كانها الحياة بقلم سيلا وليد

لمحة نيوز

حاجبها باستخفاف 
_ليه المدير بتاعكم فرعون ولا ايه وسع كدا هتأخر عن الموعد
_ممنوع دا خاص بالمدير 
تاففت وتحركت الى الدرج تسبه صعدت الى الطابق السابع بانفاسا متقطعة.. وصلت الى السكرتيرة تهمس بتقطع
_استاذ طارق الشافعي موجود
رمقتها السكرتيرة بامتعاض ونظرت الى ثيابها البسيطة 
_ طارق باشا مرة واحدة ليه 
اعتدلت بعد انتظام انفاسها تنظر اليها بصمت ثم استدارت تدفع باب مكتبه بغضب
_عايزة اوصل لحضرتك والبني ادمة دي رافضة
_اسفة مستر طارق بس حضرتك شايف شكلها 
نصب عوده وتوقف يتطلع الى هيئتها
_انتي مين 
_هند.. اومأ رأسه بعدما تذكر حديث ميرال فاشار الى السكرتيرة
_خلاص ياشاهي سبيها 
_بس يامستر دي 
استدارت هند تحدجها بغضب
_ مالك سبيها ولا الاستاذة مابتفهمش عربي 
توقف ينظر اليها مذهولا وشق ثغره ابتسامة واشار للسكرترية بالخروج بينما هو جلس يشير الى المقعد
_اتفضلي استاذة هند
اخرجت اوراقها ووضعته امامه
_ دا Cv.. ممكن تشوفه حضرتك 
_ انتي هند بنت مدام نعيمة 
_بيقولوا كدا 
هز رأسه متسائلا
_مين دول 
_ اللي زي حضرتك يامستر 
زفر بتأفف فيبدو انها مندفعة
مرت السنوات سريعا إلى أن أصبح الشابين بكلية الطب..ذات ليلة جلسا مع بعضهما البعض
عجبني تخصص المخ والأعصاب أوي والأحسن فيه ربطه بالعظام. 
_ يعني إيه..! تسائل بها يوسف
_أقولك أول مادخلت الكلية كنت عايز أعرف أيه السر في إن مريض العظام بيروح لدكتور مخ وأعصاب. 
_أممم...طيب
________________________________________
فهمني. 
_ بص الأعصاب متحكمة في كهربة الجسم زي المخ الحبل الشوكي..
أما دكتور العظام هو المسؤول عن الهيكل اللي بيتحرك فيه العظم والمفاصل والعضلات.
يعني لو الألم سببه خشونة أو انزلاق في فقرة من ناحية العضم يروح لعظام.
لكن لو الألم جاي من ضغط الفقرة دي على العصب وبيوصل الألم للرجل دا بيكون دكتور مخ وأعصاب.
يعني العظام مسؤول عن هيكل الجسم وأعصابه اللي فيها كهرباء بتوصلها للجسم اللي هو خاص بالمخ والأعصاب من الآخر كدا الاتنين بيكملوا بعض.
_ لا شاطر ياببلاوي أغرتني وحبيت التخصص بس خلاص ماينفعش أنا مع الكمثراية بتعتي.. 
كفاية فيه إنه هو اللي بيعرفك بتحب ولا لأ.
ألقاه بكتابه 
_ تصدق مهما يعملوا فيك هتفضل تافه كدا.
ألقى بصره الى آسر الشارد
_ سيدي القاضي الى أين ذهبت هل لديكم لصوص تقدموها لعدالتكم 
_ أنا أترفض في النيابة!!
اقترب يوسف منه وسحب مقعدا وجلس 
_أنا سمعت بابا بيتكلم مع خالو محبتش أضايقك اللي عرفته في حاجة حصلت زمان في العيلة علشان كدا رفضوا. 
تراجع بجسده على المقعد وتجمعت الدموع بعينيه
_ كان حلمي وأملي يايوسف حلمت كتير أوي أكون وكيل نيابة.
قاطعه بلال موضحا
_أنا مش هقولك تتعوض بس اعرف دا نصيب وقدر مش موضوع العيلة ممكن فيه حاجة تانية أحسن في مجال المحاماه اجتهد إنت بس وإن شاء الله ربنا هيعوضك. 
مسح على وجهه بحزن 
_ أربع سنين الأول على دفعتي وكل سنة أقول باقي سلمة. 
ربت يوسف على كتفه 
_آسر..مين مننا حقق حلمه أنا كان نفسي أبقى طيار وبابا رفض.. 
وبلال كان عايز يبقى مرشد سياحي وعمو رفض خلاص دا نصيبنا ممكن يكون فيه أحسن من اللي رتبناله.
قاطعهم طرقات على باب الغرفة.. ثم دخول شمس..اقتربت من آسر
عرفت من خالو إنك مااتوفقتش في النيابة ممكن ماتزعلش. 
رفع رأسه إليها ثم نهض وقال 
_ هروح زمان ماما قلقانة سلام. 
تحركت شمس خلفه تحاول مواساته توقف ينظر إليها باهتمام 
_ بلاش تفكري في الخارجية يابنت عمتو ادخلي كلية حققي حلم يتحقق 
ياله باي. 
توقفت تردد حديثه وتجمعت الدموع بعينيها
_للأسف ياآسر عرفت دا بس متأخر.. 
قالتها واستدارت..وجدت إلياس بوجهها
_ واقفة كدا ليه حبيبتي 
_زعلانة على آسر يابابي كان بيحلم أوي بالنيابة. 
بوصول أرسلان 
_حاولت أساعده وإسحاق تدخل للأسف قوانين مينفعش. 
_ أومأ متفهما ثم قال
_قولتها زمان علشان كدا محبتش أربط ولادي بأوهام.
رفع ذقن شمس 
_علشان كدا مفيش سياسة واقتصاد حبيبة بابي.
_خلاص يابابي هدخل طب زي يوسف 
قالتها وتحركت بهدوء رغم حزنها.. 
تابعها أرسلان بعيون حزينة 
_ابعتها تخرج مع ضي..يغيروا جو..
أومأ له ثم أشار بالدخول.
بعد فترة.. 
جلست أمام المرآة تنهي زينتها تذكرت غضبه صباح اليوم عليها بسبب ثيابها الضيقة نهضت تعدل من وضع فستانها ثم قامت بوضع بعض المساحيق التجميلية..خرجت وقامت الاتصال بشمس
_حبيبتي ياله هنتأخر.
ردت على الجانب الآخر 
_ خلاص نازلة أهو قالتها بخروج يوسف وبلال من غرفة الرياضة استدار بلال يطلق صفيرا
_ماتيجي أتجوزك ياشموسة.
رمقه يوسف بغضب
_لم نفسك يادكتور عيب. 
غمز إليه 
_ أنا آخد أختك وإنت تاخد أختي. 
_ ياخدك ربنا يابعيد..قالها وخرج خلف أخته وجدها تتجه نحو ضي التي ترتدي فستانا من اللون الأسود.. زم شفتيه وسحب عيناه من ناحيتها مع وصول بلال..الذي تحرك أليها بعدما وجدها بذلك الفستان الذي حذرها منه
_إيه اللي إنتي لابساه دا.
_رايحة حفلة عيد ميلاد صاحبتي مالكش دعوة وروح عند صاحبك السوسة وقوله بلاش حركاته دي أنا متأكدة إنه هو اللي قالك..
قالتها وصعدت الى السيارة وتحركت مع ذهول بلال من ردها.
في اليوم التالي
دلف يوسف إلى الحرم الجامعي.. 
لم يلبث أن وقعت نظراته عليها واقفة أمام أحد الزملاء والضحكات تتعالى بينهما تدغدغ المكان كشرر مستفز
_خلاص هنسهر للصبح قالتها وأشارت إليهم..
_ بس طبعا في حدود ياإيمي إنتي وخطيبك ومها وخطيبها مش مشكلة وهجيب بنت عمي وكمان بنت خالو يزن متقلقوش هنحجز على النيل.. 
هناك أعين قبيحة تترصد الحديث
_طيب ياضي وأنا مش معزوم. 
لم تكد ترد عليه حتى اقترب ذلك الذي اشتعلت نيرانه..
تقدم نحوها بخطوات متسارعة كمن فقد صوابه وكل خطوة تشعل الغضب أكثر..
اقترب
_ امشي قدامي يامحترمة!
توقفت فجأة تشد يدها من قبضته بعنف وغضب جارف
_ إنت إزاي تسمح لنفسك تعمل كده اتجننت وبعدين بتراقبني ليه جاي الكلية ليه أصلا! ابعد عني!!
وقبل أن تكمل ارتسمت على وجهه ملامح الجنون ولم ير سوى يد 
شهقة علت من حولهم ومع ذلك لم يتوقف وسحبها بغضب جارف تقدم منها ذلك الشاب يحاول التدخل فوقف أمامها مدافعا
_ في إيه ياضي مين ده
غلت الدماء في عروقه قبض ا

_ يلا على العربية!
أشار للحارس الخاص بها وهو يفتح الباب
_ وصل الأنسة لحد البيت فورا.
اقترب منها وهمس بصوت منخفض لكنه أشبه بصفير أفعى
_ أقسم باللهماهرحمك لو ماسمعتيش الكلام.
تجمدت في مكانها وعيناها ترتجفان بالدموع والذهول بينما اقتربت إحدى الفتيات بخطوات مترددة
_ دكتور يوسفروحت فين كنت بدور عليك!
استدار ببطء يسحب أنفاسه محاولا كبح الغليان الذي بداخله ثم قال بابتسامة مصطنعة وعيناه لا تزالان تحترقان بالنظر إلى ضي
_ آسف يامروة..يلا اتأخرنا.
مساء اليوم.. 
ترجلت من سيارتها مع خروج يوسف الذي قطب جبينه ناظرا إلى ساعته
_ كنتي فين ياحبيبتي
_ كنا بنحتفل بعيد ميلاد ضي هما جايين
لم تكمل حديثها إذ توقفت سيارة غرام ونزلت منها ضي مسرعة نحو يوسف وجهها مشتعلا بالغضب
_ كنت فين حضرتك! بقالك أربع ساعات!
زوى حاجبيه بدهشة ثم قال بحدة
_ وإنتي مالك اتجننتي يابت ولا إيه
قالها تزامنا مع خروج أرسلان وحمزة من المنزل
_ إنت بتكلمني كده ليه
اقترب منها خطوة
_ ضي متنسيش نفسك..إنتي لا أختي ولا ليكي حق تسأليني كنت فين.. خليكي في نفسك عندك أخوكي أهو اتحكمي فيه ولو على اللي حصل النهاردة فدا علشان عايزة تأهيل تربية
صرخت بغضب مجنون
_ لا ياحبيبي! أنا أكتر واحدة ليا الحق فيك سمعتني!
تطلع إليها مذهولا عيناه كادتا تخرجان من محجريهما من الصدمة فتابعت بانفعال أشد وصوتها يعلو وسط وجوه العائلة المذهولة
_ أنا بقولك قدام بابا ياابن عمي..إنت حقي أنا واخبط دماغك في مليون حيطة!
قالتها تزامنا مع خروج الياس وميرال.
اقترب منها إلياس بخطوات سريعة وجهه يشتعل غضبا
_ بت إنتي اتجننتي!
غرست عينيها في عينيه متحدية وهمست بصوت منخفض لا يسمعه سواه
_ والله لأدفعك حق القلم غالي ياابن عمي
ثم استدارت نحو والدها تهتف
_ الدكتور المحترم راح الجامعة وقال لكل الدفعة إني خطيبته!
مش كده يادكتور مش دا إعلان رسمي
رفعت ذقنها وقالت متحدية
_ والصراحة أنا مش هلاقي أحسن منك ياابن عمي ياجميل.
شهقات متتالية خرجت من الجميع ماعدا الياس الذي كان يراقب نظراتها الثابتة نحو ابنه ثم رفع صوته الهادر قائلا
انتهى الفصل اتمنى ينال اعجابكم 
ورجاء متنسوش التفاعل عليه
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين 
أتبوح بامتلاكي أمام الجميع
ثم تنكرني حين نكون وجها لوجه وكأن قلبي لم يكن له مكان في عالمك.
أما أنا فلا أملك هذا التناقض
فها أنا أعلنها بصراحة
لقد امتلكت روحي قبل قلبي
وعقلي قبل نبضي
وصرت في كما يتخلل الضوء أعماق البحر
لا يرى لكنه يسكن كل شيء
وأنا أسير وحدتي بين هذا الحب المنكر
صمتك وأبكي قلبا لا يملكه إلا أنت
وأعشقك كما يعشق القلب ما يستحيل امتلاكه
ومع ذلك يركض نحوه بكل جنون.
تجمد الجميع بالمكان للحظات بعد جملتها الجريئة.
شهقات خافتة همهمات مكتومة ووجوه مصدومة تتبادل النظرات بين ضي ويوسف
نظر اليها بوجه شاحب كمن تلقى صفعة
_موافقة على إيه ياضي اتجننتي! إنتي عارفة إني مش طايقك.
رغم حديثه الذي اخترق صدرها كالخنجر
_بس أنا موافقة خليك قد كلمتك ياراجل. 
قالتها بتحدي ممزوج بالعناد.. 
كل هذا والجميع في حالة صدمة وترقب أفزعهم صوت إلياس الذي يراقبهم بصمته الحاد المميت كالسوط
_ تعالولي على المكتب أنتوا الاتنين!
التفتت ضي نحوه بعينين مرتجفتين
_ بقولك ياعمو...
لكنه لم يرد فقط أعاد كلماته بجمود يخفي وراءه إعصارا
_ قلت تعالوا لي على المكتب.
_استنى ياالياس لازم أعرف إيه اللي حصل.. تمتم بها ارسلان بعيونا كادت ان تخرج على محجريها
استدار الياس دون حديث بينما
تحرك يوسف بخطوات سريعة دون أن يلتفت إليها وكأنها لم تكن.
أما هي فبقيت للحظة كأنها فقدت توازنها إلى أن اقترب أرسلان بخطوات ثقيلة ونظرات تجمع بين الغضب والخذلان
_ أنا مربي بنتي على الثقة بالنفس..مش على الوقاحة وقلة الأدب.
سكت لحظة يزفر غيظه
_من إمتى وإنتي وقحة كدا!
_ بابا..
رفع إصبعه أمام وجهها يأمرها بالصمت وأردف بصوت خفيض لكنه يحمل ألف تهديد
_ عملتي إيه يابنت أرسلان علشان يوسف يقول كده وكلنا عارفين علاقتكم ببعض شوفي عمك وتعالي.
استدار بعدها نحو غرام التي كانت تتابع المشهد بعينين دامعتين لم يتكلم فقط نظر إليها طويلا بصمت موجع ثم أشار إلى حمزة
_ ادخل ياحبيبي.
حاول التماسك وهو يربت على كتف حمزة بابتسامة باهتة
_ آسف ياحبيبي..ضي مجنونة شوية.
رد حمزة بخفوت حزين
_ تعرف..معرفتهاش كبرت أوي.
ابتسم أرسلان لكن داخله كان يحترق..فابنته لم تكبر فحسب بل جرحته بوعيها بتمردها وبعينها التي صارت ترى شخصها على الجميع..
دلف إلى مكتب والده وجهه لوحة من الغضب الحارق والعروق في صدغيه تنبض كأنها على وشك الانفجار.
أخرج إلياس سيجارته وأشعلها بهدوء ثقيل يتابع انفعالات ابنه دون أن ينطق خاصة حين اتجه إلى شرفة المكتب يبتلع أنفاسه النارية محاولا السيطرة على ذاته.
لم تمر دقائق حتى دلفت ضي بخطوات واثقة وكأن من يراها لم يقل أنها تلك التي ألهبت الجميع بنيران جرأتها قبل غضبها.
أشار إليها إلياس بالجلوس فجلست متصلبة رمقت الذي يدير لها ظهره وقلبها يئن من الألم والحزن.. 
صاح بصوت خافت يشق الصمت
_يوسف..
نطقها وهو ينفث دخان سيجارته وعيناه تتنقلان بين وجه ضي وظهر ابنه.
استدار يوسف أخيرا وجلس دون أن ينبس بكلمة لكن ساقيه كانتا تظهر عصبيته الواضحة.
نظر إلياس إليها ثم قال بنبرة ثابتة
_سامعك ياضي.
رفعت نظرها إليه وقالت
_أنا قولت ياعمو اللي حصل.
اقترب إلياس بجسده من مكتبه واستند بمرفقيه عليه عيونه تضيق باهتمام
_لا ياعمو..إنتي قولتي غضبك من يوسف ونتيجة حرقة قلبك..بس ماقولتيش اللي حصل فعلا.
التفتت تنظر إلى يوسف الذي جلس في برود يثير جنونها كأنه حجر لا قلب له.
ارتجفت أنفاسها قبل أن تقول بصوت متقطع
_ابن حضرتك أهانني في الكلية قدام زمايلي.
زم إلياس شفتيه يكرر ببطء ثقيل كمن يختبر وقع الكلمة
_ابن حضرتك..يعني مش يوسف
ارتجفت شفتاها واختنقت عيونها بالدموع ثم همست
_ضربني بالقلم ياعموقدام الكل..وقال إني خطيبته.
التفت إلياس بسرعة نحو ابنه نظراته كالسياط لكن يوسف بقي كما هو..صامتا ساكنا كأنه ليس الذي يحكى عنه بل جلس بثبات قاتل أو كأنه لا يرى نفسه مذنبا بما فعله.
_إيه اللي بنت عمك بتقوله دا إنت أكيد اتجننت إنت ناسي نفسك علشان تضربها وإنت مين أصلا علشان تمد إيدك عليها!..
ظل كما هو يستمع إلى والده وعيناه تنظر إلى الخارج من خلال الشرفة..كأن روحه تائهة أنفاسه بطيئة وجهه متماسك..لكن في عينيه نار مكبوتة توشك أن تلتهم الصمت... لحظات الى إن انتهى والده من توبيخه فاستدار اليه
_ أنا ابن عمها زي ماحضرتك قولت واللي اتعلمته واتربيت عليه لما أشوف الغلط مااسكتش.
استدار نحوها بنظرات أشبه بصفعة ثانية كأنها تجردها من كل ماتبقى من كبرياء وهدر بصوت غليظ غارق في الغضب المكبوت
_لما أشوف بنت عمي اللي تحمل دمنا واسم العيلة 
شهقة خرجت من فمها كأن أحدهم انتزع منها الروح و ارتجف جسدها وبريق الدموع لم يعد يحتمل لينذرف على خديها بينما إلياس جلس كتمثال من نار السيجارة تحترق بين أصابعه دون أن ينتبه حتى انطفأت في رمادها وعيناه على ابنه بأنفاس تتسارع كأن قلبه هو الآخر يدخن وجعا.
رمقها يوسف بحدة ورغم دموعها إلا أنه واصل بقسوة تقطر سما
_ماتقولي يامحترمة ليه ضربتك بالقلم وجاية بكل بجاحة توقفي قدامي لو موضوع خطيبك دا مضايقك أوي مستعد الصبح أروح لك الجامعة وأفهمهم..يمكن زعلانة على حد
سقطت الكلمات عليها كالرصاص..
تشعر و كأن الأرض سحبت من تحت قدميها.
هنا فقدت النطق وانسابت دموعها بغزارة حتى ارتجفت شفتيها بدخول أرسلان الذي استمع إلى كلمات يوسف 
_يوسف..صرخ بها أرسلان مقتربا منه بعقل فقد السيطرة وأمسكه من تلابيبه
_إنت اتجننت!! إيه اللي بتقوله دا!
شعر يوسف بالحزن من حالة عمه اتجه بنظره إلى ضي التي شحب وجهها ولم تتفوه بحرف ثم رفع عيناه إلى أرسلان
_ آسف ياعمو أنا بس كنت مضايق منها وعايز أغلطها قدام بابا وبس قالها والتفت إليها 
آسف يابنت عمي وزي ماقولت لك بكرة هروح أصلح غلطي.
رفع عيناه إلى أرسلان الذي مازال تحت تأثير صدمة مااستمع إليه 
_عمو آسف بجد حضرتك عارف إني عصبي وممكن أكون اتجاوزت حدودي معاها أرجوك متزعلش مني..
قالها وتحرك مغادرا للخارج..بينما ظل أرسلان ينظر إلى ابنته التي تبكي بصمت اقترب منها بخطوات ثقيلة مع وقوف إلياس قائلا
_ضي قومي روحي ومتزعليش من يوسف حبيبتي هو شاب والشباب دايما بيكونوا منفعلين. 
_معملتش حاجة.
قالتها بنحيب باك تتقطع أنفاسها كأنها تخرج الألم مع كل كلمة..
انحنى أرسلان بجانبها كأن العالم انهار فوق كتفيه حاوط مقعدها بذراعيه وصوته يرتجف وهو يهمس
ليه ياضي ليه يوسف قال كده! أنا متأكد إنه مش بيكذب..احكيلي إيه اللي حصل ومين الشباب اللي يقصدهم
رفعت وجهها نحوه عيناها متورمتان دموعها تتساقط بلا توقف وقالت بصوت مبحوحا من البكاء
_بابا
قالتها كطفلة تستنجد من غرقها ثم تابعت وسط شهقات متلاحقة
كنت واقفة مع صحابي..بنتكلم عن عيد ميلادي..والله العظيم يابابا كنت بس يوسفيوسف
توقفت وانهارت شهقاتها حتى تعالت أنفاسها لدرجة الألم..
شعر أرسلان وكأن الأرض انسحبت من تحته جسده كله ارتعش وعروقه انتفخت بعنف مكبوت.. تراجع 
يتمتم بصوت متقطع بالكاد خرج من صدر يحترق
منين جاتله الجرأة يعمل كده!!
مد يده فجأة ورفع كفيها المرتجفتين وأردف بصوت غليظ كالرعد الذي يسبق العاصفة
_امشي من قدامي ياضي..امشي قبل ماأعمل اللي يوسف عمله
تجمدت عيناها تلمعان بالدموع وقلبها ينزف من الخوف من وجع والدها
نظرت إليه نظرة طويلة مرتجفة كأنها تقول سامحني دون أن تنطق
ثم التفتت نحو إلياس الذي كان يراقب المشهد بصمت ثقيل..
أشار إليها برفق ظاهري وبنبرة خافتة تحمل تحتها ألما خفيا
_ روحي دلوقتي ياحبيبتي..وأنا بتأسف لك نيابة عن يوسفمتزعليش منه خايف عليكي..وأنا بوعدك مش هخليه يقرب منك تاني وبالنسبة للي قاله متأكد دي نيته إنتي زي شمس يعني لو شمس عملت كدا كان دا رد فعله.
رفعت عينيها إليه بذهول موجع
كأنها تلقت طعنة ثانية لا تقل قسوة عن الأولى..
نهضت بخطوات متعثرة والدموع تحجب عنها الطريق قلبها ينفطر
وهي تسمع خلفها صوت أرسلان يخنق أنفاسه ركضت الى المنزل بخروجه يصطدم بها بعدما صعد وأبدل ثيابه..
توقفت تنظر إليه بخذلان..ترك ذراعيها وقال 
_على مهلك..كنتي هتوقعيني.
ابتلعت ريقها وأزالت دموعها بعنف تكره نفسها من ضعفها أمام أحد وخاصة أمامه سحبت نفسا تزفره بهدوء بعدما تحرك ولم يكترث لبكائها..
_دكتور يوسف. 
توقف يستدير إليها..لتقترب منه
_أنا مكنتش هسكت للولد بس رغم كدا بشكرك على تدخلك..دنت خطوة من وقوفه وطالعته بعيون مستاءة 
_شكرا لكرم أخلاقك ولإعادة التربية بس زي ماقولت بابا وبلال أولى بتربيتي ابعد عن قليلة التربية ويوم ماأفضح العيلة يبقى اتبرى مني..
قالتها وانسحبت من أمامه تخطو بخطوات واسعة ثم قامت بجذب حجابها وألقته على الأرض تدوس عليه بحذائها وتحركت إلى منزلها كل هذا وهو يراقبها بصمت ولم يغيب المشهد عن ميرال التي توقفت تتابع مايحدث..خطا الى الحجاب الملقى على الأرض لم يلفت انتباهه في بداية الأمر ولكن بعد نزعه بتلك الطريقة علم أنها أحرقت كل مايخصه اقتربت ميرال تجذب من بين يده الحجاب 
_سيبه هغسله وأبعته الواحدة لما تبقى مضايقة من حبيبها أول حاجة بتفكر فيها تحسسه بنارها ودا اللي عملته.
استدار إلى والدته
_ماما ضي مش حبيبتي قولتلك قبل كدا مليون مرة. 
_متأكد.. 
_وحياة ربنا مافي مشاعر ليها عندي أتمنى الموضوع دا يتقفل بلاش كلامك ونظراتك اللي بتحسسني إننا دايبين في بعض.
_يوسف..أنا أمك..وأكتر واحدة أفهمك.
_ماما مبحبهاش..صدقي بقى مبحبهاش..قالها واتجه إلى سيارته بعدما وضع الحجاب بكفيها.
بمنزل مالك.. 
تسحبت بهدوء من جوار طفلها ثم نهضت للخارج تسحب نفسا وهي تجمع خصلاتها وقعت عيناها على زوجها الذي غفى بنومه ..خطت إليه بهدوء تسحب طفلتهما فتح عيناه أومأت هامسة
_هدخلها أوضتها..قالتها وهي تحملها متجهة إلى الداخل بينما اعتدل بجلوسه يجمع ألعاب ابنته مع خروج غادة. 
_حبيبتي قومي نامي في الأوضة وأنا قدامي ساعتين لسة على الشغل. 
_لا هنام هنا علشان لو حد من الولاد صحي.
 
_معرفش ليه مشيتي المربية طيب أنا وافقت في الأول علشان مكنش فيه غير فريدة بس دلوقتي معاكي ولد كمان. 
_محبتش نانا تربي ولادي يامالك عايزة أعيش تفاصيلهم.
قائلا بصوت خافت يغلبه القلق
_غادة الإرهاق باين عليكي أنا مش مرتاح لحالتك دي..فارس كبر ياحبيبتي والنانا ممكن تساعدك شوية..مش بقولك تبعدي عنهم بس اهتمي بنفسك شوية علشانهم وعلشاني.
أومأت برأسها في إنهاك ثم أطبقت جفنيها واستسلمت لنوم سريع ثقيل.. يحدثها همسا ظنا منه أنها مازالت تسمعه لكن كلماته ذابت في صمت نومها. وضع رأسها على الوسادة برفق جلس بجوارها للحظة يتأمل ملامحها المرهقة ثم نهض وسحب علبة سجائره متجها نحو الشرفة.
لم يكد يشعل سيجارته حتى دوى رنين هاتفه التقطه على الفور
_أيوه ياماما
جاءه صوت ليال ناعما على الجانب الآخر
_حبيبي عمك هنا..انزل إنت وغادة شوية وكمان هات
________________________________________
الولاد نفسهم يشوفوهم.
مسح على وجهه بتعب يحاول كبح انزعاجه الذي بدأ يتسلل من جديد فهذه ثالث مرة تكلمه والدته لنفس السبب..سحب نفسا من سيجارته وقال بصوت متماسك
_سلميلي عليه ياحبيبتي بس أنا نازل شغل ضروري ومش عارف هرجع إمتى..وغادة نامت دلوقتي.
تنهدت ليال بغيظ مكتوم ثم نهضت أمام ضيوفها ورسمت ابتسامة مصطنعة..ابتعدت بضع خطوات وقالت له بنبرة أم متعبة
_أنا مش كلمتك قبل كده يامالك
_عارف ياماما والله آسف بس حضرتك عارفة ظروفي.
_ظروف إيه ياابني بقالي أسبوع ماشوفتش مراتك ولا ولادك..لو مش فوق مني كنتوا نسيتونا خالص.
_ماما آسف والله لازم أقفل..اتأخرت.
أنهى المكالمة بتأفف واضح ثم التفت نحو الاريكة إلى تلك التي تغط في نوم عميق لا تدري شيئا عن اشتعاله الداخلي..
فتحت عينيها نصف فتحة وهمست بتعب
_مالك بتعمل إيه
اجابها بنبرة خشنة حاول أن يخفي خلفها ضيقه
حاولت أن تعترض لكن الإرهاق سحبها من جديد إلى غيبوبة النوم. ثم دثرها جيدا وجلس على المقعد المقابل يحدق في ملامحها المنهكة...
ظل على تلك الحال حتى غلبه النعاس فنام هو الآخر
بمنزل طارق..
خرجت من المطبخ تحمل طبقا مملوءا بالفواكه تتهادى بخطوات هادئة بينما تبحث عنه بعينيها..لمحته يقف بالشرفة الهاتف بيده يتحدث به وطفله بين ذراعيه.
وضعت الطبق على الطاولة واقتربت منه وماإن وصلت حتى تلقفت صغيرها بحنان من بين ذراعيه وتوقفت تستمع لحديثه الحازم
جهزيه في ملف واحفظيه على اللاب ولما أرجع فكريني بيه..وبالنسبة للأوراق اللي محتاجة إمضاء ابعتيها لمدام رحيل أنا مش هرجع غير بعد يومين.
أنهى المكالمة واستدار نحوها ليجدها تنظر إليه بنظرات غاضبة
مالك ياحبيبتي واقفة كده ليه
ردت بصوت يحمل خليطا من الغضب والغيظ
_مش قولت إن البت دي ماتتواصلش معاك مش قولت هتغيرها لسه موجودة بتشتغل عندك ليه
تنهد بعمق وهو يومئ نحو الطفل بين ذراعيها
هند الولد هيصحى...وطي صوتك..دخلي علي أوضته وخلينا عقلاء شوية..أنا قولتلك عملنا إعلان لسكرتيرة جديدة مش كل مرة هنفتح نفس الموضوع.
احمر وجهها من الغيظ تنادي على المربية التي هرعت بخطوات سريعة
نعم يامدام
_خدي علي دخليه أوضته وخلي بالك منه.
ثم استدارت إليه لتجده يجلس ببرود أمام التلفاز يتناول الفاكهة وكأن شيئا لم يكن.
تقدمت بخطوات سريعة انتزعت جهاز التحكم وأغلقت التلفاز بعنف تصرخ بانفعال مكتوم
أنا بكلمك وإنت قاعد تاكل ولا هامك حاجة!
رفع نظراته إليها ببرود متعمد ثم نهض بهدوء أثار جنونها أكثر وقبل أن تنطق كلمة 
بمنزل يزن.. 
دلفت إلى غرفة ابنتها وقامت بفتح النافذة 
_رولا..حبيبتي قومي الساعة داخلة على اتناشر ومرحتيش عايدتي ضي وزمانها زعلانة منك. 
اعتدلت متأففة تجمع خصلاتها 
_ماما أنا كنت تعبانة كان عندي محاضرات كتيرة وأنا قولت لها تعذرني. 
اقتربت رحيل تقف أمامها وتتطلع إليها بصمت مخذي
_أه وبعد كدا نسهر للصبح وهكذا حالنا ليه بقى علشان حياتنا غلط وياريتك بتحضري كل محاضرتك.. 
نفضت غطاءها واعتدلت من فوق الفراش تقترب من والدتهاا 
_مامي الجميلة

عايزة آخد شاور وبعد كدا أشوف موضوع ضي.. 
قالتها وتحركت متجهة إلى الحمام.. بينما توقفت رحيل تراقبها بامتعاض تهمس لنفسها
_ربنا يهديكي يارولا يارب. 
خرجت إلى غرفة ابنها وجدته يقوم بعمل رياضيته اقتربت منه ثم أشارت إلى جهاز الحركة 
_عايزة أتكلم معاك. 
توقف بعدما أغلق جهازه واستدار يسحب منشفته متجها إليها 
_اتفضلي حبيبتي سامعك. 
جلست بمقابلته وتطلعت إليه بحنان
_أختك مش عجباني ياآسر أكيد انت قريب منها وعارف علاقاتها ومش هتخبي عليا. 
مسح وجهه وعنقه بالمنشفة وعيناه على والدته ثم سحب نفسا وزفره قائلا
_مضحكش عليكي ياماما ولا أنا كمان رولا مصاحبة شلة من البنات اللي مالهمش حياة في الدنيا غير الفسح حياتهم كلها تافهة معرفش ليه دخلت هندسة وهي مش حباها.
قالها ونهض من مكانه يسحب زجاجة المياه مع وقوف والدته التي ردت 
_علشان عند وتقليد.
استدار ينظر إليها بعيون متسائلة
_قصدك إيه ياماما. 
تنهدت واقتربت تربت على ذراعيه وأردفت بنبرة موجعة 
_قرب منها هي مش بتتقبل كلام مني معرفش ليه. 
ابتسم إليها 
_حاضر بعد فرح عمو معاذ هقعد معاها وأشوف دماغها فيها إيه.. 
تطلعت إليه بتفاخر مع ابتسامتها الجميلة وقالت
_بحس بكلم يزن مش اسر ابدا 
قهقه بضحكاته وسحب رأسها اليه
_وانا ويزن ايه غير وشوية كلام رومانس ياست رحيل
قهقت تدفعه مع دخول يزن على ضحكاتهم 
_الله الله.. انتي هنا وانا قالب عليكي البيت كله 
زوى فمه واتجه لوالده بنظراته
_مش كنتي تتمني حاجة لابنك تتحقق
قالها وهو يلقي منشفته من فوق عنقه واتجه الى مرحاضه
_ماما اند بابا اوضتكم تحت مش هنا 
توسعت اعين رحيل تنظر الى زوجها بذهول من كلمات نجلها.. 
اشار يزن اليه
_وحياة ابوك لو مالمتش نفسك لاجي احميك بالليفة 
توقف مستديرا إلى والده
_تحميني بالليفة طيب مش هتتكسف ياحج يزن 
خطى اليه بخطوات واسعة مع دخوله الحمام الملحق بغرفته وهو يضحك بصوت مرتفع اتجه الى زوجته
_عجبك كدا.. ومازال صوت ضحكاتها يرنو بالغرفة تحرك للخارج قائلا
_مزعلة رولا ليه جاية تشتكي لي منك 
اعتدلت تنظر إليه 
_معرفش البنت دي بحسها مش بنتي خالص يايزن تفتكر بدلوها في المستشفى.. وهو يتحدث 
_رحيل بطلي غيرة من بنتك البنت هتتجنن منك 
توقفت تنظر اليه بعيونا حزينة
_انا تعبت معاك من الكلام في الموضوع دا ومش هتكلم فيه تاني 
هعملك قهوتك علشان تخلص شغلك 
قالتها وانسحبت دون اضافة حديث اخر
بمنزل أرسلان
كان بلال يجلس إلى جوار حمزة يتحدث معه بحماس عن تخصصه في المخ والأعصاب قاطعتهما شمس وهي تركض للداخل منادية بصوت مرتفع
ضي! ضي!..
لكنها توقفت فجأة حين وقعت عيناها على حمزة وبلال... حمحمت بخجل وقد توردت وجنتاها
آسفة مفكرتش إن في حد هنا.. بما إن عمو وطنط عندنا.
ابتسم بلال وأشار إليها أن تتقدم
تعالي يا شموس مافيش حد غريب. دا حمزة ابن عمو إسحاق مش عارف تفتكريه ولا لأ.
قطبت حاجبيها تحاول استرجاع ملامحه ثم هزت كتفيها واقتربت بخطوات مترددة
_أهلا بحضرتك آسفة بس شموسة ذاكرتها أضعف من ذاكرة النملة بس أكيد نورت كمبوند آل الشافعي
تأملها حمزة بدقة يفصل ملامح وجهها الطفولي محاولا تذكرها ثم رفع نظره إلى بلال
دي بنت عمو إلياس الشقية صح
قهقه بلال 
أيوه بالضبط وانتيمي كمان مش كدا يا قمري.
لكزته شمس وهي تبتعد عنه غاضبة
لم إيدك يا دوك علشان ماتترحمش عليها.
ثم التفتت إلى حمزة بعفوية طفولية وقالت
_طبيعي أكون شقية وأنا صغيرة لسبب بسيط جدا كنا أطفال والطفل الهادئ بيكون مش طبيعي. على العموم اتشرفت بمعرفتك يا دوك.
توقف حمزة لحظة مأخوذا بطريقتها وهجومها الطفولي الساحر قبل أن يجيب بهدوء
_ أنا مش دكتور على فكرة.
مد يده لتحيتها وعيناه عينيها بلونهما العسلي المائل إلى البندق.
وقال بصوت ثابت يحمل نبرة ثقة لا تخلو من الهيبة
_حمزة الجارحي ضابط طيار بالقوات الجوية أو ممكن تقولي طيار حربي على طول.
نظرت إلى يده الممدودة ثم حولت نظرها نحو بلال الذي أومأ لها مبتسما
ابن عمو إسحاق يا بنتي مش فاكراه
يهمس بصوته الرجولي العميق
اتشرفت بمعرفتك أستاذة شمس.. تمتمت بتقطع باهت
فين ضي يا بلال
أشار إلى الداخل فتحركت بخطوات ثقيلة تتشابك فيها ساقاها كأن الأرض تميد تحتها.. في حين تدفقت أمام عينيها مشاهد من الماضي منذ سبع سنوات مضت...
دفعت باب غرفة ضي ودلفت كالتائهة تتجول بعينيها في المكان بلا وعي حتى خرجت ضي من الحمام تضع المنشفة على شعرها.
_ شمس! بتعملي إيه هنا
أشارت شمس للخارج بعفوية وقالت
هو اللي برة دا الواد التقيل اللي كان بيتريق عليا وأنا صغيرة صح
ضيقت ضي عينيها بخبث وسألتها
قصدك مين بالظبط
_ حمزة الجارحي.
ضحكت ضي رغم ما يثقل قلبها من الحزن وهزت رأسها قائلة
هو بغباوته المعهودة ودمه البارد.
فجأة انفجرت شمس ضاحكة وهي تضرب كفيها ببعض
_ يخربيت الغرور! وأنا بحاول أفتكر وأشك في نفسي أقول لا مستحيل دا شكله جنتل التاني كان بيفكرني بيوسف أخويا!
تضجرت ضي بالغضب ثم دفعتها على الفراش لتسقط عليه وسط نوبات الضحك.
خلاص خلاص يوسف أحسن منه بس بقى كفاية يا مجنونة!
لكنها أثارت جنون ضي التي التقطت وسادة وألقتها في وجهها وهي تصيح
أخوكي ولازم أربيه! وحياة
قلبي لأخليه يلف حوالين نفسه!
بعد عدة ساعات
عاد يوسف إلى المنزل وصوت خطواته يتردد في أرجاء المكان الصامت. كان إلياس بانتظاره جالسا بصرامة ظاهرة وما إن خطا يوسف للداخل حتى قطعه صوته العميق
_يوسف تعالى عايزك.
تصلبت ميرال في مكانها وعيناها تتأرجحان بين الخوف والقلق. تعرف زوجها حين يغضب كما تعرف عناد ابنها إذا استفزه أحد.
ظل يوسف واقفا في موضعه دقيقة كاملة عيناه مثبتتان على باب مكتب والده قبل أن يلتفت إلى أمه التي كانت تفرك كفيها بارتباك ظاهر.
اقتربت منه نظراته بنظرات مرتجفة
_حبيبي شوف بابا عايز إيه بس وحياة ماما عندك يا يوسف لو كلامه مضايقك انسحب بهدوء بلاش تزعلوا بعض. طبعا أنا مش هقولك باباك بيحبك قد إيه.
زم شفتيه ساخرا وهز رأسه بنفاد صبر
الموضوع أكيد يخص الأستاذة بنت عمي صح
خفضت ميرال عينيها إلى الأرض فتنفس يوسف بعمق وهو يتمتم بمرارة مكتومة
_محدش بعد كده يلومني على اللي هعمله أنا قولت قبل كده مابحبش اللي يخنقني بقراراته. والباشا لازم كلامه يمشي.
شعرت بحرارة غضبه تتصاعد كالنار من بين أضلاعه
حبيبي علشان خاطري لازم تهدى.
أجابها بصوت خافت لكنه حاد
ماما أنا دخلت طب لأن بابا قرر وسكت. لكن قرار تاني ممكن يهدني لا محدش يقولي اهدى سمعتي
_مش يمكن بابا شايف اللي انت مش شايفه
تمتم وهو يتجه نحو مكتب والده
الكل أعمى وبابا الوحيد اللي بيشوف.
دلف إلى الداخل فوجد والده يشعل سيجارته تملأ رائحة التبغ أجواء الغرفة
اقترب بخطوات هادئة وقال بنبرة عتاب خافتة
_كتر السجاير بيهدم الرئة يا حضرة الضابط.
نفث إلياس دخان سيجارته ببطء ثم أشار إليه بالجلوس دون أن يلتفت.
جلس يوسف متنهدا تتأرجح عيناه بين وجه والده والرماد المتساقط من سيجارته حتى فاجأه إلياس وهو يفتح أحد الأدراج ويلقي عليه صورة.
_ينفع اللي حصل دا
تجمد يوسف للحظات أمسك الصورة بين أنامله ينظر إليها بفم مذموم ونبض متسارع.
_أنا قلت لحضرتك اللي حصل ومكنش فيه داعي للصور دي... أنا مبقتش صغير يا بابا والمراقبة دي
قاطعه إلياس بحدة هادئة
_عمري ماراقبتك ليه دايما بتقول كده من وقت ما دخلت ثانوي وأنا سايبك تعتمد على نفسك بس دا ميمنعش إن عيوني عليك... مش مراقبة من أمن مراقبة من أب.
كفاية أبص في عيونك أعرف أنت فيك إيه.
خفض يوسف نظره للحظة ثم قال بصوت متعب
_أنا عمري ماشككت في اهتمام حضرتك.
نهض إلياس متجها نحو الأريكة أطفأ سيجارته في المطفأة ببطء ثم أشار إليه بالاقتراب.
اقترب يوسف مترددا جلس إلى جواره فناوله إلياس الصورة من جديد وقال
_الصورة دي
________________________________________
جت لعمك... مش ليا. بنته اتهانت من ابن عمها في الجامعة.
هل أنت راضي عن نفسك
نظر يوسف في عينيه بثبات
_أيوه راضي. ولو الزمن رجع هعمل كده تاني.
هز إلياس رأسه بعدم رضى وقال بصوت منخفض
_بصفتك إيه يا دكتور
_ابن عمها.
_ومين اداك الحق حتى أبوها نفسه رافض الأسلوب ده... وأنا شخصيا عمري ماوجهت لها كلمة تجرحها.
_بابا عايز توصل لإيه
_ترضي عمك يا يوسف.
_اللي هو إيه
_إنت أعلنت قدام الكلية كلها إنها خطيبتك.
مال يوسف للأمام ينظر في عيني والده بثقة وعناده المعتاد
_بابا أنا مبحبش ضي... بلاش تحسسني إني طفل ومش فاهم مشاعري.
ظل إلياس يراقب غضبه بذهول صامت ثم تنهد قائلا بنبرة متبدلة
_يوسف... أنت عارف أنا اتجوزت مامتك إزاي
قطب يوسف حاجبيه
_أيوه كنت قاعد وقتها لما رحت تخطبها.
انفلتت من إلياس ضحكة مرتفعة ثم تراجع يستند إلى ظهر الأريكة وعيناه تحاصره بنظرات غامضة.
_ايوة وشهدت على عقد الجواز.. تطلع اليه يوسف بصمت فتابع حديثه
_مامتك كانت أكتر شخص بكرهه في حياتي.
اتسعت عينا يوسف دهشة
_إيه!
نفث إلياس دخانا آخر ببطء ثم قال
_كنت بكرهها... علشان كنت بعشق نظرة عينيها.
رفع يوسف حاجبه مذهولا
_هو حضرتك سامع نفسك
توقف إلياس لحظة ثم نهض متجها إلى النافذة نظر للخارج وكأنه يستدعي الماضي من الذاكرة
_في يوم وليلة بابا قالي اعمل حسابك الأسبوع الجاي كتب كتابك على ميرال... ولو ماعملتش كده اعتبر نفسك مش ابني.
تجمد يوسف مكانه يستمع بصمت حتى تابع والده بصوت مبحوح 
_جه الوقت اللي كنت بهرب منه رغم إني كنت بحبها... بس مكنتش عايز أتجوزها.
التفت برأسه نحو ابنه نظرة طويلة أنهكها الحنين وقال
_كنت مفهمها إني مبحبهاش لأسباب عمرك ما هتفهمها... بس الحقيقة
إنها كانت الوحيدة اللي بتخليني ضعيف أول ما أقف قدامها مبلاقيش إلياس بلاقي طفل... .
بس حضرتك بتحب ماما أوي... يعني الموضوع مختلف.. قالها يوسف بنبرة واثقة
ابتسم إلياس ابتسامة واهنة وقال بصوت عميق
مش يمكن انت اللي فاكر كده يمكن بتبعد عن ضي أو بتوهم نفسك إنك مش عايزها... بس علشان بتضعف قدامها
استدار يوسف سريعا يولي والده ظهره يخفي خلف كتفيه اضطرابا لا يريد إظهاره.
_أبدا يا بابا... أنا مش بفكر في الموضوع أصلا وبعدين ضي مش مناسبة ليا أسلوبها بيعصبني
اقترب إلياس منه وضع كفه على كتفه برفق أبوي وقال بهدوء
طيب اعتبرني مش بفهم... وفهمني. ليه قلت قدام الكلية كلها إنها خطيبتك إيه الغرض المقنع من كده ويا يوسف بلاش تحاول تقنعني بحاجات أنا مش مقتنع بيها.
تراجع يوسف خطوة للوراء نظر إلى والده بنظرات ممتزجة بين عناد وحيرة.
_بابا... حضرتك دلوقتي عايز مني إيه بالضبط ادخل في الموضوع على طول.
أطلق إلياس أنفاسه الثقيلة وكأن الكلمات تحرق صدره قبل أن تخرج
_تتجوز ضي.
ساد الصمت.
توقف كل شيء في الغرفة حتى عقارب الساعة بدت كأنها توقفت لتلك الصدمة.
ظل يوسف واقفا عيناه تحدقان في الفراغ ثم بدأت أنفاسه تتلاحق كمن يحاول النجاة من غرق داخلي.
ثقل لسانه ولم يقو على النطق كأن الكلمات جمر في حلقه.
حاول أن يسحب نفسا طبيعيا لكنه شعر وكأن رئتيه تمتلئان بأشواك تمزقه من الداخل.
تراجع ببطء نحو المقعد جلس ويداه ترتجفان دون إرادة.
نظر حوله بتيه وارتباك كأن الجدران تدور من حوله ثم أخيرا تمتم بصوت واهن
_أتجوزها... مرة واحدة حتى مش أخطبها الأول
أجابه إلياس بصرامة خافتة وهو يثبت نظره فيه
_لأ... تتجوزها.
_بالغصب يابابا 
_مين قال كدا انت اللي حكمت تمتم بها الياس رد يوسف
_حضرتك بتحاول تقنعني بكدا
نهض الياس وتوجه الى الأريكة ليجلس عليها متكئا إلى الخلف نظراته محاصرة لابنه كأنما يزن كلماته بميزان بهدوء متعمد.. وقال بصوت منخفض لكنه يحمل ثقل سلطته
_انت دكتور يا يوسف المفروض تبقى قدوة مش ولد متهور! عيب في حقك لما أكون أنا اللي أقنعك وعيب أكبر إنك تعلن قدام الكل إنها خطيبتك وترجع في كلامك بعدين. عمر الرجولة ما كانت كلمة تتسحب.. فكر في هيبتك قدام الكل انت لسة في اول طريقك قدامك شهر وتبقى دكتور رسمي مش عايز حد ياخد عليك غلطة الكلام كان في ساحة الحرم الجامعي يادكتور وانت بتحضر لرسالتك شوف اقل حاجة ممكن تتقال ايه 
انحنى الياس ينظر بعمق عيني ابنه 
_ دايما الكلمة منك تخرج بميزان ودايما رجولتك وكرامتك قدام اي حاجة.. حتى لو قلبك عصي عليك الهيبة في الرجولة والكرامة يابن الياس.. لو انسحبوا من الراجل يبقى مالوش قيمة
اشاح يوسف بوجهه عنه بصمت يخفي خلف الصمت مزيجا من الغضب والندم والارتباك. اخرج الهاتف الذي رن بقوة ونظر إلى الشاشة ثم إلى والده بعينين مترددتين.
أشار له إلياس بيده بصرامة ناعمة
_رد.. ممكن يكون مهم.
_دا صديق مش لازم أرد.
_ولو.. ما ينفعش تطنش اتعلم تسيطر على نفسك حتى وانت متضايق.
زفر يوسف بضيق رفع الهاتف ببطء وصوته يخرج باردا
_أيوة يامصطفى
جاءه صوت صديقه من الجهة الأخرى تتخلله نبرة دهشة غاضبة
_إيه اللي شفته وسمعته دا يا يوسف كنت معاك من شوية وأدخل أشوف الأخبار دي
_أخبار إيه
_خطوبتك يا لئيم على بنت عمك! دا أنا عرفتها من السوشيال ميديا مش منك!
تجمدت ملامحه وشعر بأن الدم يفور في عروقه ثم أغلق المكالمة بعنف. فتح هاتفه وبدأ يقلب في الصور المنشورة له مع ضي والعبارات الساخرة تتطاير أمام عينيه كشرر يلسع الكرامة
من الغيرة ما يقتل الدكاترة!
خناقة في الجامعة.. الدكتور يوسف الشافعي يهاجم طالبا بعد ما لمح بالكلام على خطيبته بنت عمه!
تصلبت أنامله حول الهاتف كأنما يخنق الغيظ بيده. نظر لوالده بحدة وصوته خرج خافتا لكنه مشحون بالانفجار
_تمام أنا موافق. كلم عمو وشوف هيقول إيه بس بعد ما أخلص الدكتوراه
استدار مغادرا لكنه توقف على صوت إلياس
_استنى يا يوسف. انت مش صغير علشان أبوك يروح يخطب لك.
قالها بصوت هادئ ممزوج بنبرة تحمل تحديا وقوة لشخصية ابنه 
_انت راجل ومش أي راجل. روح بنفسك خد الموافقة المبدئية وبعدها أبوك يروح رسمي.
يرضيك أبوك يروح و تترفض تخيل شكلي قدامهم هيكون إيه
توقف يوسف والتفت إليه ببطء يحدق في وجه والده بعيون يغشاها الغضب والخذلان معا
_يعني عمي ممكن يرفض
_أكيد ممكن وهو شايفك بالشكل دا.. متردد وغضبان ومش عارف هو عايز إيه.
اقترب يوسف بخطوات ثقيلة كأنها تسحق فوق كبريائه ورفع يده نحو والده وقال بصوت مرتجف من الغضب
_عارف إن حضرتك ورا كل دا.. بس خلاص هافضل ورا دماغك يا إلياس باشا وأشوف بتخطط لإيه بالضبط.
ارتسمت على شفتي إلياس ابتسامة جانبية باردة ولمعة الخبث في عينيه لم تخف عنه
_أحبك يا يوسف لما تبقى فاهم أبوك كدا.
كور يوسف قبضته بعنف حتى بيضت أنامله وصرخ وهو يبتعد
_مش ترجع تندم يا إلياس باشا!
قالها وخرج بخطوات غاضبة تهتز لها الأرض قابلته ميرال التي كانت تقف لدى الباب تستمع منذ البداية
بعينين دامعتين وقلب مبهوت.
اقترب منها وهتف ساخرا وهو يمر بجانبها دون أن يلتفت
_أوووه أم العريس وصلت! جهزي نفسك يا أم العريس.. خلاص أبو العريس أقنعني بالجواز!
تركها وواصل طريقه يغلي بداخله كبركان محبوس.
نظرت ميرال نحوه حتى اختفى في الأعلى ثم التفتت إلى إلياس عيناها تمتلئان قلقا وحيرة
_أنا خايفة يا إلياس.. ابنك بيتكلم بغضب مش طبيعي شايفة بيولع من جوه
أدار إليها وجهه ببرود متعمد وقال بنبرة ثابتة
_سيبك منه هيهدى بعدين
اقتربت وجلست بجواره 
_ممكن اعرف ليه عملت كدا 
رفع نظره اليها وقال 
_علشان بعد كدا مايهورش ويفكر مليون مرة قبل مايعمل
تم نسخ الرابط