كانها الحياة بقلم سيلا وليد

لمحة نيوز

من بدري إنتي كويسة
_الحمد لله...
نظرت للساعة قليلا تنهدت
_عندي محاضرة بعد ساعتين..بس بجد مليش نفس أروح ممكن أروح بكرة
_ولو مش عايزة الكلية خالص... متروحيش.
ضحكت وهي تخفي 
_لا مش للدرجة دي...النهاردة بس.
ضحك عليها ضحكة هادئة
ثم أمسك وجهها بين كفيه
_ضحكتك عندي بمال الدنيا يا شمس.
_ده علشان شموسة..ولا علشان شبه مامي
_حد جايب في سيرتي
قالتها ميرال وهي تدخل الغرفة بابتسامة هادئة.
رن الهاتف مرة أخرى.
مد إلياس يده والتقطه..
نظر إلى الشاشة التي ظهر الاسم عليها من خلال معرفة الأسماء
صفاء. 
_مين صفاء دي
هزت كتفها بعدم معرفة وكأن السؤال لا يعنيها لكن إلياس أشار لها أن ترد.
التقطت الهاتف وضعت الهاتف قرب أذنها وقالت بصوتها الناعم
_السلام عليكم...
لم تنتظر كثيرا حتى جاء صوته...
ذلك الصوت الذي تعرفه الروح قبل الأذن
_وحشتيني.
تجمدت..فالكلمة لم تكن حرفا..كانت سهما.. ارتفعت عيناها سريعا إلى والدها.. رأت عيونه المستفهمة..
تابع حمزة حديثه
_هستناكي قدام الجامعة...
عارف عندك محاضرة بعد ساعتين...
ولو ماشفتكيش هزعلك.
شمس..سمعاني
جف حلقها..صوته على الهاتف نظرات والدها..عيون ميرال التي تراقبها..
والقلب بينهما يختنق ولا يجد مخرجا.
_شمس..حبيبتي هاتي التليفون مين اللي بيكلمك
قالتها ميرال التي اقتربت لكن شمس سحبت الهاتف للخلف كمن يحمي شيئا سينكشف... ارتجفت يدها وارتجف الصوت مع خوفها من أن ينكشف أنه هو.
_دي..صحبتي..أقصد..أختها...
بتقولي عندنا محاضرة مهمة...فكانت..كانت بتسألني هاروح ولا لأ علشان تقنع أختها.
كانت الكلمات تتعثر لأنها تكذب بقلب يرت غير مدركة لما تخفيه
_وطبعا بعد تخطيطك إنك هتنامي وتغيبي عن المحاضرة زي بابا ماهو مدلعك.
قالتها ميرال وضحكت ضحكة صغيرة خرجت من فمها..
بينما شعرت شمس بالاختناق كأنها لا تتنفس.
أغلقت الهاتف..
حاولت أن تنظم أنفاسها..
لكن صدرها كان ضيقا..ضيقا جدا...
حتى إنها لم تستطع الكلام فاكتفت بتحريك رأسها.
اعتدل إلياس وقال بصوت هادئ لكنه مراقب
_لو هتروحي..خلي السواق معاكي..
أنا هعدي على عمك قبل ماأروح المستشفى.
أومأت بلا كلمة.
خرجت ميرال خلفه.
ظلت شمس وحدها...
هنا تركت الهواء يدخل أخيرا كأنها كانت غارقة في الماء..
أمسكت الهاتف بيد باردة همست
_معقول..خرج من المستشفى
ارتسمت ابتسامة صغيرة...
ابتسامة وجع لا فرح.
تذكرت يوم ذهبت لزيارته...
بعد توسلاتها لميرال وبعد سفر والدها مع مصطفى ويوسف وإفاقته بعد زيارتها..ابتسمت وتذكرت عينيه يومها..التي أقسمت أنها له حتى لو باع العالم.
أغمضت عيناها مبتسمة 
_معقول حبيته!
عند يوسف 
بعد عودته من السفر بيوم لم يذهب لمنزله بسبب مرافقته لمصطفى بالمشفى للاطمئنان على حالته ولكنه أصر على ذهاب والده للراحة تحرك إلياس إلى منزله مع إسلام على وعد له أنه سيعود بالمساء وهو يعود إلى منزله الذي غادره منذ أكثر من شهر.
جمع أشيائه لاستعداده للعملية استمع إلى رنين هاتفه نظر إلى الشاشة التي أنيرت باسمها سحب نفسا يحاول فلقد فاض القلب بالاشتياق فمنذ عملية مصطفى ومرافقته له اتخذها هروبا منها بعدما ضعف رفع الهاتف وأجابها
_أيوة يا ضي
_الحمدلله إنك لسة فاكر اسمي. 
_ضي أنا مشغول وعندي عملية ممكن نتكلم بعد العملية اسف بجد مشغول 
صرخت به
_أه وبعدين يا دكتور تقدر تقولي هنفضل على الوضع دا لإمتى طيب إنت رجعت من السفر إمبارح بالليل هل قولت أشوف مراتي اللي هتموت من القلق عليا.. 
_ضي إنتي شايفة الوضع إحنا جينا من المطار على المستشفى على طول مكنش ينفع أسيب جدو لحد مانطمن على وضعه. 
صرخت به بعدما فقدت السيطرة
_وأنا
فين من حياتك يادكتور قولي أنا فين..شهرين سفر ويوم ماترجع ماتحاولش تطمن عليا. 
_طيب ممكن تهدي انا كلمتك اول ماوصلت بس ماردتيش 
_لاني زعلانة فكرتك هتيجي على البيت
_ضي ممكن نتكلم بعدين عندي عملية مهمة دلوقتي وعايز تركيز بالليل نتكلم أنا مضغوط وإنتي عارفة.
_إنت مش مضغوط يا يوسف إنت عايز تهرب مني بدليل جيت من إمبارح ماحاولتش تيجي لو اهمك كنت تركت كل حاجة يوسف أنا تعبت حاولت والله بس تعبت أنا خلاص قررت ننفصل أحسن ولحد لما تبقى جاهز أنا في بيت أبويا مش مستعدة أجري ورا واحد كل اللي بيعمله بيصدني وخلاص. 
قالتها وأغلقت الهاتف دون أن تسمع رده.
نهضت رولا من جوارها
_دقيقة وهتلاقيه هنا عبيطة معرفش ازاي تسكتي اصلا على كدا انتي ناسية انك لسة عروسة
_دماغي هتتفجر يارولا أنا عذرته بعد ماقرأت مذكراته بس طاقتي خلصت ش
ربتت على ظهرها 
_هو بيحبك صدقيني بس الراجل مش بيحب اللي دايما تقول حاضر ونعم شوية وهتلاقيه جاي المهم لازم امشي عندي مقابلة شغل واخوكي اتأخر كالعادة 
عند يوسف نظر للهاتف الذي أغلق شعر بتوقف أنفاسه..تراجع على المقعد محاولا أن يسيطر على ارتعاشة أعصابه قاطعه دلوف الممرضة مرة أخرى
_جاهز يا دكتور دكتور حمدي وصل. 
أومأ لها دون حديث يحاول أن يسيطر على آلامه من كلماتها التي تصدح بأذنه كإنذار حرب نهض بهدوء يهمس لنفسه
_انسى..إنت دلوقتي بين إيدك حياة شخص.
خرج من مكتبه بخطوات واثقة واعتداد لا يخفى هيبته توحي لكل من يراه أنه تجاوز الأربعين بينما لم يزل في ربيع الثامنة والعشرين.
تلقاه أحد الأطباء العاملين تحت إشرافه ملامحه متوترة
دكتور يوسف حضرتك اتأخرت.. المريض جاهز للعملية.
أومأ يوسف بجدية وقال بنبرة هادئة لكنها تحمل حزما
آسف..خمس دقايق وهكون في غرفة العمليات.
توقف..أغمض عينيه ثوان يسحب نفسا عميقا كأنما يستدعي كل ماتبقى فيه من قوة.
فتح عينيه وعلى جفنيه الأرق وقال بنبرة منخفضة ثابتة
ماينفعش تغلط..قلبه أمانة في رقبتك.
ومضى بخطواته..خطوات يعرف أنها أحيانا تقرر حياة.
دلف فأومأ لأستاذه الذي كان يعطي تعليماته بنبرة حاسمة لبعض الممرضات بعد أن أنهى طبيب التخدير حقن المريض بالمخدر.
اقترب يوسف من صدر المريض... عيناه تستقران عليه كأنه يرى فيه أبا روحا اخا
رفع الأدوات بين يديه وهمس ببداية العملية
بسم الله...
مرت الدقائق بتثاقل..حتى أصبحت ساعات تستهلك من أعصابه من قلبه..
كل خيط كل جرح كل حركة كانت معركة صامتة بينه وبين الموت.
ولكن جسده..جسده كان يخونه.
بدأ الدوار يفقده الرؤية للحظات... صوته الداخلي يصرخ اسند..امسك نفسك..كمل لكن يده ارتعشت.
توقف ونظر إلى أستاذه الذي التقط أداته قبل أن يكمل جملته تراجع خطوة بعدما ثقلت أنفاسه وتهاوت ملامحه..
حتى اصطدمت به الغمامة السوداء كستار يسدل فجأة.
و سقط سقط بكل وزنه وأوجاعه على أرض غرفة العمليات.
هرع إليه الممرضون..وأصوات متداخلة ترنو من بعيد
دكتور يوسف!!
اغلق عيناه على صوتها 
_تعبت ولازم ننفصل
عند إلياس
_الحمد لله المؤشرات بتستجيب الولاد تعبوا الشهر دا جدا.
ربت أرسلان على ركبتيه 
_الحمدلله حبيبي ربنا يبارك في صحته.
_الحمد لله عارف الموت علينا حق ياأرسلان بس الفراق صعب الحمدلله بس مش معنى كدا إنه خلاص بقى كويس هو طلب يكمل علاجه بالمستشفى هنا في مصر قطع حديثه عندما وجد ضي تركض إلى سيارتها
فيه إيه ضي بتجري كدا ليه!!
توقف أرسلان يهز رأسه بجهل ورد
معرفش..استنى هكلمها. 
لحظات وأجابت والدها 
مالك يا بابا بتجري ليه كدا! 
يوسف أغمى عليه وهو في العمليات بلال لسة مكلمني. 
يعني إيه! 
معرفش..قالتها صارخة وهي تقود سيارتها اتجه بنظره إلى إلياس الذي يتابع حديثه بصمت ثم سألها 
العملية فين المستشفى ولا في الجامعة 
المستشفى يا بابا. 
طيب اهدي يا بابا وخلي بالك وإنتي سايقة وأنا وعمك وراكي.
نهض إلياس من مكانه يتطلع له باستفهام 
مفيش حبيبي متقلقش أكيد مجرد إجهاد إنت عارف عمليات القلب بتاخد وقت وكمان سفره كان طويل وانت لسة بتقول... قاطعه الياس بحزم
إنت بتذوق في الكلام ليه..إيه اللي حصل..لم يكمل حديثه بعدما وجد آسر يقود سيارته بسرعة جنونية وخلفه شمس.
اللهم استرنا فوق الارض وتحت الأرض ويوم العرض عليك
العيون بالكلام نواطق وآه وآه من عيناها...
تسرقان مني اتزاني كلما التقت بنظرتها عيناي
كأن الكون يصمت لينصت لهما وكأن النجوم تضيء لتغار من بريقهما.
فيهما وجعي وراحتي ضياعي وملاذي
فسبحان من أودع في نظرتها جمالا يربك كل الحواس.
ولو أني خلقت بغير قلب... لأحببتها بعمق الروح وبصمت النبضات
كأن فيها شيئا من المعجزة وكأن هواها قدر لا يستبدل.
أراها في العيون وإن أغمضتها وفي السكون أسمع همسها
فكيف الهرب من حب يسكنني... حتى وإن لم أخلق له
وصلت بعد دقائق إلى المشفى.
ترجلت من سيارتها تركض بجنون لا ترى شيئا ولا تسمع شيئا سوى خفق قلبها الذي يكاد يتهشم بين ضلوعها.
لم تنتبه لكونها خرجت بملابسها البيتية ولا لشعرها المنسدل بلا ترتيب فقط كانت تريد الوصول إليه أن تراه أن تتأكد أنه مازال هنا أنه مازال يتنفس.
اندفعت إلى الداخل تتنفس باضطراب موجع عيناها تجولان كالتائهة في ردهة المشفى تبحث عنه تبحث عن أي وجه يخبرها أنه بخير عن أي صوت يعيد نبضها الذي يتباطأ وكأنه يستعد للتوقف من جنون تفكيرها بأنه سيتركها دارت بتيه إلى أن رأت بلال يخرج من إحدى الغرف هرولت تصيح باسمه بتقطع
_ بلال...
نادته بصوت مخنوق فالتفت إليها وما إن التقت عيناها بعينيه حتى انفجرت الدموع رغما عنها ركضت نحوه وهي تشهق
_ فين يوسف
خرجت الكلمة من بين بكائها بانتفاض قلبها.
اقترب منها بلال 
_اهدي اهدي يا حبيبتي..هو بخير نايم دلوقتي مفهوش حاجة خطيرة.
ابتعدت عنه بقوة وكأن الكلمات لم تكن كافية لتقنع قلبا يتفطر على حبيب أصبحت دموعها تنحدر بلا توقف قالت بصوت متقطع
_عايزة أشوفه دلوقتي.
أشار بلال إلى الغرفة
المجاورة
اندفعت تدفع الباب بكفيها المرتجفتين بقلب يصرخ أكثر مما ينبض.
توقفت كأن كل شيء تجمد برودة قاسية تتسلل إلى جسدها حتى ارتعشت أطرافها لتطالعه بأعين متسعة وقلب يصرخ..خطت إليه وعيناها على جسده المسجى فوق الفراش بأنابيب معلقة بمحاليل تغذي وريده.
توقفت وشهقت بصوت كأنها تنازع روحها وخفقان قلب يذبح وهو واع
هل هذا هو
هل هذا حبيبها الذي كان يملأ الحياة ضجيجا وضحكا وعنادا
هل هذا هو الذي كانت كل نبضة فيه وطنا لها
يبدو الآن كمن ترك معلقا بين الحياة والموت
هزت رأسها نافية وسالت دموعها ساخنة حتى أشعلت خديها.
اقتربت بخطوات تتعثر بثقل الندم كأن الأرض تشد قدميها عقابا على كل ماقالت..عن قسوة كلماتها التي كادت أن تودي بحياته خطت بأنفاسها المتقطعة وصدرها يعلو ويهبط وعيناها لم تعودا تبكي بل تنزف حتى اختفت وجنتيها.
وصلت إلى فراشه لم تمد يدها لم تتفوه بحرف حتى البكاء فقد جف بعد الوصول إليه ورؤيته بتلك الحالة.
هوت بجسدها على ركبتيها عند رأسه حينذ شعرت بأن قوتها تبخرت دفعة واحدة.
كأنها تستجديه أن يفتح عيناه لأجلها عل نبضها يعود علها تحاول أن تربط حياتها بحياته
رف جفناه ببطء ثم فتح عينيه وتمتم بصوت متحشرج
_ضي...أنا كويس.
ابتسامة حزينة فوق فمها الغارق بالبكاء لم تفكر..لم تسمح لعقلها بالتدخل
.وكأن كل ماقالته لا يعنيه يكفي أنها هنا.
دخل إلياس يلهث وخلفه أرسلان بينما توقف بلال عند المدخل عاجزا عن الدخول..ورغم وجودهم جميعا...
لم تبتعد..كانت تبكي فقط تبكي بوجع وكأنه فقد حياته.
_حبيبتى اهدي.
همست بصوت مخنوق 
آسفة حبيبي.
رد عليها بنبرة موجوعة 
اهدي خلاص.
خطا إلياس نحوه ببطء بقلب الأب.. ينبض قلبه بعنف كاد أن يحطم عظامه خوفا..
اقترب مع صوت ابنه الضعيف
_يوسف.
استدار له يوسف...
طالعه بعينين نصف مرهقتين ابتسامة خرجت رغم الألم ابتسامة تطمئن ولا تطمئن...
_آسف..خضيتكم كلكم.
كانت كلمة آسف تلك...
أشد وجعا على قلب أب يشعر بمدى معاناة نجله.
دنا من الطرف الآخر تاركا ضي بجواره مازالت دموعها لم تتوقف رفع إلياس نظره إليها ثم عاد إلى ابنه
_حبيبتى بتعيطي ليه ماهو قدامك حلو أهو. 
اقترب أرسلان وعيناه على جسد يوسف
_حمد الله على سلامتك حبيبي. 
أومأ له بعينيه قائلا
_الله يسلمك يا عمو أنا كويس خليها تبطل عياط.. 
هنا فاق الوجع حدوده كيف يقول لها هذا بعدما ذبحته بكلماتها وأيقنت أنها السبب فيما وصل إليه. 
خرجت تركض للخارج تضع كفيها على فمها تمنع بكاءها. 
أشار بعينيه إلى بلال 
_بلال شوف أختك. 
جلس أرسلان على طرف فراشه بينما انحنى إلياس يستند بذراعيه يحاوط ابنه بنظراته..يتفحصه بعين الأب
_إزاي حبيبي أغمى عليك كدا وفي عملية قلب كمان المريض حصله حاجة.
_عادي يا بابا ضغط عصبي لما حسيت بضعف خليت دكتور حمدي يكمل العملية. 
_طيب الحمدلله المهم يكون كويس وإنت ياريت تهتم بصحتك حبيبي مفيش أغلى من الصحة. 
_حضرتك مكبر الموضوع شوية إرهاق وضغط عصبي طبيعي الواحد يوصل لكدا. 
ربت على كتفه واعتدل 
_المهم إنك كويس حبيبي.. 
قالها وخرج متجها إلى طبيبه بينما دقق أرسلان النظر إليه 
_مش مخبي حاجة على عمك يا يوسف
_هخبي إيه يا عمو بقالي كام يوم منمتش كويس غير حالة جدو اللي موتراني
_ربنا يبعد عنك الأذى حبيبي. 
_اللهم آمين يارب العالمين.
بغرفة الطبيب 
دلف إلياس ملقيا السلام نهض الطبيب يحييه
_أهلا إلياس باشا. 
جلس بمقابلته 
_إيه اللي وصل يوسف للحالة دي
أجابه بابتسامة مطمئنة وطريقة مهنية 
_مفيش حاجة خطيرة هو الغلط إنه دخل العملية وهو مجهد من سفر وضغط عصبي وتوتر نفسي.
بالمشفى وخاصة بغرفة حمزة
اعتدل بجلوسه بعد إغلاقه الهاتف وقام بنزع الأبر بيد مرتجفة واحدة تلو الأخرى كأنه ينتزع وجعه..ينتزع خنقته..ليسيل الدم خفيفا هرعت الممرضة تمسك ذراعه
_لا! حضرتك مينفعش.
في تلك اللحظة فتح عمران الباب.. 
تجمد للحظة وهو يرى أخيه بتلك الحالة.
كان قد وقف حمزة بصعوبة بجسد يهتز عيناه المرهقة من الألم بل تلقي نظرات حرب جرح مما يشعر به.
اقترب عمران بسرعة 
_ حمزة بتعمل إيه!
بينما مدت الممرضة ولكنه انفجر كالعاصفة رغم آلامه إلا أنه زمجر.
_ابعدي عني..
جفلت الممرضة بخوف من حالته التي خلف شخصيته اختنق صوت عمران 
_وبعدين معاك.
التفت إليه وهدر
_إزاي كدا هي اتجننت!! محدش له الحق 
أغمض عينيه بقهر وكأن أي كلمة واحدة من أي شخص تكسر ضلوعه من الاشتياق إليها.
توسعت عينا عمران من كلماته من يقصد بتلك الهي التي لا أحد يقترب منه سواها!.
رفع حمزة يده المرتعشة يشير للممرضة دون أن يراها 
خرجها بالله عليك مش قادر أشوف حد غيرها.
هز عمران رأسه وهو يحاول ألا يغضبهفاستدار إليها
_لو سمحتي اخرجي...
غادرت الممرضة بخطوات خفيفة...
وبمجرد أن أغلق الباب كأن الجدار الذي كان يحمله انهار.
لينهض حمزة ويحاول أن يتحرك ولكنه سقط فوق الفراش أنفاسه تتلاحق خانه جسده الضعيف من مساندة نفسه.
ارتجف صدره ودمعة ثقيلة انزلقت من عينه دون أي مقاومة.
جلس عمران بجواره يحاول أن يهدئ من نبرة أنفاسه المضطربة 
_ممكن تهدى وتفكر في صحتك عايز تروح فين بالشكل دا
رفع حمزة عينيه إليه نظرة جريح متوسلة تكاد تنطق وحدها
_وديني عندها..وأنا هكون كويس.
قطب عمران جبينه
_تقصد مين شمس
أومأ حمزة وشرارة ألم واشتياق لمعت في عينيه
_شمس حياتي..وديني عندها وهكون كويس أوعدك..وحشتني يا عمران... والله وحشتني.
زفر عمران بضيق يحاول أن يكتم الغضب داخله من عناد أخيه
_طيب هتروح إزاي إيدك متجبسة... وراسك كمان يا ابني أنا لو مكانك أستحي حبيبتي تشوفني كدا لازم أكون في أحسن حالاتي قدامها.
كأنه لم يسمع منه حرفا..دفع جسده لينتصب واقفا اهتز جسده فاستند على يده السليمة.
أسرع عمران يوقفه
_تمام..تمام هاجي معاك بس اهدى
بعد دقائق دخل الممرض بكرسي متحرك..جلس حمزة مجبرا عليه.
تحركا معا نحو الباب
هنا دلفت دينا..
شهقت 
_يعني الممرضة ماكنتش بتكذب! رايح فين يابني إنت لسه قدامك أسبوع لما تخرج.
رفع حمزة نظره إليها..لم يجادل لم يصرخ...فقط قال بصوت واهي لكنه ثابت 
_ماما علشان أكمل علاجي هتنزلي تحت وتخرجيني نص ساعة. 
كدا كدا هخرج..سواء وافقتي ولا لأ لازم أخرج.
بحنان أم تخاف أن تضيع ولدها ثانية _حبيبي إنت تعبان..إزاي هتخرج بالشكل دا قول عايز إيه وأنا أجيبه لعندك.
_ماما عايز أخرج وبس..مش عايز حاجة ولو قلقانة عمران معايا.
نظرت إلى عمران تبحث عن كلمة تمنعه..وجدته يهز رأسه مستسلما _ماقدرش أمنعه..خلاص هو قرر.
رفعت دينا يدها عن شعره وتنهيدة طويلة انزلقت من صدرها 
_رايح لشمس..مش كدا
رمقها حمزة وقال بنبرة موجوعة
_لا مش كدا..
رايح لحياتي يا ماما..
كلكم عايزين تخطفوها مني.
_إحنا! إحنا
قاطعها بكلمات الألم التي خرجت من فمه تضغط على كل كلمة
_ماما ماتخلينيش أدعي إني ياريتني ماخرجت من الحادثة لو حياتي تهمك دلوقتي..هي هناك عندها.
ساد صمت موجع...لا أحد يملك الرد على قلب يتألم حد الذبول.
همست دينا ودمعها يلمع 
_مش عارفة أقولك إيه ياحبيبي...
ربنا يصلح حالك..ويهدي قلبك الموجوع.
استقل السيارة بجوار أخيه يجر معه ألما أثقل من أن يحتمله صدره..كان يتابع الطريق أمامه لكن العالم بدا ضبابيا..كأن السيارة ثابتة والطريق لا ينتهي كأنه في قارة بعيدة وهي في أخرى.
تسللت إلى ذاكرته يوم زيارتها له اليوم الذي ردت له روحه بعدما وجد النظرات التي أقسم حينها أنه سيحارب الكون من أجل تلك النظرات راحت ذاكرته حينما فتح عيناه كان مايزال يلتقط أنفاسه بعد خروجه من الغيبوبة..دلفت هي ووالدتها بخطوات خجولة لا تليق إلا بروحها..

بخطوات خجولة لا تليق إلا بروحها..
ورغم وجعه..شعر بقلبه يفيق قبل جسده.
ابتسمت دينا حين رأتهما كانت تعرف بقدومهما ولكنها لم تعلن حتى تفاجئه حاولت كثيرا إقناع ميرال رغم أن ميرال لم تكن تريد المجيء إلا أن ضغط ابنتها كان أقوى من رفضها.
اقتربت شمس من فراشه بعينين لم تبك بل نظراتها تنوب عن جرح قلبها من حالته حيث أنها لم تستطع إخفاء الألم..لا منه ولا من نفسها.
طالعته للحظات
ألف سلامة عليك يا كابتن...
خرجت كلماتها متقطعة..وكأن كل حرف يشق طريقه بين جرح وآخر.
حاول أن يعتدل فورا كأن قربها يوقظ حياة كاملة.
أسرعت دينا لتساعده وعدلت وضع وسادته.. نظر لوالدته نظرة أدركت معناها أومأت ثم اعتدلت واستدارت 
تربت بيدها على كتف شمس برقة
وأشارت لها بالجلوس.
ثم سحبت يد ميرال هامسة
_خليهم خمس دقايق
ترددت ميرال للحظة رفعت نظرة طويلة نحو ابنتها..نظرة اعتراض خوف وضعف ابنتها أمامه..
لكن شمس اكتفت بهزة رجاء خافتة.
فتنحت ميرال مرغمة وخرجت.
بقيت هي وهو...
جلست أمامه لم يتحدث...
ولم يحرك ساكنا بل اكتفى بأن ينظر إليها كانت عيناه مرهقتين نعم...
لكن خلف الإرهاق كان هناك وجع حي
وشوق يشتعل كلما التقت نظراته بنظراتها.
لم تحتمل ثقل النظرة فحاولت أن تزيح عينيها بعيدا لكن شيئا أقوى منها أعادها إليه قوة تشبه الاعتراف الذي لم يقال والاشتياق الذي لم يمت.
ابتسم عندما شعر بذلك فأمال رأسه قليلا حتى تألم 
وصوته لم يكن صوت رجل فقط..بل رجل عاش ومات ثم عاد
_عارفة..قلبي وحياتي كانوا واقفين قبل ماتيجي..
مكنش فارق معايا لو قومت ولا لأ.
بس أول ماشوفتك..حسيت إني لازم أرجع لأن لسه في حاجة نقصاني حقي حياتي إنتي.
نظرت اليه وهي جالسة على المقعد..
ضمت يديها كي تسكت ارتجاف أصابعها
_الأول حمد الله على سلامتك يا كابتن... اهتم بصحتك وخلي بالك من نفسك.
رمقها بنظرة طويلة لم ترف
_ماتقوليش كابتن
قولي اسمي أنا حمزة حاليا ولكن وعد هكون حياتك.
أطرقت راسها وكأن الأرض أصبحت المكان الوحيد القادر على احتمال عينيها.
مال نحوها بعين رجل لم يعد يحتمل
_إنتي ليه مصرة تحطي أسوار بينا أنا بقولك أنا كنت ميت يا شمس...ولما فتحت عيني لقيتك افتكرت إن ربنا لسه بيحبني.
ارتجفت أنفاسها وخافت من قلبها أكثر منه
_بلاش تقول كده..اللي حصل كان صدفة ونصيب.
أومأ لها و جاء صوته منخفضا مبحوحا..صوت رجل اشتاق حد المرض
_إنتي عارفة قبل ماتيجي مكنتش مهتم أقوم ولا لأ بس لما دخلتي رجعت أتنفس.
أغمضت عينيها للحظة ليس هروبا
ولكن محاولة للوقوف أمام هذا الاعتراف الذي لا تقال كلماته. شعرت بأن نظراته لا تنظر إلى وجهها ولا لعينيها فقط بل إلى قلبها مباشرة.
وكأن كل محاولاتها السابقة للاختباء
كانت بلا جدوى.
_وبعدين يا كابتن لو سمحت ماتضغطش علي.
رفع يده ببطء حذرا وكأنه يلمس جرحا مفتوحا..وهو يشير على قلبه
_دا بيوجعني قوي يا شمس.
نظرت إلى يده التي أمسكت قلبه
ثم إلى عينيه..وفي تلك اللحظة
توقف الزمن وشعرت بنبضها البريء يعلن عن تمرده لينبض له لم تر سوى كفه الذي يضغط على قلبه ونبرة صوته التي شقت صدرها ليتوقف كل شيء ولم يظل سوى قلبان يعترفان دون صوت.
نظر لعينيها المرتبكة الضائعة ثم همس
فقالت بصوت خافت يخرج بصعوبة
_حمزة لو سمحت بلاش تصعبها علينا.
هنا صمت ولم يعد للحديث أهمية يكفي قولها اسمه دون ألقاب
_شمس أنا بحبك بجد مش عايز منك غير تبادليني ربع الشعور اللي حاسس بيه.
هنا انهارت وضاعت باعترافه للمرة الثانية حتى غامت عيناها بالدموع من مستقبل لطخ بسواد الماضي.
وقفت ببطء ثقيل ترنح جسدها وشعرت بصخب قلبها لكن نظراتها لم تفلت عينيه..وكأنها لو أفلتتها سيسقط كل شيء..جرت ساقيها مرغمة وعيناها مازالت متعلقة بعينيه..
تحركت إلى أن وصلت الباب فتوقفت على صوته المرهق 
_هتوحشيني هكلمك يبقى ردي عليا وافتكري إنك هتكوني لحمزة الجارحي حتى لو حاربت العالم كله.
التفتت..ونظرت إليه نظرة اشتياق من الآن لوم وحب. 
أومأ لها بابتسامة رغم عيناها الضائعة
وطالعها بنظرة كلها وعود خافتة..لا تحتاج كلام.
خرج من شروده على وقوف السيارة أمام بوابة الجامعة ظل يراقب الطريق يبحث عن سيارتها تحدث عمران
_كلمها شوفها فين.
التقط هاتف عمران وقام بالرنين عليها توقف بعدما وجد السيارة تدلف إلى الحرم الجامعي ظلت عيناه تراقب السيارة ينتظر نزول جنيته الصغيرة ماهي إلا لحظات حتى ترجلت من سيارتها ببدلتها البيضاء وحجابها الفيروزي ياالله ماهذا الجمال الذي سيوقف قلبي ويحبس أنفاسي دارت بعينيها حتى وقعت نظراتها على وقوف عمران أمام سيارته يهز رأسه إليها شعرت بالخذلان من نفسها لا تعلم لماذا فعلت ذلك ثقة أبيها وأمها بها تراجعت سريعا بعدما أيقن عقلها أنها واستدارت للداخل سريعا تهرب من كل شيء يحاوطها كأن جميع النظرات ترشقها باتهامات الغضب على ماتفعله كيف سمحت لنفسها بذلك.
تجمد جسده للحظة حينما دلفت إلى كليتها دون التفاتة..دون حتى نظرة..
كأنها سحبت من صدره الهواء كله وتركت القلب وحده يتخبط موجوعا.
شعر أنه يريد الركض خلفها..يريد الإمساك بيدها أن يخبرها بصوته المبحوح كم أرهقته الفراقات التي وضعتها.
كم تتعبه المسافة حين تكون هي الطرف الآخر منها.
تبا لقلب لم يعد يعرف كيف يعيش بدونها تبا لنبض عالق في هواها لا ينضبط...
وتبا لتلك القاسية التي تركته معلقا بين الحياة والموت.
التقط هاتف عمران اتصل بها مرة و اثنتين و ثلاث...لكنها لم ترد بل أغلقت الهاتف.
أغلقت عنه كل ماتبقى له من نفس.
خرج من السيارة بعنف وجسده بالكاد يطيعه ليقف عمران أمامه كحاجز
_انسى يا حمزة بلاش تهين نفسك.
_وسع من وشي هتجنن.
أوقفه قائلا 
_إنت مش ماشي بالشكل ده...هتروح فين القاعة وقلبك واقع وهتستحمل لو هي رفضت تشوفك قدام الكل
_أنا..أنا عايز أشوفها...أكلمها حتى لو كلمة واحدة حتى لو بتكرهني.
قالها بصوت مكسور
مكسور بطريقة لا يطاق معها الألم.
أمسك عمران ذراعه بقوة كأنه يحاول أن يبعد عنه انهيار كامل 
_اسمعني..ارتاح يومين بس يومين..
ساعتها روح واحكي واصرخ وابكي... أنا معاك.
بس دلوقتي إنت هتوقع وهتكسر روحك بإيدك وبلاش تقلل من قيمتك وبلاش تخسر آخر جزء منك.
توقف حمزة ينظر إلى باب الكلية وبدأ جسده يرتجف ولم يعد لديه القدرة على التحمل.
أغمض عينيه تنفس وجعا ثم عاد للسيارة وقلبه مشتعلا حد الاحتراق.
وصل المستشفى بعد فترة...
كان إسحاق واقفا لا كوالد فقط بل كجبل ممتد من الصلابة والغضب
ماإن رآه حتى زمجر بنبرة لا تشبه تعقله
_عايز تقتلني يا حمزة إزاي تخرج وإنت لسه تعبان!
لم يرد...
لأن الكلام الآن يحتاج قلبا ثابتا وهو يشعر بأن قلبه ينهار حاول التحرك...
لكن توازنه اختل وسقط كأنه يهوي من قمة جبل ليرتطم جسده بالأرض القاسية ورغم آلامه بها لكن الألم الحقيقي كان في صدره لا في جسده.
صرخ إسحاق صرخة مزقت المكان _دكاترة!!! حد يلحقه!!!
ركضوا..رفعوه..بين ذراعي أب اعتاد أن يقف كقلعة والآن يرتجف كمن فقد العالم.
ينظر إلى ابنه الذي كان يحاول فقط أن يتنفس من دونها.
بمنزل يزن 
دلفت إليه تحمل قهوته وضعتها بهدوء كان منشغلا على جهازه جلست بمقابلته انتبه إلى جلوسها فاستدار يتطلع إليها باستفهام
_رحيل فيه حاجة 
أومأت تفرك كفيها ثم قالت
_فيه مشكلة لازم تعرفها.
أنصت إليها باهتمام اختنق صوتها 
_رولا. 
ضيق عيناه باستفهام فنهضت لدقائق معدودة ووضعت أمامه الهاتف وورقة مطوية بجوارها صورة لشخصين. 
قلب الهاتف بنظراته ثم تساءل
_دا تليفون بتاع مين. 
_رولا..
قطب جبينه بجهل وقال
_بس دا مش بتاع رولا. 
أومأت تنفي حديثه قائلة
_رولا عرفت إنك بتراقب تليفونها جابت دا المهم مش التليفون شوفها بتكلم مين على التليفون.
فتح الهاتف وعيناه تتفحصان الأسماء كأنها خريطة الموت
رؤى..تقى
توقف فجأة وارتجف صوته
_رؤى..مين أختي!
أومأت برأسها والدموع أغرقت خديها
_للأسف هي وتقى دي صاحبتها.
أشارت إلى الورقة المرتجفة بين يديها
واسم واحد مش معروف بقالي شهر بدور عليه..شكله مزور.
شعر باعتصار قلبه كأن الأرض اختلت تحت قدميه وأنفاسه صارت ثقيلة تكاد تخنقه.
فتح أزرار قميصه بعنف يهز رأسه بلا وعي يتمتم
_لا... لا..أكيد في حاجة غلط بنتي... بنتي ماتعملش كده...
وتبكي بنشيج يقطع الصمت
_عملت يايزن أنا روحت لطارق وواجه رؤى وقالت كل حاجة ضيعت البنت..أختك ضيعت بنتي..
_وياما حذرتك منها..قولت إيه بتغيري من البنت بنتي ضاعت يا يزن ومش متقبلاني.
_أختك مفهماها أنا السبب في دخولها السجن ومش بس كده مفهماها ..وأثبتت بصور خطوبتي على طارق.
تراجع يزن للخلف خانه جسده فسقط على المقعد بوجه شاحب وعيناه خالية من الكلام.. 
نهضت تركض نحوه وتهمس بحزن
_يزن...مالك! يزن..افتح عيونك.
لكن جسده لم يستجب فلقد فقد النطق واغروقت عيناه بالدموع وشعر بغمامة تحاوطه حتى هرب بها من واقع أليم اختلط قلبها بالعذاب من حالته فصرخت باسمه حتى دخل بلال مسرعا يسأل
_إيه اللي حصل هنا!
سمع صراخها واندفع نحوها قام بإسعافه بسرعة ونقله إلى الفراش واتصل بالطبيب..بينما هي تجلس على الأرض تبكي وتصرخ كأن العالم كله انهار حولها.
عند يوسف 
عاد إلى منزله بعد عدة ساعات ساعده والده وأرسلان بنومه بينما هي تقف لدى الباب تراقب كل إنش به انحنى إلياس 
_حبيبي إنت كويس 
أومأ له وقال
_بابا شوية إرهاق هنام وهقوم كويس صدقني. 
التفت إلى ضي وقال 
_حبيبتى جهزي حاجة لجوزك ياكلها قبل ماينام. 
هز رأسه بالرفض دون أن ينظر إليها وقال
_لا عايز أنام..قاطعهم دفع ميرال الباب تركض إليه 
_ماله يوسف إيه اللي حصل
قالتها واتجهت إلى فراشه ودموعها تسبق خطواتها وهي تراه طريح الفراش..أبعدت إلياس تنظر اليه بغضب
_لحد إمتى مش معتبرني أمه مكنتش عايز تعرفني بتعبه.
_ماما أنا كويس. 
_دايما يا حبيبي كدا يا يوسف يعني لولا بلال مكنتش أعرف إنك تعبان
_أنا مش تعبان صدقيني شوية إرهاق. 
التفتت إلى ضي 
_إزاي ماتقوليليش إنه تعبان خلاص هونت عليكم كلكم. 
_ماما قولت لك أنا كويس عايز أنام وبس. 
شدها إلياس بغضب 
_اهدي ماهو كويس قدامك أنا مش معتبرك أمه!! طيب يا ست ميرال قاطعهم رنين هاتف إلياس ضيق عيناه ينظر إلى أرسلان 
_دا بلال هو مش كان رايح ليزن..قالها وقام بالرد 
_عمو عمو يزن تعبان أوي تعال بسرعة.. 
لم يدعه يكمل حديثه وانسحب للخارج مع خروج أرسلان خلفه بعدما استمع إلى صوت بلال. 
_رايحين فين 
تساءل بها يوسف ولكنها لم تهتم وجلست بجواره 
_إيه اللي حصل معاك يا حبيبي ليه وقعت كدا 
وقعت عيناه على ضي التي اقتربت تنظر إليه بحزن ثم قال
_مفيش حبيبتى شوية إرهاق المهم ليه بابا خرج كدا متأكد فيه حاجة كبيرة حصلت.
_مفيش حاجة المهم اهتم بصحتك هقوم أعملك حاجة تاكلها رفعت رأسها الى ضي 
_خليكي جنب جوزك حبيبتى هعمله شوربة.
ماما أنا هنام..خديها واطلعوا برة.. مش عايز إزعاج لو سمحتم.
تجمدت في مكانها ارتعشت شفتاها
_ بتطردني يا بن إلياس..هو إنت ابن مين أصلا!
ابتسم ابتسامته الضعيفة التي تحاول أن تخفي كل ماانكسر بداخله ثم مد يده إليها
سقطت دموعها من تلقاء نفسها..
جلست بجواره
ياالله من ضمة أم تستطيع أن تعيد روحا إلى جسد.
كانت ضي واقفة تراقب المشهد بعينين مملوءتين بالدموع..
قلبها يعتصر ونفسها يختنق..
وبين كل دقة من دقات قلبها كان هناك سؤالا واحدا يصرخ
_كيف وصلنا إلى هنا
اعتدلت ميرال رتبت الغطاء فوقه بحنان ثم خرجت بهدوء..
خرجت لترى ضي جالسة على المقعد أمام الغرفة تبكي بصمت..
صمت
موجع ثقيل يجرح الروح ولا يسمع.
جلست ميرال بجوارها دون كلمة.
ثم مدت يدها 
_هو كويس يا حبيبتي..ماتخافيش.
لكن ضي لم تستطع أكثر..
انهار صوتها..مبحوحا.. مشقوقا من الداخل
_أنا السبب يا طنط..أنا اللي زعقت له في التليفون..وقلت له لو مجاش.. هننفصل.
ارتفع رأس ميرال فجأة وطالعتها بصدمة في عينيها
_يعني إيه يا بنت أرسلان
سقطت بين يديها انفجرت بالبكاء
_أنا تعبانة..تعبانة أوي..قلبي موجوع.. ومش عارفة أعمل إيه.
رفعت ميرال وجهها بين راحتيها ونظرت لها بعمق يلامس الروح
أغمضت ضي عينيها والدموع انحدرت وصرخ القلب من الداخل
وكأن الصمت هنا كان اعترافا كاملا.
شحب وجه ميرال..انقبض صدرها..
كأن يدا غليظة أمسكت بقلبها وعصرته بلا رحمة.
همست ضي بصوت يختنق
_يوسف مابينامش غير على المهدئات.. 
توسعت أعين ميرال وارتجف جسدها
_ابني بيضيع..وأنا واقفة عاجزة مش قادرة أمد إيدي وأنقذه!!.
ياالله على وجع أم ترى جرح ابنها ولا تملك سوى الدعاء.
أمسكت ميرال ضي بلطف ورفعتها لتواجه نظرتها
_اسمعيني يا ضي..مفيش كلمة من اللي اتقالت تطلع برا..لا لعمك..ولا لأي حد.
هزت ضي رأسها بنعم كأنه وعد صامت.
اقتربت ميرال أكثر
_قربي منه..يوسف بيحبك..والله بيحبك أنا عارفة نظرة ابني إمتى تبقى حب..وإمتى تبقى وجع.
انفجرت ضي بالبكاء
_بس هو بيبعد عني..
مسحت ميرال دموعها بإبهامها
_هو مش بيبعد عنك..هو بيهرب من نفسه.
_أنا قرأت مذكراته يا طنط هو مش بيعاني بس هو عايز يموت نفسه بالبطيء. 
مسحت على رأسها ورغم اعتصار صدرها إلا أنها قالت
_اللي بيحب بيحارب وأنا متأكدة إنه حيحارب علشانك اسأليني أنا دا نسخة من أبوه ممكن مايتكلمش بس بيعاني من جواه
_عارفة إنك شايلة فوق طاقتك بس والله هو حنون ويستاهل أومال لو شوفتي عمك عمل فيا إيه.
أسبوعا آخر في محاولات التقرب منه ولكنه أخذ الصمت جوابا لكل ماحدث لهما..في إحدى الليالي دلفت إليه بقهوته كان منشغلا أمام جهازه تحركت ووضعت القهوة أمامه ثم جلست
_عايزة أتكلم معاك. 
_مش فاضي لو فيه حاجة مهمة أجليها لما أخلص. 
قامت بدفع الجهاز حتى سقط على الأرض وثارت حالتها كأن من يراها يظن أن مسها مسا جنونيا
_إنت
بتعمل معايا كدا ليه عايز تعاقبني على إيه
اقتربت تدفعه بصدره وازداد بكاءها تصرخ به
_أنا حبيتك أعمل إيه موتني يا يوسف علشان ترتاح موتني وريحني من العذاب دا أنا كدا كدا ميتة في كلتا الحالتين سواء طلقتني زي ماقررت أو كملت معايا بالطريقة دي أنا عايزة أحس إنك باقي عليا علشان كدا قولت لك الكلام دا. 
كان يستمع إليها بصمت إلى أن سقطت على الأرضية تضم ساقيها إلى صدرها..تنظر بشرود وضياع حولها 
_مش عايزة حاجة غير إن حبيبي يحس بيا ليه مستكر عليا دا ليه دايما توجعني وتدوس عليا وكأني ماهمكش.
ا 
_مش إنتي اللي قولتي ننفصل عايزة ترتاحي مني خلاص اللي إنتي عايزاه. 
نظرت لعينيه بدموعها
_أنا لو قولت لك تطلقني دلوقتي هطلقني يا يوسف
ارتجف جسده وزاغت عينيهحتى شعر بتوقف قلبه وهو ينظر إليها دنت تنظر لمقلتيه 
_هطلقني يا يوسف لو طلبت يعني إنت مكنتش بتحبني
هز رأسه رافضا حديثها وهمس بتقطع 
_لا..مش هعملها ضي أنا بحبك بس.. 
تنظر لعينيه
_بس إيه يا حبيب ضي قولي وأنا مستعدة أستناك العمر كله بس ارحم قلبي وعرفني نهاية حياتنا إيه ولا خلصني من حياتي علشان متألمش في بعدك أنا بموت يا يوسف مراتك بتموت ومعرفش إنت حاسس ولا لأ
_لا..مقدرش أعيش من غيرك.. صدقيني مستحيل أطلقك. 
_خلاص مبقاش ينفع البعد يا بنت عمي. 
_تعرف منمتش بقالي كام يوم
كأنها كانت تنتظر تلك الكلمات لتذهب بنوم عميق.
بعد فترة نظر إلى وجهها الذي مازالت أثار الدموع تزينه نغزه قلبه يهمس بخفوت 
_آسف..فتحت عيناها بتململ ثم اعتدلت بعدما أفاقت وجدته ينزل من فوق الفراش
_إنت رايح فين 
سحب جاكيته وقال
_هشوف بابا اتصل تلات مرات.
توقفت أمامه تعترض نزوله
_مش هتنزل طيب كلمه. 
وقال
_مينفعش مبيتصلش كدا إلا لما يكون فيه حاجة مش هتأخر وعد. 
تلألأت الدموع بعينيها ثم رفع عيناه يغرق بعينيها الحزينة
_أول ولد هسميه إلياس لازم تكوني عارفة دا شرطي والتاني أرسلان إنما أول بنوتة هسميها صمت ينظر لعينيها التي ابتسمت فقالت 
_ميرال مش كدا 
_تؤ..ضي القمر 
_كدا مش هنزل لإلياس الكبير. 
..أغمض عيناه يتنهد بألم
_ضي ممكن أطلب منك طلب 
تنظر إليه تنتظر حديثه فقالت
_أؤمر.
توقف أمامها وعيناه تحملان ذلك البريق الذي لا يخطئه قلب عاشق.. كانت تنظر إليه بفضول بينما كان هو يرمق تفاصيلها كما لو يراها للمرة الأولى وقال
_عايز أطلب منك طلب.
اقتربت بخطوة صغيرة وقالت بنبرة هامسة منخفضة
_أؤمر.
رفت رمشيها تلتقط أنفاسها ببطء
_قصدك التاتو
هز رأسه رافضا وعيناه لا تزال معلقة عليها
_لأ..أرسم حنة التاتو كلمة أجنبية وأنا عايزها بطعمنا ريحتنا إحساسنا.
ضحكت بخفوت خجول محاولة الهروب من سطوة قربه
_ماعلينا..بس مينفعش هتقولي ليه هقولك بتبقى مفاجأة إحساس مختلف وبصراحة..أنا بتكسف.
ضحك هو ضحكته الرجولية المعهودة تلك التي تربكها وتطمئنها في آن واحد ا
_بتتكسف! علي أنا دا أنا جنبك عايز برقع.
شهقت بخفة وهي تضربه على كتفه
يعني إنت شايفني كده
_أنا شايفك كل حاجة حلوة..في عقلي وقلبي ونظري وكل مرة بشوفك فيها بحبك من جديد.
لمعت عيناها بسعادة وكأن كلماته أشبعت قلبها بحبه.
تراجعت خطوة بخفة تشير له بمرح محبب
_طيب يلا بقى..روح لعمو ومتتأخرش.
ابتسم..تلك الابتسامة التي تقال بدل آلاف الكلمات.
توقف فجأة واستدار إليها
قال بصوت منخفض لا يخلو من الدفء
_نسيت حاجة مهمة.
سارت بجواره بخطوات بطيئة متسائلة حتى وصلا إلى صندوق ورقي أنيق مزين بعناية حمله ثم قدمه إليها
_الحاجات دي جبتها لك..اأمنى تعجبك.
_إيه دي
_لما تفتحيها هتعرفي.
قالها ومضى تاركا خلفه الفضول في قلبها.
جلست تفتح الصندوق ببطء...
كانت رائحته تشبه حضوره تشبه كلمة أمان.
رفعت أول علبة تنظر إليها قائلة 
_معقول برفيوم!! بس دا كله
فتحت زجاجات العطور..مزيج من روائحها وأخرى تشبه رائحته عليها كأنه اختارها بقلبه لا بعينه.
ابتسمت وشهقة صغيرة تسللت منها دون إرادة.
انتقلت لعلبة أخرى..أدوات تجميل تحتوي على أحمر شفاه بلون نبيذي عميق..ضمت شفتيها بمرح وهي ترفعه أمامها ثم أعادته برفق وكأنها تخبئ لحظة مؤجلة.
ثم صندوق ثالث..إكسسواراتها تلك التي يعشق هو بريقها الهادئ عليها.
وأخيرا..صندوق أكبر فتحته تجمدت وشعرت بتوقف قلبها وثقل أنفاسها.
وقعت عيناها على اسم حبيبها الذي كان مطرزا في الأعلى كأنه يؤكد لها أنه رسمها وقضي الأمر لتصبح ذاكرة لا تنسى.
ضحكت..ضحكة خرجت منها بصدق... ودموع فرح تلمع في عينيها.
وقفت فورا ورفعتها بين أصابعها وضعتها أمام جسدها دارت لبعض اللحظات ثم اندفعت إلى الحمام.
خرجت بعد قليل بعدما أنهت ماأرادت فعله..رفعت هاتفها تطلب من إحدى الخادمات مايلزمها أقسمت لنفسها أن هذه الليلة لن تمر عابرة..ليلة ستحفر في الروح قبل الذاكرة.
وقفت لدقائق أمام فراشها ثم بدأت تزين الغرفة...
إضاءة خافتة تتوهج من شموع معطرة تضفي دفئا ووميضا على جدران المكان.
موسيقى رومانسية هامسة تلامس أشيائهم كنبض قلب عاشق.
ورائحة الفانيليا والورد تتسلل في المكان كأنها تكتب وعدا بالحنين.
ثم اتجهت إلى الداخل..
خرجت أمام المرآة الكبيرة.
ياالله..كل التفاصيل تعانقها كأنها خلقت لتكون عروسا تربك النور.
ابتسمت..ابتسامة مشبعة بالامتنان وبالخجل
أنهت لمساتها الأخيرة...
وعندما نظرت لنفسها لم تر امرأة عادية..بل رأت ملكة جعلت القديس
وفي تلك اللحظة فتح الباب ودخل هو..توقف عند العتبة...
رائحة الشموع تتسلل إلى رئتيه...
ناهيك عن الإضاءة الخافتة تلتف بالمكان وعيناه تبحثان عنها إلى أن وقعت عيناه عليها.
_حورية..كأنها سقطت للتو من جنان خلقت لمن يؤمن بالعشق.
اقترب بخطوات بطيئة ثابتة 
وهي ماتزال أمام المرآة خجولة
همس..بصوت لا يصدر من الحنجرة... بل من القلب
_ضي
..فالقلوب الآن تتحدث.
ذلك العشق لم يولد اليوم ولا منذ شهور...إنه عشق تكون في أعماق الروح منذ سنوات والآن جاء موعده ليتنفس.
توقف هو كذلك هي وتوقف الكون.
وحدهما عاشقان
اقترب خطوة ثم أخرى
وقال بصوت خرج خافتا مبحوحا مشتعلا بالعشق المكبوت
_معقول الجمال !
ابتسمت بعينين تلمعان وخجل يلون وجنتيها
_عجباك
سألته بصوت منخفض.
كأن الزمن اختار هذه اللحظة تحديدا ليكشف له جمالها جمال لا يهدأ منه القلب.
.
لا يكتمل العاشق إلا بمعشوقه ولا يكتمل المعشوق إلا بوله العاشق.
الآخر بنومه لأول مرة دون مهدئات فاليوم أيقن أنها مهدئه الحي للحياة. 
ورغم نومهما العميق لكن النوم لم يكن بداية النهاية...
كان لحظة يصدح فيها العشق بأعلى صوته لحظة تثبت أن هذه الروحين عاشقان
بمنزل إلياس 
كان جالسا بمقابلة ادم الذي يخبره بما حدث معه منذ عودته وفتح شركة صغير لابنه 
كان يستمع اليه بفخر فقال
_طول عمرك وانت شاطر غير امانتك يادكتور والله مكنش ليك الخروج من البلد دي 
قاطعهم دخول بلال ملقيا السلام 
طالعه الياس بتساؤل
_فيه حاجة ياعمو 
_ايوة.. حمزة الجارحي عايز يقابل حضرتك 
تنهد الياس بعدما علم بما سيقوله فتابع بلال 
_عمه اسحاق كمان معاه 
قالها بلال بنزل شمس وميرال ودخولهم غرفة المعيشة اقتربت من ادم بدلال انثوي 
_ازي حضرتك ياخالو
_حبيبة خالو الجميلة.. قالها ورفع عيناه الى الياس 
_وعلشان اللي قولته حابب نقوي العلاقة بينا ياالياس ومش هلف وادور عليك 
_بتمنى توافق على نسب بينا شمس العيلة مع الباشمهندس
رائد 
قالها بدخول حمزة واسحاق اللذان توقفا على تلك الكلمات القاسية على قلب عاشق مجنون بعشقه.. رفع نظره الى شمس التي تقف ادم رمقها بنظرة لو تقتل لألقتها صريعة
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين 
أحيانا تلقي بنا الحياة في دهاليز غامضة
تسحبنا إلى طرق لم نخترها وتضعنا أمام مواقف لا نفهمها
فنقف بين الخوف والدهشة لا نعلم أهي تمهيد لنجاة قريبة
أم اختبار آخر علينا أن نعبره وحدنا.
لنقف عاجزين نرى الحب يذبل بين يدينا
لا لذنب اقترفناه بل لأن القدر قرر أن يكونا على ضفتين.
كم حاول أن يقاوم أن يتحدى العالم لأجلها
لكن العالم كان أقوى...
فبعض الحروب تخاض بالقلب وحده
وبعض القصص لا تكتمل... مهما حاولنا
تم نسخ الرابط