كانها الحياة بقلم سيلا وليد
المحتويات
باستغراب حنون
طيب ليه كنتي غيريه وريحتيها أنا كنت بغيظك وماتوقعتش إنك تلبسيه..كل اللي جه في دماغي إنك هتقطعيه وتبعتيه على البيت وأنا كنت هاعملك وقتها عركة..وكمان مكنتش أعرف إني عريس الليلة قالها ساخرا.
ابتسمت بخفوت حزين
كان لازم ألبسه..أول هدية تجيبها وأنا خطيبتك حتى لو اللون الكل اعترض عليه..كفاية إنه لونك المفضل وبعدين عاجبك وعاجبني..الباقي مش مهم.
لحظات قليلة لكنها كفيلة بأن تزلزل قلبه.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة وهي تشير إلى فستانها قائلة
شايف حتى لو جايبه تغظني حبيته
عجبني بجد حتى لو لونه مش على المناسبة...كفاية إنك اللي جبته.
قالتها وهي تحاول الابتسام لكن دمعة عنيدة انسابت رغما عنها تتدحرج على وجنتيها.
تنهد يوسف بعمق وتردد لبرهة كأن صراعه بين الكبر والحب يوشك أن يمزقه
وقال بنبرة حاول أن يخفف بها وطأة حزنها مبتسما بخفوت دافئ
رفعت رأسها تنظر إلى عينيه
_ليه بتعمل كده عمرك ماكنت عنيف..ليه مصمم تتعبني معاك
قالتها بعدما رفعت رأسها نحوه وتابعت بصوت متقطع
يوسف..إنت في حد في حياتك قولي ووعد والله ماهتكلم..بالعكس هفرحلك..ماهو إنت ابن عمي قبل أي حاجة.
ابتسم بخفوت وطالعها بنظرة كانت مزيجا من السخرية والاعجاب
_يعني لو بحب حد مش هتزعلي وهنطلق
تجمدت الدماء في عروقها وانكمش وجهها للحظة قبل أن تهز رأسها ببطء مميت تبتعد عنه
_طبعا..هبقى عارفة حدودي وعارفة إنت كنت رافض الجواز ليه.
ضحك بخفوت
_أممم..كمان غبية يابنت عمي.
_غبية علشان بقولك الحقيقة
_لأ..علشان قولتي رافض الجواز وفيه حد في حياتي..منين الاتنين مع بعض وتفتكري لو في حد فعلا..مش كنت هعرف أرتبط بيها
والابتسامة لم تفارق وجهه...
_ماتخافيش..صدقيني لو فكرت في الجواز إنتي أول واحدة..على الأقل أغرق في لون القهوة دا.
توردت وجنتاها وابتسمت رغما عنها وكأن كلماته فتحت بابا أغلقت عليه قلبها.
.
سحبت نفسا عميقا وطردته بهدوء تقسم لنفسها أنها ستغيره ستنتصر لقلبها الذي اختاره رغم قسوته..
كان هو يتابع صمتها بتوجس خفي يقرأ على وجهها صراعا مكتوما وكأنها تحارب نفسها لتقترب أكثر.
ضي...
ممكن ننسى أي حاجة
أغمض عينيه محاولا ألا يغضبها ولا يخذلها فهي لم تكن السبب في ماوصل إليه قلبه وهو يسمعها تهمس بنبرة مزيجا من خوف وصدق وأمل خجول
تعرف..عمري ماكنت متخيلة إننا نتجوز..ولا فكرت في كده أصلا.
بس مش عارفة..كلامك مع بلال شدني ليك بطريقة غريبة كنت بحبك كابن عم زيي زي آسر بس..
رفعت رأسها قليلا تلتقط أنفاسها بصعوبة
بس كلامك عن الحب والجواز خلاني أحب الحب اللي إنت مش بتحبه.. يمكن علشان اعاندك او يمكن اغلطك
صمت قليلا ثم قال بنبرة مبحوحة وهو يحاول السيطرة على اضطرابه
ممكن مانتكلمش في الموضوع دا إنتي قولتي مش عايزة كلام.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وأومأت له بخضوع رقيق ثم اردفت بنعومة شقية ودموعها تلمع
طيب..
_حاسس اول مرة اعرفك
اوووه يادوك عندي مواهب كتيرة اوي
كأنه كان ينتظر منها تلك الجملة..
. صمت دام لدقائق معدودة والقلوب تعلن عصيانها بالنبضات حيث اردف
أنا كنت رافض فكرة الجواز كلها ياضي..مش علشانك..تأكدي من دا..مفيش بيني وبينك حاجة تخليني أهاجمك.
وبالنسبة لموقف الجامعة..أنا اضايقت من الموقف نفسه مش منك..عملت كده علشانك..علشان إنتي بنت عمي مش عدوتي.
ومراتك دلوقتي..وبعد الاعتراف دا مش ناوية أتنازل عنك..وأه لو عايز ندخل حرب مع بعض أنا موافقة.
تجمد صوته للحظة ثم أطلق ضحكة قصيرة وغمز بعينيه يتجول ببصره في الغرفة بنظرة ماكرة
إن شاءلله القسم الثاني من الفصل غدا
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
طرقت الباب لا والله لم تطرقه
لكن قلبي المسكين عرف الطريق إلى قلبك دون استئذان.
تقول لا تحبني لا بأس فحبي يكفينا نحن الاثنين.
يسألونني كيف ولماذا
وأنا لا أملك إلا أن أبتسم فقلبي يعشقك بلا منطق ولا سبب أو هكذا يظنون.
عذرا بل له سبب.
ألم ير أحدهم نظرتك حين التقت بعيني
تلك النظرة التي فضحت ما حاولت إخفاءه قبل أن يعترف به لسانك.
فما من قلب يهرب من صدق الشعور طويلا
وأعلم أعلم أنك تحبني.
لكن لا عليك
سأجعلك تقولها يوما كما أشعرها الآن.
اولا دا فصل لانه عدى 6000
اتمنى الاقي تقديركم وحبكم للرواية ودا اهداء مني لحبيبات قلبي
إهداء....
إلى كل من آمن بي وقرأ لي بحب إلى من انتظر وساند وابتسم في كل لحظة نجاح...
شكرا لأنكم كنتم النور وقت التعب والسند وقت التردد والفرحة وقت الإنجاز.
وجودكم مش بس دعم
ده حكاية كاملة من المودة والامتنان.
من قلبي ليكم... كل الشكر والود
ارتدت إلى الخلف كالملسوعةتأرجح بارتباك ظاهر وصوتها خرج مبحوحا بالذهول والحرج
قصدك ايه..
كان يتابع ارتباكها بابتسامة هادئة تحمل أكثر مما تظهر عيناه تجولتا على ملامحها كمن يراها للمرة الأولى.
نعم هي ابنة عمه رآها مئات المرات من قبل .
آه من مستقبل لم يختره وارتباط فرض عليه كأن القدر يختبر صبره.
كيف سيتعامل معها
هل يكمل هذه الزيجة ويسلم للأمر أم يعود لما كان مخططا له
انتشلته من دوامة أفكاره نظراتها القلقة فابتسم مجددا محاولا إخفاء اضطرابه ثم أشار إليها بخفة
_مفيش ثقة يا ضي ولا إيه أنا بهزر معاكي.
قالها وهو يعتدل واقفا يعدل ياقة قميصه وينظر إلى ساعته.
_الساعة بقت أحداشر جهزي نفسك علشان منتأخرش عايز أنام بدري عندي سفر الصبح.
نظرت إليه بعناد خافت
_خلاص روح نام ومش ضروري المشوار دا.
ابتسم وهو يشير إليها بإصبعه محذرا
_خمس دقايق وتكوني تحت ما تختبرنيش ياضي
رفع حاجبه وهو يتأملها من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها وقال ببرود ساخر
_معرفش مسمينك ضي ليه ما فيكيش أي نوع من الإضاءة أصلا.
ابتسمت بخفة متماسكة رغم الوخز في كلماته وردت بنعومة حاولت أن تخفي بها انكسارها
_ممكن أكون بالنسبالك كده بس عند غيرك لا.
ضاقت عيناه بضجر واضح وهو يلوح بيده
_بت أنا مبحبش الرغي! اجهزي ياله قال غيري هو في حد شايفك أصلا وانتي شبه البورص.
قالها وهبط وصدى كلماته ظل يرن في أذنها لكنها رغم قسوته ابتسمت.
شيء ما داخلها يؤكد لها أنه يصارع نفسه أكثر مما يصارعها.
بالأسفل
قبل قليل هبطت غرام ووجها يضج بالغضب بدخول ارسلان من الخارج وقعت عيناه على وجهها المتوتر
_مالك حبيبتي!!
اشارت الى الاعلى
_بنتك لابسة فستان اسود ياارسلان
ودا فال وحش ومصممة تخرج بيه شوفت اخر دلعك
ابتسم وقال بصوت خفيض يحمل مزيجا من المزاح والحنان
_فرفشي بقى يا غرامي وسيبي البنت تعمل اللي هي عايزاه وبعدين هي دلوقتي بقت في عصمة راجل
نظرت إليه بعينين تغليان والقلق
_أسبها تعمل اللي في دماغها أنت مش شايف جرأتها لولا عقل إسحاق
رفع كفه مقاطعا بصوت هادئ فيه شيء من الندم
_ممكن أكون غلطت لما سبتها تاخد قراراتها بنفسها من صغرها
بس كنت عايزها تحس إن ليها كيان متفكرش إننا بنفضل بلال عليها.
تعرفي.. سمعتها مرة بتقول له وهي صغيرة
بابا بيحبك أكتر مني علشان إنت ولد وأنا بنت ومابيقولكش حاجة لو اتأخرت أو خرجت مع صحابك.
أطرق راسه وخفت صوته
_وقتها حاولت أفهمها إن البنت حاجة والولد حاجة تانية بس يمكن ماعرفتش أوصل.
أومأت له غرام وعيناها تتبدلان بين الحنان والقلق ثم تمتمت
_فعلا البنات اليومين دول بقوا صعبين وعايزين يتساووا بالولاد في كل حاجة.
بس المهم سيبك من دا كله يوسف قالك إيه
تنهد أرسلان وهو يزفر أنفاسا طويلة كأنه يتهيأ لإخبارها بشيء ثقيل
_هقولك على حاجة بس تهدي وتسمعيني للآخر.
رفعت حاجبيها بترقب حذر
_خير يا أرسلان
خفض نظره قليلا ثم قال بنبرة مترددة لكنها صادقة
_يوسف بيحاول ياخد الجنسية الألمانية عايز يهاجر بعد ما يخلص رسالته ويكمل هناك ومايرجعش مصر تاني.
شهقت غرام وهي تضرب على صدرها بصدمة
_يعني إيه جنسية ألمانية عايز يفقد هويته المصرية!
قالتها بعصبية فالتفت إليها أرسلان يحاول تهدئتها
_ممكن تهدي وتسمعيني بس
هبت من مكانها لأول مرة تصرخ في وجهه
_أهدى.. جاي تقولي كده بعد كتب الكتاب.. هجرة إيه.. إزاي وافقت على كده يا أرسلان
نهض محاولا السيطرة على انفعالاتها
_أنا مش بقولك كده علشان تردي بالطريقة دي عايزك تكلمي البنت تفهميها هو بيفكر في إيه.
دارت حول نفسها بعصبية وصوت قلبها يسبق كلماتها
_طيب افرض فضل مصر وقال هياخدها معاه
عجز أرسلان لحظة عن الرد ثم قال بنبرة ثقيلة
_ضي مش ضعيفة علشان يقدر يسيطر عليها.
_بس دي مراته يا أرسلان بقت مراته! وصدقني هيرد لكم اللي عملتوه فيه.
ارتجف صوتها وهي تتابع
_كنت حاسة ورا هدوء يوسف دا مصيبة مش النوع اللي يرضى بالأمر الواقع وها هو اللي خفت منه حصل. أنا متأكدة إنه مش هيسيب جوازه يعدي بسكوته.
رفعت يدها بتوتر
_انت عارفه أكتر مني دا حتى لما دخل طب اشترط يسافر يا إما مش هيكمل ومشى كلامه عليكم كلكم حتى إلياس نفسه ماقدرش ينطق.
خفض أرسلان رأسه قليلا وقال بهدوء حذر
_وافق علشان ينسيه موضوع الطيران يا غرام.
قهقهت بمرارة وهي تهز رأسها
_انت بتضحك على نفسك يا أرسلان ناسي إن دا يوسف ابن إلياس!
_غرام انتي متعرفيش حاجة.
_اللي أعرفه بس إن بنتي مستحيل تهاجر على جثتي يا أرسلان سمعتني!
صرخت بها في تلك اللحظة فتح الباب ودخل يوسف بخطوات هادئة.
توقف عند العتبة نظر إليهما بهدوء قائلا
_آسف لو قطعتكم ناديت كتير ومحدش
التفتت إليه غرام تحاول كتم ضحكتها الغاضبة بينما اقترب منها يوسف بعينين ثاقبتين وقال مازحا
_مزعل حماتي ليه يا حمايا أنا مش هسكت على اللي يزعل حماتي.
تدخلت غرام بسرعة وهي تتظاهر بالتماسك
_يوسف أنا مايرضنيش إنك تتجوز غصب عنك علشان كده بقولك طلق البنت يا حبيبي.
التفت إليها وعينيه تتعمقان في عينيها وقال بصوت هادئ لكنه كالسيف
_مين قال إني اتجوزتها غصب ياطنط غرام وبعدين احنا لسة كاتبين كتابنا من ساعتين بس ازاي بتطلبي مني طلب زي دا
اقتربت تتعمق بعيناه
_يوسف انت ناوي على إيه ياحبيبي
توسعت عيناها تنظر الى ارسلان بخجل.. ضحك ارسلان محاولا يخفف من حدة الموقف بعدما تأكد انه استمع الى حديثهم
_شوفتي اللي بيفهم مش تقولي نطلقهم.. حبيبي مرات عمك زعلانة عليك خايفة نكون بنغصبك
كان يستمع اليه بهدوء ينظر اليها بصمت بينما هي تأرجحت عيناها بالتردد
_ يوسف أنا معنديش غير بنت وحيدة وانت اكيد عارف هي بالنسبالي ايه عمك بيقول
قاطعها ارسلان مقتربا
_يوسف عمره مايزعلها ومتأكد انه بيحبها أنا اديتله قطعة من روحي وهو عمره مايفرط في روح عمه.. قالها أرسلان وعيناه تخترق أعين يوسف
_عمو انا مش بعتبرك عمي انت مربيني واكيد متاكد ان ابنك مستحيل يضر اخته انا مش بعتبر ضي بنت عمي بس لحد قبل كتب كتابنا صدقني كانت بغلاوة شمس عمري مافرقت بينهم.. ابتسم وتابع
_لكن الوضع دلوقتي اختلف ومش معنى إن بابا شايف ضي مناسبة يبقى انا معترض عليها وانا لسة قايلها فوق
_لو فكرت في الجواز قبل كدا مكنتش هلاقي احسن منها.
ابتسم ارسلان بهدوء يطالعه بحنان
_وأنا واثق من كدا ياحبيبي متزعلش من مرات عمك هي أم وخايفة تكون مجبور على الجوازة
التفت يوسف الى غرام وقال
_انا بعيدها تاني قدام حضرتك لو كنت فكرت في الجواز قبل مابابا يقول صدقيني كانت هتكون ضي ريحي عقلك شوية ووقت مااحس اني مش قادر اكمل هقولها على طول
تنهدت تنهيدة واسعة تطالعه بغير اقتناع ثم قالت
_انت ناوي على ايه يايوسف
_ناوي اروح اشتري الدبل واعشي مراتي.. مراتي يامرات عمي
_يالا سلام متقلقوش لو بتنا برة
قالها وتحرك مع نظرات ارسلان
_ماتلم نفسك يامتخلف ايه يوسف الصغير دي
توقف واستدار اليه غامزا
_متزعلش يبقى بنتك ضلمة الصغيرة اهي تكون شبه امها
افلتت غرام ضحكة تهز رأسها
_ربنا يسعدكم حبيبي
رفع كفيه للسما وتمتم
_يارب يارب
زفر ارسلان براحة ثم اقترب من غرام بعد خروجه
_ينفع كدا انا غلطت اني قولت لك اصلا
_غلطت كمان مكنتش عايز تعرفني
جلس واختنق صوته وهو يمسح على وجهه بكف مرتجف
_كلم الياس يضغط عليه ياارسلان ازاي ساكت على الهجرة اصلا
طالعها بعينان يغشهما الدموع
_إلياس مرعوب من الفكرة نفسها العلاقة بينهم بقالها فترة متوترة.
عرف إن يوسف بيخبي عنه حاجة دور وراه ووقع في إيده نوتس مكتوب فيها حاجات توجع القلب.
أنا قلبي وجعني لما قرأت بعضها يا غرام تعرفي إن يوسف كان بيتعالج نفسيا من ورانا كلنا
شهقت غرام بخفوت وانهمرت دموعها وهي تهز رأسها بأسى
_قولت لكم من زمان محدش صدقني كنت حاسة بيخبي وجعه
كان بيضحك علينا كلنا بس عيونه كانت فيها لمعة حزن اه منكرش رجوع ميرال قواه بس فضل زي ماهو
_الواد كان بيعاني بصمت كاره كل حاجة حواليه فاقد الثقة في كل شيء.
كاتب كلام صعب مؤلم كأنه بيصرخ على الورق بدل ما يصرخ في وشنا.
وبدل مانساعده حضرتك بتضغطي عليا اوقف لالياس علشان يضغط عليه اكتر واكتر
تنهدت غرام وسط بكائها وقالت بصوت مبحوح
_انا كدا فهمت ليه وافقت على كتب الكتاب بدل الخطوبة
أومأ أرسلان برأسه ببطء وقال بنبرة رجاء أكثر منها قرار
_علشان كده لازم أمنعه من فكرة الهجرة
تخيلي.. عايز يفقد هويته المصرية عايز يقطع كل خيط يربطه بينا.
نظرت إليه بدموع تملأ عينيها وقالت
_طيب لو اقنع ضي تسافر معاه
رفع رأسه بحدة خفيفة وقال بصوتا حاسم
_لا مش هتوافق
_بس بتحبه يا أرسلان
_حتى لو هيرجع علشانها غصب عنه
لما تضغط عليه ضي مش هيعرف يعيش بعيد عنها.
ثم أضاف بنبرة يائسة مملوءة بالإدراك
_إنما يهاجر وهو فاضي كده ومش مربوط بحاجة ساعتها مش هيبص وراه أبدا.
والياس حاول يوقف تأشيرته ويمنع موضوع الجنسية
بس ماقدرش الواد طلع أذكى مننا كلنا.
اختار الشخص اللي محدش يقدر يمنعه
قاطعهم وصول ضي التي هبطت للأسفل بخطواتها الناعمة
توقفت والدتها عند أول الدرج غاضبة وهي تشير نحوها ثم نحو أرسلان
_شايف بنتك بتعاندي قولت مفيش خروج بالفستان دا وبرضو نزلت بيه!
التفت إليها أرسلان بهدوء أبوي وهو يتفحص ابنته
_ماله الفستان يا غرام حلو ورقيق وواسع كمان أحسن من التانيين اللي بتلبسهم قبل كدا
رمقته غرام بنظرة متوترة وقالت بانزعاج
_يووه بقوله ايه وبيقول ايه انا مش لسة بقولك لونه اسود وفاله وحش
ضحك بخفة وقال بصوت دافئ ومرح
_فأل إيه بس يا غرامي دا لون هيبة.
وأشار إلى ضي قائلا بحنان
_اطلعي يا حبيبتي خطيبك مستنيكي برة.
غمزت له ضي وهي تمر أمامهما هامسة بخفة
ضحك أرسلان وهو يلتفت إلى زوجته
_ماشي يا ضي
عند يوسف
خرجت لتجده يقف خارج السيارة ممسكا بهاتفه يتحدث مع بلال
_طيب لو فيه وقت هنعدي عليكوا تمام يا صاحبي.
أنهى المكالمة والتفت إليها مبتسما وهو يفتح باب السيارة مازحا
_اتفضلي يا مراتي لازم أول مرة تركبي معايا
بعد جوازنا أكون جنتل.
رمقته بنظرة جانبية وهي تسند كفها على الباب
_جواز إيه.. انت صدقت نفسك ولا إيه
ضحك بخفة وقال
_عندك حق الحاجة الوحيدة اللي لازم أنساها فعلا.
توقفت عند الباب ونظراتها أصبحت أكثر جدية وهي تقول بصوت خافت
_يوسفانا بقولك للمرة التانية لو حاسس إن الموضوع ضاغط عليك أنا هتصرف.
وملكش دعوة بعمي ولا بابا المهم تبقى مرتاح.
اقترب منها خطوة وابتسامة هادئة لكن عينيه تلمعان بشيء متردد
_تصدقي أقنعتيني إنك بتحبيني.
رفعت حاجبها بسخرية خفيفة
_وأنا هكرهك ليه يعني عادي ابن عمي ولازم أحبك.
_لا مش دا اللي أقصده يا ضلمة.
_قصدي لما قولتي المهم تكون مرتاح دي جملة بتتقال من اللي بيحب مش من اللي بيجامل.. وفوق قولتي حبيبي يايوسف
رفعت عينيها نحوه وطالعته
_يمكن بحاول أقنع نفسي زي ما انت بتحاول تقنع نفسك بالجوازة.
تجمد للحظة وانعقد حاجباه وهو يسأل بحدة خافتة
_يعني إيه
ركبت السيارة ببطء متعمد ثم أشارت له بابتسامة صغيرة
_يعني نفس إحساسك يا ابن عمي
طول ما انت بتحاول أنا كمان بحاول.
معادلة متوازية بخطوط متساوية يا دكتور.
ابتسم بخبث وهو يدور المحرك
_لا ياختي أنا مدرستش رياضة ولا أعرف المعادلات المايصة بتاعتك
بس لو حابة أتعلم تاني معنديش مانع أراجع معاكي.
ضحكت بخفة وهي تلتفت للنافذة
_تمام هنشوف الموضوع دا بعدين.
ضرب بكفيه على المقود وقال بمزاح صاخب
_يابت
لكزته بقوة وهي تبتسم نصف ابتسامة
_اتلم وسوق وانت ساكت وبعدين عادي زي بلال واتخنقت هروح للغريب يعني!
_ياخدك ربنا
_وانت معايا ياحبيبي
ضحك وهو يستدير بالسيارة قائلا
_اهي علشان حبيبي دي هعديها قلبي ضعيف و انتي مجنونة رسمي بس عادي أنا بحب المجانين.
التفتت إليه مشيرة بإصبعها كمن تضع اتفاق زواج مكتوبا على الهواء
_شوف بقى علشان نبقى زوجين محترمين أولا مبحبش حد يقولي يابت وثانيا مبحبش اللي يتريق عليا وثالثا لازم قدام الكل تبين إنك بتخاف عليا وتقنعهم بكدا مبحبش حد يجيب سيرتي وتفهمهم انك بتحبني واصلا لازم تحبني بعد اللي حصل بينا .. انت دلوقتي مش ابن عمي بس
قالتها وصمتت تنتظر رده لكن صمته طال.
_انت مابتردش ليه
_مستني رابعا ولا كدا خلصتي
أفلتت ضحكة رغما عنها وابتعدت بعينيها نحو الطريق بينما قال
_بالنسبة لأولا مش هقولك غير يابت ولو مش عاجبك اشربي من البحر يا يابت
أما تانيا فتعودي تتقبلي إن التريقة عندي موهبة فنية.
أما تالتا يا روحي وقلبي وأمعائي الدقيقة متخافيش هخلي الناس تكتب علينا دواوين عشق... وخاصة الياس وارسلان دول بالذات لازم اجلطهم بحبك ياروحي.. صمت وغمز اليها
وخدي رابعا من عنديماهو خلاص مضينا عقد الهوى
_نفسك دا محسوب عليا عارفة لو غلطتي
صمت فاستدارت إليه برفعة حاجب مستفزة
_أيوة لو غلطت هتعمل إيه ياحبيبي هتطلقني يبقى أحسن!
قالتها وهي ترفع كفوفها للاعلى
طالعها بنظرات جامدة تخفي وراءها ألف فكرة وألم مكتوم
_هو حل برضوخلي ارسلان والياس يطخونا عيارين.. بس الحل دا الأخير. عندي حلول تانية هتعرفيها وقتها.
_زي إيه بقى
_مابلاش وأبوك صورته في صفحة الحوادث اتلمي خليني في عقلي وقلبي الطيب.
ارتفعت ضحكاتها سحبت نظارته وارتدتها بدلال تراقب الطريق بعينين طفوليتين بينما هو كان ينظر إليها بصمت يحدث نفسه
_وبعدها لك يا ضي
زفر أنفاسه بحرارة فالتفتت إليه تقول بخفة
_دي كلها تنهيدة
لم يرد ظل يرمق الطريق بعين متحفظة حتى وقعت نظراته على سيارة الحراسة خلفهم.
ابتسم في مرارة ما زال والده حتى الآن لا يثق في حريته.
نظرت هي إلى الخلف ثم عادت بعينيها إليه
_بابا اللي بعتهم خايف عليا منك.
ضحك بصوت رجولي عميق فابتسمت رغما عنها وسألته
_انت زعلان من عمو يايوسف
تحولت ملامحه فجأة وصوته فقد دفء المزاح
_فيه حاجة مهمة لازم تعرفيها علاقتي ببابا بلاش تدخلي فيها ولا
_انت بتقول إيه دا عمي!
_ضي أنا بتكلم جد. ممكن نتكلم في كل حاجة بما إننا مخطوبين بس دي لأ
علاقتي ببابا إياك تسألي عنها.
تجمدت الكلمات في حلقها وانسحب الدم من وجهها كأنها تلقت صفعة خفية لم تكن نبرته حادة لكنها حملت ثقلا لم تعهده منه من قبل.
انكمشت ضحكتها وتراجعت روحها خطوة إلى الوراء.
حل بينهما صمت كثيف صمت من نوع موجع أكثر من أي خلاف كأن بينهما جدارا من الأسرار لم يهدم بعد
حتى شعر بثقل أنفاسها بجواره فالتفت إليها وقد هدأ صوته
_آسف متزعليش مني المفروض تكوني فهماني يا ضي احنا اتربينا سوا وعارفة إيه اللي بيضايقني.
لم ترد فقط أسندت رأسها إلى زجاج النافذة تراقب الخارج بعينين شاردتين.
زفر بضيق ثم قال يحاول تلطيف الجو
_ضي أنا بحب خصوصياتي تفضل بيني وبين نفسي خصوصا من الناس القريبة يعني المفروض اللي بينا يفضل سرنا مايخرجش لحد حتى أقرب الناس.
سكنت ملامحها وهي ترد بصوت خافت
_تمام.
مضت دقائق ثقيلة توقفت بعدها السيارة أمام محل المجوهرات.
ترجلت بخطوات مترددة وقالت
_ادخل إنت شوف اللي محتاجه وأنا هستنى هنا.
لك وسحبها لتدخل معه دون أن يمنحها فرصة للاعتراض.
دلفا إلى الداخل فبادرهما صاحب المحل بابتسامة ودودة
_أهلا دكتور يوسف الياس باشا لسه قافل معايا.
أومأ يوسف دون تعليق ثم مال نحوها هامسا بمكر
_عايزك تفلسي أبويا اختاري أغلى حاجة تشوفيها ومن كل نوع خدي اتنين.
ضحكت بخفة وهي تهمس له
_اتلم يا مجنون!
ثم توجهت إلى صاحب المحل قائلة بثقة هادئة
_عايزة أشوف الدبل اللي هنا.
رفع الرجل حاجبيه مستغربا
_دبل بس عندنا تشكيلات فخمة من الأساور والعقود تحفة والله.
ابتسمت وقالت بثبات
_لا عايزة دبلة بس.
اقترب يوسف وقال بصوت مزيج بين المزاح والعتاب
_دبلة بس بقى جايين المشوار دا كله علشان دبلة
رفعت رأسها إليه تهزها بإصرار لا يقبل النقاش
_أيوه مش هشتري غيرها.
اقتربت خطوة منه وقالت بثقة حادة
_إيه اللي بيربط الزوجين غير الدبلة يا دكتور الباقي كله شكليات ملهاش لازمة.
نظرت مباشرة في عينيه وهي تتابع بنبرة أكثر هدوءا ولكنها تحمل معنى خفيا
_الباقي بيكون هدية من العريس لعروسته بيفاجأها بيها لو عايز يراضيها.
أما الدبلة فهي إثبات ملكية إنك مرتبط ودا اللي يهمني.
ظل يحدق فيها بانبهار مدهوش وكأنه يرى فيها مزيجا غريبا من البساطة والعند الأنثوي.
استدار فجأة على صوت صاحب المحل
_دي تشكيلة الدبل اللي لسه واصلة حالا يا دكتور.
أخذت تتفحصها بعينين شاردتين تشعر بالاختناق تمنت في داخلها لو اقترب منها أو شاركها القرار لكنه لم يفعل... بل تركها وخرج خارج المحل
بعد تردد قصير أشارت إلى واحدة على الطرف البعيد وقالت بخفوت
_دي كويسة.
رفعها الرجل أمامها مندهشا
_ دي دهب
اختاري من اللي قدامك
_انا بحب الدهب اكتر
اوما بنفاذ صبر قائلا
_ذوقك ممتاز يا آنسة.
التفتت تبحث عنه بعينيها فوجدته بالخارج يقف ويدخن سيجارة.
تجمدت للحظة الدهشة تعصر صدرها يوسف بيدخن وهي لا تعلم!
استدار هو نحوها التقت عيناه بعينيها خلف الزجاج فقرأ فيهما ما يكفي ليطفئ السيجارة على عجل ويتجه إليها.
همست للرجل بصوت مختنق
_جهزلي دي.
ثم استدارت تبتعد بخطوات متعثرة وجلست على المقعد القريب.
اقترب منها يوسف عينيه تبحثان في وجهها
_اخترتي حاجة
ابتلعت ريقها وشعرت بالمرارة وهي تومئ دون أن ترد.
أخذ الدبلة من يد البائع يقلبها بين أنامله ثم رفع نظره نحوها
_دي اللي عجبتك من دول
قالت بفتور وهي مازالت تنظر بعيدا
_أي حاجة مش فارقة.
ظل يتأملها ثم مد يده يشير إلى خاتم آخر مرفق مع إحدى الدبل وقال بحسم رجولي معتاد
_هناخد دا بلاش دي مش عجباني.
واكتب عليها الأسماء بتاعتنا
ضي ويوسف.
هز الرجل رأسه بإعجاب وقال
_اختيار موفق يا دكتور حاجة شيك جدا..
_هاتلي دبلة كمان..
ابتسم بخفة وقال ممازحا
_بس خليها حاجة تقيلة يا عم جورج عايزها أحسن من بتاعة بابا كمان.
ضحك الرجل وهو يرد
_عيوني لدكتورنا الغالي.
جلس بجوارها بعدما انتهى الحديث تطلع إليها وهي تتظاهر بالانشغال في الهاتف فابتسم بمكر خافت
_رايحة تختاري دبلة دهب يا ضي للدرجة دي الموضوع مش فارقلك
رفعت رأسها نحوه بعناد طفولي وقالت
_زي ما هو مش فارقلك. وماله الدهب أي حاجة تثبت إني مخطوبة وخلاص حتى لو فضة الحاجات دي متهمنيش فيه حاجات أهم يا دكتور.
وقبل أن يعلق تابعت بحدة مفاجئة
_روح كمل سجايرك اللي مخبيها علينا برة.
بتشرب سجاير يا يوسف لدرجة دي أنا مغشوشة فيك!
ضحك ساخرا وهز رأسه
_مالك يا بت
ثم اقترب منها بخفة وقال بصوت انخفض
_يبقى سوحي يا ضلمة علشان أخليها كحل عليكي.
فابتعدت قليلا وقد اختلط الغضب بالارتباك في ملامحها.
وقعت عيناه على حجابها وقد انزاح قليلا يتمتم بجدية مخلوطة بالجدية
في تلك اللحظة وصل صاحب المحل يمد يده بالعلبة قائلا بابتسامة عريضة
_اتفضل يا دكتور ألف مبروك مقدما.
باليوم التالي
استيقظت على رنين هاتفها الذي مزق سكون الغرفة مدت يدها تتلمس الهاتف بعينين نصف مغلقتين وردت بصوتها المبحوح بالنوم
_ أيوه
على الطرف الآخر كان يقف أمام المرآة يهم بإغلاق أزرار قميصه رفع ساعته ليضعها في معصمه فهز رأسه سريعا يطرد ما خطر له وقال بنبرة متعمدة الهدوء
_ نايمة وأنا اللي مفكرك مانمتيش علشان توصليني المطار.
اعتدلت في جلستها وقد اخترق صوته أذنها لتخفق نبضاتها بلا إذن لكنها تداركت نفسها وردت بمراوغة نصف ناعسة
_ وأوصلك ليه كل مرة بلال أو السواق بيودوك إشمعنا المرة دي أنا اللي هوصلك
تصلب فكه وغضب خفيف سرى في صوته وهو يقول دون وعي
_ علشان دلوقتي انتي مراتي.
تسللت إلى شفتيها ابتسامة ماكرة وردت بخفة أنثى تعرف تماما كيف تمسك الخيط بين الدلال والاستفزاز
_ مراتك لما أكون في بيتك يا حبيبي دلوقتي أنا في بيت بابا ويلا سلام عايزة أكمل نومي قلقت منامي.
قالتهاوأغلقت الخط بسرعة قبل أن تلين اليه بقلبها الضعيف
سقط الهاتف من يدها على الوسادة وتنهدت عاشقة وهي تتذكر كلماته
_ لو كنت فكرت بالجواز انتي أول واحدة.
مدت يدها نحو الدبلة نظرت إليها
نظر للهاتف للحظات وشعر بالغضب تنهد واكمل مايفعله
_تمام ياست ضلمة
مضى أسبوع
هدوء يخيم على الجميع بآل الشافعي ولكن الوضع مختلف عند اسحاق فكانت الخلافات المتكررة بين حمزة ووالده بسبب إصراره العنيد على شمس.
في غرفة حمزة كان يغط في نوم عميق يغرق في أحلام لا يملك منها فرارا.
رأى نفسه برفقة والده يتجهان نحو منزل إلياس الشوق يسبق خطواته والحنين يعصف بقلبه بعد أيام من مراقبتها عن بعد كأن رؤيتها صارت له هواء لا يستغنى عنه.
دلف إلى مكتب إلياس بعد أن أبلغ الأخير بقدومهما. دقائق معدودة مضت في أحاديث عابرة إلى ان اردف والده بصوته الحازم
_ إلياس مش هلف وادور حمزة معجب بشمس وعايز يتقدملها لكن أنا مش موافق.
التفت إلياس نحوه وصمته أثقل من الكلمات تأمله للحظة ثم قال بهدوء قاطع
_ ولا أنا.
ثم وجه نظره نحو حمزة وأضاف بنبرة حاسمة
_ أي بنت ممكن تستاهلك بس مش شمس.
كأن السهم اخترق صدره شهق يستيقظ من نومه فزعا كمن خرج من معركة خاسرة أنفاسه متلاحقة وعيناه تجولان في الغرفة
مسح عرقه براحة كفه تراجع قليلا على الفراش يحاول استعادة أنفاسه ثم نهض ببطء كأن الأرض تثقل خطواته.
بعد قليل
هبط إلى المائدة ألقى تحية الصباح
_ صباح الخير على الجميع.
رفع عمران رأسه مبتسما
_ أهلا يا حموزي أخيرا شفناك يا راجل!
جلس
في مكانه نظر إلى والده الذي كان يتناول إفطاره بصمت وعيناه على الجريدة ثم التفت إلى والدته بنبرة مترددة
_ ماما عملتوا إيه في موضوعي
طوى إسحاق الجريدة ببطء ونهض من مقعده قائلا بصوت لا يخلو من التحذير
_ أبوها مسافر ولما يرجع هنشوف الموضوع ده بس قبل أي خطوة يا حمزة انسى الوظيفة دي.
ثم أردف وهو ينظر إليه نظرة طويلة
_ وأكيد عمك ومامتك فهموك السبب.
ظل حمزة يحدق في الفراغ يتذكر الكلمات التي سبب الرفض ترن في أذنه كأنها صفعة
_ولو يابابا سيب كل حاجة زي ماهي
انحنى اسحاق مستندا على الطاولة
_هتتخلى عن حلمك
_بحبها.. هكذا نطقها بصوت مبحوح خافت
صمت اسحاق يزفر بحزن على حالة نجله ثم تراجع للخلف وغادر المنزل دون رد
بعد ساعات طويلة
وقف أمام المقهى الذي اعتادت أن تأتي إليه برفقة صديقاتها. ظل يراقبها من بعيد يتتبع ضحكاتها نظراتها وبراءتها التي تسلب اللب دون استئذان.
أسند ظهره إلى سيارته للحظات ثم قرر الدخول. دلف إلى الداخل بخطوات واثقة وتوجه إلى طاولتها جلس على مقعد مقابل لها متعمدا تجاهل وجودها وكأنه لم يرها.
كانت تتحدث بعفوية مع إحدى صديقاتها تلوح بيديها وتضحك وعيناها تجولان في المكان حتى اصطدمتا به.
ضيقت عينيها هامسة لنفسها
_أيوه هو متأكدة.
التفتت صديقتها تتبع نظراتها ثم شهقت مازحة
_أوووه! يخربيتك يا شمس
رمقتها شمس بنظرة سريعة وهزت رأسها نافية
_لأ أنا أعرفه أو يمكن شبهه بس حاسة إنه هو.
_تعرفيه طيب مين القمر ده
قالتها صديقتها الأخرى وهي تبتسم بمكر واضح.
زفرت شمس قائلة
_ده ابن صاحب بابا.
قهقهت إحداهن
آه يعني من العيلة الكبيرة اللي عندهم شركات وكده!
لكن الأخرى قاطعتها بحماس
_بس بقى الواد قمر أوي وشكله جامد فعلا
حدجتهن بنظرة حادة وهي تلتقط حقيبتها
_خلاص أنا غلطانة يمكن مش هو أصلا. يلا نمشي اتأخرنا ومامي ممكن تقلق.
تأففت إحداهن
كالعادة الأستاذة شمس لازم تنكد علينا وجو مامي وبابي!
التفتت شمس إليهن بجدية هادئة
أنا قلتها قبل كده مبحبش أروح مكان من غير ما ماما تبقى عارفة. ممكن تشوفوها طفولة بس أنا بشوفها احترام لقلقهم عليا. مادام خلصنا اللي جينا عشانه يبقى نمشي.
كان يستمع إلى حديثها وكل كلمة منها كانت تتسلل إلى قلبه برقة موجعة تحرك فيه نبضه بعنف
رفع عينيه مصادفا التفاتها نحو الباب فتقابلت النظرات
نهض من مكانه بخطوات وئيدة واقترب منهن وصوته يخرج كهمسة مبحوحة
_شمس...
توقفت صديقاتها في ذهول تتبادل نظرات الدهشة وهي تتابع اقترابه الواثق نحوهن.
ابتسمت بخفوت مرتبك قائلة
_أهلا أستاذ حمزة كنت بشبه عليك بس الصراحة مكنتش متأكدة.
ارتسم الألم في عينيه دون أن ينطق فحديثها البريء كان كطعنة مغلفة بالود.
_كيف تنكرينني يا طفلتي.. والقلب يتمزق من اجلك فقط فانتي من كانت نوره واحتراقه في آن
ورغم وجعه رسم على شفتيه ابتسامة هادئة ومد يده نحوها قائلا بنبرة خفيفة
_بلاش أستاذ دي حمزة أو يا ستي كابتن حمزة زي ضي
نظرت إلى كفه الممدود بتردد ثم صافحته..
ناداها قبل أن تبتعد بنبرة تحمل دفئا
_لو عايزة أوصلك.
توقفت لثانية ثم التفتت بنصف جسدها وعيناها تتجنب عينيه
السواق بره شكرا لحضرتك.
قالتها ومضت سريعا وغادرت بخطوات سريعة بينما تركت خلفها رجلا واقفا بين الناس بجسد ثابتوقلبا ينتفض بروح تنزف بصمت موجع
بمنزل يزن
جلست أمام والدها تتقلب نظراتها بين وجهه الجاد وفنجان القهوة أمامه تحاول أن تخفي ارتباكها خلف صمته المتوتر.. رفع رأسه وقال بصوت حاسم لا يحتمل نقاشا
السواق هيوصلك ويجيبك ومفيش خروج لأي مكان بعد كليتك. سنة وتخلص مش عايز أزعلك يارولا
رفعت عينيها إليه بانفعال مكبوت
_يعني إيه السواق يوصلني يا بابا هو أنا لسه صغيرة أنا في بكالوريوس على فكرة مش في إعدادي!
لم يتحرك في ملامحه سوى صرامة جليدية أزاح نظره عنها قائلا بحدة قاطعة
مش هكرر كلامي ويلا بدون نقاش... السواق هيوصلك.
بس اسمعني يا بابا...
قطع صوتها بإشارة غاضبة من كفه وصاح وهو يلتفت نحو الباب
أسر! وصل أختك للعربية وخلي أحمد معاها لحد ما تخلص... فهمت
قالها ونهض من مكانه يخفي خلف صلابته خوفا لم يعرف كيف يعبر عنه
بينما جلست هي مكانها تحدق في الأرض تحاول أن تبتلع غصتها رفعت نظرها الى اخيها
_شوفت ماما عملت ايه يعني بعد اسبوع خصام ومنعي من الكلية
_رولا ماتتماديش ماما متعرفش حاجة وسألت مليون مرة ايه اللي حصل يعني لو هي مكنتش سالت حتى ولو هي دي ماما ازاي تقولي عليها
_ماما مابتحبنيش يااسر..
قالتها ونزعت حقيبتها وتحركت للخارج وقعت عيناها على خروج بلال متجها الى سيارته
_بلال..
التفت اليها فاقتربت منه
_توصلني معاك الكلية
التفت الى اسر وتسائل
_وعربيتك
اقتربت منه مردفة
_السواق اخدها بابا عايزه يوصلني
صمت باقتراب اسر
_رولا ياله عندي مقابلة شغل
التفتت اليه وقالت
_هروح الجامعة مع بلال وارجع معاه
تفاجأ بلال بحديثها ورغم ذلك اومأ لاسر
_خلاص هاخدها معايا ربنا يوفقك في مقابلة الشغل متقلقش عليها
اتجه بنظره الى اخته التي ترجته بعيناها ثم اومأ فتحت باب سيارة بلال تتنهد بهدوء
_اخيرا.. مكنش ناقصني الا السواق كمان
استقل بلال السيارة بجوارها ثم التفت اليها
_ايه موضوع السواق دا ليه عمو يزن قرر فجأة
_اتأخرت على المحاضرة سوق واحكي لك في الطريق
صمت للحظة ثم قال
_بس كدا عمو يزن ممكن يزعل لازم اعرف الاول
_بلال.. هتمشي ولا انزل اخد تاكسي
تحرك بالسيارة دون حديث
مر أسبوع آخر إلى أن عاد إلياس ويوسف من الخارج ترافقهما فريدة ومصطفى... الذي باغت الجميع بخبر مرضه سرطان بالكبد.
خرجت ضي من عملها تتثاقل خطاها من الإرهاق ليقطع رنين الهاتف صمتها
_أيوه يا ماما
جاءها صوت والدتها مفعما بالحنين
_حبيبتي ما تتأخريش النهارده خطيبك رجع وعمو كمان.
توقفت مكانها وتعثرت أنفاسها قالت بعد لحظة صمت دامية
_رجع...
سحبت نفسا مرتجفا وأغلقته بزفرة ثقيلة قبل أن تقاطعها غرام بصوت متوتر
_ضي... أبوكي بيقول إن يوسف استلم الجنسية.
ارتجف جسدها كأن صاعقة مرت بعروقها تزلزلت دمعة على وجنتها وهي تهمس بصوت مخنوق
_هو... في البيت
_في بيت جده كلهم رجعوا.
لم تجب فقط أغلقت الهاتف ببطء حدقت في الفراغ لبرهة طويلة ..تشعر وكأنه عاد شخص جديد اسبوعان لم يهاتفها متعللا برسائله بانشغاله
بعد دقائق وصلت الى فيلا السيوفي قابلتها ملك على الباب الرئيسي
_اهلا ضي الف مبروك ياروحي
_الله يبارك فيكي ياطنط ملك هو يوسف فين
تلفتت ملك واشارت إلى الحديقة الخلفية
_على مااظن كان هنا وتليفونه رن ممكن يكون عند البسين شوفيه كدا
متشكرة لحضرتك
قالتها وانسحبت سريعا بدقات عنيفة إليه وجدته يتحدث بهاتفه..
_حاضر يومين ارتب اموري إن شاءلله الاسبوع الجاي هانت خلاص
صمت يتابع حديث الاخر
_شكرا لحضرتك على كل حاجة لولا حضرتك معرفش كنت عملت ايه وخصوصا شروطهم في القبول
انتهت المكالمة اغلق الهاتف ووضعه بجيبه ونظر للامام بشرود يفكر بخطواته القادمة وكيف سيتقبلها الجميع خاصة والدته..
ظلت واقفة خلفه بهدوء تحاول ان تنظم أنفاسها المرتجفة داخل صدرها تتذكر كلمات ميرال عمك حاطط فيكي أمل انك تمنعيه من الهجرة انا مش عارفة اقولك اعملي ايه بس عندي يقين انه بيحبك ومش عايز يعترف او ممكن يحبك معرفش يابنتي المهم انا بتكلم معاكي كأم حاولي تضغطي عليه انتي ذكية وهتعرفي تفكري اكتر مني انا كل اللي يهمني مايبعدش حتى لو عايز يروح أي مكان في مصر أنا موافقة المهم مايبعدش عن مصر خايفة لو اخد الجنسية يمسحنا كلنا..خرجت من واقع كلمات ميرال ثم همست بصوت خافت متشبع بالشوق
_وحشتني أوي...
استدار إليها ببطء يتأمل ملامحها التي أرهقته شوقا طوال الايام الماضية.
_وانتي كمان وحشتيني.
رفعت عينيها نحوه بعتاب يقطر دفئا
نفسي أعرف دماغك دي فيها إيه
ابتسم وهو يرد بهدوء فيه غموض
_من الأحسن تعرفي قلبي فيه إيه... مش دماغي.
_تؤه... قلبك أنا عارفاه بس عقلك ده اللي محدش عارف له طريق.
ابتسم رغما عنه
طيب احكيلي بقى... قلبي فيه إيه يا ذكية
_أنا طبعا.
ضحك بصوت خرج منه رغما عنه ضحكة صافية بعثرت المسافة بينهما.
رفعت حاجبها باستفزاز محبب
_متحاولش تشككني في نفسي... أنا متأكدة إني مؤثرة جدا.
_يا ولاااا... على المؤثرة!
ارتجف قلبها ورغم ذلك رفعت عينيها
قهقه بخفة رغم انزعاجه من طريقتها لكنها استطاعت أن تنزع ارهاقه
_بتعملي كدا علشان أحبك يعني
_وعلى أساس إنك مش بتحبني مش قولت لو فكرت في الجواز هيكون انا يبقى حبي مدفون من زمان
_يمكن.
هو فيه راجل محترم يتجوز واحدة مبيحبهاش
_بس دا مش جواز وانتي عارفة
رغم قهرها الا انها قالت
_وليكن هنقول كتب كتاب... هو فيه راجل يرضى يلبس دبلة مكتوب عليها اسم واحدة مش حبيبته لبست دبلتي باسمي ليه
نظر إلى دبلته ثم إليها.
_ومين قالك إن اسمك اللي عليها
اقتربت منه بخطوة واثقة
_متأكدة... نسيت كنا مع بعض واحنا بنشتريها ودا يأكدلي مش بس الدبلة
نظر إليها بعينين يغمرهما الوله والاشتياق اليها فقال بارتجاف
_حلوة الثقة... وبحبها جدا.
ابتسمت وهمست
وأنا بحبك أكتر من ثقتي بنفسي...
شفت بقى مكانتك فين
كانت نظرة وحدها كفيلة بقتله من أنثى هدرت كرامتها انحنت تلتقط حقيبتها وتراجعت بخطوات مضطربة نحو سيارتها والدموع تنهمر على وجنتيها كصراخ مكتوم يمزق صدرها.
راقبها بعينين متألمتين ويعتذر عنها وعن نفسه لكن كيف
كيف وهو يعلم أنها حطمت بخطوتها تلك كل ما خطط له وكل ما حاول بناءه
الآن لا يقوى على البعد أسبوعان فقط وشعر أنه تحطم في غيابها.
دار بعينيه حوله كمن يبحث عن هواء يتنفسه ولم يجد سوى صدى قلب ينهار بداخله...
همس لنفسه وهو يتنهد بحرقة سوداء
_وبعدين يا يوسف.. أبوك فعلا نجح ضغط عليك من الحتة الضعيفة فيك.
حبتها ولا هي اللي أشعلت فيك نيران كنت فاكرها مش موجودة
مرر كفه على وجهه المرهق مع اقتراب إسلام منه التفت ببطء.
_بتعمل إيه يا جو لوحدك وفين ضي كنت شايفها جاية لك.
_مشيت... بابا فوق ولا مشي
_لا فوق.
_تمام... أنا هرجع البيت.
_عرفه اني رجعت عندي شوية حاجات عايز اعملها يلا سلام.
أومأ له إسلام وهو يتابعه بعين قلقة بينما ظل يوسف يسير بخطوات أثقل من قلبه نفسه.
وصل بعد قليل.. اتجه الى منزل عمه يسأل عنها ولكنها امتنعت بحجة نومها ثلاث أيام يحاول الوصول إليها ولكنها رافضة رفضا قاطع وحديثها مع والدها بعدم اكمال الخطبة
ذهب الياس اليها بعد شكوى ارسلان من منعها الذهاب لعملها والحديث مع احدا رغم محاولات بلال إلا انها ظلت كما هي.. في خلوتها الوحيدة ورفضها القاطع لمقابلته لابد أن تستعيد كرامتها التي اهدرها دون رحمة
جلس إلياس معها بعض الوقت وكل حديثها
_ماليش نفس اتكلم مع حد وعايزة افكر كويس لو سمحت ياعمو مش عايزة ضغط من اي حد فيكم وارجوك متزعلش مني بحاول اضغط على نفسي بس تعبت
طالعها بأنين يصرخ بداخله اتجه بنظره الى ارسلان وربت على كتفيها
_ولا يهمك حبيبة عمو كله قسمة ونصيب
قاطعهم رنين هاتف إلياس..نهض معتذرا وهو ينظر إلى أرسلان
_
_أيوة ياماما.
_إلياس..إنت فين
توقف بعدما استمع إلى صوت بكائها
_في البيت فيه إيه
_تعال أبوك عايز يشوفك ضروري.
_بابا..همس بها بخفوت وتحرك وهو يتحدث بهاتفه
_مسافة السكة حبيبتي.
بعد فترة قليلة...
وصل إلى فيلا السيوفي وصوت
محرك سيارته يخترق المكان..لمح الطبيب يخرج من الداخل فتوقف بعنف حتى صرخت الإطارات على الأرض وترجل كطفل يركض نحو أمل يوشك أن يسلب منه.
اقترب منه بأنفاس متلاحقة وأردف بصوت متوتر
_إيه يادكتور...طمني
توقف الطبيب أمامه ونظراته انخفضت بثقل قبل أن يهز رأسه بأسى
_الوضع زي ماهو للأسف..المرض تمكن منه بنسبة كبيرة اللي بنعمله دلوقتي
متابعة القراءة