كانها الحياة بقلم سيلا وليد

لمحة نيوز

تخفي كسرها لكنها فشلت 
عادي يايزن بس معرفش ليه اشتكت مع إنها هي اللي غلطانة 
استمع إلى حركات أطفاله وهم يهرولون خلف بعض ابتسم إليهم 
ياله حبايبي نفطر رمق رحيل بنظرة 
عتابية نهضت من مكانها واقترب تجلس بجواره
انا متكلمتش مع رؤى يايزن الا لما هي حاولت تستفزني عايز تصدق صدق مش عايز براحتك
مرت عدة أيام حتى 
استعاد إلياس بعضا من عافيته وما إن استقرت حالته حتى قرر التوجه إلى الإسكندرية يصحبه أرسلان في رحلة البحث عن الحقيقة 
خرج الاثنان من السجل المدني كانت الشمس تغمر المدينة بوهجها لكن عيني إلياس كانتا تسبحان في غياهب الألم وهو يتمتم بصوت أشبه بالهمس 
يعني كده ميرال عايشة
رد أرسلان بتنهيدة قصيرة وهو يراقب ملامح أخيه التي تعج بالصدمة 
أيوه للأسف 
التفت إليه إلياس فجأة وكأن الكلمة قد صفعت وجدانه 
للأسف !
اقترب أرسلان منه وضع كفه على كتفه 
أنا مقدر حالتك بس دماغك مقفولة ياإلياس ماسألتش نفسك ليه البنت اتكتبت باسم راجل تاني شهور وبعدين رجعت باسمك دا حتى الاسم مكتوب غلط!! 
أطرق إلياس لحظة ثم تنهد 
علشان قسيمة الجواز مااتغيرتش كنت مشغول ونسيت وبعدها حصلت حكاية ميرال نسيت كل حاجة 
طيب ليه ميرال تعمل كده ليه كتبت البنت باسم الدكتور دا في تفسير غير إنها خلاص ما كانتش عايزة ترجعلك 
أطال النظر في عيني أرسلان ثم همس إلياس بصوت يختنق بالغضب والخذلان 
حتى لو مستحيل أسامحها على اللي عملته أنا ماعملتش فيها حاجة تستاهل كده تمثيلية الموت القذرة دي ليه ليه وجعت قلبي وسابتني أتقطع كل يوم!
استدار فجأة واتجه نحو السيارة ولوح بيده 
هتتحاسب على كل حاجة وهعرف هي عملت فيا كده إزاي المهم لازم نروح للدكتور دا هناك هيكون الكلام 
بعد فترة 
وصلت السيارة إلى منزل الطبيب حمدي الربيع الذي توصل إليه إلياس من خلال السجل فتوجه إلى العنوان المدون ترجل إلياس ونظر إلى اللافتة المثبتة على باب بيته بدا المنزل بسيطا لا فخما ولا متهالكا
اقترب من الباب وبدأ يضغط جرس المنزل مرارا لكن لا أحد يجيب تراجع بخطوات قلقة ناظرا إلى النوافذ المغلقة ثم إلى الشرفة التي تثبت بأنه لايوجد أحد 
في تلك اللحظة مر أحد الجيران فاستوقفه إلياس بسرعة 
لو سمحت دكتور حمدي الربيع فين
أجابه الرجل بهدوء وهو يضع كيسا من الخبز جانبا 
الدكتور دا سافر أمريكا هو ومراته وابنه من أسبوع كده 
سافر !
كررها إلياس بذهول وعيناه تتسعان بوجع جديد لم يكن في الحسبان 
أخرج أرسلان هاتفه على الفور أجرى مكالمة سريعة للتأكد ثم أقبل على إلياس بخطوات حثيثة 
فعلا سافر هو ومراته وابنه بس ميرال مش معاهم 
أغمض إلياس عينيه وتنهد تنهيدة بدت وكأنها تسحب أنفاسه من أعماقه 
طيب كده هوصلها إزاي
تعال نعمل هنا زي ماعملنا في القاهرة هكلم إسحاق يظبط الدنيا 
هز إلياس رأسه بصمت وراح يحدق في اللافتة مرة أخرى 
في القاهرة داخل عيادة الطبيب المختص بالعلاج النفسي 
جلست ميرال في المقعد المقابل تقابل شرودها بصمت منهك عيناها منطفئتان وروحها عالقة في صورة إلياس التي أدمت قلبها 
مدام ميرال 
أفاقت من شرودها التفتت إليه وعيناها تغزوها الدموع 
مد إليها بورقة وقلم ثم وضع القلم على الطاولة الصغيرة أمامها قائلا بلطف 
اكتبي زي ماكنتي بتكتبي لنعيمة 
عارفة إن الكلام مش سهل دلوقتي مش مستني منك تحكي كل حاجة
مرة واحدة 
بس خليني أقترح حاجة بسيطة 
نظرت إليه باستغراب دون أن تتكلم 
جربي تكتبي حتى لو كلمة واحدة مش لازم تشرحي بس اكتبي اللي جواكي 
دفع الورقة ناحيتها ثم أشار للقلم بهدوء 
خديه وقت ماتكوني جاهزة مفيش استعجال 
ظلت عيناها على القلم تنظر له كأنه شيء ثقيل حاولت تمد يدها ارتجفت أصابعها 
طبيعي جدا تكوني مش عارفة توصفي الإحساس ده 
دا مجرد قلم بس بالنسبة ليكي دلوقتي ممكن يكون علاج مفهوم 
مدت يدها أخيرا أمسكت بالقلم جربت تحركه ثم توقفت على صوت الطبيب 
مفيش صح أو غلط اكتبي زي 
ماتحسي 
مرت دقائق طويلة ثم كتبت 
يوسف 
قرأ الكلمة ورفع نظره إليها لم يقاطعها 
أخذت نفسا مرتعشا وكتبت تحته 
ابني 
تمام كملي كده خطوة خطوة 
كتبت ببطء وحشني مش فاكرة ريحته 
أغمض الطبيب عينيه لحظة ثم فتحهما وقال 
خليكي مع الشعور ده خليه يخرج زي ما هو وكملي كتابة 
أسندت ظهرها وراحت الدموع تنزل بصمت تتذكر لحظاتهما سويا مد علبة مناديل ووضعها على الطاولة قائلا 
الجلسة دي مش لازم نحل فيها كل حاجة بس إنتي بدأتي ودي خطوة مهمة 
هز الطبيب رأسه يشجعها على الاستمرار 
كملي إيه كمان على يوسف
كتبت مجددا بخط بالكاد يقرأ 
وحشني 
ظلت صامتة بعدها والقلم يرتجف بين أناملها يكتب عنها ما تعجز عن النطق به وانهارت باكية 
خلاص كفاية كدا 
بعد مرور عدة شهور من عودتها من اسكندرية 
اتجهت نعيمة إلى العيادة وقلبها يضج بالقلق 
جلست تقابل الطبيب الذي على معرفة بأخ زوجها المرحوم وقالت دون مقدمات 
مفيش أي جديد! حالتها زي ماهي
تنهد ثم مسح وجهه بكفيه المجهدين 
المشكلة مش في العلاج يا نعيمة المشكلة إنها رافضة تعالج نفسها 
رفع حاجبيه بأسى 
هي عاجبها الحال اللي هي فيه مش عايزة تقوم مش عايزة ترجع للحياة 
وبعدين يعني هنفضل مستنيين!
دي بقالها سنة على كدا بنتها لحد دلوقتي مش عارفة صوت أمها 
نظر إليها بجدية 
أنا شايف إنها لازم تشوف ابنها كل اللي بتكتبه ابني وحشتني ريحته خليها تسافر لجوزها 
تسافر فين!
ضيق عينيه بتعجب 
مش إنتي قلتي إن جوزها سابها وخد ابنها وسافر
سكتت للحظات ثم زفرت بألم وبدأت تحكي له القصة كاملة 
ضرب بيده على سطح المكتب بعصبية 
إزاي تخبي عليا تفاصيل بالشكل ده! دي حاجات خطيرة 
أشارت إليه بيدها تقاطعه 
اسمعني وبلاش تتنرفز بسرعة
ابتسم رغما عنه وقال مستسلما 
حاضر قولي ياست الدكتورة 
قالت بصوت مبحوح بالإصرار 
البنت دي رافضة ترجع لهم مش عايزة تشوفهم بس أنا مش هسكت هفوقها 
أشار إليها الطبيب 
فيه حل يخليها تتكلم يانعيمة بس هيكون مؤلم شوية عليها 
صمتت تتطلع إليه منتظرة حديثه 
بنتها في صورة موت 
ضربت على صدرها 
إنت عايز تموت البنت! 
ياأما تتصلي بجوزها تعرفيه حالتها 
بمنزل إسحاق 
دار حول ابنه الصغير ثم حمله فوق ظهره ارتفعت ضحكات الطفل بالمكان رفع عينيه إلى دينا التي توقفت تعقد ذراعيها 
ياله يابابي الغدا جهز 
اعتدل بنصف ظهره والتقط طفله الذي بلغ من العمر سنتين 
خدي عمران خليهم يجهزوه هو وحمزة هنروح لأرسلان 
حاضر قوم اتغدى لحد ماالولاد يجهزوا 
نهض متجها إليها حاوط أكتافها واتجه إلى طاولة الطعام 
عملتي إيه النهاردة 
جذبت المقعد وجلست مبتسمة 
هعمل مصدقاك وأقول إنك مش عارف وأحكي لك 
بص ياسيدي خلصنا الديكورات بتاعة الشركة ناقص بس المكن 
ربنا يوفقك حبيبتي أنا خليت أرسلان يتعاقد مع كام شركة كدا وعلى أول الشهر هتلاقي أحسن مكن 
ربتت على كفه تنظر إليه بحب 
ربنا يخليك ليا ياحبيبي يارب لسة هنزل إعلان بقى علشان أشوف ديزاينر كويسين 
فرد محرمة الطعام وقال 
شوفي بنت تكون كويسة معاكي مينفعش كل حاجة إنتي تتابعيها 
أنا اتكلمت مع غادة السيوفي فعلا أرسلان أقنعني بيها والبت شكلها مجتهدة بس دي هتكون خاصة بالحسابات 
كان يستمع إليها باهتمام إلى أن انتهت حتى رفع عينيه إليها 
المهم الوظايف الحساسة دي لازم تكون على ناس ثقة وخبرة ودائما حطي سقف للتعامل حتى مع أقرب الأشخاص 
مر الوقت حتى انتهى من الطعام وتوقف قائلا 
هشرب قهوتي مع أرسلان بقى حبيبي وإنتي كملي شغلك قالها وانحنى يلثم وجنتيها وخرج 
ابعتي حمزة وعمران هستناهم في العربية 
أمسكت كفه 
أرسلان لسة مابيروحش القصر 
هز رأسه بالنفي وقال مؤكدا 
معرفش إيه اللي حصل حاولت أفهم بس كل اللي قاله أنا حاسس بقيت غريب بعد أحلام مارجعت 
قطبت جبينها متسائلة 
طيب ماسألتش صفية 
قالت نفس اللي قاله حتى البنت الشغالة حاولت أوقعها في الكلام 
معقولة علاقة أرسلان بيهم اتقطعت كدا!! 
جمع خصلاتها على جنب وابتسم 
لا حبيبتي صفية بتروح كل فترة والولاد كمان بيروحوا بس طبعا فين وفين 
وبيقول بيشوف فاروق ساعات عنده في النادي 
وإنت مصدقه ياإسحاق 
ارتدى نظارته ورد 
أنا عامل إني مصدقه علشان خايف أعرف الحقيقة واتصدم يادينا عارف فيه شرخ كبير حصل بين فاروق وأرسلان وصفية بس إيه هو معرفش 
ربت على كتفها وأشار للداخل 
هاتي الولاد اتأخرنا 
بعد فترة في منزل أرسلان 
اتجه إليه أرسلان وهو يحمل قهوته ثم وضعها أمامه 
طيب عملت إيه في موضوع الدكتور دا 
أخرج سجائره وقام بإشعالها ونفث رمادها ينظر للخارج 
الدكتور نضيف أوي ياأرسلان أنا بعت حد من السفارة وقابلته فعلا قالي معرفهاش دي واحدة حد ضربها بالعربية وكان معاها شخص بيحاول يسرقها 
رفع أرسلان عينيه متسائلا 
يعني إيه ياعمو مش فاهم 
الدكتور دا كان شغال في المستشفى دي ميرال كان حد بيجري وراها وكانت لسة حامل المهم الراجل عربية موتته وهي حد نقلها المستشفى الأول رفضوا الحالة وكانوا عايزين يحولوها الجامعة بس كانت بتنزف جامد طبعا الدكتور لما شاف إنها حامل صعبت عليه وقال أنا هكون مسؤول عنها وفعلا فضلت تعبانة صمت ثم أردف 
دخلت غيبوبة 
شهق أرسلان 
ابتعد إسحاق
بنظره وهو ينفث رماد سجائره وتذكر حديثه مع حمدي 
بإحدى المشافي بالعاصمة الأمريكية نيويورك استمع حمدي إلى طرقات خفيفة على باب مكتبه أذن بالدخول 
دكتور حمدي الربيع 
أيوة أنا حمدي الربيع فيه حاجة 
قالها باللهجة الإنجليزية 
فأخرج الرجل بطاقة تعريفية أنه يمثل السفارة المصرية قائلا 
اتكلم عربي أنا من السفارة المصرية وعايزين حضرتك حالا 
ليه بقى 
لو سمحت يادكتور تنهد بضيق وتحرك بعدما أيقن أن هذا الرجل أتى لما يخص ميرال 
وصل بعد قليل وجد إسحاق يجلس بمكتب من مكاتب السفارة مع أحد المسؤولين أشار إليه بالدخول فتوقف المسؤول وقال 
سيادة العقيد إسحاق الجارحي هيسألك عن حاجة مفيش داعي للخوف 
بعد عدة دقائق أخرج إسحاق بطاقته وقال 
طبعا عرفت أنا مين 
سعيد بشخص حضرتك بس برضو معرفش أنا هنا ليه 
أخرج إسحاق صورة ميرال ووضعها أمامه يشير إليه 
تعرفها 
أومأ برأسه قائلا 
أيوة دي مصرية اتحجزت فترة في مستشفى بالإسكندرية 
ذهل من حديثه عندما ظن أنه سيراوده وينفي معرفته بها اقترب مستندا على المكتب 
تعرفها منين قص له حمدي حادثة ميرال وحسين ببعض مااتفق به مع نعيمة 
أخرجه من شروده صوت أرسلان 
وبعدين إيه اللي حصل 
ميرال ولدت وهي في الغيبوبة كانوا هياخدوا البنت ملجأ لحد ماأمها تفوق وخاصة بعد مالدكاترة فقدوا الأمل إنها تصحى هو رفض وكتبها على اسمه 
ارتفعت دقات قلب أرسلان بفزغ ثم قال 
يعني إيه 
يعني ميرال فضلت فترة طويلة في الغيبوبة 
أومأ له وتابع حديثه 
أنا اتأكدت بنفسي وفعلا لما فاقت طلبت تسجلها باسم أبوها 
طيب ليه مااتصلش بإلياس 
دا دكتور ومالوش في الحوارات دي ولا يعرف حاجة هي فاقت وهو إدلها بنتها على أساس الكلام اللي قالته جوزها مسافر وبينهم مشاكل وبيتها اتحرق بكل اساسه علشان كدا طلعت بدل فاقد بشهادة ميلاد وبطاقة 
حاسس الكلام دا ناقصه حاجة مش مقتنع بيه 
أومأ له بتفهم وقال 
أنا كمان قولت زيك كدا وسألت في المستشفى وكمان عرفت فعلا إن الحادث كان بسبب واحد 
يعني اتأكدت 
زفر بيأس وأومأ له 
بص ككلام مقتنعتش لكن كأحداث اقتنعت ماهو مش معقول هيكون على علاقة ويسبها في مصر 
طيب مش قلك هي فين 
لا قالي خرجت من المستشفى ببنتها وقالت هتروح بيتها وطبعا هو مالوش يسألها 
مسح على وجهه بإرهاق يهمس بخفوت 
وبعدين إلياس هيتجنن إزاي مش عارفين نوصلها 
بص ياأرسلان ميرال مبقتش عايزة ترجع لأخوك من الآخر كدا الحياة بينهم انتهت أنا شايف ينسى الموضوع لحد ماترجع 
والله ياعمو! 
اعتدل
بجلوسه وأشار إليه 
يابني البنت مش عايزة ترجع وهي مشيت وعملت إنها ميتة علشان محدش يوصلها أنا لو مكان أخوك أنساها 
حدقه بتردد وابتلع غصته 
لو نسي ميرال هيقدر ينسى أنه له بنت ميعرفش عنها حاجة 
عند إلياس
جلس في الحديقة الخلفية لمنزله على المقعد الخشبي يتابع بنظرات شاردة طفله وهو يلهو مع أبناء عمومته بلال ضي وآسر 
تراجع برأسه وأسند ظهره إلى المقعد رافعا عينيه نحو السماء المرصعة بنجومها كحبات الضوء المتناثرة لتلوح في مخيلته صورتها ميرال بابتسامتها التي طالما أحبها وكأنها تهمس له 
مازلت حاضرة رغم الغياب 
شعر بوخز غائر في صدره وكأن نصلا حادا قد غرس فيه كلما تذكر أنها لا تزال على قيد الحياة رافضة العودة 
ومضات من الذكريات اخترقت ذهنه كسكاكين 
قطع شروده رنين الهاتف رمقه بنظرة باهتة وجد اسم رؤى ثم أعاد بصره إلى السماء متجاهلا الهاتف إلى أن جاء صوت ابنه يتعارك مع بلال 
نهض بخطوات ثقيلة واتجه إليهما 
فيه إيه بتتخانقوا ليه
أنا اللي كسبت وهو بيقول إنه كسبني 
لأ أنا اللي كسبت 
تفاقم النزاع فصرخ فيهما 
بس إنت وهو لو مش عارفين تتفاهموا ماتلعبوش سوا 
ثم نظر إلى يوسف بحزم 
شايف صوتك بيعلى كتير فاكره الحق لما تعلي صوتك
لكن الرد جاء كصفعة 
أحسن من إني أكون كذاب 
قالها يوسف وركض للداخل بينما تجمد إلياس في مكانه وكأن الكلمات صبت على قلبه كحمم 
اقترب منه بلال وقال بخجل 
آسف ياعمو يوسف عنده حق أنا اللي كنت عايز أكسب بأي طريقة 
ربت على رأسه برفق 
متعملش كده تاني يابلال الغش مش بس غلط دا الرسول قال من غشنا فليس منا 
حاضر هروح أعتذر له 
سيبه دلوقتي بكرة اعتذر له تمام
تمام بعد إذنك همشي علشان مامي هتزعل 
ماشي خد آسر معاك عديه على عمو يزن 
حاضر 
بعد قليل 
صعد إلياس إلى غرفة يوسف فوجده جالسا أمام التلفاز تناول آلة التحكم وأغلق الجهاز ثم نظر في ساعته 
يلا نام عندك مدرسة 
مش عايز أنام دلوقتي 
لما أقولك حاجة تتنفذ من غير نقاش 
رفع يوسف رأسه وعيناه تتحديان 
وأنا ليه أسمع كلام حضرتك! يمكن تكون بتضحك عليا زي ما ضحكت في موضوع ماما 
شهق إلياس بغضب واقترب منه يزم شفتيه 
عارف لو سمعتك بتتكلم بالطريقة دي تاني هزعلك سمعت
ثم أشار للفراش بحدة 
نام ولما أتكلم ماتردش 
وإياك صوتك يعلى تاني 
انا عايز خالتو دلوقتي مش هنام غير معاها 
نام يالا قالها إلياس صارخا حتى أفزع طفله فاتجه إلى فراشه ببكاء جعل قلبه يرتجف من الحزن 
خرج سريعا قابلته رؤى أمام منزله 
إلياس يوسف نام كلمته من شوية وكان صوته مضايق 
اقترب منها ثم اطبق على ذراعيها 
لو مبطلتيش نغمة خوفك على الولد وتملي راسه بحاجات هندمك سمعتيني ودلوقتي امشي غوري من قدامي 
إلياس اسمعني 
اخرسي أسمع إيه إنتي ليه كدا عايزة توصلي لإيه بالظبط مفكرة إنك ممكن تاخدي مكانها 
إلياس لو سمحت إنت فاهم غلط 
رفع كفيه أمامها 
مش عايز أغلط فيكي أنا بسكت عليكي علشان ميرال بس ابني هفعصك سمعتيني 
اسكت بقى إنت مفكر نفسك إيه أنا علشان ميرال بحاول مخليش يوسف يحتاج لحد 
أنا بروح له المدرسة وبشوف نظراته للأمهات اللي بتنتظر أطفالها قدام المدرسة بحاول أحسسه بالحنان اللي مبقاش لقيه معاك ومع أمه اللي رمته وهو بالسن دا ميرال أختي أه بس أنا لو مكانها مستحيل أكون متخلفة كدا عندي ولد يساوي الدنيا كلها وراجل بيموت فيا إيه ياحضرة الظابط فيه حد يبقى عنده كدا ويترك دا علشان أوهام مرضية 
اقترب خطوة منها وغرز عينيه بعينيها مردفا 
عندك حق يارؤى ورغم اللي قولتيه بس بحبها ولو ظهرت قدامي هشفي أوهامها المرضية أنا فعلا بحمد ربنا إنها ماخدتش من راجح اللي إنتي أخدتيه قالها واتجه إلى سيارته دون حديث آخر تصنمت بوقوفها تتطلع إلى خروجه المجنون بالسيارة 
بمنزل أرسلان 
كانت تغفو فوق كتفه وهو يعمل على جهازه وضع الجهاز بهدوء ثم أعدل رأسها بعدما علم بنومها ثم ساعدها للتمدد على الفراش
أرسو حبيبي 
روح قلب أرسو نامي حبيبي عندي شوية شغل أغمضت عينيها وابتسمت ذاهبة بنومها ثم تحرك للخارج استمع إلى رنين هاتفه بالخارج توقف ينظر بشاشة هاتفه للحظات ثم رفعه 
أيوة
رد على الجانب الآخر فاروق 
وحشتني ياحبيبي مش هتعدي على أبوك تشوفه
آسف عندي شغل وكمان مشغول مع أخويا
أرسلان لسة مش عايز تغفر لأبوك
أنا مش زعلان من حضرتك بس مشغول
ليه مقولتش لإسحاق على اللي حصل
صمت للحظات ثم قال بنبرة ثقيلة 
علشان مفيش ابن يشتكي أبوه لأبوه التاني على العموم لما أفضى هعدي على حضرتك آسف مضطر أقفل
تصبح على خير ياحبيبي
وإنت من أهله
عند ميرال
توقفت بالمطبخ بجوار نعيمة تشاهدها وهي تطهو الطعام همست بخفوت 
هو عنده حق لازم يتجوز واحدة ترفع من شأنه أنا ليه زعلانة في حاجة من حقه 
استدارت نعيمة تشهق بفرحة 
حبيبتي إنتي بتتكلمي!! 
نظرت إليها بضياع مع دموعها 
أنا مش لازم أزعل أنا سبته علشان كدا ليه زعلانة قالتها وتحركت للخارج بخطوات مرتعشة وهي تتمتم بمرارة لنفسها 
ميرال هو صح إنتي ميتة عند الكل خليهم فرحانين دلفت إلى داخل الغرفة استمعت إلى صوت طفلتها مع هند وهي تلاغيها
ماما بابا
رددت الطفلة بضحكات مرتفعة ظلت تنظر إليها لبعض الوقت 
شكلي هكرر اللي ماما فريدة عملته لازم نعتمد على نفسنا حبيبتي حظك يابنتي هيكون زي حظ أمك آسفة بس هحاول أسعدك على قد ماأقدر
عند إلياس
دلف إلى السجن الذي تحتجز فيه رانيا ينتظرها بملامح جامدة وقلب يضج بالحسابات القديمة ولجت إلى غرفة الزيارة خطواتها متثاقلة لكنها تحمل ما يكفي من العناد لتخفي هشاشتها تغيرت كثيرا وكأن الإجرام نحت ملامح وجهها 
توقفت تنظر إليه بنظرات متفجرة بالكره 
إنت! لو كنت أعرف إنك اللي جاي ماكنتش وافقت أشوفك 
ألقى بسيجارته أرضا ونصب جلسته واقفا متصلب العود متجمد بنظراته
إزيك يا رانيا عاملة إيه ولا أقولك يا حماتي 
انحنت والتقطت بقايا السيجارة الملقاة وبدأت تنفث دخانها نحوه بسخرية 
ده حالي يا ابن جمال بس وعد من حماتك هخرج قريب وهجيب حقي منك ومن أمك 
اقتربت منه وهمست بقسوة مشوبة بالحنق 
حقي ده بنتي يا ابن السيوفي بنتي اللي افتريت عليا وحرمتني منها ووعد لأحصرك على كل دقيقة رميتني فيها في السجن 
دفع المقعد بقدمه ثم ألقى بجسده عليه واضعا ساقا فوق الأخرى وضرب كفيه على فخذيه يطالعها بابتسامة ساخرة 
البقاء لله يا مدام رانيا 
ضيقت عينيها باستفهام مرتبك 
إنت تقصد مين!
مال للأمام أسند ذراعيه على الطاولة وحدجها بنظرات تنطق بالشرر 
بنتك مي را ل 
لفظ حروف اسمها ببطء كأنه يريد القضاء عليها
ثم نهض بهدوء أغلق سترته وقال ببرود قاتل 
جيت أشمت فيكي يا حماتي يلا ربنا يرحمها 
زاغت عيناها في كل اتجاه كأنها صفعت تهمهم
بجنون 
ميرال مين لأ لأ 
هزت رأسها بعنف ثم هرولت إليه تتشبث بملابسه 
إنت عملت إيه في بنتي! والله لاموتك والله لاموتك يا ابن جمال
راقب انفعالاتها أهي حقيقية أم مجرد تمثيل رديء دفعها بقسوة بعدما تأكد أنها لا تعلم بمصير ميرال 
خرج من الغرفة وهو يهمس لأحد الضباط المرافقين 
راقبها كويس وشوف هتتصل بمين 
أوامرك يا إلياس باشا 
سنة أخرى مرت سريعا على الجميع والحال كما هو 
استمعت نعيمة إلى طرقات على باب منزلها اتجهت إليه وفتحته توقفت تطلع لتلك التي تحمل طفلتها قائلة
هسيب معاكي شمس ساعتين وراجعة
ليه حبيبتي رايحة فين مش قولنا هنشتغل في الدروس 
حركت الطفلة ساقيها بعنف تصرخ باسم هند 
هند انزلتها ميرال ضاحكة عليها وهي تركض إلى هند امسكتها نعيمة من ذراعيها
رايحة فين ياميرال
التفتت إليها متمتمة 
مروة ياابلة نعيمة ميرال دفنتها مع حياتها لو سمحتي مش عايزة ميرال دي 
حبيبتي ازاي بس 
انا بكره ميرال اللي دمرت حياتها بايدها لو بتحبيني بجد مش عايزة ميرال دي
يابنتي اسمعيني 
طنط نعيمة ميرال هتكون خاصة ياالياس وطول مابتقولي ميرال هقولك فين إلياس فين عيلتي وابني 
تمام تمام قالتها وهي تربت على ذراعيها ثم تسائلت 
رايحة فين طيب !
النهاردة اول يوم ليوسف في المدرسة عايزة اشوفه 
شهقت نعيمة تطالعها

بذهول 
انتي بتقولي ايه يابنتي
اخرجت نقاب من حقيبتها ترفعه بين أناملها 
بدا ابني لازم اشوفه وانا لابسة دا لحد ما اشوف القدر مخبي لي ايه
طيب استني هاجي معاكي 
هزت رأسها بالرفض 
لا لا خليكي متخافيش عليا
قولت ولا كلمة انتي عارفة المسافة من هنا لهناك كام هتركبي ايه اصلا
كنت هاخد تاكسي 
ضربت نعيمة على كفيها وهي متحركة للداخل 
تاكسي ايه يابنتي عايزة تخلصي فلوسك في أول يومين في الشهر استني لحظة وجاية
بعد فترة ترجلت من اتوبيس عام توقف على بعد عدد من الكيلومترات من المدرسة التي توجد بأحد الاماكن الراقية أشارت نعيمة إلى سيارة أجرة 
من هنا ناخد تاكسي مش من هناك
ابتسمت بألم قائلة 
صدقيني مش هتفرق 
ركبت بجوارها قائلة 
لا هتفرق يابنتي انتي معاكي بنت لازم تاخدي بالك فلوس الدروس مش هتغطي دا كله 
اومأت بصمت إلى أن وصلت السيارة أمام المدرسة
بمنزل إلياس قبل قليل 
جلس يتناول قهوته بمقابلة طفله الذي يتناول إفطاره بتأفف استمع الى حركة شفتيه المعترضة 
انا عايز امشي اكلت كل الاكل زي ما حضرتك طلبت 
مسمعتش الحمد لله
الحمد لله رفع حاجبه باعتراض وتمتم 
فيه حد بيرد كدا على نعم ربنا 
حدج والده بامتعاض
هو حضرتك عايز تتخانق معايا وخلاص
نهض إلياس ملقيا محرمة طعامه 
لا حضرتي بتربى على ايد حضرتك
امشي على العربية لما اجيب شنطتي 
حاضر قالها وفتح باب المنزل متجها للخارج تصنم بمكانه وهو يرى غادة تترجل من سيارتها
اوووه عمتو القمر جت 
أشارت إليه تفتح ذراعيها
اووه ابن إلياس ابو لسانين اهو
ضحك بصوت مرتفع متجه إليها بخروج ارسلان بجوار بلال 
ازيك ياغادة
الحمد لله ياابيه 
اتجه بنظراته إلى يوسف 
هتيجي معايا ياجو ولا بابا هيوصلك قالها بخروج إلياس 
لا حبيبي انا هوصله دي أوامر عليا التفت إلى غادة ينظر إليها باستفهام
هزت رأسها بابتسامة 
اوامر عليا من ماما فريدة اوصل معاك يوسف 
هي خالتو رؤى مش هتيجي معانا
انا جيت اهو ياحبيبي قالتها رؤى المقبلة عليهم تنظر إلى غادة 
غادة بتعملي ايه هنا
فتحت باب سيارة إلياس وقالت 
ماما ياستي مصحياني من الفجر لازم اوصل الاستاذ الصغير
كنت هوديها حبيبتي المشوار طويل عليكي 
بقولك ايه انتي وهي روحوا انا هوصل ابني 
ارتفعت ضحكات ارسلان وهو يلوح بيده
ربنا يعينك يارب
ضحك غادة واتت لتركب سيارته أشار إلى سيارتها 
اركبي عربيتك عندي شغل ومين هيوصلك ثم اتجه الى رؤى
وانتي مفيش داعي انك تيجي اصلا
أمسك يوسف كفيها وقال
لا خالتو لازم تيجي معايا انا مش هدخل الكلاس من غيرها ماما كانت بتعمل كدا 
اركب يالا مسمعش صوتك
خلاص حبيبي اركب وانا معاك
الرواية حصري بقلم سيلا وليد لموقع لمحة ممنوع نقلها لاي مدونة اخرى 
لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير 
لم يكن الرحيل بطولة
كان انكسارا أخجلني من نظراتهم لو مكثت 
كان خوفي عليهم أكبر من خوفي من البعد
فاخترت أن أمضي
ظننت أنني أنقذهم مني
لكنني لم أفعل سوى أن خلفت خرابا لا يرمم 
فما عدت أرجو الغفران
ولا الرجوع
أريد فقط أن يعلموا
أنني حين ذهبت
كنت أبحث عن طريق لا يؤذيهم
فانتهى بي الطريق حيث لا أحد 
أراقبهم من بعيد
كما تراقب الغيمة أرضا كانت تسقيها ثم تخلت 
أراهم يعتادون الغياب
كما يعتاد الوجع في صدر طالت به الوحدة 
أراقبهم كما يراقب المذنب العدالة بعد فوات الوقت
لم يكن بيننا سور 
لكن المسافة كانت أبعد من كل المسافات
أراه يمشي مثقلا وكأن الحياة تسحبه من كتفيه إلى قاعها
كأن شيئا في قلبه لم يشفى
كأنه لم يغفر لكنه لم ينتقم 
أنا التي زرعت فيه هذا الانحناء
أنا التي نبت منها وجعه 
لذلك عدت أدراجي ولم ألتفت
لأن الالتفات للقرار
ولأنني إن التفت سأعود
وأنا لم أعد أملك إلا الرحيل
من أمام مدرسة يوسف
وقفت ميرال في مكانها كأن الأرض تجمدت تحت قدميها عيناها تترقبان وقلبها يشتعل بنيران الاشتياق تنتظر طفلها بقلب متلهفا
ظهرت سيارة أرسلان أمام المدرسة اعتدلت بهدوء ترجلت غرام من السيارة تحدثت معه قليلا ثم كف بلال وسارت به إلى الداخل 
تتبعتهم ميرال بعينينها المتألمتين وهمست لنفسها بمرارة خنقتها
عملت في نفسك كده ليه يا ميرال 
أغمضت عينيها تمنع دمعة لكنها لم تملك أن تمنع الألم ذاك الألم الذي التهم ضلوعها مع كل نبضة قلب 
لم تمض دقائق حتى ظهرت سيارة إلياس وكأن القدر قرر أن يجلدها بكل ما تبقى من أنفاسها توقفت السيارة وترجل منها طفلها يتشبث بكف رؤى 
آآآه 
خرجت منها كأن روحها أنتزعت من صدرها دون رحمة 
لحظات وتوقفت سيارة غادة إلى جانبهم ترجلت بعدما أشار إليها إلياس ثم استدار إليها وهو يشير إلى الداخل قائلا
هتدخلي مع يوسف عايز أطمن على الكلاس شوفي الدنيا ماشية ازاي جوا 
ربتت على ذراعه بحنو
متخافش يا حبيبي هدخل معاه المدرسة ممتازة على فكرة دي مش أول سنة له
طيب يلا وراهم 
وتمسكت بذراع نعيمة التي كانت ترافقها بعدما ساقيها
دا جوزك تسائلت بها نعيمة
أومأت ميرال برأسها ودمعة سقطت دون إذن
أه هو واللي واقفة جنبه دي اللي اتجوزها 
اتسعت عينا نعيمة في صدمة
دي أختك
هزت ميرال رأسها نفيا وردت بصوت منكسر
لأ دي بنت عمو مصطفى جوز ماما فريدة وأبو إلياس 
مش فاهمة 
لم تقو ميرال على التفوه فقد كانت الدموع أبلغ ماتشعر به قبضت على يد نعيمة بقوة حين استدار إلياس متجها نحو سيارته ليظهر وجهه بالكامل اليها رفع نظارته يرتديها وتحرك شعرت وكأنه لم يهتم للاختفائها كأنها لم تحبه يوما لم تخنق من ابتعادها لم تدفن حية وهي مازالت على قيد الحياة 
لحظات و مرت فيها سيارته بمحاذاتها لم يكن بينهما سوى خطوة واحدة و لكنها شعرت بأنها كالمحيط 
سقطت كل قواها وانهارت كأنها ورقة خريف ذبلت فوق اغصانها وهو يمر بجوارها ولم يشعر بوجودها ولم تستطع ملامسته
نعيمة بذراعيها تهدئها تربت على ظهرها بينما كانت ميرال تبكي بصوت مرتجف تشعر بأنه حبها
اهدي حبيبتي اهدي 
اختفت السيارة ورغم اختفائه إلا أن وجعها مازال يؤلم صدرها أوقفت نعيمة سيارة أجرة وساعدتها على الصعود بعدما فقدت تحمل جسدها و قلبها الممزق 
وصلت إلى منزلها بجسد خائر القوى متجمد بمشاعر الألم والحزن دلفت بجوار نعيمة توقفت تنظر إلى طفلتها التي تلعب مع هند
كم هو مؤلم عندما تعجز عن وصف ماتشعر به ظلت واقفة تتابع ابنتها بعيون لامعة بكم الألم الذي تشعر به
وصور ذكريات مع زوجها تكاد تخنق روحها هل الآن يفعل مع زوجته كما يفعل معها! 
غصة مؤلمة شعرت باختناقها فخرجت سريعا إلى الشرفة تتنفس بصعوبة تهمس اسمه بشفتين ثقيلين ودموعها انفرجت كالبرك 
شهقة أخرجتها من ثقل تنفسها فهوت على ركبتيها تتنفس بصعوبة وصلت إليها نعيمة وجلست بجوارها تمسد على ظهرها بحنان أمومي ألقت نفسها وبكت بصوت مرتفع صوتا اهتزت له الجدران 
أنا بموت ياطنط نعيمة قلبي مولع نار مش قادرة أتنفس 
ظلت تمسد على صدرها مرة وعلى رأسها مرة حتى استكانت ثم أخرجتها تزيل دموعها بحنان 
اسمعيني كويس حبيبتي الماضي انسيه وافتكري مستقبلك ومستقبل بنتك خلاص دوسي على الوجع هينزف شوية بس هيطيب غير لما تسيبيه مفتوح 
هزت رأسها بدموعها وقالت 
عندك حق أنا لازم أفوق وأمسح الماضي كله 
رسمت نعيمة ابتسامة وقالت
أيوة كدا حبيبتي شكلك قوية مش ضعيفة بلاش الاستسلام دا 
عايزة أشتغل لازم أشتغل مش هفضل كدا بالدروس دي
إنتي معاكي مؤهل إيه نسيت اسألك 
أنا كنت صحفية في مجلة 
صحفية! قالتها نعيمة بذهول ثم أردفت 
كنتي صحفية يابنتي وسبتي شغلك! 
طنط نعيمة حضرتك لسة قايلة مش عايزين نرجع للماضي 
طيب حبيبتي فيه حاجة في دماغك 
أه عايزة أشتغل في مدرسة يوسف ابني 
إزاي مش فاهمة 
يعني لو أشتغل مدرسة أو أي حاجة المهم أكون جنب ابني بأي طريقة 
طيب ماهو هيعرفك 
لا أنا هقدم بالنقاب 
يعني إيه مش فاهمة 
قصت لها ميرال ماتريده 
صمتت للحظات ثم قالت 
هشوف الدكتورة اللي شغالة معاها تعرف تجيب لك واسطة 
شكرا بجد شكرا على كل حاجة لو أختي مش هتعمل كدا 
أه فكرتيني أختك مش هتقوليلها إنك عايشة 
لا كفاية يزن دا الوحيد
اللي أقدر أمن له متأكدة منه رؤى ماأظنش إنها تسكت ممكن تقول لإلياس أو ماما فريدة 
طيب قومي نتغدى وبعد كدا نشوف 
بعد أسبوع دلفت نعيمة إليها الغرفة 
حبيبتي رفعت رأسها بعدما كانت تداعب ابنتها ثم توقفت 
عملتي إيه 
للأسف المدرسة مكتفية بالمدرسات بس بس قالتها وصمتت طالعتها بحزن متسائلة
بس إيه ياطنط 
عايزين نانا للصفوف الأولى 
إيه نانا!! 
أومأت برأسها قائلة
للأسف أه 
أنا موافقة 
جحظت عيناها تطالعها بصدمة
عايزة تشتغلي نانا! هزت رأسها وقالت بدموعها
أيوة المهم أشوف ابني 
دا ينفع إزاي في المدرسة 
لوحت بيدها باكية 
مش عارفة المهم أشوفه وخلاص اقتربت من نعمية وتشبثت بكفيها
وحياتي ياطنط نعيمة حاولي تتصرفي أنا موافقة المهم ابني وبس 
هتتعبي يابنتي 
صرخت قائلة
أنا موافقة ربتت على ظهرها 
الله المستعان 
أسبوع آخر إلى أن ذهبت إلى المدرسة التي بها يوسف 
دلفت للداخل وبعد مقابلة عملها وقبولها بسبب معرفة الطبيبة بأحد المسؤولين بالمدرسة 
خرجت تتفحص ممرات المدرسة 
كأن قلبها الذي خرج قبلها يركض بين الصغار بحثا عن نبضه الغائب تبحث بعينيها المشتعلة بلهيب غياب الضنا عن كأن كل خلية فيها تصرخ باسمه وعقلها لا يرى سوى صورة طفلها الغالي 
توقفت تلك العيون المتلهفة بين الصغار بإحدى فترات الاستراحة كانت تتحرك معها إحدى المسؤولات عن عمال النظافة فقالت لها
خليكي هنا لما أشوف مين موجود معاكي الأسبوع دا 
هزت رأسها وظلت بمكانها تنظر بالفناء ذو المساحة الشاسعة دارت عيناها على تلاميذ الصفوف الأولى 
وقلبها كالمضخة يبحث عنه قبل عيناها وقف طفلها يتحرك بجوار بلال يضحك ضحكة صغيرة هزت جدران قلبها شهقة خرجت كأنها طعنة في الروح هنا توقفت أنفاسها وجمد الهواء في صدرها ارتجف جسدها بالكامل سوى دموعها التي أصبحت كالشلال هنا عجز كل شيء حتى توقف اللسان عن التفوه عن النطق عن كل ما يدل الحديث هكذا كانت أول رؤيتها له 
شهر مضى وهي تراقب طفلها من بعيد لقد نفذ صبرها وسحقتها أمومتها وهي تراه من بعيد تتنفس وجوده عن بعد تلتهم صوته بنظراتها لكنها لا تقترب 
أما اليوم فقد سقط سقط وكأن الحياة منحتها عذرا لتشفى 
ركضت نحوه بكل ما تبقى فيها من بقايا أمومة عجزت عن كل مايمنعها عن طفلها فتحركت خلفه تراقبه أثناء خروجه من المدرسة كان يركض في الزحام حتى سقط على ركبتيه هنا لم تتحمل المشاهدة فقط هرولت إليه بقلب أمومتها
حبيبي مالك رفع الطفل عينيه إليها بصمت هذا الصوت يتردد بأذني دائما نعم إنه صوت ماما!! 
همس الحروف بتقطع 
ماما شعرت بانسحاب أنفاسها ودوران الأرض بها وفقدت النطق وهو يراقبها بعينيه الصغيرة وهي تفحصه بلهفة أم انهارت وهي تتحسس ركبتيه كأنها تزيل آلامه قائلة
حبيبي الحمدلله مفيهاش حاجة ممكن ماتجريش تاني وتاخد بالك 
كأنه لم يسمع سوى صوت ميرال صورها ضربت ذكرياته حتى همس
مين حضرتك نطقها يوسف ومازالت عيناه تفحصها 
نهضت متوقفة مرتبكة تشير إلى نفسها 
أنا دادة هنا في المدرسة شوفتك وإنت بتوقع قالها قلبها باكيا قبل لسانها 
انحنى يحمل حقيبته وقال
شكرا لحضرتك قالها وخطا عدة خطوات ثم تراجع ملتفتا إليها
طنط توقفت ميرال وعيناها تذرف بالدموع وهي تستمع إلى كلماته اقترب منها يوسف 
حضرتك اسمك إيه 
صمتت ولم يكن لديها القدرة على النطق حتى همست بتقطع
مروة اسمي مروة 
شكرا طنط مروة قاطعهم بلال وهو يناديه
جو ياله بابا هيروحنا النهاردة استدار وغادر حتى توقف لدى الباب ينظر إلى وقوفها وهي تراقبه ظل ينظر إليها لفترة إلى أن استمع إلى أرسلان 
يوسف استدار وتحرك إليه 
أسبوعا آخر وهي تقترب منه شيئا فشيئا أصبحت من ينتظرها يوسف يخبئ لها الشوكولاتة ويحكي لها أسرار طفولته مع والده 
جلس بجوارها ذات يوم وهو يأكل سندوتشه ثم تعمق بعينها المختفية خلف نقابها ولم يظهر منها سوى بريقا فقط فقال
صوتك شبه ماما الله يرحمها 
الله يرحمها أغمضت عينيها وهي ترددها
أهو جرح جديد في صدرها لكنها ابتلعت الغصة وهمست
ربنا يرحمها ياحبيبي
طيب مين مامتك دلوقتي قاطعهم صوت المعلمة
يالا ياولاد على فصولكم اعتدل يحمل صندوق طعامه الصغير
هشوفك بعد المدرسة 
اومأت بصمت تراقب تحركه إلى أن اختفى عن عيناها نظر للذي سقط منه انحنت والتقطتها ميدالية مفاتيح بها صندوق صغير فتحته بانامل مرتجفة وجدت صورتها 
وضعت كفيها على فمها تمنع شهقاتها
باليوم التالي ظل يبحث عنها كالذي يبحث عن والديه جلس بحزن ولم يتناول طعامه يوما اخر دلف يبحث عنها بضياع حين اختفت ليوم واحد بسبب مرض طفلتها جاء إليها غاضبا كأنه ضاع
طنط مروة إنتي مجتيش إمبارح أنا استنيتك 
ابتسمت وقلبها يتمتم لها هو استناها!
هنا شعرت وكأن الوجع تبخر في لحظة 
اقترب ابن عمه 
يوسف بتعمل إيه هنا بقالي كتير بدور عليك 
أشار إلى ميرال وقال
كنت بشوف طنط مروة أصلي مشفتهاش إمبارح مجتش 
تطلع إليها بلال ثم اتجه إلى ابن عمه
إنت إزاي تقعد مع حد متعرفوش عمو لو عرف هيزعل منك 
تناول سندوتشه وكأنه لم يستمع إليه حتى انتهى وتوقف 
هشوفك بعد المدرسة 
أومأت دون حديث فتحرك بجوار ابنه عمه استمعت إلى إحدى العاملات
معرفش دي متوصي عليها باين إحنا بس اللي بندخل الحمامات مع الأطفال ودي قال إيه بتراقب الفصول تكونش أبلة الناظرة 
استمعت إلى حديثهم ورغم ذلك ظلت مبتسمة تراقب طفلها حتى اختفى فتحركت متجهة إلى مكانها المخصص 
بعد فترة خرج يوسف وتوقف ينتظرها أمام المدرسة كعادته تحركت متجهة إليه وابتسامتها تنير وجهها 
واقف في الشمس ليه ياحبيبي ياله روح 
بكرة وبعده إجازة ممكن يبقى تكلميني صمت للحظات ثم قال
لا لا مينفعش ممكن بابا يزعل لو عرف 
انحنت وجلست على عقبيها أمامه ذراعه 
حبيبي يومين بس وإن شاءالله أشوفك تاني المهم خلي بالك من نفسك وأوعى تزعل بابي لازم نسمع كلامه 
أنا عايز أشوف وشك مش يمكن تكوني شبه مامي زي ماصوتك زيها 
وجهه وابتسمت وهناك عاطفة قوية فلم تشعر بنفسها سوى وهي بقوة أم
غاب طفلها لسنوات من الحرمان ولكنها فزعت على صوت خلفها
يوسف صاحت بها رؤى بصوت مرتفع فاستدار ينظر إليها ثم اتجه إلى ميرال ينظر إليها بجهل عقله ولكن بقلب طفل شعر والدته 
لحظات ونظراته تراقب كل شيء بها ثم اتجه إلى رؤى التي كررت نداءها 
إنت بتعمل إيه مع الست دي 
أشار على ميرال التي وقفت تراقبهم وقال
تعالي أعرفك على طنط مروة شبه ماما بالظبط 
هزة
عنيفة أصابت رؤى التي توقفت متصنمة ترمق ميرال بنظرات تفحصية ثم قالت
ميرال!! 
هز رأسه بالنفي وقال 
لا دي طنط مروة نانا هنا في المدرسة كنت عايز أحكي لك عنها بس إنتي مبقتيش تيجي عندنا 
شعرت بالصراع وكأن عقلها توقف فجأة ثم اقتربت من ميرال خطوة فجأة توقفت بعدما أيقنت أنها هي 
شعرت بنيران تحرقها بالكامل وهي تنظر إليها حتى تقابلت العيون للحظات فهمست رؤى 
ميرال تاني استمعت إلى يوسف
هديها الشيكولاتة دي ونمشي على طول قالها وتحرك خطوة إلا أنها أوقفته وابتسمت 
حبيبي لو سألتك مين دي قولها ماما مرات بابا 
قطب جبينه متسائلا 
ليه أقولها ماما وبابا مش متجوزك! 
أشارت للأطفال حولها وقالت
علشان تعرف إنك مش لوحدك وفيه حد تاني بيحبك قولها وبس وأنا أفهمك علشان تخاف تعمل فيك حاجة مش إنت بتحب خالتو 
حاضر قالها وتحرك إليها يبسط يده بالشيكولاتة 
اتفضلي دي وهستناكي يوم الأحد 
أشارت ميرال بعينها على رؤى حتى لا تثير شكوك رؤى التي تنظر إليها
مين دي حبيبي 
صمت يوسف ثم قال
دي ماما اللي عايشة معانا مرات بابا 
رفعت ميرال رأسها سريعا إلى رؤى 
لحظة تصادم 
بين الحاضر والماضي 
بين الحقيقة والكتمان 
بين الأم 
رؤى! أومال غادة إيه! 
ابتسمت رؤى بعدما رأت ذهول ميرال وتخبطها فنادت على يوسف
ياله ياحبيبي 
بعد إذنك 
قالها واستدار إليها بينما ظلت ميرال واقفة بمكانها غير مستوعبة ماوصل إلى أذنها 
بمنزل يزن 
خرجت رحيل متجهة إلى شركتها قابلها طارق بالحديقة
رحيل فيه موضوع مهم لازم تعرفيه
ضيقت عيناها وتوقفت تنتظر حديثه
الشركة اللي كنت كلمتك عنها 
اومأت منتظرة حديثه فقال وهو يطوف بعيناه بالمكان
عرفت أنهم شغالين غسيل أموال 
شهقة اخرجتها بخفوت تضع كفيها على فمها
يالهوي ياطارق احنا مضينا العقود 
اقترب يربت على كتفها يطمئنها
اهدي انا هتصرف هشوف اعمل ايه 
تتصرف مش دي اللي قولت ناس نضاف 
قولت هتصرف متخافيش
تحركت بخطوات واهنة تهمس بخفوت
في اقرب وقت ياطارق في اقرب وقت لو سمحت
قالتها وتحركت متجهة إلى سيارتها قابلتها رؤى التي كانت تقف تراقبها
شايفة انك واخدة على طارق اوي متنسيش أنه اخو يزن وكمان كنتي مخطوباله
امشي يابت من وشي مبقاش غير المرضى النفسيين تمتم بها رحيل وركبت سيارتها تشق طريقها بسرعة جنونية
ابتسمت رؤى بسخرية 
هنشوف مين اللي مريضة نفسية ياست الجميلة
بعد فترة وصلت إلى شركة إلياس 
عايزة اقابل إلياس لو سمحتي 
عندك ميعاد سابق 
لا بس ضروري أقابله
قالتها بخروج غادة من مكتبه تضحك توقفت تنظر إلى رحيل
رحيل فيه حاجة 
فركت جبينها وتلعثمت بالحديث
كنت عايزة اسأل إلياس في حاجة
بمنزل ارسلان 
جلست صفية بين احفادها تداعبهم دلفت غرام وهي تحمل فواكه 
ماما صفية شوية راحة بقى ياله حبايبي خلوا تيتا تتنفس شوية 
نهضت ضي قائلة
انا هروح عند عمو إلياس عايزة جو يعلمني
لعبة جديدة 
تمام حبيبتي اوعي تتشاقي علشان متتعبيش النانا هناك 
حاضر يامامي 
بينما
توقف بلال قائلا
عندي هوم ورك هروح اخلصه اومأت له ثم اتجهت تجلس بجوار صفية تضع أمامها الفواكه
عمو فاروق اتصل
وقولت له إنك نايمة انا معرفش ايه اللي
________________________________________
حصل بس بلاش الزعل يضيع الحاجات الحلوة اللي بنتوها طول السنين 
إنتي بنت أصيلة ياغرام وابني محظوظ بيكي 
وأنا محظوظة بيها ياست الكل قالها ارسلان 
ربنا يبعد عنكم العين حبيبي 
يارب ياماما بحث بعيناه عن أبنائه 
فين الولاد 
بلال جوا وضي عند يوسف 
يادي النيلة على يوسف الواد دا هيعمل غسيل لبنتك هروح تشوفهم بيعملوا ايه إلياس لسة مرجعش اصلا
بمنزل يزن 
كان يجلس بجوار ابنه وهو يقوم بتلوين بعض الرسومات استمع إلى
تم نسخ الرابط