كانها الحياة بقلم سيلا وليد
المحتويات
حضرتك
اقتربت ترمقه بعتاب ثم تحركت من جواره دون أن تعيره أهمية وقالت
أنا بس صعبان عليا أخواتك اللي إنت وحشتهم فقولت أطلع أحسن منك يابن فريدة
جلس على المقعد يطالعها بحاجب مرفوع ثم قال
ليا الشرف يامدام فريدة إني هفطر معاكم والله
حدجته بنظرة تعني الكثير ثم قالت
مش علشانك خلي بالك علشان أبوك وأخواتك
زم شفتيه واتجه إلى مصطفى قائلا
هو حضرتك ليه مابتعملش بالنصايح قلبت عليا علشان بيت هنا ياعم يبقى روح بات عندها بلاش تغضب عندي
رفع إسلام رأسه من فوق الطاولة يطالعه بذهول ثم فرك عينيه لعدة لحظات متجها إلى غادة
هو أنا في الواقع ولا بحلم يابت ياغادة الشخص دا إلياس!
قهقهت غادة تصفعه بخفة على رأسه ثم اتجهت ذراع إلياس
لا ياحبيبي في الواقع أنا والبت ميرو بس اللي كنا عارفين أنه خفيف الدم
هنا صمتا مميتا بعد نطقها لاسم ميرال لتدور العيون جميعا حول الوجوه توقف يشير إلى طفله
تعال حبيبي الباص جه خرج بجوار طفله يشير إلى الأمن
خليك مع يوسف لما يركب الباص بينما بالداخل لكز إسلام غادة قائلا
كان لازم تتسحبي من لسانك أما فريدة توقفت وقالت بنبرة مكسورة
هشوف البنات جهزوا الفطار ولا لأ قالتها هربا ودموعها تفترش طريقها
إسلام شوف أخوك فين
أومأ لها وتحرك للخارج
بمنزل يزن وقفت بالمطبخ تنهي طعام الإفطار بجوار الخدم حملت بعض الطعام على سرفيس وتحركت إلى الخارج وهي تدندن مع الأغنية التي تصدح بالراديو
إنت تقول وتمشي وأنا أسهر ما أنامشي
يااللي مابتسهرشي ليلة ياحبيبي
سهرني حبيبي حبك ياحبيبي
بكتب على الليالي اسمك ياحبيبي
حبيتك ياحبيبي من غير ما أسأل سؤال
وحاسهر ياحبيبي مهما طال المطال
أنا بس اللي محيرني وما خلانيش أنام
إزاي أنا أقدر أسهر وإزاي تقدر تنام
وأقوله حبيبي كل مافيك حبيبي وحلو
صوتك حلو قلبك حلو
وحتى لما تتعبني وأسهر لك سهرك حلو
أنا هنا ممشتش إنتي عمية
عارف صوتي حلو وأنا على بعضي حلو
وضعت الطعام بغضب مصطنع واستدارت إليه
وبعدهالك بقى ا
صباح الخير ياحبيبي
ابتعلت ريقها قائلة
يزن ابعد علشان منزعلش من بعض
رفع أنامله وتحدث
وليه نزعل من بعض عندي اقتراح ولا بلاش الاقتراح عندي سؤال يارحيل بس قبل ماتجاوبي لازم تفكري كويس وصدقيني فيه حاجات كتيرة هتترتب على الإجابة
تأرجحت عيناه بالحيرة من هدوئها
ا
بغض النظر عن ولادنا اللي عمري
ماحاولت أحطهم في صراع بينا انسي الولاد وصدقيني عمري ماأعمل حاجة ضد مستقبلهم وراحتهم ولا إني أعمل حاجة تزعلك مني خلاص اللي حصل حصل
طالعته تنتظر باقي حديثه بشق الأنفس
راحيل إنتي فعلا عايزة تطلقي يعني عايزة تبعدي عني ا
هتقدري تعيشي بعيد عن يزن لو هتقدري صدقيني أنا مش هقدر
وكلامي دا مش بغصبك تكوني معايا فكري وأنا منتظر ووقت ماتقولي قررتي إيه والله وحياة رحيل عندي هعمل اللي إنتي عايزاه حتى لو هتاخدي الولاد وتستقري بعيد المهم تكوني سعيدة ومرتاحة
قالها واتجه إلى طاولة الطعام
ريحة الأكل حلوة شوفتي علشان بس دخلتي المطبخ الأكل حلو إزاي
نهضت واتجهت متوقفة أمامه
عند ميرال
خرج الطبيب من غرفته يهز رأسه بأسف
للأسف يانعيمة البنت دخلت غيبوبة
ضربت نعيمة على صدرها
ياحبيبتي يعني بعد كل اللي حصل معاكي تدخلي في غيبوبة! رفعت رأسها وتساءلت
طيب والجنين ياحمدي دي لسة مدخلتش التامن
لحد دلوقتي كويس مش عارف إيه اللي حيحصل بعد كدا فيه نزيف داخلي بنحاول توقفه
اهتزت ساقيها فاتخذت المقعد ملجأها
زي مايكون البنت دي مش مكتوب لها السعادة
جلس بجوارها وقال
مش ناوية تقوليلي مين دي يانعيمة
رمشت عدة مرات محاولة السيطرة على الرعشة التي أصابت جسدها من الخوف عليها ثم قالت
اللي أعرفه إنها متجوزة واحد غني أوي وكانت عايشة مع ناس على أساس أهلها وطلعوا مش أهلها حتى اللي كانت متجوزاه طلع ابن عمها وأبوها هو اللي قتل عمها وشرد العيلة دا اللي حكته أه وجوزها شغال ظابط في أمن الدولة
هب من مكانه مذعورا
يانهارك مش معدي إنتي إزاي تصدقي الكلام دا مايمكن بتضحك عليكي ووراها مصيبة ولا قاتلة حد ولا هربانة من حاجة
جذبته من كفيه وأجلسته
اهدى واسمعني قامت بقص كيفية وصول ميرال إليها
جحظت عيناه يطالعها بصدمة
يعني إيه
والله دا كل اللي حصل وكمان أنس متابع معاها بس لما جينا هنا قطعت علاجها
يعني هي قالت لك كانت بتتعالج نفسي
أومأت له وقالت
البنت غلبانة أوي ومكسورة فكرتني بنهلة الله يرحمها فاكر نهلة ياحمدي
محبتش البت تعمل حاجة في نفسها
يعني جوزها مفكر إنها ميتة
للأسف دا اللي فهمته منها علشان بتقول وقعت العربية في النيل
طيب أنس قالك إيه عن حالتها
Severe Major Depression
إيه أومأت له واستطردت
ممكن تئذي نفسها فعلا أكيد إنت دكتور وعارف أنه مش مجرد اكتئاب
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
بس برضو لازم جوزها يعرف إنتي عارفة دا لو عرف إنها عايشة ومقولناش ممكن نروح في داهية
أنا مستحيل البنت لحد ماتفوق
إنتي مجنونة يانعيمة دي غيبوبة وكمان حامل
ولو ياحمدي اللي يوصلها لكدا مش ضمنها
يخربيت سنينك بتقولك لوا وظابط أمن دولة
وإحنا مالنا هو إحنا كنا خاطفنها دا المفروض يشكرونا كمان
برضو يانعيمة
مفيش غيره يابن عمي
أومأ لها باعتراض ثم قال
طيب لو فضلت كدا للولادة هتعملي إيه فيه بيبي هيجي يعني عايز إثبات يعني أوراق رسمية
وقتها ربنا يحلها
نهض وتحرك وهو يتمتم
أووف على نشفان دماغك
مرت الشهور
سريعة كلمح البصر على البعض وثقيلة كجبل جاثم
على صدور الآخرين حتى اكتملت السنة منذ مغادرة ميرال لمنزل السيوفي
سنة إلا نصفها كانت هي فيها جثة تتنفس معلقة بين السماء والأرض في غيبوبة سرقت منها كل شيء حتى صوتها
في ليلة شتوية أمطرت السماء كأنها تبكي معها
وقفت نعيمة أمام النافذة ذراعيها إلى صدرها وتحدق في زخات المطر ولم تكف شفتاها بالدعاء
سبحان اللي حببني فيكي وعلق قلبي بيكي يابنتي
يارب تقومي بالسلامة مش علشاني علشان بنتك
خدها من بوقي يارب أنا قلتها ما تحرماش منها
البنت هتعيش يتيمة يتيمة أم وأب
اليتم صعب كسر وحشة مالهاش دوا
مسحت دمعة سالت رغما عنها ثم استدارت إلى ميرال التي كانت مسجاة كأنها نائمة في سلام مزيف جسد بلا روح عينان لا تريان وصدر بالكاد يرتفع
دلفت هند بخطوات مترددة هامسة
ماما هتباتي هنا ولا نروح خالتو اتصلت تسأل
نظرت نعيمة إلى الصغيرة شمس ذات الثلاثة أشهر ثم أشارت عليها
هاتيلي شمس وروحي انتي سيبيني الليلة هنا
ليه يا ماما حاسة بحاجة
اتجهت بنظرها إلى ميرال من جديد ثم تنهدت
مش عارفة يا بنتي عندي إحساس جوايا حلو ربنا يجعله من نصيبها
أومأت هند برأسها شمس قبل أن تهمس
أنا في أوضة خالو حمدي لو احتجتي حاجة ناديني مش هروح
الصغيرة التي كانت تلوح بيدها في الهواء لا تدري بما يدور من حولها ثم خرجت تغلق الباب خلفها بهدوء
حل السكون ولم يبق سوى همسات التسبيح من فم نعيمة بل قلبها الذي لا يتوقف عن الدعاء ناهيك عن صوت المطر وماادراك ماصوته في جميلة محافظات مصر عروس البحر الابيض المتوسط
بعد عدة ساعات انتهت من وردها قامت وأدت ركعتي الضحى جلست أمام سرير ميرال تتأملها
فجأة ارتجفت أنامل ميرال حركة خفيفة بالكاد تلحظ حتى ظنت نعيمة أنها تتخيل
لكنها لم تكد ترفع بصرها حتى رأت أهداب ميرال ترفرف ببطء ثم همست بصوت بالكاد خرج
إلياس
شهقت نعيمة واندفعت نحوها كأن الحياة ردت إليها ركعت بجوارها تمسد على خصلاتها ودموعها تنهمر
ميرال!! حبيبتي سمعاني! ردي عليا!
فتحت عينيها قليلا رمشت عدة مرات متألمة من ضوء الصباح ثم همست من جديد
إلياس
كادت نعيمة تصرخ من الفرح لكنها تمالكت نفسها أمسكت هاتفها المرتجف واتصلت بابن عمها وما إن أجاب
فيه إيه على الصبح
مروة فاقت ياحمدي
مروة مين ابتسمت وهي تطالعها بحنان وقالت
مروة اللي كانت في الغيبوبة قالتها مع فتح ميرال لعينيها بالكامل تدور بالغرفة ثم همست بتقطع
أنا فين!
انحنت نعيمة تنظر إلى ملامحها باشتياق ياالله ماذا فعلتي فيا أيتها الفتاة حتى تصل درجة حبك لهذه المرحلة
إنتي معايا إيه فكراني
دققت ميرال النظر إليها وصور سريعة أمامها إلى أن همست
أبلة نعيمة
نعيمة جبينها
روح قلب أبلة نعيمة إنتي حاسة بإيه يابنتي
أنا فين وإيه اللي حصل هنا تذكرت ماصار إليها لتشهق تضع كفيها على بطنها
بنتي بنتي فين
ابتسمت وأجابتها بدخول حمدي
بنتك زي الفل دلف حمدي ملقيا السلام
إزيك مدام مروة شوفتي نعيمة بتحبك إزاي صحتني من النوم وأنا لسة يادوب بدخل مكتبي بعد عملية طول الليل
كانت تنظر إليه بجهل فأشارت إليها نعيمة
دكتور حمدي المسؤول عن حالتك وبيكون ابن عمي كمان
أومأت برموشها وقالت
بنتي فين قالتها بتقطع
اقترب حمدي وقام بفحصها وبدأ يسألها بعض الأسئلة عن الآلام وحركات رأسها وعيناها بكل الاتجاهات
دلفت هند تحمل طفلة تبلغ من العمر ثلاثة أشهر
أشارت نعيمة إلى هند ثم اقتربت تحمل الطفلة
سمي الله زي القمر شبهك أوي أنا مشفتش باباها بس واخدة منك كتير
باباها!! هنا تذكرت الياس رفعت عينيها للطفلة ثم همست بتقطع
مين دي
جلست نعيمة بجوارها على المقعد وهي تحمل الطفلة
دي بنتك حبيبتي اتولدت من فترة إنتي بعد الحادثة دخلتي غيبوبة
اقترب حمدي منها وقال
بعدين يانعيمة المهم نطمن عليها لازم نعمل إشاعات
يعني
أومأت نعمية مع نظرات ميرال للطفلة التي تضع أناملها بفمها
دي بنتي يعني بنتي اتولدت من غير ماأحس بيها! بنتي اتولدت وحيدة!!
إخص عليكي أنا رحت فين
رفعت كفيها الذي ارتجف وقالت
عايزة اعترض حمدي
بعدين يامدام لو سمحتي لازم أطمن على راسك بالكامل وكمان أعصابك مش هتتحمل تمسكي حاجة
أمالتها نعيمة حتى وصلت
كأن الروح التي عادت من الموت
يا بنتي
رفعت ميرال يدها المرتجفة وكأنها ترفع جبلا والتفت ذراعها الهزيلة حول جسد الصغيرة وما إن استقرت بين حتى انهارت بالبكاء نشيج مرير خرج من أعماق قلبها المكسور
آآآه يا حبيبتي آآآه يا نوري وجنتي أمك رمتك زي أخوكي من غير ذنب قالتها وهي تسحب رائحتها كأنها تريد أن تخنق نفسها بها
ارتفع بكاء الصغيرة فحملتها نعيمة
نظرت إليها ميرال بعينين تغرقان في الندم وكأنها تتوسل إلى ابنتها بأن تسامحها على جرمها
أجلستها نعيمة برفق على ساقيها ومسحت دموعها بيد ترجف من التأثر
بطلي عياط شوفيها حلوة إزاي
وإنتي مش رميتيها دا كان غصب عنك ظروفك هي اللي كانت صعبة
مررت ميرال أصابعها على وجه الصغيرة تلمس أناملها بعيونا باكية
سميتوها إيه
شمس زي ماكنتي بتقولي لي
رفعت ميرال عيناها بتساؤل
ازاي كتبتيها ومفيش إثبات لأوراق
ترددت نعيمة ونظرت إلى حمدي وكأنها تطلب المساعدة ثم همست
شدي حالك ولما تبقي بخير نتكلم
رفعت ميرال وجهها بانكسار
يعني إيه!
زفرت نعيمة بأسى كأنها تخشى الجرح لكنها مضطرة لفتحه فتحت فمها للتحدث إلا أن حمدي قال
كتبتها على اسمي يا مدام ميرال
كنتي بين الحياة والموت ومحدش يعرف حتى اسم جوزك بالكامل
قلنا لما تفوقي تبقي تغيري الاسم
انكمشت ملامح ميرال كأن طعنة أخرى نقشت في صدرها انتزعت الإبر من ذراعها وگانه ألقي عليه تعويذة لتشعل نيران صدرها حاولت الاعتدال بجسد مهزوم وصرخت بصوت ضعيف كاد أن يسمع
لاااا! مستحييييل دي بنتي!
أنا أمها وأبوها عايش!
مستحييييل تتسجل باسم تاني ابوها موجود قالتها انهارت باكية حاولت نعيمة السيطرة على موجة غضبها
اهدي يابنتي
تنهيدة خرجت من نياط قلبها لم تحتملها رئتاها فتداعى جسدها المتعب على الفراش وزاد صراخها وانهيارها
وضعت نعيمة الطفلة بين يدي هند على عجل وأسرعت تمسك ب ميرال التي بدأت تفقد السيطرة بالكامل على نفسها بينما حمدي يحاول تهدئتها
اهدي يا بنتي كفاية عليكي اللي حصلك
لكن ميرال لم تكن ترى ولا تسمع
كان الكون قد ضاق عليها بما رحب
صرخت من أعماقها
إلياااااااس!
كررتها وكأنها تستدعيه من باطن الأرض حتى خارت قواها تماما وغابت من جديد بعد إعطائها مهدئا ينقذها من نفسها
ساعات مرت
والصمت ثقيل يخيم على المكان
ظلت نعيمة تترقبها بخوف
ايه يا حمدي هي رجعت في غيبوبة تاني
بقالها أربع ساعات نايمة!
هز رأسه بأسى يمسح وجهه بارهاق
اللي عرفته مش سهل وهي حالتها أصلا مش مستقرة هروح اكمل شغل واعدي عليكي مرة تانية لو حصل حاجة كلميني
أنا متشكرة ياحمدي جدا طالبة منك خدمة كمان عايزة دكتور يتابعها لما تفوق لحد مانرجع القاهرة
ربت على كتفها وقال
حاضر يانعيمة هشوف دكتور بس لازم يكون ثقة وتأكدي اخر عملي الوظيفي على ايدك انتي والجميلة دي
لكزته وهتفت
ليك عين تهزر ياحمدي وبعدين عينك انت مشفتش جوزها حلو ازاي اتلم يابن عمي
انحنى يغمز بطرف عينه
افهم من كدا انك غيرانة يابنت عمي
حمدي فجأة!!
تحرك رمش ميرال ثم عيناها فتحت ببطء كأنها تعود من عمق ظلام طويل
هرعت نعيمة إليها أمسكت بيدها
حمد الله على السلامة يا روح قلبي فوقتي تاني الحمد لله
نظرت إليهم بعينين شاردتين ثم همست بتقطع يخنقه الرجاء
عايزة أتصل بجوزي
أومأ حمدي وناول نعيمة الهاتف
فاكرة رقمه
دمعة ثقيلة تساقطت من عينيها وهزت رأسها بالإيجاب تحاول تذكر الرقم لسانها يبطؤ عقلها يرتبك الأرقام تتراقص وتفر منها لكنها أخيرا جمعته
كلميه إنتي يانعيمة بلاش إشعاع حاليا قريب منها
أومأت نعيمة ونظراتها على ميرال
أقوله إيه
قولي له ميرال عندي وبس
رنة اثنتان ثلاثة ودقات قلبها تتقاذف بصدرها إلى أن استمعت الى صوت نعيمة
إلياس باشا معايا
إلياس السيوفي همست بها ميرال فقالت نعيمة
إلياس السيوفي
أنا مين صمتت باستغراب ثم قالت
أنا اللي مدام ميرال عندها
على الجانب الآخر نطق كلمات جعلت وجهها يتحول لشحوب الموتى وعيناها على ميرال التي تراقب بلهفة
اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك
أما الآن
فهي تنام في غرف لا تحفظ صدى صوتها
وتحمل جسدها كمن يحمل جثة يعرف أنها لن تدفن
تحاول أن تبتسم للغرباء لكنها تعرف أن الوجع لا يخفى بملامح مهذبة
تستيقظ وفي صدرها فراغ على هيئة طفل لم تقبله
وزوج لا تعرف إن كان يبكيها أم يلعنها
تحاول أن تكتب في دفتر صغير عن يومها
لكن الصفحة تبقى بيضاء
فما معنى الأيام حين لا يراك أحد
الخيبة تسكنها كغرفة بلا نوافذ
وكل فكرة كانت تبدو شجاعة ذات ليل باك
تحولت إلى وحش ينهش أطرافها كلما نامت
تلك التي قررت ألا تكون عبئا على أحد
أصبحت عبئا على نفسها
المرأة التي خافت من ماضيها
فباتت هي الخطيئة التي ستحكيها الأقدار من خلف الستائر
أما الخذلان
فلم يكن ممن تركتهم
بل من نفسها التي وعدتها بالراحة بعد الهروب
فلم تعطها سوى برد الغياب
وها هي الآن
لا تنتظر من أحد خلاصا
ولا تطلب من الحياة شيئا سوى أن تمر بلطف لا يوجع
تمشي لا لأنها بخير بل لأنها تعلمت كيف تحيا مكسورة دون أن تصدر صوتا
قبل قليل بمنزل إلياس
أنهى ارتداء ملابسه وعلق ساعته في معصمه ثم نثر بعضا من عطره لكنه توقف فجأة لتصفعه الذكريات المؤلمة كما تفعل الريح بالأبواب
وقف أمام المرآة يحدث انعكاس صورته بنبرة خافتة مليئة بالخذلان
إزاي النهاردة أكون أخو إسلام الكبير أفرح معاه وأبان له إني سعيد علشانه طيب أعمل إيه في قلبي اللي بينزف
معقول خلاص دي النهاية
سنة وأسبوع ياميرال
مش معقول تكوني لسه عايشة بس كمان مش قادر أصدق إنك خلاص مش موجودة
مستحيل تكوني عايشة وتبعدي عن يوسف كل الوقت ده
جلس على المقعد وضم رأسه بين كفيه وذكرياتها تضرب رأسه كزخات المطر في الليالي الباردة حتى شعر ببرودة جسده كل يوم وهناك أمنيات أنها تعود ولكن هل بعد ذلك الوقت ستعود يبقى أكيد هي مش موجودة خلاص هي مش موجودة
آااااه حارقة ألهبت جميع خلاياه وهو يهز رأسه بالأسى
طيب يوسف اللي ببني له أمل إنك هترجعي!!
كور قبضته يضغط عليها كأنه يكتم صراخ جواه قاطع مأساته رنين هاتفه فجأة
إلياس اتأخرت ليه
تساءل بها إسلام ليرد بنبرة مبحوحة حاول أن تخرج متزنة
هلحقك هناك أنا بجهز
قاطعه إسلام
لا تعال على هنا ماما قالت لازم كلنا ندخل مع بعض
لازم
أيوه لازم ياله تعال
تمام
أغلق الهاتف واتجه إلى غرفة طفله
خلصت يابابا
أيوه هلبس الشوز بس
طيب حبيبي هستناك تحت
قالها واستدار للخروج لكنه توقف عندما سمع ابنه يقول
بابا خالتو رؤى جت تحت عايزة تروح معانا
توقف لحظة ثم أومأ برأسه دون كلام
هبط فوجدها تتحدث في الهاتف انتظرها حتى انتهت
عاملة إيه
كويسة
طالعها بنظرات فاحصة ثم قال
يزن مش جاي
هزت رأسها
لا قال مفيش غير الأهل مالوش لزوم
هاتي يوسف هستناكم في العربية
حاضر
قالتها بابتسامة حاولت تثبيتها على ملامحها المرتبكة وهي تغمض عينيها
يارب يحنن قلبك بقى ياإلياس
نظرت لنفسها في مرآة المدخل ابتسمت بثقة مصطنعة تمرر أناملها على ردائها بعناية تتذكر كلمات صديقتها
مفيش راجل بيبكي على ست ادلعي عليه بس وادعيلي
أخرجت أحمر الشفاه وضعته بشكل جريء حتى نزل يوسف
أوووه خالتو القمر
قمر يا خالتو صمت وتجلى الحزن على وجهه قائلا
كان نفسي ماما تكون موجودة النهاردة كانت هتكون حلوة أوي
تفاجأت بصراحته لكنها جلست أمامه تخفي انكسارها بابتسامة حنونة
حبيبي مش أنا قلتلك ماما عند ربنا ولازم نتعايش على كده وبعدين هو أنا مش شبه ماما
طالعها الطفل لثوان بحزن نطقته عيناهثم قال
بس بابا بيقول ماما هترجع
حبيبي ماما لو عايزة ترجع كانت رجعت بابي مش عايز يزعلك وبعدين متفقناش تعتبرني ماما
بابا رفض ياخالتو وقالي مفيش زي ماما أبدا وأنا كمان مش عايز حد معايا بعد ماما
صمت ثم أضاف سريعا
متزعليش ياخالتو ماما حلوة أوي
وأنا بحبها جدا وأنا بصدق بابا هو قالي هترجع أرجوكي ياخالتو متقوليش ماما مش هترجع تاني لأني بحلم بيها
شعرت بالصدمة من حديث الصغير فنهضت بهدوء رغم النيران التي تحرق داخلها وأشارت له بالخروج
ياله علشان اتأخرنا على بابا
وصلت لباب السيارة الأمامي وفتحته لكن إلياس أشار لها من النافذة
خليه يقعد هنا يوسف كبر المفروض يقعد جنبي مش كده حبيبي
Of course يابابا
توقفت للحظات تستوعب حديثه ثم ابتلعت ألمها وأغلقت الباب بهدوء جلست في الخلف لكن نيران الغضب كانت مشتعلة داخلها تنخر في قلبها بهدوء قاتل
بابي يعني فرح عمو إسلام النهاردة
لا حبيبي النهاردة هنكتب كتابه
يعني إيه
التفت إليه ولم يعلم كيف يجاوبه حمحمت رؤى قائلة
يعني طنط ملك هتكون مراته حبيبي
مش لازم يتجوز الأول
زفر إلياس وصمت قائلا
ماهو علشان يكون متجوز بيكتب كتابه الأول وبعد كدا بيعمل فرح
هز الطفل رأسه وقال
وحضرتك عملت إنت وماما كدا
هنا توقف فجأة ليصطدم الطفل للأمام طالعه يفحصه معتذرا
حصلك حاجة
هز الطفل رأسه بالنفي رسم إلياس ابتسامة
ماأخدتش بالي حبيبي هنزل
حاضر يابابا
خرج الياس وهرب من أمام طفله محاولا السيطرة على نفسه واتجه إلى داخل فيلا السيوفي
عند ميرال
رفعت نعيمة الهاتف الذي رن لعدة ثوان نظر يوسف إلى الهاتف أمامه ثم تراجع إلى رؤى التي تنشغل بهاتفها
خالتو موبيل بابا بيرن أنزل أوديه
هاته كدا لو حد نعرفه نرد ممكن يكون عمو أرسلان
لا دا مكتوب عليه دكتور حمدي
طيب حبيبي رد كدا
رفع يوسف الهاتف على أذنه
ألووو
ردت نعيمة
إلياس السيوفي معايا
قطب الطفل حاجبيه وقال أنا ابنه يوسف
شحب وجهها ولم يعد لديها القدرة على التفوه حتى نطق يوسف
مين حضرتك
توقفت رؤى عن فحصها لهاتفها عندما علمت من يتحدث سيدة فقالت
هات حبيبي أشوف مين
استدار يوسف يعطيها الهاتف
أيوة مين
أنا نعيمة اللي مدام ميرال عندها لحظات مريبة شعرت وكأنها تختنق لحظات كفيلة أن تموت قهرا مما تخطط له هزت رأسها وصوت صديقتها بأذنيها
حتى لو رجعت هتكوني خلاص وصلتي ووقتها ليكي الحق تدافعي مش دا اللي اتنازلت عنه بأي حق ترجع
استمعت إلى كلمات نعيمة
مدام ميرال عندي ولكن قاطعتها رؤى وقالت
معرفش إنتي تقصدي مين شكلك واحدة فاضية ولو عايزة قرشين علشان عرفتي فرحه النهاردة قالتها وأغلقت الهاتف سريعا لينتفض جسدها بالكامل تهمس لنفسها
ميرال! يعني ميرال عايشة!
رأت قدوم إلياس عليهما فوضعت الهاتف مكانه بعدما فشلت في فتحه لمسح الرقم ارتعشت شفتيها ثم قالت
حبيبي بلاش بابا يعرف الست المتخلفة دي
ليه حضرتك قولتي فرحه فرح مين
تلعثمت فالطفل استمع حديثها حاولت تغيير الحديث
لا أنا قصدي على عمو المهم بلاش بابا يعرف الست الهبلة دي
حاضر
وصل إلياس واستقل السيارة بصمت وهي تتآكل من داخلها بالخوف إلى أن هتفت
إلياس ممكن تفتح تليفونك عايزة آخد رقم يزن أو طارق معرفش إيه المشكلة عندي في الفون
إزاي يعني
أشارت بالهاتف أمامه على شاشته البيضاء التي تعمدتها وقالت
معرفش جايب على الأسماء شاشة بيضة هاخد الرقم علشان حد يعدي ياخدني
تمام فتح الهاتف دون النظر به وأعطاها إياه لتدخل على آخر مكالمة وقامت بحذفها ووضعت الرقم في الحظر ثم اتجهت
وقامت بالرنين على هاتف طارق
عدي عليا بفيلا الجارحي بعد نص ساعة
أجابها طارق
حاضر عندي شغل نص ساعة وأجيلك
أما عند نعيمة
ارتجف جسدها كورقة خريف في مهب إعصار واتجهت بعينيها تغرفها بدموع الألم بأعين ميرال التي تنتظر حديثها بلهفة شعرت بسكين يخترق ضلوعها وهي ترى حالتها هل تبوح لها بما سمعته وتغرزها بسكين بارد يغوص في صدرها فاقت من كبحها ألم مااستمعت إليه على سؤالها الخافت المؤلم
قالك إيه
سؤال أخرجته كهمسة متقطعة تشبه زفير من يحتضر وتخرج روحه ببطء
رفعت نعيمة عينيها نحو حمدي وتوقفت الكلمات في حلقها مثل غصة وأجابت وهي ترتجف
ممفيش حد رد
طالعتها ميرال بعيون لم تصدقها وأردفت بصوت ينزف شكا
إزاي أنا سامعة صوت حد بيكلمكاقترب حمدي بعدما وجد شحوب ميرال ومؤشراتها على الجهاز والانخفاض
ماتنطقي يانعيمة!
قولي إيه اللي حصل
مفيش حد ياحمدي
قالتها نعيمة في محاولة بائسة للهروب لكن الهروب من الحقيقة وهم مؤقت
زمجر حمدي واقترب منها وهو يرى نبض القلب يتلاشى
هاتي التليفون أنا هتصل
وهتكلم بنفسي هفتح السماعة نعيمة مش بتعرف تتصرف
هي البنت أمها مكتوبة باسمي إزاي
قالتها ميرال بصوت أضعف من أن يقاوم الألم الذي يحرق روحها
مش فاهمة رفعت عيناها الذابلة
مين الأم
سؤال مثل رصاصة اخترقت صدورهم
تهربت نظرات حمدي وتسللت نحو الأرض
ماإنتي كنتي في غيبوبة
فخليت البنت على اسمي واسم مراتي
نعيمة جوزها متوفي
انفجرت نيران داخل ميرال نارا تشعرها بكم الألم أمومة تنزف كرامة تدهس وذاكرة بزوجها تشوه
شهقت ومدت يدها بنزق تنتزع الإبر من ذراعها كأنها تنتزع خناجر طعنت بها
هاتي التليفون دلوقتي أنا اللي أستاهل
صرخت بجنون وكأن عينيها تنزف دما قبل الدمع
طيبأنا هتصل بس اهدي
قالتها نعيمة برجاء لكن ارتجف صوتها من عاصفة ميرال الجنونية بعدما نزعت كل الأجهزة ونهضت بجسد مترنح تهتف بضياع
بنتي شمس بنتي دي بنتي
دي شمس إلياس إزاي كتبتوها باسم حد غيرنا!
ارتفع صوت بكاءها الضائع بين آلامها
أنا السبب ربنا ياخدني استندت على الفراش ونزلت بساقيها المرتعشة وهي تتمتم
خدني يارب دمرتي ولادك ياميرال دمرتيهم بإيدك
لم تحتمل ساقاها الحركة فسقطت على الأرض كجسد بلا روح
ركضت نعيمة بقلب يتفتت
اهدي ياحبيبتي والله هنعملك اللي إنتي عايزاه بس بالله عليكي اهدي حمدي هيروح حالا يغير الاسم
لكن ميرال لم تعد
تستمع إليها صورة غضب إلياس ونفوره تتجسد أمامها نظرت إلى نعيمة بعيون تائهة ضائعة
عايزة أكلمه اتصلي بيه دلوقتي
تبادلت نعيمة نظراتها مع حمدي نظرة ثقيلة أشار إليها صارخا وهو يرى انهيار ميرال
مدام ميرال لو سمحتي اهدي علشان دا غلط إنتي كان عندك نزيف الدماغ لسة مش بكامل حالتها ثم استدار إلى نعيمة
ماتتصلي بدل مانروح في داهية البنت حالتها مش كويسة ممكن تضيع
قالها حمدي بصوت خافت
تطلعت إليه نعيمة ثم إلى ميرال التي تراقبها قائلة
وثقت فيكي إنتي مش قد الثقة دي أنا عايزة أكلم جوزي دلوقتي
شعرت نعيمة بالحزن من اتهاماتها وبدون مقدمات ألقت الحقيقة في وجهها
جوزك اللي موتي روحك علشانه
النهاردة بيعيش النهاردة فرحه
صمت قاتل اجتاح الغرفة كالإعصار وتسللت أنفاس ميرال خارج صدرها ببطء كأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة
فرحه!! خرجت من فم نعيمة كأنها صفعة باردة لكن وقعها في قلب ميرال كان بركانا تفجر من رماد قلبها حرق كل ما تبقى منها
تجمدت عينها واهتز جسدها كما يهتز من صعقة كهرباء تهمس بتقطع كالذي يلفظ أنفاسه الأخيرة
بيتجوز!! قالتها وبدأ جسدها بالارتعاش زاغت عيناها على أناملها أناملها التي بالكاد استعادت القدرة على الحركة تراها تنقبض وترتعش رغما عنها
تراجعت بجسدها للخلف حتى التصق بالحائط كأنها تحتمي من نعيمة التي وضعتها بموضع الاتهام
إنتي كذابة!
اقتربت نعيمة بحذر
والله يابنتي مابكذب طفل صغير رد عليا على ماأظن ابنك علشان قالي أنا يوسف
يوسف!!
خرجت الكلمة من فمها كأنها تنزف معها دما بصوت أجش محملا بكل الخيبة والخذلان
أومأت نعيمة برأسها ودموعها تنحدر دون رغبة
هنا تجمدت عيناها لم تبك لم تصرخ
بل تسارعت أنفاسها بشكل مخيف واختنق صوتها وبدت وكأنها تغرق في بحر من الألم حتى شحب وجهها كشحوب الموتى اقترب حمدي بحذر
مدام ميرال اسمعيني كويس لازم تهدي كل حاجة هتتحل
نظرت إليه بتيه وتمتمت
إلياس بيتجوز
قالتها بعينين زائغتين تتفحص الفراغ حولها لا ترى سوى سواد من ذكريات من صور وكلمات معسولة هل أصبح كذبا هل مافعلته كسر كل مابني بينهما
استمعت إلى همهمات الطفلة فاستدارت وتقدمت خطوة تسحب قدمها بصعوبة وتستند على الفراش تترنح ونعيمة خلفها تحاول ولكن أشارت إليها بالتوقف ثم رفعت عينيها إلى ابنتها
أبوكي بيتجوز أبوكي ما صدق نسي ميرال بيتجوز بسهولة كدا كسرني!!
اهتزت ركبتاها فجأة وضرب قلبها صدرها كطبول حرب و يوسف ابني
تمتمتها كأنها تكتب وصيتها قبل أن تدور بها الأرض وتسقط ككتلة من الألم منكسرة هامدة
ارتطم جسدها بالأرض بقوة وأغمضت عينيها كما لم تفتحهما من قبل تهمس بتقطع حروف اسمه كأنه جمرة نارية تحرق أحشاءها لتغيب بعدها عن الوعي كالذي لا يريد الحياة
صرخت نعيمة برعب
ميرال!!!
ركض حمدي إليها انحنى بجوارها يفحص النبض
مفيش نبض القلب وقف ليه! دا اللي كنت خايف منه
صرخ للممرضة
جهزي جهاز الصدمات حالا!!
يعني إيه ياحمدي هي حصلها إيه
معرفش صرخ بها وبدأ في ضغط صدرها بكل قوته
استحملي ياميرال ما تستسلميش
ثوان ثم دقيقة ليشعر بنبض ضعيف
ثم عاد هشا خافتا
تنهد حمدي وهو يعيد توصيل الأجهزة
هز رأسه بأسى
ربنا يستر وتفوق
رفعت نعيمة عينيها في ذهول
يعني إيه
يعني لازم فحص كامل خايف يكون الضغط العصبي أثر على دماغها وترفض ترجع جسمها سهل يستجيب لأنها بتعاني نفسيا
وقف ونظر إليها بنظرة لوم مر
قسيتي أوي بالكلام يانعيمة البنت
كانت على الحافة وإنتي وقعتيها
انفجرت تبكي بنحيب موجوع
أنا مقصدتش والله ماقصدت بس إنت شوفتها كانت بتعمل إيه
تنهد حمدي وهز رأسه
روحي مش هتفوق دلوقتي
توقف عند الباب واستدار
دا لو فاقت أصلا
ساد الصمت
ينظر إلى سريرها أصبحت جسدا ساكنا وروح غائبة تغرق في ظلام اختارته بإرادتها لأنها لم تعد تريد الحياة
ظل ينظر لها لبعض اللحظات ثم قال
بكرة اتصلي بجوزها تاني لازم يجي العريس لبنته والله خسارة فيه
قالها حمدي وتحرك للخارج
توقفت السيارة أمام قصر الجارحي
ترجل إلياس ببطء رمق المكان بنظرة متحجرة كأن قدميه تأبى السير نحو الداخل
كيف يحتفل كيف يشاركهم الفرح وقلبه ينزف!
كيف يقوم ذكراها بابتسامة!
بابا نطقها يوسف بصوته الطفولي فانتشله من شروده
انزل ياحبيبي عمو وجدو دخلوا
تقدم من سيارة إسلام وقال بصوت خافت
عندي شغل مهم بعد ربع ساعة مش عايز أطول
فهمت ياإلياس
دخل الجميع فاستقبلهم فاروق وإسحاق عند الباب بينما بقيت صفية ودينا بالداخل بجوار أحلام التي تراقب الجميع وكأن القصر يدار بأمرها
توقفت فريدة فجأة أمسكت بذراع إلياس
مالك وشك مخطوف
مفيش
إلياس مش هتسيبك من الجمود دا وتفتكر إني أمك أنا قلبي مش مرتاح عليك ياحبيبي
ربت
أنا كويس حضرتك بس اللي دايما مركزة معايا وبتحاولي تطلعيني غلطان
شايف كده
آه ولو سمحتي لا المكان ولا الوقت مناسبين للكلام ده
يعني إيه توقف أمامها
ماما أنا كويس ومبقتش صغير اهتمي بصحتك وبس ماتشيليش نفسك طاقة فوق طاقتك أنا كبير وعارف بعمل إيه بلاش إنتي كمان تقلقيني قالها وتحرك مبتعدا وهو يتمالك نفسه بصعوبة
اقترب من فاروق وإسحاق اللذان يستقبلان مصطفى وإسلام
ألف مبروك ربنا يتمم على خير
خرجت الكلمات من فمه كجمرة تحرق جوفه كأنها لما يشعر به
الله يبارك فيك يابني نورتنا
قالها فاروق بابتسامة ثم اقترب من فريدة ورؤى وغادة يقابلهم فقال ببشاشة
نورتونا
منورين بأهلها قالتها فريدة وتقدمت للداخل
جلس الجميع في الصالة الواسعة وجوه تبتسم بعضها فرحا حقا وبعضها الآخر يرسم السعادة فقط
تقدمت أحلام بنظراتها على الجالسين ثم قالت بنبرة لا تخلو من سم
معرفش إزاي بنت فاروق الجارحي الوحيدة يتكتب كتابها كده
دي تبقى أخرتها بنت المفروض إنها تشيل اسم الجارحي بامبراطوريته!
حاول مصطفى تهدئتها بلطف
إحنا آسفين يامدام أحلام بس ظروفنا كده
ظروفكم! طب وإحنا ذنبنا إيه كنتوا عرفونا وإحنا نعملها في أفخم مكان في مصر
قاطعتها رؤى بعينين تلمع بالغضب
آسفة لحضرتك بس واضح حضرتك فهمتي غلط
أختي مرات إلياس لسه محدش عارف هي فين وإحنا مش ينفع نعمل فرح
شهقت أحلام ساخرة
أختك!
ثم التفتت إلى إسحاق بحاجب مرفوع
ومين دي بقى!
أنا أعرف العريس له أخت واحدة هي دي
قالتها وهي تشير إلى غادة ثم وجهت نظراتها نحو إلياس بتهكم
ولو تقصدي على الظابط ده فأحب أقولك إنه مش من العيلة وإنتي وأختك ماتهمناش
هب مصطفى من مكانه
إيه الإهانة دي!
لكن إلياس أوقفه وضع يده على كتفه وقال بهدوء ناري
بابا لو سمحت المدام ماغلطتش
الغلطة عندنا لما الرجالة تسكت والعيلة ترد فدي هتكون النتيحة قالها ثم رمق رؤى بنظرة جامدة لو كانت تقتل لقتلت ثم استدار نحو أحلام
المدام عندها حق
آسف يامدام
ثم التفت إلى فاروق بنظرة أكثر حسما
إحنا جايين نكتب الكتاب لو حضرتك لسه عندك نية
إحنا مش لسة جايين نعرف العيلتين على بعض
إنتوا عارفينا من قبل الخطوبة
عارفين إن إسلام مش أخويا بالدم
لكنه أغلى من روحي ووجودي هنا أكبر دليل وأنا لسه معرفش مراتي فين
ساد الصمت للحظة
تقدم إسحاق بصوته المعتاد
المأذون على وصول
اتفضل يامصطفى باشا وآسف مدام أحلام متقصدش ومكنتش تعرف
رفعت فريدة رأسها وسألت
هو أرسلان فين
لسه ماجاش
صمت مفاجئ خيم على المكان
نظرات توزعت والقلوب انكمشت
قاطعهم نزول ملك بفستانها الأبيض البسيط وحجاب يزين جمالها رفع إسلام نظره إليها وابتسم فلقد فاجأته بتلك الطلة
وصل المأذون الذي سيتم عقد القران
بعدما شحنت القلوب بالأسى من حديث أحلام توقف إلياس يسحب إسلام باتجاه والده ليتم عقد القران حتى يهرب من ذلك المنزل الذي يطبق على صدره
انتهى عقد القران الذي كان كالجمرة على الجميع نهض متجها إلى أخيه وقام بمباركته ثم همس
أنا همشي عندي شغل
أومأ له يربت على كتفه
شكرا إلياس رغم ظروفك بس مسبتنيش لوحدي
رسم ابتسامة وأجابه
إنت أخويا يالا الإخوة مش بالدم بس ربنا يسعدك حبيبي قالها والتفت يبحث عن يوسف وجده جالسا بجوار مصطفى اتجه إليه
حبيبي ياله بينا
رفع نظره إلى والده باعتراض
لسة بدري يابابا عايز أتصور مع العروسة
سيبه ياإلياس وإحنا هنعديه على البيت
مسد على خصلات طفله
عايز تفضل يابابا
هز رأسه وقال
عايز أبات عند جدو النهاردة ينفع يابابا اتجه بنظره لوالدته التي أومأت له
خليه وأنا أخلي إسلام يوصله الصبح للمدرسة
تمام بلاش شقاوة مع تيتا وكمان تنام بدري
حاضر داعبه ثم استدار وتحرك مغادرا المكان هرولت رؤى خلفه
إلياس توقف مستديرا إليها
نعم
إنت ماشي بدري ليه
إنتي مالك أستغفر الله ياربي قالها واتجه إلى سيارته وقام بمهاتفة أرسلان الذي أجابه
إنت فين
في البيت فيه حاجة
انزل وقابلني في النادي بتاعك
فيه حاجة تساءل بها أرسلان بقلق
توقف عن القيادة وقال
علشان عايز أشوفك يبقى فيه حاجة!!
انزل وخلاص لازم أقدملك
تقرير لسة منستش وظيفتك
أه نسيت زي ماإنت نسيت
بمنزل يزن
خرجت من الحمام وقفت أمام المرآة تجفف خصلاتها ثم اتجهت إلى خزانة الملابس تقلب بين الثياب إلى أن توقفت عيناها على فستان أصفر ناعم ارتسمت بسمة على شفتيها حين قفز إلى ذاكرتها تعليقه الساخر عن هذا اللون
تذكرت ذلك اليوم اليوم الذي فتحا فيه قلبيهما لبعضهما البعض
يزن ليه ربطت طلاقنا بليلة
ظل يحدق فيها للحظات ثم قال بهدوء متسائل
وإنتي ليه طلبتي الطلاق وليه هربتي بأولادي
يزن إنت بترد سؤال بسؤال
نهض من مكانه وأمسك بيديها وأجلسها إلى جواره
طيب إيه رأيك نسأل سؤال أهم من دا
صمتت في انتظاره فأكمل
إنتي
عايزة تكملي معايا ولا لأ رحيل عايزة نبدأ من جديد ولا فعلا عايزة ننفصل
نظرت إليه نظرة ممتلئة بالخذلان وقالت
وإنت سألت نفسك الأول ولا دايما عايز رحيل هي اللي تجاوب
مش عايز غيركوالله ماعايز غيرك ولا كنت ناوي أطلقك أنا بس ساومتك على الطلاق علشان كنت متأكد إنك هترفضي صدمتيني آه بس كانت أحسن صدمة في حياتي
انهمرت دموعها دون إذن
أنا تعبت تعبت منك أوي ماكنتش عايزة غير أمان وحماية بس إنت استغليتني
أبداوالله عمري ما فكرت أستغلك آه دخلت حياة راجح عن طريقك بس كله صدف ماكنتش أعرف مالك العمري ولا راجح الشافعي كل اللي حصل كان ترتيب قدر
تقوم تستغل ثقتي
ما أنا قولتلك القدر كان بيجهزنا علشان نكون سند لبعض ونرجع حقنا
نهضت وهي تبكي بحرقة
إنت قهرتني أنا ما هربتش بولادك أنا هربت من قلبي كنت خايفة أرجعلك واكتشفت حملي وأنا مسافرة وقتها كنت قرفانة من أي حاجة تربطني بيك
استدارت ونظرت إليه بحزن
ومع كدامقدرتش أستغنى عن أولادي كنت مستعدة أضحي بنفسي بس مايعيشوش بعيد عني ولما سافرتلي كنت خايفة خايفة تعرف الحقيقة وتاخدهم مني خوفت لأنك ابن راجح
اقتربت منه تحدق فيه بعمق
ماسبتليش ذكرى حلوة أعيط عليك غير ولادك
ارتجف هو الآخر
خلاصاهدي أنا آسف
رفعت وجهها الغارق في الدموع إليه
إنت استغليت خطيبتك علشان توصل لحقك إزاي كنت عايزني أصدقك وأنا شايفة قدامي واحد تاني خالص
اششش خلاص انسي كل حاجة
أنا بحبك وحقيقي مش عايز الطلاق فرحت بالولاد لأنهم كانوا طوق نجاتنامش علشان بس ولادي علشان لقيت أمل إننا نرجع تاني
ولو الزمن رجع بيا هعيد اللي عملته تاني مش علشان تهديد علشان أنا بحبك
مسحت دموعها وتنهدت
أنا كمان مش عايزة نفترق مش علشانك علشان ولادي مش عايزاهم يتربوا من غيري ومن غيرك ماينفعش يكون أبوهم موجود وهم أيتام
ابتسم بتنهيدة
يعني دا بس السبب مش علشان بتحبيني
ارتبكت وهربت بنظراتها نحو المائدة
الأكل بردوبالمناسبة أنا ما بعرفش أطبخ ولا حتى بعمل شايك اللي مدمن عليه أعرف أسلق بيض بس
قهقه واقترب
وأنا بموت في البيض ومستعد كل يوم آكله لو إنتي اللي هتسلقيه
يعني مش هتزهق
مش ممكن أزهق من اللي بحبها
ارتبكت وتراجعت بخفة
طيب مش هتفطر
بس أنا عايز افطر على حاجة تانية
ارتبكت ورمشت بأهدابها عدة مرات تهرب من نظراته المخترقة لها
أدار وجهها إليه
بصيلي بلاش النظرات دي مبحبهاش
يزن لسة مش واثقة فيك رجعلي الثقة تاني
حقك ومقدرش أقول حاجة
ابتسمت هامسة
شكرا رد قائلا
على إيه دا حقك
فركت كفيها وقالت
طيب الشغل
اتجه إلى طاولة الطعام وقال
مش قبل ماتقوليلي ناوية على إيه
إزاي يعني
جلس يسحب الخبز وقال
سفرك مش عاجبني و شغلك كل يوم
جلست وهي تتنهد
إنت بتتكلم جد!! عايزني أسيب تعب أبويا علشان حضرتك مش عاجبك
ليه ماتقولييش بغير عليكي! ودا حقي
بجد قالتها بفرحة
نطقتها عيناها قبل شفتيها
جدا جدا فوق ماتتخيلي
ابتسمت بصفاء أنار وجهها
طيب هشوف طارق ونقعد بس مش معناه إني هسيب الشغل بس هوقف السفر وأظبط شغلي في الشركة
ربت على خصلاتها بحنان
وأنا معاكيومش هسيبك بس بشرط
شرط تاني يايزن
أيوه مش اتصالحنا لازم كل يوم ولما تيجي من إيدك تبقى بتسوى الدنيا
ليه هتاكلها
خرجت من شرودها وضحكت بخفة ثم سحبت الفستان الأصفر دون تردد ترتديه الآن وقد عاد الأمل يدق باب قلبها من جديد
ارتدته وأضفت لمسات تجميلية خفيفة على وجهها ثم هبطت بخفة إلى حيث يجلس الجميع
مرت أولا على المطبخ
جهزتي العصير
أشارت لها الخادمة بابتسامة
أيوة يامدام هطلعه دلوقتي
لا سيبيه وأنا هطلعه روحي حضري أوض الأولاد
حاضر ياهانم
حملت صينية الأكواب بخفة واتجهت إلى الحديقة ألقت تحية المساء وهي تضع الصينية على الطاولة
مساء الخير ياطارق
أهلا يارحيل عاملة إيه
الحمدلله كويس إنك جيت كنت هكلمك قالتها وهي تقدم إليه العصير ثم قدمت كوبا آخر ليزن ثم لأطفالها وجلست إلى جواره بهدوء
كنت عايزة أسألك عن الشركة اللي طالبة شراكة مفهمتش حاجة من الورق اللي بعته
قاطعهما يزن بنبرة عاتبة خفيفة
مش قلتلك ابحث عنها كويس قبل ما تبعت الورق لرحيل
دورت وطلعت شركة لمالك مصري كان عايش في أمريكا ورجع من سنة فتح كذا شركة وبيسعى لشركاء أنا شايف إنه صفقة رابحة خصوصا بعد ما راجعت آخر مشروع عمله شكله منافس تقيل
التفتت إليه رحيل بملامح مترددة
مش عارفة ليه مش مرتاحة محتاجة معلومات أكتر علشان أقرر إنت رأيك إيه
من حقك طبعا
التفت لطارق
بلغهم إن صاحبة
أوكيه بس متتأخريش يارحيل أنا شايف إنها فرصة كويسة قالها وهو يضع كوب العصير جانبا ويهم بالقيام
هروح أجيب رؤى من قصر الجارحي
استوقفته رحيل وكأن شيئا انتبهت له للتو
هو صاحب الشركة اسمه إيه
مختار
العوضي
رددت الاسم بصوت شبه خافت نظرتها شاردة نحو اللاشيء
مختار العوضي
ثم صمتت بقلق
اقترب منها يزن
بتفكري في إيه
الاسم حاسة إنه عدى عليا قبل كده بس
________________________________________
مش فاكرة فين
لمعت عيناه بحذر وهو يراقبها
بصي خدي وقتك وراجعي كل حاجة على مهلك ولو مش مرتاحة يبقى نرفض وخلاص
أنا شايفة المشروع يستحق بس التمويل اللي عندي مش كفاية
أنا عارف إنك قدها خدي قرض واشتغلي لوحدك بلاها شريك ووجع
متابعة القراءة