رواية شظايا قلوب محترقة بقلم سيلا وليد الجزء الاول
ليه أنا اللي طلعت من بين إخواتي بيكم حتى رؤىأمها ست نضيفة وشريفة ليه أنا اللي كان لازم أتحمل حقارتكم!
أدارت ظهرها ثم صرخت أخيرا قبل أن تختفي
أنا بكرهك يارانيا وبكره راجح وبكره حياتي كلها بسببكمربنا يخلصني من الدنيا دي.
قالتها واختفت خلف الباب وتركت رانيا كتمثال محطم يهوي على المقعد تمسح عرقها بأنامل مرتجفة والذهول يغمر ملامحها..تتمتم لنفسها كأنها تستعيد الوعي
عملت إيه في البنت يابن فريدة إيه اللي وصلها لكده!
سمعت همسات السجانة تلوح لها وتهمس بإلحاح
يلا يارانيا قبل ما حد من الضباط يشوفك وتبقى كارثة.
رفعت عينيها إليها قالت بصوت مبحوح
عايزة تليفون ضروري وصدقيني هديكي قد اللي فاتبس لازم أعمل مكالمة دلوقتي.
نظرت السجانة حولها ثم أشارت لها
طيب روحي الحمام وأنا وراكي.
بعد دقائق فتحت باب الحمام وراقبت المكان ثم سلمتها الهاتف بهمس
بسرعة..لو حد شافك تبقى مصيبة.
هزت رانيا رأسها ثم رفعت الهاتف وأدخلت رقما حفظته عن ظهر قلب رقما نزعته من بين أوراق قديمة ككنز مخفي...
قربت الهاتف من أذنها ثم همست
مختار باشا
عند ميرال خرجت بجسد يترنح تستند على الجدران إلى أن وصلت سيارتها توقفت متجمدة تشعر بأن الدماء تجمدت بعروقها
بعدما سمعت صوت المسؤل عن السجن وهو يركض خلفها
مدام بلغي سلامي للباشا الكبير مصطفى باشا السيوفي أنا حاولت أكلمه دلوقتي علشان أعرفه لكن ماليش الشرف أسمع صوته هنا فقدت الاحساس بالحياة توقفت صامتة جامدة وكأنها على حواف الانهيار كل مافعلته هزت رأسها محاولة كبح دموعها أمام الرجل لكن داخلها يصرخ ويصرخ ودت لو تصرخ وتملأ الدنيا بصراخها على ما تشعر به استدارت إلى سيارتها وهي تعاني بارتجاف كامل بجسدها
امشي من هنا بسرعة امشي ياميرال مابقاش ليكي حياة معاهم..قالتها وصعدت سيارتها وقادتها تسير بها بين الطرقات والأمكنة حتى توقفت أمام النيل لدقائق تنظر إليه بصمت ثم ترجلت تسحب وشاحها خلفها كأنها تجر ثقل حياتها المكسورة..
وقفت على الضفة تحدق في المياه بعينين زائغتين
هينفع أرمي نفسي وأرتاح
ولا أعيش عاهة في حياة جوزي وابني
وضعت كفيها على بطنها بعدما تذكرت طفلها وجنينها وقالت من بين شهقاتها
عارفة يايوسف...إنت ملكش ذنب وأنا والله يابني ماكان ليا ذنب
بس محدش بيختار قدره..كله قدر ومكتوب..متأكدة إن ماما فريدة هتربيك كويس وباباك كمان..دموع فقط تنساب على وجنتيها وهي تتخيل حياتهم دونها..
نظرت إلى صورتها المنعكسة في الماء ثم التفتت إلى سيارتها..
لحظات وعادت إليها أدارت المحرك...
ثم رن الهاتف مرة أخرى..
بسطت كفها المرتجفة وضغطت للرد..
لتستمع إلى صوت متيمها يبدو أنه يعاني مثلها أغمضت عينيها ودموعها تعلم مجراها وهي تستمع إلى نبرته الضعيفة
حبيبتي إنتي فين
أنا بحبك أوي ياإلياس...همست بها بضعف ثم تابعت صدقني إنت أكتر حد حبيته في حياتي..
ولو بتحب ميرال...لازم تسامحها.
يوسف..ابني...خليه في حمايتك.
قالتها ثم شهقت شهقة من أعماق وجعها..
متزعلوش مني...حافظ عليه..
لو بتحب ميرال بجد متئذيش الولد.
هنا شعر وكأن أحدهم يطوقه بطوق من النيران ليهتف بتقطع غير مستوعبا مانطقته
ميرال..حبيبتي أنا جايلك دقيقتين وهكون عندك...
إنتي فين أرجوكي حبيبتي قولي إنتي فين
مبقاش ينفع يابن عمي مش إنت ابن عمي ياالياس تنهدت بغصتها التي تلتهم داخلها وتابعت حديثها
على قد ماكنت أسعد واحدة إنك قريبي على قد ماكرهت القرابة دي إلياس أنا ماليش ذنب.
ميراااال..صرخ بها يهتف بقلق
حبيبتي إنتي فين! نطقها بعجز وأنفاس مرتفعة ناهيك عن قلبه الذي يرتجف من الرعب عليها..
افتح الكاميرا ممكن..
لم يدعها تكمل حديثها ليفتح كاميرا هاتفه اتسعت حدقتاه بفزع حقيقي وهنا انهارت كل الحواجز وهو يراها بتلك الهيئة وكأنها لوحة مرسومة من الألم ياالله ماهذا الذي اراه ربي لقد نخر عظامي بقسوة مارأيت هل هذه زوجتي خصلاتها التي تطير بفعل الرياح بشكل عشوائي على وجهها عيناها المنتفخة من البكاء وأنفها الذي أصابه الاحمرار كالذي يعاني من حمى شديدة وملابسها الرثة التي أظهرت بعض جسدها وهي غير واعية بما يدور حولها لمس وجهها بأنامله
ميرال..تمتم بها وعيناه تحتضن كل إنش بها..ليزيد انين آلامه اضعاف مضاعفة وعيناه تموج بغضب يريد أن يحرق نفسه لما أصابها..
طالعته بنظرات فقط كأنها تحفظ كل انش به وراحت عيناها تطوف عليه رغم الألم الذي انبثق منها إلا أن الهدوء الذي تملكها جعل اضطرابها النفسي يزداد...دقيقة وهي تنظر إليه بصمت تنظر إليه وهو يتحدث
حبيبتي متخوفنيش عليكي
ابتسامة حزينة بعيون لامعة بالدموع لتتقابل الأعين في ألم استوطن قلوبهم قبل ملامحهم..لتقول
ميرال خلاص مالهاش مكان في حياتك ياالياس...أنا كنت عارفة السعادة مش ليا كنت حاسة علشان كدا عيش... وأنا مسامحاك.
ميرال متعمليش فيا كده يا روحي...مش أنا حبيبك
في حد بيعذب حبيبه بالشكل ده!
إنت بتحبني بجد ياإلياس
قالتها وعيناها تعانق عيناه المذعورة عليها
صرخ صرخة مزقت سكون الليل واخترقت قلبها
أنا بعشقك...وحياة ربنا بعشقك!
أغمضت عينيها مبتسمة وهمست بنبرة مغموسة بالألم
وأنا كمان بحبك...سامحني
ياحبيبي.
قالتها وأغلقت الخط ثم ضغطت على دواسة الوقود..ليتوقف نبض قلبه عما يدور بعقله التقط شاطئ النيل من خلال الفيديو ولكن أين..شعر بالعجز..بكل شعور القهر الذي أفقده القدرة على التماسك..ضرب على المقود والعجز بداخله محا الأبجدية داخله فبدا كمرجل يغلي من نيران الفقد الذي رسمه عقله من خلال كلماتها..هنا صرخ كالذي فقد كل مايملك وقاد السيارة بسرعة جنونية رغم أنه لا يعلم أين وجهته ولكن تحرك بالسيارة دون هدى..
دوى رنين هاتفه ليشق الصمت
إلياس عرفت مكان ميرال وأنا رايح لها هبعت لك اللكويشين.
أرسلان ميرال هتموت نفسها كلمتني الحقها دي مش حاسة بتعمل إيه.
حاضر أنا خلاص قدامي عشر دقايق..
بعد فترة وصل أرسلان إلى الموقع الذي دلت عليه إشارة هاتفها ترجل من سيارته بارتباك يدور حول نفسه يبحث بعينيه ثم رفع هاتفه إلى أذنه
شوفلي التليفون اللي عندك على الجهاز...فين مكانه
لم تمر سوى لحظات حتى جاءه الرد
في نفس المكان يافندم.
تقدم بخطا متوجسة نحو الشاطئ يبحث بعينيه بقلق متصاعد..وفجأة توقف وتسمرت عيناه على آثار عجلات واضحة في الطين تتبع الخطا ببصره...حتى رأى ماجمد الدم في عروقه..سيارة تسقط من فوق الضفة..وهنا صدمة كادت أن تزهق روحه وهو يرى أن السيارة لم يظهر منها سوى جزء قليل بالكاد يرى وتبدأ بالاختفاء الكامل تدريجيا..
تصلب في مكانه كأن كل شيء حوله قد توقف..وانحبست أنفاسه وعقله يرفض التصديق..
هل يعقل!.
هل هذه سيارة ميرال!
هز رأسه بعنف
لا..مستحيل مش ممكن..أكيد مش هي..
قالها مع وصول إلياس الذي ترجل من السيارة يركض نحوه وقلبه يرتجف من الخوف بشعور غامض مرعب وما إن وقعت عيناه على أرسلان الواقف كالتمثال حتى انكمش قلبه ليهمس
أرسلان!
همس بها بصوت أثقل من أنفاس صدره وعيناه تتنقل بين أرسلان... وبين المياه.
استدار إليه أرسلان ببطء ينظر إليه بعينين متسعتين تطل منهما دموعا على وشك الانفجار..لم يتكلم لكنه رفع هاتفه مجددا وضغط الرقم
عايز فريق إنقاذ نهري فورا...العنوان ......
في تلك اللحظة...التفت إلياس سريعا ينظر إلى المياه..
هل شعر أحدكم من قبل بخنجر بارد يغرز في منتصف الصدر
لا يخترق بسرعة بل يتحرك ببطء... يمزق الأعصاب تمزيقا
بل اقسم لك عزيزي القارئ إن هذا المشهد اصعب من أن يتخيله عقل أنه نزيف روح وانسحاب انفاسا ببطء كالذي يرتقي إلى ربه وأعماله اسوء مايكون
هذا ما شعر به إلياس حين سمع كلمات أرسلان وهو ينظر إلى الماء..يرى اخر جزء من السيارة بإختفائها كاملا
شهق...شهقة مبحوحة محشوة بالوجع ثم فجأة ودون تفكير...
ألقى بنفسه في المياه
كأنما يحاول أن ينقذ روحه قبل أن تغرق مع جسدها...
بمنزل يزن قبل ساعات..
صعدت إلى غرفتها بعد نطقه لكلمات شطرت قلبها سحبت عقدها بقوة تنزعه من عنقها لينفرط حبيباته تتساقط ويرن صوتها على الأرضية لتجلس تبكي بشهقات مرتفعة مما جعلها تضع كفها على فمها تمنع بكاءها..
بينما عند يزن..
دلف إلى غرفته بأنفاس مرتفعة كالمتسابق بمارثون رياضي يحدث نفسه
إيه اللي عملته دا إنت عايز إيه مش كفاية وجع قلب لحد كدا
أطاح الكوب الذي يوضع على الكومودينو بكفه بغضب ونفرت عروق رقبته مما ثارت نيران غضبه
التي لو خرجت لأكلت الأخضر واليابس..
ارتفع رنين هاتفه..نظر إليه وجده أرسلان تراجع بجسده يستند على الجدار خلفه رغم تكرار الرنين ولكنه لم يكترث مرت دقائق معدودة ليرتفع رنينه مرة أخرى نظر إليه وجده طارق..
ظل ينظر إلى الهاتف وهو لايريد أن يتحدث مع أحد رنين متواصل مما جعله يلتقط الهاتف
أيوة ياطارق..
عربية ميرال غرقت في النيل يايزن وبدوروا على جثتها في النيل تعال علشان نشوف جثة أختك فين..
نظر للهاتف ثم ضيق عيناه وكأنه لم يستوعب ماالتقطه سمعه..
ماذا قال هذا المعتوه وعن أي ميرال يقصد أفاق من حديثه مع نفسه على صراخ رؤى
عايزة أروح لها ياطارق أكيد فيه حاجة غلط وديني عند ميرال ياطارق..
هنا هب من مكانه وكأنه استوعب ماقيل
طارق إنت قولت إيه!.أنا سمعت غلط صح!.
ميرال لقيوا عربيتها في النيل وبيدورا عليها لسة أرسلان قافل معايا.
لا..لا..لا قالها بصراخ اهتزت جدران المنزل على أثره..
أكيد مش حقيقة لا..ميرال لا..فين الكلام دا ابعتلي المكان بسرعة..
استمعت
ركضت خلفه حافية القدمين
يزززن لكنه أكمل طريقه وهو يهمس لنفسه
أكيد مش هتعملي في أخوكي كدا أكيد ياميرال مش هتكسريني كدا لا..فيه حاجة غلط..
وصلت إليه وتوقفت أمامه تفرد ذراعيها لتوقفه
يزن إيه اللي حصل.
نظر إليها بدموع فقط اقتربت منه بعدما وجدته بتلك الحالة
إيه اللي حصل مين اللي كان بيكلمك..
ميرال عربيتها وقعت في النيل لازم ألحق أختي..
شهقت بذعر وعينيين جاحظتين..
ميرال!!..يزن قالتها وركضت خلفه بهيئتها توقف مستديرا إليها
رايحة فين.
هاجي معاك..طاف بعينيه على هيئتها ثم أشار إلى الداخل
ادخلي جوا ومش عايز كلمة
واحدة هنسيب الولاد إحنا الاتنين..
فتحت فاهها للحديث ولكنه أشار إليها
مسمعش صوتك جوا..قالها وصعد إلى سيارته وقادها خارجا من المنزل.
في قصر الجارحي..
كان الجميع على طاولة الغداء ولكن قطع صمتهم صوت ملك
بابا فيه موضوع عايزة أكلم حضرتك فيه...
لكنها توقفت عن الحديث بعدما ارتفع رنين هاتف إسحاق فالتقطه ونظر إلى الشاشة التي أنيرت بصورة أرسلان رفع عينيه نحو غرام وسأل
هو أرسلان فين.
هزت كتفيها بقلق وقالت
معرفش نزل النادي من ساعتين ولسة مرجعش قام بالرد على الهاتف
أيوة ياعمو
جاءه صوت أرسلان باكيا مختنقا بالدموع
عمو اتصرف بسرعة وابعتلي فريق غطاسين اللي جم مش قد المسؤولية..
هب إسحاق واقفا مذعورا
أرسلان مالك! فريق غطس إيه!
ميرال...ميرال مرات إلياس وقعت بالعربية في النيل ومش عارفين نوصلها إحنا بنموت هنا..
انطلق إسحاق خارج القصر وهو يتحدث إليه
أرسلان إنت فين ابعتلي العنوان
ياحبيبي وأنا هتصرف حالا.
ركضت غرام خلفه تنادي باسمه بقلق
عمو إسحاق..
توقف والتفت نحوها كانت تهرول إليه بقلب يرتجف خوفا وخلفها فاروق وصفية توقفت تتنفس بصعوبة وتساءلت بصوت مرتجف
في إيه!
لكن فاروق قاطعها وقد بدا القلق على وجهه
إسحاق خير! وفين أرسلان.
مش خير أبدا..كل اللي فهمته إن ميرال مرات إلياس وقعت بالعربية في النيل..
شهقت غرام بينما خرجت همهمات مصدومة من فم صفية وانهمرت دموع غرام بعنف تهز رأسها رافضة تصديق ماتسمعه
لا مستحيل إزاي! إزاي تقع في النيل!
ركب إسحاق سيارته وانطلق عاجزا عن الرد على أي سؤال..
عند إلياس
قفز كمن فقد عقله يغوص في ظلمة النيل كأنها احتوته لتكون قبره معها..
صرخ بصوت خرج من قلبه لا من حنجرته صوتا لا يشبه البشر بل صوت قلب انتزع منه نبضه عنوة
ميرااال!..
اخترقت صرخته سكون النيل وتزلزل ضفافه..
وصل إلى السيارة الغارقة في قاع النيل تفحصها بعينين تلتهمها كأنها الحاجز بينه وبينها ضرب زجاجها بجنون كأن انكسار زجاجها يعيدها إليه..
نزفت يده كحال قلبه ياالله ماأقسى من أن تلمح الموت يبتلع من تحب ولا تملك غير العجز.
دار حول السيارة يسبح كمن يبحث عن أنفاسه كمن يريد أن يعود نبضه الذي توقف عن الحياة..
ثم رفع رأسه من الماء صارخا باسمها يشعر باختناق روحه
ميرااال..
وصل إسحاق الذي راقب المشهد منذ ترجله من السيارة ليهمس باسم أرسلان لكن عينيه كانت معلقة بالماء لا يشعر سوى بالضربة القاضية التي تقضي على أخيه من فقدان زوجته..
أرسلان..تمتم بها إسحاق مرة أخرى وهو يقترب منه ورغم ذلك لا يسمع إلا نداء أخيه الممزق باسم زوجته
وضع كفه على كتف أرسلان الذي مازال يراقب حركات إلياس بالمياه
رفع عينيه المحتجزة بالدموع يشير إلى إسحاق
عربيتها في المية ياعمو..
نطقها أرسلان بصوت مبحوح مع وصول فريق الإنقاذ
ليصرخ بهم
بسرعة..يمكن لسه عايشة...
فين إلياس
تساءل إسحاق ليشير أرسلان للماء بخوف
نزل...ومش عارف راح فين كان هنا من شوية..
في تلك اللحظة خرج إلياس إلى سطح الماء بجسد يرتعش ووجهه كأنما خرج من كابوس يلتفت في كل اتجاه يناديها كمن فقد ذاكرته
ميرااال.. دقائق تالية كانت مجرد هامش لتلك الحياة التي تحاول أن تسلب روحه وتدفنه بقبر دونها واقع مرير يشعر به ويسحبه إلى هوة سحيقة وهو يكاد يجن من عدم ايجادها
نزع أرسلان سترته وتمرد على صوت العقل وقلبه يصرخ مش هسيبه لوحده!
أمسكه إسحاق قائلا
هتعمل إيه!..فريق الإنقاذ كله تحت..
تخلص من قبضة إسحاق وقفز بالمياه دون أن ينطق ظل يسبح إلى أن اقترب من إلياس حاول أن يمسكه ويقنعه بالخروج ولكن إلياس لم يكن هنا كان غارقا بمرار فقدانها أمسك ذراعه وقال
إلياس...الإنقاذ جه هيلاقوها...
لكنه صرخ في وجهه
هي مين! دي مراتي أنا إنت مجنون!! تاه بنظراته بالأرجاء والظلام بدأ يغطي سطح النيل يهمس لنفسه بحزن بس هي راحت فين!!
ظل يدور بعينيه بجنون وهو يتخيلها تطفو فوق المياه ليتبع سراب جسدها..يسبح ويصرخ وهو يغوص و يضرب الماء كأنها الحاجز بينه وبينها ليشعر هنا بأن النيل صار عدوه الأبدي.
ثلاث ساعات وهو يبحث عنها والوقت يطحن قلبه كل دقيقة تمر كأنها عام من الجحيم..
فقد رجال الإنقاذ أثرها بعدما استخدموا كل أساليبهم فاتجهوا إليه
يحاولون إخراجه لكن من يخرج قلبا قرر أن يدفن حين توقف نبضه..
لم يقوى على فكرة فقدانها يشعر بوحوش داخله تترجاه بالمكوث نحوها
سحبه أرسلان من ذراعه بعدما وجد ملامح الإرهاق على وجهه
إلياس..اطلع وفريق الإنقاذ بيدور..
ابعد عني..
قالها إلياس يدفع أرسلان بآخر ما تبقى فيه من قوة ثم عاد يغوص... كأنه يريد أن يدفن معها أو لا يخرج إلا بها..
رآهم إسحاق الذي صرخ الألم داخله يشير إليهم
خرجوه..خرجوا حضرة الظابط حتى لو غصب عنه..
لكنهم لم يعلموا أن مابداخل إلياس لم يعد إنسانا...بل بركانا من الألم انفجر بكل ماتبقى منه...لم يكن رجلا غرق في حب بل دفن بالألم الذي نزع روحه وهو يدفع ويصرخ بهم بجنون
عايز مراتي..
لم يتحمل إسحاق ذلك المشهد فقام بنزع جاكيت بذلته ونزل المياه في محاولة للسيطرة على حالة الذعر التي أصابت إلياس وصل إليهم ولم ينطق بحرف واحد نظر إلى أرسلان الذي فهم نظراته ليقترب منه وبحركة واحدة فعلها أفقده وعيه..ثم قام بإخراجه من المياه مرت ساعات والخبر تسلل إلى بعض الصحف ليتم نشر الخبر انقلاب سيارة ميرال السيوفي بالنيل في ظروف غامضة..
وصل الخبر إلى إسحاق الذي سيطر على الخبر وتم حذفه من جميع وسائل الإعلام وتولى بنفسه المراقبة عن أي أخبار تخص عائلة السيوفي
بينما بفيلا السيوفي قبل عدة ساعات.. بعد خروج إلياس للبحث عن ميرال
اقتربت فريدة من مصطفى وعيناها تلقيه بوابل من الأسئلة إلى أن قاطعهم إسلام
ماما فريدة الورق دا وقع من ميرال خليه معاكي لما ترجع..بسطت كفها تسحبه من يده ليقع بصرها على صورة جنينها ابتسمت وتورد وجهها
ميرال حامل!!.
هنا ارتجف جسد مصطفى وهو ينظر إليهم بأسى ثم أردف بنبرة مختلطة بالأسف والحزن
مش هقدر أتغدى معاكم أنا تعبان هطلع أرتاح شوية..
أمسكته فريدة تنظر إليه باستغراب
مصطفى مالك فيه إيه!..إنت تعبان وليه كنت بتزعق لإلياس!..ولكن قاطعهم دخول غادة
مساء الخير..تمتمت بها مبتسمة..رفع مصطفى نظره إليها وقال
غادة تعالي عايزك في المكتب..
ضيقت عينيها تتطلع إلى فريدة
بابا ماله!..
معرفش يابنتي حتى إلياس كان هنا وصوتهم كان عالي.
أومأ إسلام قائلا
أيوة فعلا أول مرة أشوف بابا وإلياس بالحالة دي.
ربتت فريدة على كتفه متمتمة
عادي حبيبي بيحصل ياما بين الأب وابنه اطلع غير هدومك لحد ماأخوك يرجع هو ومراته علشان نتغدى ثم اتجهت بنظرها نحو غادة
وإنتي حبيبة ماما ادخلي لبابا اتأسفي له الأول على اللي قولتيه من كام يوم وعلى فكرة هو خلاص مش هينقل من الفيلا دا كان اقتراح إسحاق الجارحي والله أنا ماكنت أعرف زيكم بس حليناها مقدرش أبعد عن البيت اللي شوفت فيه السعادة الحقيقية لو مكنش معاكم ياأستاذة غادة يبقى مع أخوكي اليأس على رأي ميرو..
اقتربت غادة تحتضنها
آسفة ياماما أنا مقصدتش أزعل حد والله كنت مخنوقة ومعرفش اتكلمت معاكم كدا إزاي حتى إلياس كمان زعلان مني..
مسدت على رأسها مع قبلة حنونة على وجنتيها
مش زعلانة منك إنتي بنتي حبيبتي اللي مقدرش أزعل منها المهم ادخلي اتأسفي لبابا علشان شكله زعلان أوي وجابها في أخوكي ياأستاذة..
حاضر ياماما..قالتها ودلفت للداخل بينما نظرت فريدة إلى صورة الجنين تتمتم
ياترى إيه اللي حصل خلى ميرال تخرج بالطريقة دي وإيه اللي حصل مع إلياس ومصطفى..أدخل أسأل مصطفى ولا أستنى لما إلياس يرجع..
فركت جبينها بإرهاق واتجهت إلى المقعد جلست عليه ورفعت هاتفها تحاول مهاتفة إلياس مرة اثنتان ثلاثة ولكن لا يوجد رد..
شعرت فريدة بالتوتر فنهضت واتجهت إلى غرفة مكتب مصطفى..
وضعت كفها على مقبض الباب تستعد لفتحه...لكن فجأة خرجت غادة تركض صاعدة إلى الأعلى ودموعها تنساب على خديها.
توقفت فريدة في مكانها تنظر بقلق إلى ركضها المفاجئ ثم هتفت منادية بصوت مضطرب
غادة!! حبيبتي إيه اللي حصل!
في تلك اللحظة خرج مصطفى بدوره من المكتب متوجها إلى الأعلى بخطوات سريعة..
أمسكته فريدة من ذراعه تتفحص ملامح وجهه بعينين ممتلئتين بالقلق
مالها غادة إيه اللي حصل!
لكن مصطفى اكتفى بجملة مقتضبة حاول أن يبدو هادئا وهو يهم بالابتعاد
فريدة لو سمحتي...أنا تعبان نتكلم بعدين.
بس..
قاطعها وهو ينزل كفها عن ذراعه
لو سمحتي...
قالها بتحفظ ثم تحرك مسرعا إلى غرفته.
ظلت هي واقفة مكانها تراقب خطواته
هو فيه إيه بالضبط شكل الموضوع كبير...
وفجأة لمعت في ذاكرتها صورة دموع إلياس التي رأتها سابقا...فحاولت الاتصال به مجددا بيد مرتجفة.
عند إلياس...
بعد أن أخرجه إسحاق وأرسلان من المياه وضعه أرسلان على الشاطئ بمساعدة إسحاق..
لم تمر سوى دقائق معدودة حتى عاد إليه وعيه تدريجيا...اعتدل وجلس أرضا لا بقوة الجسد بل بثقل الروح جسده يرتجف كما لو أن عظمه ينهار قطعة قطعة حاول النهوض ولكن قدرته تهاوت وضعفت ترنح جسده وخطا يجر أقدامه بصعوبه..ينظر إلى ظلمة النيل..مد يديه للماء...
وصوته خرج مشروخا ممزقا كأنما حلقه يحترق
ميرااااال...!!
لكن إسحاق أمسكه بقوة ودفعه للخلف صارخا فيه
إلياس..فوق بقى إنت مجنون مراتك مش هنا ممكن النيل يكون رماها بعيد...أو يمكن ما كانتش في العربية أصلا.
فريق الإنقاذ شغال...اهدى شوية إنت مش شايف نفسك!
هز رأسه رافضا حديث إسحاق وعيناه لا تفارق النيل الذي باتت ظلمته كظلمة القبر..ترقرقت عيناه بالدموع يحدق فيه كأنها ستخرج منه...علها تطفو بقساوة قلبها الذي رمته بها إلى غيابات الجب.
ربت أرسلان على كتفه بينما تحرك إسحاق نحو فريق الإنقاذ الذي هز رأسه بأسف
مفيش أي أثر ياأفندم..بحثنا أكتر من عشرة كيلو من موقع الحادث ولسه الفريق شغال...بس مفيش أمل ممكن ما كانتش في العربية أو النيل خدها بعيد أكتر..عالعموم هنكمل البحث.
أومأ له إسحاق واتجه بنظره إلى إلياس الذي كان يراقبهم بصمت ثم رفع عينيه إلى أخيه
يعني إيه ياأرسلان ميرال غرقت في النيل! ولا مكنتش هنا أصلا... إزاي مش عارفين نوصلها!
أخذ أرسلان نفسا عميقا وقال بنبرة متماسكة
إلياس اسمعني كويس...إيه اللي حصل ووصل الأمور لكده أنا سمعتها من كام ساعة بتتكلم مع غرام وكانت فرحانة..بتقولها رايحة للدكتورة علشان شاكة إنها تكون حامل إيه اللي قلب كل ده!.
هنا..تذكر دخول إسلام وهو يحمل بعض الأوراق بين يديه وتمتم بخفوت
يعني..ميرال حامل..
تمتم بها بينه وبين نفسه وتذكر حديث مصطفى وحديثها ونبرة صوتها التي أصابته بالصمم
مش عايزة حد يعايركم بيا هنا هب من مكانه كالمجنون يدفع أرسلان بعنف
يبقى كانت في العربية!..كانت فيها كانت عايزة تموت...
صرخة مزلزلة خرجت من صدره وانقض على أرسلان يضربه بجنون لكن قوة أرسلان الجسمانية مكنته من السيطرة عليه.
وصل إسحاق سريعا وساعد في تهدئته لكن إلياس كان يهتف كالمخبول
محدش يقرب مني..
فاقت حالته حد الجنون وبدأ يتخيلها تغرق أمام عينيه وصراخها..عيناها الممتلئتان رجاء لينهار ولم يعد لهم قوة السيطرة عليه..
لطمه إسحاق بقوة على وجهه
فوق بقى!..حتى لو هي في النيل مراتك ماتت...عايز تسمعها مراتك ماتت..
سكت إسحاق لحظة ثم صرخ فيه
يلا انزل النيل وموت وراها سيب ابنك يتيتم يلا ياحضرة الظابطثم أشار إلى فريق الإنقاذ
محدش يقرب منه...سبوه يدور براحته.
صمتا مميتا بالمكان بعد نطق إسحاق بتلك الكلمات ليردد
ماتت!
رددها إلياس كمن يلوك جمرة يتذوق الحرف كنار تلتهم أحشائه ثم تراجع
وحدق في وجوههم بذهول كأنه لم يستوعب ماتلفظه إسحاق..
ثم نطق الكلمة من بين أسنانه وكأنها نجاسة دنست قلبه
كداب..!قالها بخفوت ودموعه خير دليل على حالته خطى بترنح واقترب من حافة النيل يجر قدميه بخطوات متكسرة كأن كل عظمة في جسده تنزف ولم يعد لديه القدرة على الحركة ليجثو على ركبتيه ونادى بصوت مذبوح..فقد به حنجرته
ميراااال..
الاسم نفسه أصبح نشيجا صار نصلا يمزق صدره من الداخل يصرخ به لا ليناديها فقط بل لينتزعها من فمه كما ينتزع القلب.
بفيلا السيوفي..
ظلت فريدة تتحرك ذهابا وإيابا ولسان حالها
يارب طمني عليكي يابنتي يارب قالتها وهي تفرك كفيها ببعضهم رفعت نظرها إلى إسلام
مردش عليك بردو.
هز رأسه بالنفي وقال
غادة اتصلي بميرال يمكن ترد عليكي هي بتحبك وهترد على طول.
يعني هتحبني أكتر من جوزها وماما فريدة ياإسلام أنا معرفش إيه اللي حصل بس حاضر ححاول..
رفعت
الهاتف الى أذنها ولكن لم تسمع سوى
هذا الهاتف ربما يكون مغلق..
نظرت لهاتفها وقالت
بيقول ربما يكون مغلق دي قفلت التليفون..
يارب جيب العواقب سليمة يارب ياترى إنتي فين يابنتي..
بينما بغرفة مصطفى بالأعلى
حاول مصطفى الوصول إلى إلياس ولكن هاتفه مغلقا شعر بألم يشق صدره استمع إلى رنين هاتفه ليقطع خوفه رفعه سريعا وهو يردد
إلياس..
ولكن استمع إلى أحدهم
لا يافندم أنا شعيب مأمور الحجز حبيت أطمن على مدام إلياس أصلها كانت في زيارة للمسجونة رانيا الشافعي وقابلتها..كان شكلها تعبان..
هنا شعر وكأن أحدهم يخنقه يتمتم
رانيا..قالها بخفوت ليكمل الرجل
يارب تكون بخير.
أيوة الحمد لله..قالها وأغلق الهاتف بعدما فقد القدرة على الحديث ثم اتجه إلى أحد الأرقام
شوفلي عربية مدام ميرال السيوفي فين بسرعة وكمان إلياس دقيقتين وترد عليا.
حاضر يافندم.
ظل يجوب الغرفة وهو يشعر بتوقف نبضه يحدث نفسه
ليه راحت لرانيا معقولة يوصل بها الحال تستغيث برانيا!..تحرك إلى الأسفل وجد فريدة وغادة يحاولان الاتصال بإلياس ..
فريدة..محدش منهم رد.
هزت رأسها والخوف ينبثق من عينيها..
اقترب منها ينظر إليها نظرات أسف وقال
أنا عملت اتصالاتي وإن شاءالله هنلاقيها ممكن تهدي متنسيش ضغطك..
مسحت على وجهها تهز رأسها بالنفي وأردفت معترضة
أهدى إزاي!!..انا قلبي مولع نار إيه اللي حصل بس...التفت إسلام لوالده وتساءل
بابا إيه اللي حصل طيب هي متخانقتش مع إلياس طيب ليه تخرج بالطريقة دي..
قاطعهم رنين هاتفه
مصطفى باشا عرفنا مكان العربية آسف كان بودي أقولك أخبار كويسة لكن العربية غرقت في النيل وفريق الإنقاذ بيدور على الجثة.
جثة..هل نطق الجثة أم أني أصبت بالجنون سقط الهاتف من يديه وخانته ساقيه ليهوى على المقعد يشعر بأن الأرض تدور به بل اختناقا كاد أن يسحب أنفاسه مع شحوب وجهه..
هرول إليه إسلام وجثا بركبتيه بعدما وجد شحوب والده فتح زراير قميصه وبدأ يدلك صدر والده
بابا..مالك إيه اللي حصل!
ثقل لسانه واغروقت عيناه حتى فقد النطق كاملا وتعلقت عيناه بعيني فريدة التي تسمرت بمكانها تنظر إليه بهلع سحبت أقدامها بصعوبة واقتربت منه تجلس بجوار إسلام
مصطفى مالك.. ولكن هنا لم يشعر سوى بغمامة سوداء ليذهب لعالم أراد من الله أن لا يوقظه منه أبدا.
صرخت فريدة بجوارها غادة التي بكت بصياح تحتضن رأس والدها بعدما فقد وعيه بالكامل رفع إسلام هاتفه وطلب سيارة الإسعاف لتصل بعد دقائق معدودة يحمله المسعفون بحالة من الذعر والخوف انتابت فريدة ونجليه.
مرت الساعات والقلوب تحترق ألما تسللت الأخبار بين الناس
ميرال السيوفي زوجة إلياس السيوفي سقطت في النيل بسيارتها...ولم يتم العثور على جثتها.
سقطت فريدة مغشيا عليها من هول الخبر وشل الحزن أطرافها فيما انهار الجميع من الفاجعة...
ثلاثة أيام بلياليها مرت وفريق إنقاذ نهري كامل بأعلى مستوى لم يتمكن من العثور على ميرال...
مرت أيام أخرى لم يفهم فيها معنى الوقت كل شيء توقف عند لحظة ارتطام عربتها بالماء وخبر فقدانها كأن الزمن جمد على جثتها المفقودة.
دموعه لم تتوقف أصبح أقرب لرجل هش بعدما كان لا يعرف للضعف مذاقا مضىت أيامه تمر بخطا رجل لم يعد يخشى السقوط لأنه سقط بالفعل.
ككل صباح يأتي يجلس بمكان فقدانها يقنع نفسه أنها ستعود إليه ولكن ليت الأماني بالتمني..
لم يتركه أرسلان دقيقة قط وكذلك إسلام الذي أصبح ظله..
هذا اليوم كان أليما كحال أيامه بعدما اختفت جلس يراقب الرافعة وهي تخرج سيارتها الغارقة شعر أن قلبه ينتزع معها قطعة...قطعة.
انكمش جسده تلقائيا كمن يتلقى ضربة خفية في صدره وحين وقعت عيناه على هاتفها المحمول...
ارتجف وأراد أن يصرخ أن يركض أن يمزق وجه من يلمسه غيرها بأظافره لكنه لم يقو فقط استدار..
لم يكن يهرب من الهاتف بل من الحقيقة من كل شيء يخصها...
من عطرها الذي ظن أنه مازال عالقا على مقاعد السيارة من خيط شعرها الذي رآه اخر مرة وهو ملتف حول زجاج النافذة من صورتها تبتسم له وهو يخونها بالخوف يخونها بالنظرات باخر مكالمته..
اقترب أرسلان وجلس بجانبه بصمت موقر..
لكنه لم يشعر به كان غارقا في هاوية أشد ظلمة من النيل نفسه..ربت على كتفه وتمتم بخفوت
حبيبي هتفضل كدا أنا مش عارف أعملك إيه بس حالتك دي بتموتني.
استدار إليه واغروقت عيناه بالدموع وهمس بصوت خافت يعاتب نفسه
تفتكر إحنا عملنا إيه في حياتنا علشان نتعاقب كدا
ولا بالأصح...أنا عملت إيه
نظر إليه أرسلان بذهول فتجنب نظرته وابتعد يدور بنظراته بالمكان وهو يقول
دي دعوة أم...أم قبضت على ابنها وهو بريء وعذبته..
ولا أب مات مكسور بعد ماابنه اتقتل قدامه
أنا ظلمت...أه أكيد ياأرسلان أنا ظلمت..
أصبحت عيناه تجري بدموع حارقة وهو يضيف
ظلمت راجح يمكن..قالها وهو يهز كتفه ثم اختنق صوته وأكمل
ظلمت رانيا أكيد...أه ماأنا غصبت عليها تسيب بنتها قلتلها إنتي
ماتستحقيش تبقي أم وأنا مين علشان أقول كدا مين أنا علشان أحكم على قلوب الناس!
ثم همس بحشرجة
بس كنت خايف عليها!
أنا ماكنتش خايف عليها بس أنا كنت بخاف من اللي فيها خوفت يعايروها.. نسيت إنها مراتي وحبيبتي قبل
ماتكون بنت راجح أنا كان ليا فيها أكتر منهم مكنش لازم أجبرها على حاجة وأنا عارف إنها هتموتها كل يوم..
ضرب الأرض بقبضته وهو يهتف
ظلمتها لما رجعت آخد حقي من الدنيا وكانت ميرال التمن.
وقف فجأة كمن
والله أنا كنت خايف عليها بس خوفي اتعكس بالظلم أنا عمري مافكرت في نفسي ياأرسلان حتى في قضية بابا جمال أنا بس حاولت أجيب حق أبونا اللي اندفن ظلم حق أمنا اللي اتهموها بشرفها أنا سمعت كتير أوي عنها دا قالوا إنها باعت ولادها علشان تستمتع بحياتها تفتكر كان لازم أسكت وماردش حق أمك و أبوك!!.
إلياس إحنا مغلطناش حق أبوك علينا وعملناه وحق ماما لو مكنش جه يبقى إحنا مينفعش نكون ولادها أنا معرفش ليه بتقول كدا أنا شايف بردو إن رانيا مالهاش حق في ميرال لأنها متستهلش..
وفريدة كانت تستهالك ياأرسلان..
فريدة عملت لك إيه.
لا إنت اكيد اتجننت فريدة أمنا وإحنا اتخدنا غصب عنها..
طيب ماهي ميرال اتخدت من أمها وأبوها غصب عنها ليه حللته لنفسك وحرمته على غيرك..
عرفت ليه أنا ظلمت يابن أمي وأبوي..
نهض من مكانه ينظر إلى أخيه ثم التفت إلى إسلام الصامت
مصطفى السيوفي قالها علني أنا ماليش سلطة على أخواتي وهي بنت مجرم وهتفضل طول حياتها بنت راجح المجرم ولو كان يعرف بإجرام أبوها دا كان مستحيل يجوزهالي ميرال سمعت كلام حضرة اللوا ودي واحدة بتتعالج نفسي من عيلتها كنت منتظر منها إيه!!..
اتجه بنظره إلى النيل
معرفش إن كانت جوا النيل أو براه بس هي كدا ماتت ياأرسلان يعني حتى لو هي عايشة مش هتعيش ميرال السيوفي أما لو ماتت يبقى دا أكبر عقاب ليا على الظلم اللي عملته في حياتي..
قالها وتحرك مغادرا ومازال يتمتم
من النهاردة كل واحد لازم يرجع لأصله..
انتهى الفصل الأول
اتمنى أن ينال إعجابكم
وانتظروني يوم السبت القادم
مواعيدنا سبت وثلاثاء إن شاءالله
دمتم في رعاية الله وحفظه
ولا تجعلوا القراءة تليهكم عن ذكر الله
اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك
لم يمت الحب وحده... ماتت معه كل الكلمات التي كانت تسكن قلبي ذات يوم.
لم يبق من المعاني إلا صدى خافت لأنين قديم دفنوه بأحكامهم الجاهزة وبعيون لم تجيد سوى النظر من بعيد.
لم يحاول أحد أن يقرأ حكاياتي من عيني أو أن يلمس وجع الشعور في صدري.
كانوا سريعين في إصدار الحكم... باردين في مشاعرهم وكأن القلوب تحولت إلى حجارة لا تعرف سوى مصالحها.
وهكذا... سقط قلبي قتيلا أمام أعينهم دون أن يرف لهم جفن
وغادرت الجنازة وحدي... أنا الميت والباكي والمشيع...
عند ميرال قبل ساعات..وخاصة بعد
إغلاقها الهاتف مع إلياس ضغطت على مقود السيارة وتحركت وهي تبكي تتخيل صراخ إلياس تحركت بالسيارة بعض الخطوات لتشعر بحركة جنينها بأحشائها وكأنه يشعر بما تمر به توقفت تبكي بصوت مرتفع تضرب على المقود
ليه بيحصل معايا كدا ليه..عملت إيه لدا كله..قالتها تبكي بشهقات حتى شعرت بانقطاع أنفاسها وقعت عيناها على صورة طفلها بالسيارة لتسحبها بين أناملها ثم ترجلت منها تاركة كل شيء وخطت بعض الخطوات مبتعدة فجأة..توقفت تنظر إلى صورة طفلها مرة وإلى السيارة مرة أخرى أسرعت إلى السيارة التي تقف على حافة النهر ودارت بعينيها بالمكان تلتقط أي كاميرا ولكن المكان كان خال من الكاميرات فتحت باب السيارة وقامت بتشغيلها تحركها الخطوة التي تبعدها عن النيل ثم ابتعدت لتقع بالنهر أمام أعينها مع دموعها التي تنساب بصمت ظلت للحظات تنظر إلى السيارة التي بدأت تسقط تحت المياه ثم تراجعت تزيل دموعها بقوة تهمس لنفسها بضعف
ابعدي ياميرال مالكيش مكان معاهم عايزة تموتي كافرة ابعدي سبيهم يتهنوا بحياتهم ابعدي عن جوزك وابنك مالهمش ذنب يتعايروا بيكي
نظرت للصورة التي بين يديها تهمس بخفوت
يوسف حبيبي سامحني ياروحي بس هتلاقي اللي يربيك زي اللي رباني متأكدة من ماما فريدة مش هتفرط فيك حبيبي متزعلش مني بكرة تكبر وتعرف عملت كدا ليه هيجي الوقت ويقولوا جدك وجدتك قتلوا جدك..وقتها مش هعرف ارد عليك مش اعرف اكدبهم ياريتها كدبة ياحبيبي وللاسف الكل بيبص لمامتك انها بنت مجرم وبكرة لما تكبر هيقولوا كدا جدك كان مجرم وارهابي خليك مع باباك يعرف يحميك اكتر مني عارفة ومتأكدة أنه مش هيفرط فيك...أحشاءها
ولو لينا نصيب نتقابل اكيد هتسامحني..أما انت مش لازم تيجي على الدنيا دي حبيبي انا اسفة بس نصيبي اتنازل عن واحد وانزل التاني مفيش حد بيهرب من قدره...قالتها لجنينها وتحركت حتى غادرت المكان بالكامل ظلت تتحرك دون هدى خارت قواها وجلست على أحد المقاعد بالأرصفة تنظر إلى حركة السيارات السريعة وداخلها قطعة صغيرة تتلوى كأنها تشعر بحالة ضياعها دقائق إلى وصلت ساعة كاملة وهي جالسة بمكانها الذي يقع بأحد الأماكن النائية عن القاهرة لا تعرف كيف وصلت إلى هنا يبدو أنها مشت كثيرا نهضت من مكانها وظلت تتحرك دون اكتراث لحالة الألم التي تسربت لجسدها حتى توقفت تأخذ أنفاسها بعدما شعرت بالإرهاق الشديد استندت على الجدار ومازالت صورة طفلها بين كفيها اتجهت بنظرها إلى أحد الطرق الفرعية وتحركت إليه لا تعلم أين تذهب كل ماتعلمه تريد أن تبتعد عن كل شيء يربطها بالماضي
ظلت تسير بالشوارع إلى أن توقفت بجسد منهك تنظر إلى تلك اللافتة التي يدون عليها
استشاري النساء والتوليد..
وضعت كفيها على أحشائها ثم همست لجنينها
سامحني حبيبي مالكش ذنب..
قالتها وولجت تصعد درجات السلم بإنهاك إلى أن وصلت الطابق المنشود كانت الطبيبة قد أنهت عملها وتقوم الممرضة بإغلاق النوافذ استمعت إلى خطوات واهنة خلفها التفتت متسائلة
نعم..!!
عايزة أقابل الدكتورة.
أغلقت النافذة واقتربت تنظر إلى حالتها الرثة ثم أشارت إليها بالخروج
آسفة الدكتورة خلصت كشف عدي علينا بكرة قالتها بخروج الطبيبة
خلصتي يانعيمة..
أومأت لها وقالت
أيوة يادكتورة..اقتربت منها تخطو وكأنها تخطو فوق سيف مدبب
عايزة أنزل البيبي.
قالتها بدموع تنفجر كبرك جارية
وهي تضع كفها على جنينها..
رفعت الطبيبة عينيها إلى الممرضة وقالت
سيبنا شوية..أومأت الممرضة تتطلع إليها بحزن وخرجت من الغرفة
استدارت الطبيبة متسائلة
اسمك إيه!.
هزت كتفها وقالت
معرفش..تفاجأت الطبيبة بردها ثم اقتربت منها تسألها
إنتي حامل إزاي!
هنا انتفض جسدها من نظرات الطبيبة ورغم ماشعرت به من انكسار إلا أنها همست قائلة
أنا متجوزة بس جوزي سافر وسابني لوحدي وأنا مش عايزة الطفل..
توقفت الطبيبة واتجهت تجلس بمقابلها
أومال إزاي مش فاكرة اسمك..
رفعت عينيها المرتجفة إلى الطبيبة بتيه وقالت
لأن دي الحقيقة أنا اتربيت عند ناس وأهلي ناس تانية..
تنهدت الطبيبة فيبدو أنها تعاني من أزمة نفسية توقفت وأشارت إليها على فراش الكشف قائلة
إنتي في الشهر الكام دلوقتي!
ترقرقت عيناها بالدموع وهمست بصوت منكسر كأنها تعترف بذنب عظيم
نص الرابع...
توقفت الطبيبة للحظة وقد بدت عليها علامات الدهشة ثم تنهدت ببطء وابتسمت ابتسامة باهتة وقالت بنبرة ناعمة رغم الحيرة التي تشوبها
شكلك بنت ناس...وكمان حلوة ومتعلمة مفكرتيش إن اللي هتعمليه دا حرام دا مش بس هيئذيكي دا هيقتل روح!.
أخفضت ميرال عينيها إلى الأرض كأنها تحاول الهروب من ذنبها في وجه الطبيبة ثم مدت يدها المرتجفة نحو معصمها وخلعت إسورة ماسية وقدمتها للطبيبة بتوسل صامت
أنا ممعيش فلوس بس ممكن أديكي دي...
زفرت الطبيبة ورفعت كفها رفضا
أنا مش بتكلم علشان الفلوس.. بتكلم علشان الحلال والحرام الجنين دلوقتي بقى ليه نبض ليه روح بدأ يتكون...
عارفة..!!
قالتها بهمس نادم..
يعني عارفة إنه حرام وبتعمليه برضو
حضرتك...هتنزلي البيبي ولا لأ
ساد الصمت لوهلة قبل أن تشير الطبيبة نحو السرير
طيب نكشف ونشوف..
تمددت ميرال ببطء كأنها تتهيأ لمحاكمة قلبها مسحت الطبيبة السائل على بطنها ولحظات فقط كانت كافية لظهور النبض على الشاشة
واضحا...حيا ثم ارتفع صوت الجهاز ينبض منتظما...دق دق دق.
كانت كل نبضة سهما ينغرس في صدرها ودموعها تتراقص بجفنيها تهدد بالسقوط..ناولتها الطبيبة محرمة بلطف ثم ابتسمت بعدما وجدت ترددها وأردفت
حالة الجنين كويسة جدا..وشكلها بنوتة كمان...
وضعت ميرال يدها فوق بطنها تتحسس نبض جنينها وهمست متسائلة
بنت..!!
هزت الطبيبة كتفها وقالت
احتمال كبير نعمة مش كدا تمتمت بها الطبيبة وعيناها تتفحصها فأغمضت عينيها...وعقلها ينخر ذاكرياتها مع إلياس..
إلياس ليه مردتش عليا في موضوع الحمل!.
حبيبي إحنا هنأجل الحمل لما تخلصي كورس العلاج النفسي...وقتها وعد مني هاخدك بنفسي للدكتور.
مش يمكن لما أحمل..يساعدني
ياإلياس
مرر كفه فوق رأسها
أنا كمان عايز أطفال..بس عايزك أقوى الأول...أقوي علشان تقدري تواجهي ولادك متنسيش يوسف عايز مسؤلية كمان مع البيبي..
أنا كويسة..
هز رأسه رافضا
لو كنتي كويسة كنتي نزلتي شغلك... أنا مش هسيبك كدا..أنا عايز ميرال اللي كانت تقرفني بشغلها وتيجي عندي وتطلب مقابلة المتهمين...مش البنت اللي قدامي..
التانية كانت ميرال السيوفي
ياإلياس...بنت مدام فريدة الست النضيفة اللي الكل بيحترمها...دلوقتي ميرال الشافعي بنت رانيا وراجح.
تغيرت ملامحه واشتعلت نظراته بغضب مكتوم
إنتي ليه مصرة تصدقي كدبة إنتي بنت فريدة ومحدش في الدنيا يقدر يقول غير كدا.
بس دي مش الحقيقة...
نهض واقفا يتنفس بثقل ثم أشار بيده
اسمعيني كويس..إنتي مش بنت راجح..أنا مش عايز أسمع الهبل دا تاني إنتي بنت البيت دا وهتفضلي فيه لحد مانندفن فيه...سمعتي
اقتربت منه
خلاص..متزعلش مني...ماتبقاش قفوش كدا...أنا مصرة ياحبيبي عايزة أحمل.
رفع حاجبه ساخرا
خلاص حددتي النوع كمان طب لو قولت عايز ولد مش عايز بنات يجننوني...كفاية إنتي.
ضحكت بصوت صادق
بس بقى..متبقاش رخم كدا...أنا عارفة...إنت عايز بنت زي...
قطب جبينه
ودا استنتاج الأستاذة أكيد لأ... البنات عايزين دلع وأنا مش هعرف أربيهم.
بالعكس ياإلياس...هتكون أب حنون جدا...خصوصا للبنات أنا متأكدة.
يعني مش هتغيري من شمس أبوها
تراجعت قليلا
مين شمس أبوها دي.
قطعت الطبيبة شرودها
هكتبلك شوية مقويات وتحاليل...
رفعت الطبيبة رأسها بتردد