماتلفظه مصطفى..حركت شفتيها التي بهتت مع شحوب وجهها
ميرال مين!.
قالتها لتخترق صدور الموجودين..
ماما..لو سمحتي كفاية إلياس
هنا شعرت وكأن أحدهم ألقاها بعصا غليظة فوق رأسها ليترنح جسدها من شدة ماأصابه تهمس بخفوت
إلياااس..همست بتقطع تكبح غلالة دموعها التي وخزت جفنيها لتعود بالنظر إليهم
قصدك بيدوروا على جثة ميرال بنتي!.
آسف يافريدة مقدرتش أحميها أنا كسرتها.. 
بابا مش وقته نطقها إسلام بغضب..
سقطت الكلمة كسكين على قلب فريدة..
ونظرت حولها تبحث بأعينهم عن أي منجى لكلماتهم ولكن هناك قدرا لابد أن تهرب منه لا مفر من الوجع أيتها الأم المفجوعة نعم لم تكن ابنتك ولكنها كانت تمثل لك الحياة..دارت حولها كالذي يحلم بكابوس بل كمن انتزعت الحياة من بين يده..
ميرال بنتي!!.
رفعت عينيها إلى نجلها ودققت بملامحه ورغم حالته إلا أنها تساءلت غير مستوعبة ماتلفظته شفاههم
فين أخوك يابن الجارحي.
أيام أخرى خيمت على الجميع بالحزن بعدما فقدوا الوصول إليها..
عند إلياس كان جالسا بالحديقة ينظر أمامه بشرود..وصل إليه مصطفى وظل يراقبه لبعض الدقائق ثم اقترب منه ووضع كفه على

كتفه
عامل إيه ياحبيبي !
لم ينظر إليه وكأنه لم يكن موجود اتجه بنظراته إلى طفله الذي يلهو بالحديقة مع غرام وبلال سحب المقعد وجلس بجواره
مش عايز ترد على أبوك ياإلياس وصل أرسلان بتلك اللحظة وقال
عمو مصطفى لو سمحت مش وقته..لم يلتفت إلى أرسلان ولكنه اتجه يجلس أمام ذلك الحاضر الغائب وجهه 
آسف..
نزلت دموعه بصمت دون أن يتفوه بحرف ورغم ذلك ظل كما هو.. كالجسد الذي فقد الحياة انحنى أرسلان يرفع مصطفى من أمامه
لو سمحت علشان خاطري.. 
رفع عينيه إلى أرسلان 
مكنش قصدي ولا كنت أعرف دا كله هيحصل. 
عمو مصطفى لو سمحت..نطقها وهو يراقب أخاه إلى أن هز مصطفى رأسه وقال
فين فريدة! 
أشار إليه أرسلان إلى الاعلى 
فوق منزلتش النهاردة..خطا إليها بخطوات ثقيلة يعلم أن المواجهة صعبة ولكن لابد أن تحدث..إلى متى سيهرب من المكتوب.. 
بينما اقترب أرسلان من إلياس وجلس بمقابلته
إلياس هتفضل لحد إمتى كدا أنا مش عارف أقولك إيه بس لازم تفوق علشان ابنك إنت مش ضعيف أبدا يصعب عليا أشوفك كدا. 
لم يكترث لحديثه وظل كما هو يتابع طفله الذي سقط على ركبتيه يصرخ نهضت غرام من جوار أطفالها واتجهت إليه 
مالك ياحبيبي..
أشار إلى ركبتيه وارتفع بكائه
اتعورت وجابت دم أنا عايز ماما.. 
نهض أرسلان من مكانه بعدما وقع بصره على ذلك المشهد الذي أدمى قلبه وهو يرى دموع أخيه تتساقط بصمت على بكاء طفله ومطالبته بوالدته.. 
حمله أرسلان وتحرك به إلى جلوس إلياس ينادي على الخادمة بإحضار الإسعافات الأولية.. 
أجلسه فوق الطاولة وفرد ساقه مع بكائه
إنت بتوجعني عايز ماما علشان تبوسها والألم يهرب زي ماكانت بتقولي. 
نهض إلياس يتحرك للداخل بعدما فقد اتزانه أمام طفله واتجه إلى غرفته وجد فريدة ومصطفى بداخلها اقترب بخطا ثقيلة ينظر إلى فريدة التي تحتضن ثيابها وتبكي بينما جلس مصطفى بجوارها
طاف بعينيه على الغرفة التي تمتلئ برائحتها فلم يدخلها منذ تلك الحادثة.
وصلت الخادمة إليه 
نعم ياباشا..! 
أشار إلى ملابس ميرال وأردف بلسان ثقيل
جهزي الشنط مش عايز أي حاجة هنا لمي كل هدومنا وهدوم يوسف وكل متعلقات المدام وخليهم ينزلوا الشنط في عربيتي وقولي لحنان المربية تجهز يوسف هننقل بيتي. 
شهقت فريدة ونهضت بجسد مترنح مقتربة منه بعدما أشارت الخادمة
روحي يابنتي شوفي وراكي إيه..
تشبثت بذراع نجلها تنظر إلى ملامحه التي بهتت ولم يظهر منها سوى الألم والحزن 
عايز تبعد عني ياإلياس!!.. خلاص عايز تمشي تقطع علاقتك بالبيت 
ابتعد دون حديث وسحب حقيبته يجمع ملابسه بصمت مع مراقبة فريدة ومصطفى إليه تحرك مصطفى وتوقف ينظر إليه بأسف
إلياس..أنا آسف والله يابني ماكان قصدي. 
رفع رأسه أخيرا إلى مصطفى وهمس بكلمات متقطعة
شكرا على كل حاجة جميلك فوق راسي بس مبقاش ينفع تقولي يابني خلاص مفيش حاجة تربط إلياس الشافعي بمصطفى السيوفي إنت عندك حق أنا مش ابنك وهي كمان مش بنتك أنا اللي بتأسف لحضرتك آسف علشان أخدت أكتر ماليا وصدقني مش زعلان منك أنا زعلان من نفسي علشان طلعت مش قد المسؤولية معرفتش أحميها من نفسها رغم تحذيرات الدكاترة بس كنت بسيبها بالساعات والأيام وهي استحملتني كتير حضرتك مش مذنب أنا أذنبت وغلطت وربنا عاقبني علشان يعرفني قيمة النعمة اللي ضيعتها.. 
شكرا مصطفى باشا على كل حاجة.. 
وصل إليه بخطوة ودفع الحقيبة بكل محتوياتها وصرخ بصوت زلزل المكان
أنا أبوك يالا سواء رضيت أو لا وإياك تقولي مصطفى باشا دي تاني سمعتني يابن مصطفى.. 
نظر إلى عيناه مباشرة وتمتم
أنا مش ابنك آه أنا ابن الست دي بس مش ابنك حاول تعيش على الحقيقة دي هي مش مرة أوي علشان كدا هتنسى بسرعة وماشاء الله عندك ولدين أحسن مني مليون مرة.
إلياس..قالها مصطفى وهو
يطبق على ملابسه يهزه ببكاء وأردف باكيا
حبيبي متعملش فيا كدا أنا عارف إني غلطت بس وحياة ربنا ماكنت أقصد. 
أمسك يديه المتشبثة بقميصه ونظر إليه بكم الألم الذي يشعر به قائلا
وأنا قولت لحضرتك إنك مش غلطان الغلط والذنب عندي دا عقاب من ربنا ولازم استحقه يامصطفى باشا. 
أنا مش فاهمة حاجة إيه اللي حصل ممكن تفهموني. 
ابتعد إلياس قائلا
مفيش أنا عايز أبني نفسي على إني إلياس الشافعي كتر خير حضرة اللوا هيفضل متحملنا لحد أمتى. 
هل هذا ماأخبر به والدته هل لا تعلم بما صار إلى الآن!. 
استدار مصطفى يتطلع إلى فريدة التي تنظر إليهم بجهل مايتلفظونه وقال
اللي حصل لميرال بسببي يافريدة ولكن قاطعه إلياس 
أنا همشي ياماما من البيت خالص عايز اعود نفسي على إلياس الشافعي لأن دا اصلي
اقتربت فريدة منه تراقبه بعينيها المرتجفتين تشعر وكأن قلبها يلفظ أنفاسه بتخبطه الزائد بصدرها أمسكت ذراعه تنظر إلى حدقتيه
يعني إيه!!يعني إيه ياابني عايز تسيب بيت أبوك! وايه إلياس الشافعي دي...!!
إنت بتقول إيه! إنت اتجننت!
نظر إليها بعينين غائرتين لا دموع فيهمامن يراها يجد أنها لوحة من الحزن والألم..
خلاص مبقاش ليا مكان في البيت دا ولا ليا حق في حضرة اللوا خلاص ياماما لازم كل واحد يرجع لأصله.
أنا مش فاهمة حاجة! إيه الكلام اللي بتقوله ده!
لم يجب فقط انحنى يقبل جبينها بحنان مر حنانا بشعور الفقد من كل مايمتلك.
مامامحتاج دعواتك وبس مش تعارضيني..أنا قررت وخلاص مبقاش ليا مكان هنا افهمي بقى.
نظرت إليه وكأنها لا تصدق ما تسمعه
مصطفى إنت سامع ابنك بيقول إيه!! بيقول إلياس الشافعي لا وعايز يمشي مش زي كل مرة لا عايز يبعد مش عايز تقول حاجة!..
ابتلع أنفاسه وأردف بصوت خرج مخنوقا بالخذلان
ماما لو سمحتي أنا فيا اللي مكفيني متضغطيش علشان مش هرجع في كلامي مهما قولتي وكلامك لحضرة اللواء لا هيأخر ولا حيقدم..قالها وانحنى ليحمل حقيبته لكن أوقفه صوت مصطفى
إلياس..
تجمد للحظة..لم يلتفت إليه وظل كالتمثال المتجمد إلى أن استمع إلى رجائه
ما تسبنيش علشان خاطري بالله عليك يابني انا آسف خد حقك بالطريقة اللي تعجبك بس متبعدش عن ابوك
أغلق عينيه وكأن شيئا ما كسر داخله ثم قال بنبرة ثابتة لا تقبل الرجاء
خاطرك على راسي ياحضرة اللوا مش موضوع ابعد عنك هتفضل برضو ابويا اللي رباني بس أنا أنا خلاص قررت..
التفت إلى والدته وأضاف بصوت أضعف
من وقت ماعرفت حقيقتي وانا اقتنعت اني مش ابن البيت ده أنا بس كنت ضيف في وهم إلياس السيوفي وجه الوقت لاحتضان إلياس الشافعي..
ارتبكت فريدة ونظرت لمصطفى
مصطفىهو بيقول إيه! يقصد إيه!
انخفض رأس مصطفى وارتجفت يده وهو يمسح على جبينه ولم يجرؤ على النظر إليها
ميرالمشيت بسببي.
قطبت جبينها فلان تشعر أنهم يتحدثون بالألغاز فقالت
يعني إيه! صرخت بها كأنها طعنت بعدما فشلت في فهم كلماته وهتفت بضياع
مش فاهمة..إنت بتقول إيه 
يامصطفى! يعني إيه ميرال مشيت بسببك!
هنا تذكرت كلماته عندما دخلت عليه
لو كنت أعرف إنها بنت راجح مكنتش هقبل بيها..دارت كلماته تصفع عقلها 
هل مااخترق أذنها حديث زوجها!!
استدارت إلى إلياس تصرخ بانكسار
مصطفى قال على ميرال إنها بنت راجح ولو عرف كان مستحيل يوافق صح ولا أنا اللي كنت بحلم!!
نظر إليها بعينين يغمرهم الوجع وقال
ماتلوميش حضرة اللواء يامدام فريدة هو قال الحقيقة ودا اللي كان لازم أواجه المجتمع بيه بس أنا للأسف عملت زي النعامة اللي دفنت رأسها في الرمل كنت بضغط عليها وأقنعها إنها مش بنته وهي عملت إيه..كانت بتضغط على نفسها علشان متزعلنيش أنا كنت بحاول أخرجها من حقيقة لازم منها وهي كانت بتحتضر ياماما ميرال لو ماتت فأنا اللي موتها محدش تاني..سمعتيني..أنا السبب محدش تاني..ضرب على صدره 
أنا اللي ضغطت ودوست وحاولت أخرجها من حقيقة مرة لتدخل لحقيقة أصعب وأمر أنا بس ياماما اللي موت مراتي..قالها بانهيار حتى فقد اتزانه ليهوى على المقعد 
حبيبي اهدى دا عمرها أنا مش عارفة أعمل إيه هقولك حاجة ومش عارفة هتصدقني ولا لأ..أنا مش مقتنعة بفكرة موتها دي أنا حاسة ببنتي عايشة مش عايزة أديلك أمل بس مش مقتنعة يابني غصب عني..
أزال دموعه واعتدل واقفا 
عارف إنها ممكن تكون عايشة بس مش بإيدي حاجة مش قدامي غير إني أستنى لحد ماتظهر ماهي لو عايشة بحالتها أكيد هتظهر أكيد مش هتقدر تبعد كتير..اقترب مصطفى منه
إلياس..ولكن قاطعهم دخول الخادمة في تلك اللحظة
جمعنا هدوم البيه الصغير ياباشا.
أشار إلياس إلى الحقيبة بصوت أجوف
نزلوا الشنطة دي..استدار يرمق مصطفى بنظرة تحمل خذلانا غير متوقع وقال
عايز ألم حاجتي لو سمحتوا..سحب فريدة وتحرك بعدما شق صدره نظرة إلياس المتألمة.. 
ظلت نظراته على مغادرتهم إلى أن أغلق الباب ثم اتجه إلى غرفة نومهما كأن خطواته تقوده إلى مقبرته.
جنازة مؤجلة ..
قبر بلا شاهد..
من ننعي من نواسي من نؤازر
ألم من نخفف وأي جرح أولى بالضماد
كلناااا نازفون كلنا نخفي انكسارات لا يصلحها احتضان ولا تشفيها الكلمات 
من ننعي وقد مات فينا كل شيء ماتت الحكايات قبل أن تروى ..
من نؤازر وكل من حاولنا التمسك بهم أفلتونا بصمت موجع وبعضهم غادر كأنه لم يكن وكأن مشاعرنا لاتستحق الالتفات..
لم أغادر لانني 
أنا السيف والجريح والقاتل 
انا القيد والسجين والسجان
بعد خروج فريدة ومصطفى اتجه إلى غرفة الملابس دفع الباب بخفة ينظر بأركان الغرفة كأنه يبحث عنها ولكن لم يجد سوى رائحتها التي أسكرته لتتضارب الذكريات في عقله هنا كانت ابتسامتها هنا كانت شقاوتها هنا عزفت ألحان القلب دار بجسده سريعا بالغرفة وكأن الغرفة لم تفقد صاحبتها كل شيء مازال على حاله.
أغمض عينيه مبتسما للحظات يتمنى أن يطيل حلمه ولكنه أفاق على الوهم حينما ارتفع رنين هاتفه
إلياس..عامل إيه.
كويس اسمعني ياشريف أنا بعت لك ورق مهم وفلاشات مع أرسلان سلمهم للقائد وعندك استقالتي ضمن الورق.
إيه اللي بتقوله دا!.
شريف..خلاص أنا قررت مش هنزل الشغل تاني. 
إلياس اسمعني..لكنه أغلق الهاتف دون الاستماع إلى شيئ
خطا إلى أشيائه الخاصة يجمعها لم يكن يخطو نحو الرحيل من المنزل بل كان ينسحب من عمر بأكمله كل خطوة كانت تزيح عن روحه ألمه وكل نفس يختنق به كان يطفئ فيه حياة عاشها بذلك المنزل نعم كان يتركه في بعض الأحيان ولكنه كان ابن هذا المنزل كان يعلم أنه سيعود إليه حينما يريد إنما الآن وكأنه يكتب شهادة وفاته منه.
انتهى من أشيائه واتجه الى خزانة ميرال..فتحها وتنقلت نظراته بين فساتينها الآن..طاف بنظراته متسائلا
يا ترى إنتي فين ياميرال! غرقتي زي ما بيقولوا ولا بعدتي عني بإرادتك
أنا مش عارف بس اللي أعرفه إني هموت مش قادر أتحمل بعدك..
ونطق بصوت خرج منكسرا متحشرجا
مش قادرمش قادر أتنفس من غيرك...إيه الحب الصعب دا.
صرخة خافتة خرجت من عمق روحه وهو يملس على صدره موضع نبضه
آه ياوجعي آه..يارب تطلع عايشة مش حمل الوجع ده خر متمددا على الأرض لا يصرخ لا يبكي

استمع إلى رنين هاتفه الذي يبعده اعتدل وأسند رأسه إلى الحائط وأغمض عينيه كمن ينتظر موتا بطيئا لكنه لا يأتي..يهمس لنفسه 
هستناكي عارف هنتقابل في يوم من الأيام..متأكد مش هتقدري تبعدي عن كتير..
هز رأسه وتجمدت ملامحه
مستني رجوعك هترجعي أكيد ووقتها هعرفك إزاي يكون دمار الحبيب.
بالأسفل قبل قليل..
هبطت فريدة إلى الطابق السفلي بخطوات متثاقلة كأن كل كلمة تفجرت من فم إلياس قد سكنت عقلها تدور بداخله كالرصاص..توقفت والتفتت نحو مصطفى تحدق فيه بعينين مثقلتين بالخذلان وقالت بصوت مخنوق
يعني إيه اللي حصل يامصطفى..
ليه قلت كده أنا مش مصدقة اللي سمعته..مستحيل!!.
دخل أرسلان يحمل طفلته وتحدث بنبرة هادئة 
إحنا هنمشي ياماما عندي شغل ولازم أعدي على ماما صفية بالولاد...
لكنها لم تلتفت ظلت عيناها مسمرتين على مصطفى الواقف كالتلميذ المذنب ينتظر صفعة عقاب اقترب أرسلان خطوة أخرى وهمس 
ماما..حضرتك سامعاني.
دمعة انسالت عبر خدها وهمست بنبرة متقطعة 
قتلت بنتي بكلامك يامصطفى!!.
رفع مصطفى عينيه والحزن ينهش ملامحه وهز رأسه بالنفي
ماكنتش أقصد والله ما كنت أعرف إنها هتسمعني هو انتي شاكة إن ميرال كانت بنتي
كانت تنظر إليه بصمت ودموعها تتوالى دون انقطاع ورغم صمتها إلا أن نظراتها تحكي مدى قهرها.
سألها أرسلان بقلق 
ماما...إيه اللي حصل إيه الجديد في موضوع ميرال..
التفتت إليه وطالعته بعينين تقدح بنار الأسى والغضب
ليه ميرال انتحرت ياأرسلان مش كانت مبسوطة مع جوزها إيه اللي وصلها ترمي نفسها في النيل
أشاح ببصره بعيدا عنها وقال 
معرفش وما اتكلمتش مع إلياس..حضرتك عارفة من يوم الحادثة وهو قافل على نفسه...
اقتربت منه غرست عينيها في عينيه وهتفت بصوت مخنوق بالغضب 
لا...عارف ومن النهاردة تتكلم على إنك ابن جمال.
رد مذهولا 
ماما..إنتي بتقولي إيه
صرخت
اخرس مش عايزة أسمع صوت حد فيكم.
ثم التفتت إلى مصطفى تصفعه بنظرتها وصرخت بصوت شق السكون كالسيف 
حضرة اللوا العاقل ممكن تشرحلنا إزاي بنتي وصلت ترمي نفسها في النيل!
ضربت صدرها بقبضة مرتجفة وصرخت صرخة زلزلت الجدران 
دي بنتي أنا..أنا اللي تعبت فيها اللي سهرت عشانها اللي كنت أم وأب وسند..ميرال بنت فريدة ومحدش ليه حق يشوفها بغير كده وأنا متأكدة إنها هترجع بنتي هترجع 
يامصطفى وساعتها وريني هتعايرها بإيه..
اقتربت منه ولكزته بإصبعها ميرال بنتي يامصطفى...عارف يعني إيه بنتي! وبعد اللي سمعته منك لو بنتي ماتت..فإنت المسؤول قدامي..
ماما
لو سمحتي..
حدجته بنظرة لو تقتل لقتلته بالحال وصاحت
روح لصفية جاي لي ليه..جاي تضحك عليا بكلمتين!
أشارت إلى أعلى والشرر يتطاير من عينيها
بدل ما تطلع تسند أخوك اللي مش عارف ياخد عزا مراته لا هو عارف إذا كانت عايشة ولا ميتة وإنت كل همك إنك تروح لماما صفية..
اقتربت منه خطوة وأردفت بألم سنوات من القهر من فراقه
وأنا فين من حياتك ياحضرة الظابط! أمك اللي اتحرمت منك سنين فين حقها! صبرت ورضيت وقلت بكرة يجي يجي يرتمي في بس لا..لسه بتتعامل معايا على إني فريدة مامت إلياس الأم اللي مالهاش مكان في حياتكم...
ثم فجأة بدأت تدفع كل مايقابلها من أنتيكات ومزهريات ولا ترى سوى صور قديمة من حياتها التي لا تحمل سوى القهر والألم صرخت وصرخت وكأنها تطرد وجع السنين كأنها تهدم ما تبقى من صبرها..
استمع إلياس إلى صوت صراخها فنزل الدرج سريعا وجدها تجلس على الأرضية وصوت بكاءها يشق القلوب في محاولات من أرسلان بمساعدتها الوقوف..
أنا عايزة بنتي هي بنتي أنتوا مش ولادي هي بس هي اللي كانت بتمسح دموعي وبتهونها عليا أنتوا مين!..أنا معرفكمش حتى ابني البكري مكنتش بهمه وكان بيعاملني على إني عدوته أنا عايزة ميرال يامصطفى زي ماضيعت بنتي ترجعالهي.
انحنى يرفعها من فوق الأرض بينما ابتعد أرسلان وهو ينظر إليها بذهول وحديثها الذي أدمى قلبه توقفت بجسد يرتجف وحال عيناها كزخات المطر وقعت عيناها على إلياس الواقف على الدرج ينظر بتيه وكأنها وضعت سيفا على عنقه تقابلت العيون في حديث مؤلم رغم عدم البوح به إلا أن النظرات كانت كفيلة به.
ولجت غادة من الخارج تطوف بنظراتها بين الجميع ثم تساءلت
فيه إيه!..ركضت إلى فريدة تلقي نفسها 
ماما حبيبتي أخيرا خرجتي من أوضتك حمد الله على السلامة. 
ضمتها بحنان أمومي ونظرت إليها بعيونها الدامعة 
أنا كويسة حبيبتي كويسة..قالتها وابتعدت عن مصطفى تستند على الدرج وصعدته وهي تردد
أنا كويسة أنا كويسة..وصلت إلى وقوف إلياس وتوقفت أمامه 
لسة واقف عندك ليه..إيه مش لميت حاجتك. ياله مع السلامة وخد أخوك معاك أنا عيشت من غيركم وهفضل أعافر في الدنيا من غيركم..فريدة مش منتظرة حد فيكم.. 
تمتمت بها وصعدت باقي الدرج اقتربت غادة من والدها وتساءلت
باباماما فريدة مالها..وقعت عيناها على صعود إلياس..هرولت إليه 
إلياس..توقف يواليها ظهره..وصلت إليه وتمتمت بنبرة باكية
وحشتني أوي. 
أغمض عينيه وقبض على كفيه للحظات محاولا السيطرة على نفسه ثم استدار إليها 
عاملة إيه ياغادة. 
صعدت إلى أن وقفت أمامه مباشرة
مش كويسة أخويا الكبير منعزل عن العالم وأخويا الصغير تايه وأنا ضعت معاكم فين إحنا. 
تجمعت العبرات في عينيه وهمس بتقطع
إحنا مين..لو تقصدي ولاد السيوفي ماتجمعينيش معاكوا أما لو تقصدي أخوكي اللي بتقولي عليه فأنا مش أخوكي اقنعي نفسك بدا..
دنت وكأنها لم تستمع إلى مانطقه تبكي بشهقات مرتفعة
لا إنت أخويا الكبير وغصب عنك وعن أي حد وأنا هفضل أختك سواء رضيت ولا لأ..بكت وبكت حتى ارتجف جسدها بتجمد حواسه بالكامل وشعوره بأن أحدهم كبله بالقيود ولم يقو على ما فعلته.. همست بنبرة باكية
غادة..تمتم بها بتقطع..هزت رأسها بالرفض وهتفت بصوتها الباكي
أنا ماليش دعوة باللي بيقولوه إنت أخويا دا اللي أعرفه وبس أنا كبرت والياس أخو غادة.. 
ة 
يعز عليا دموعك حبيبة أخوكي بس خلاص إنتي كبيرة وعارفة إن دا مينفعش إنتي غادة مصطفى السيوفي وأنا إلياس جمال الشافعي.. 
إلياس..متسبنيش هي سابتني وإنت كمان..عايز تسيبني زيها..
غادة مش تصعبيها عليا بيتي هيفضل مفتوح لك في أي وقت بس مبقاش ينفع حبيبتي لازم أمشي من هنا..
هزت رأسها بالرفض وقالت باعتراض
أنا مش موافقة أنا عرفت اللي حصل بينك وبين بابا بابا ميقصدش والله صدقني..
مش كدا يابابا..قوله حاجة..
صعد إلى الغرفة دون النطق بحرف واحد..تراجعت غادة تشير إلى سرابه 
بابا هتسيبه يمشي كدا!!. بابا اعمل حاجة..
ولكنه استدار متجها إلى غرفة مكتبه وكأنه لم يستمع إلى شيء..
بمنزل يزن وخاصة بغرفة أولاده..
قامت بتبديل ثياب أبنائها ثم دثرتهم بالغطاء وقبلت كل واحد على حدة
ياله حبايب مامي عايزين ننام بدري علشان نكبر بصحة كويسة.
حاضر مامي..أردف بها آسر بينما رفعت طفتلها كفيها لتتشابك أناملها بعضها البعض
مامي هو بابي هيجي إمتى.
ملست على خصلاتها بحنان وردت عليها
هيخلص شغله حبيبتي ويجي ياله نامي ولما يوصل هيدخلكم.
حاضر طيب مش هتحكي لنا حدوتة حضرتك وعدتيني. 
انحنت تقبلها على وجنتيها ثم قرصتها قائلة
مبتنسيش أبدا ياقردة.
قهقهت الطفلة ليرتفع صوتها حتى يصل إلى أذنه وهو يترجل من دراجته البخارية التقطت عيناه جلوس رؤى بالحديقة خطا إليها 
رؤى.
أزالت دموعها وتوقفت مستديرة إليه 
حمد الله على السلامة يايزن.
قاعدة في البرد ليه حبيبتي. 
هزت كتفها وأجابته
مفيش حبيت أشم شوية هوا وقولت أستناكم هو طارق لسة مارجعش.
حاوط جسدها ودلف للداخل وهو يتحدث
هيجي بكرة كلمني وقال راحت عليه نومة ومفيش حجز النهاردة.. 
أومأت متفهمة ثم توقفت
مفيش أخبار جديدة على ميرال. 
هز رأسه بأسى وتجلى الحزن على ملامحه مردفا
للأسف مفيش رغم كل اللي عملناه.
أوعى تقولي إنها كدا خلاص مبقتش هشوفها لا يايزن ميرال أكيد عايشة.
وأزال دموعها قائلا
رؤى إحنا مش ساكتين بس بعد الأيام دي كلها ماأظنش إنها لسة عايشة النيل كبير جدا ممكن تكون المية رمتها بعيد.
لا..أنا متأكدة لو زي ماإنت بتقول كان إلياس لقاها ميرال عايشة وهي اللي بتقنع الكل إنها ماتت بعد اللي حصل.. 
ضيق عينيه مستفهما عما نطقته
مش فاهم..إنتي تقصدي إيه. 
الموضوع يخص طارق الصراحة طارق كان معجب بغادة وقالي وأنا رحت قولت لميرال وهي حكت لإلياس ومش بس كدا طارق راح لإلياس وقاله كمان معرفش إلياس قال لعمو مصطفى إيه خلاه يرفض وقال كلام جارح علينا كلنا وميرال سمعته بالصدفة..
إيه اللي بتقوليه دا!! مين اللي قالك الهبل دا!.
النهاردة سمعت أرسلان بيتكلم مع غرام وأنا في فيلا السيوفي..
مفهمتش حاجة إيه اللي يجيب ميرال في الموضوع. 
قطع حديثهم وصول رحيل التفت إليها 
الولاد ناموا.
هزت رأسها وقالت
سألوا عليك يبقى شوفهم حاول ترجع بدري شوية أنا هنام عندي سفر لشرم الشيخ بكرة عندي اجتماع مهم والنانا مش هتيجي بكرة شوف واحدة تانية.
وإيه لازمة السفر..مش طارق المسؤول عن السفر. ولا دا كمان علشان تعاندي أنا مش موافق. 
يزن اهدى..تمتمت بها رؤى التفت إليها
إنتي مالك أنا بتكلم مع مراتي اطلعي فوق..ثم استدار إلى رحيل
اسمعيني كويس مش معنى إني وافقت علشان تنزلي الشركة يبقى راضي غير لبس المدام الزبالة سفر مش موافق والله لو أخليكي تقفليها ومن غير وجع دماغ..آه أنا متخلف من الآخر كدا مفيش سفر ولا مبيت خارج البيت..
ظلت تستمع إليه بهدوء إلى أن انتهى ثم قالت
طلقني يايزن وولادك هتشوفهم وقت ماتحب أنا مبقتش قادرة أتحملك حقيقي أتمنى بكرة نخلص من كل حاجة..وياريت المرة دي نعقل حاولت أتغاضى كتير علشان ولادي لكن حقيقي طاقتي استهلكت ومقدرش أنحني ولا آجي على كرامتي أكتر من كدا. 
فتح فمه للرد ولكنها رفعت إصبعها أمامه واستأنفت بنبرة تنزف كل 
مابداخلها
أنا كنت مقررة من فترة بس موضوع ميرال خلاني أجل ووعد..ولادك وقت ماتحب تشوفهم في أي وقت هتشوفهم ودا مش علشانك أبدا دا علشان ولادي أنا خلاص مبقتش متحملاك أكتر من كدا.. 
قالتها وهرولت للداخل دون أن تلتفت خلفها بينما هو تسمر بمكانه هل ماوقع على أذنه حقيقة أم خيل له كلماتها..دقيقة اثنتان وهو بمكانه غير مستوعبا ماتلفظته هل حقا سيخسرها مرة أخرى..فاق أخيرا على رنين هاتفه 
أيوة. 
يزن يبقى عدي الصبح على بيت إلياس هو قالي أقولك وبلغ طارق كمان. 
طارق مش هنا مسافر الإمارات.
تمام لازم تكون موجود الصبح قبل الشغل الموضوع مهم. 
أرسلان إيه اللي سمعته دا حقيقي عمو مصطفى قال لميرال كلام جارح!! 
لما تيجي الصبح هتعرف.
قالها أرسلان وأغلق الهاتف..أما يزن فصعد إلى غرفتها دفع الباب دون طرقه ودلف للداخل بحث عنها ولكنه لم يجدها استمع إلى صوت المياه بالداخل علم أنها بالحمام..
خرج إلى الشرفة وأشعل سيجارة كلا 
صدمه ردها فهز رأسه قائلا
متعليش صوتك أنا كنت خارج أصلا.. 
قالها وغادر بخطوات جنونية كالذي يهرب من عدوه.
بفيلا الجارحي.. 
دلف للداخل يشير إلى أطفاله
ياله على نانا بسرعة..ركض بلال ينادي 
تيتا صفية إحنا جينا.
خرجت ملك على صوت بلال فتحت ذراعيها 
حبيب عمتو جه يامامي. 
ألقى الطفل نفسه بأحضان ملك لترفعه وتقبله مع مداعابتها
مين حبيب ملوكة. 
صفق بلال يشير إلى نفسه 
بلال..ضمته بحب قائلة
أحلى بلال حبيب عمتو دلف أرسلان بجواره غرام
عاملة إيه ياملوكة وفين ماما صفية..
أشارت إلى الأعلى وقالت
فوق مع دينا عمو جابها من

شوية شكلها تعبانة. 
التفت إلى غرام وأردف
اطلعي شوفي مالها..
باليوم التالي وخاصة بعد شهر من حادثة ميرال..
دلف إلى منزله بخطوات متثاقلة يشق طريقه بصمت موجع..أشار إلى الخدم دون أن ينظر إليهم
طلعوا الشنط فوق.
ثم استدار ناحية يوسف وحن صوته رغم أحزانه
حبيبي...اطلع أوضتك غير هدومك والنانا هتساعدك لو احتجت أي حاجة.
اقترب منه الطفل بخطا صغيرة وعيناه تبحث عن أسئلته الصغيرة باختفاء والدته
بابا...ماما هترجع إمتى
تيتا قالت قريب...عدى كتير ولسه مرجعتش...
انحنى إليه وجثا على ركبتيه بذراعه محاولا أن يتشبث ببقايا روحه وهمس بصوت
مخنوق
يوسف..ياحبيبي إنت كبرت وبقيت راجل مش كدا..سحب نفسا وتابع
ماما بعيدة قوي...ومحدش عارف هترجع إمتى.
ممكن بكرة...أو بعده...أو حتى بعد سنة...
سكت حينما شعر بأن الهواء انسحب من حوله وغصة حارقة اعتصرت حنجرته فتمتم بكلمات مثقلة بالوجع
أو.. ممكن ماترجعش.
شهق الطفل وارتجفت شفتاه
يعني إيه يابابا يعني...يعني ماما راحت عند ربنا
ارتعش جسده بانتزاع روحه من كلمات طفله فقال بسرعة خشية أن ينهار
لأ ياحبيبي لأ... إن شاء الله لأ..
إن شاء الله تكون قريبة وترجع بسرعة.
طالعه يوسف بحيرة وتمتم متسائلا
حضرتك كنت زعلان من ماما
علشان كده
 

تم نسخ الرابط