كانها الحياة بقلم سيلا وليد
المحتويات
الجديدة التي لم تجرؤ حتى على لمسها من قبل.
وقعت عيناها على قميص ..سحبته بحذر وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة خجلة.
دلف يوسف بعد خروجه من الحمام وقف لثوان يتأملها وهي جالسة وابتسامة حالمة على وجهها.
اقترب من الخزانة يسحب ملابسه دون أن يلتفت.
نهضت فور سماعها حركته واقتربت منه بخجل
_حمام الهنا.
وقع نظره ... لكنه لم يرق بل ازدادت ملامحه برودا
_قاعدة كدا ليه روحي غيري هدومك عشان متاخديش برد.
ضيقت عينيها تقترب خطوة
_مالك يا يوسف معقول لسه موضوع شمس مضايقك
التفت إليها بحدة خافتة
_ضي...عايز ألبس هدومي ممكن تطلعي برا
ارتجف جسدها من نبرته...كأنه تحول لشخص آخر وهناك من الوساوس التي بدأت تنخر عقلها.
تراجعت خطوة بخطوة خجلا وجرحا وتمتمت بصوت مكسور
_ آسفة.
غادرت الغرفة سريعا.
نظر يوسف للباب بعد خروجها ثم ألقى منشفته بغضب على الأرض.. وقعت عيناه على القميص الأسود الذي كانت تمسكه..قبض على شفتيه بقهر يمرر يده في شعره بضيق.
همس كأنه يحاول أن يسيطر على عاصفته الداخلية
_اهدى..لازم تهدى يا يوسف... مينفعش كدا.
دلفت الحمام لدقائق وخرجت مع خروجه متجها إلى الفراش في تلك اللحظة دلفت الخادمة بقهوته
_القهوة يا دكتور عملتها لحضرتك زي مابتحبها.
_شكرا يا زهرة مامتك عاملة إيه
_كويسة الحمد لله شكرا على سؤالك.
رفعت عيناها إلى ضي المتوقفة أمام المرآة تجفف خصلاتها
_عملت لك Orange juice أستاذة ضي.
_شكرا يا زهرة حطيه عندك الصبح يبقى اطلعي لي عايزاكي.
_حاضر...قالتها وغادرت الغرفة بينما دلفت ترتدي ملابسها دقائق وخرجت وجدته جالسا على الفراش منشغلا بجهاز حاسوبه أخذت كوب عصيرها وتحركت للشرفة دون أن تنظر إليه وقفت تنظر إلى النجوم التي تنير السماء..توقفت عيناها للحظات فوق القمر تنظر إلى إبداعه وكيف تحيطه النجوم تمنت لو تكون نجمة مثلهم لا يصل إليها أحد ولكن كيف بعدما أوقعها قلبها الخائن بعشق ابن عمها.
استمعت إلى خطواته خلفها
_واقفة كدا ليه والقميص خفيف هتاخدي برد.
دلفت للداخل دون النظر إليه اتجهت إلى فراشها تجلس عليه تنتظره وصل إليها يسحب نفسا بهدوء ثم زفره وجلس على طرف الفراش
ماما عرفت إزاي اللي كان بينا
قطبت جبينها بدهشة
_ تقصد إيه
التفت برأسه نحوها وصوته حمل ثقل سؤاله
_بتقولي ليه
اهتز جسدها بعنف تهز رأسها بالنفي والدموع تنساب بلا إرادة منها
_لا والله..أنا ماقولتش حاجة يوم ما كنت تعبان خوفت عليك أوي وكنت بقول إني السبب..ففهمت من كلامي والله ماقلتلها حاجة هي اللي فهمت لوحدها.
ظل يستمع لها بهدوء رغم صخب قلبه العاصف دقائق صمت خانق... ثم قال أخيرا
_خلاص..انسي أتمنى بعد كده تاخدي بالك من كلامك..إنتي مش طفلة علشان توقعي بالكلام.
شهقت بصدمة
_يعني إيه
أجاب مختصرا هاربا
_ولا حاجة..عايز أنام.
نظرت إلى فنجان قهوته ثم إلى ظهره الممدد جوارها..ارتفعت أنفاسها فشعر بها فأغمض عينيه وقال
_اطفي النور لو مش محتاجاه..عندي شغل الصبح.
أطبقت جفنيها محاولة كتم شهقاتها ثم فتحت عينيها على وجع مقهور وهمست
شكرا إنك قد وعدك بس ياريت ماتوعدتنيش بحاجة إنت مش قدها من ساعات بس أقسمت تخليني أسعد واحدة..أقسمت تبقى الوطن والملجأ الحنين...ودلوقتي فعلا أنا أسعد واحدة في الكون.
قالتها ثم استدارت تغلق النور وتوليه ظهرها.
همس بصوت مبحوح
_اتفاجئت من كلام ماما...حطي نفسك مكاني حاجة خاصة كده إزاي تطلع برا هي أمي آه بس دي حياتنا إحنا.
استدارت تنظر لعينيه التي رسمها ضوء النافذة
_والله ماقلتلها حاجة صدقني لو كنت عايزة أقول كنت قلت من بدري إحنا بقالنا أكتر من تلات شهور و...
_ششش خلاص انسي كان لازم أقولك.
غمغمت باعتراض
_بس إنت صدقت ممكن أخرج أسرارنا برة لا وكمان زعلت مني.
سحبت نفسا وعيناها تسبح بملامحه
_يوسف طلعتني سابع سما فيها..
شهقة خرجت
_خلاص آسف أنا زعلت منك أوي وكان كلامي واضح مهما كان مين بلاش يعرف حياتنا الخاصة.
أخرجت رأسها تنظر لعينيه
_عارفة الحاجات دي يا يوسف وصدقني أنا كمان حابة كدا..
_يعني أفهم من كلام
رفعت حاجبها باستخفاف وهتفت
_لأ كدا كان هيكون طلاقنا.
قطعها يخرس حروفها التي شعر بأنها جمرة اخترقت قلبه لتحرقه..لحظات ا
_قدرتي تقوليها أغمضت عينيها تسحب أنفاسها
_مش قصدي طبعا أنا برد على كلامك.
وهمس إليها
_قولت لك قبل كدا إنك سكنتي روحي وقلبي..ابتسمت بخجل
_إنتي ضي قلبي الموجوع..
_بعد الشر..نطقتها بعفوية
عند حمزة قبل ساعات
خرجت فور اتصاله وتهديده لتجده واقفا أمام سيارته يعقد ذراعيه فوق صدره بعنف مكتوم..وماإن لمحها حتى اعتدل مكانه كأن أنفاسه تعثرت وهي تقترب منه خطوة بعد أخرى.
فتح باب السيارة دون أن يرفع عينيه عنها وقال بحدة منخفضة
_اركبي..مينفعش نقف نتكلم في الشارع.
تجمدت في مكانها واشتعل صوتها غيظا
_عايز مني إيه وإزاي عايزني أركب معاك لوحدنا
أغلق الباب بقوة ثم تقدم نحوها بخطوات متوترة..كور قبضته لدرجة برزت عروقه واشتدت أنفاسه قائلا
_أنا بحارب الدنيا كلها علشانك... وتعبان وفكرة إني آذيكي أموت قبل ماتحصل.
نظر لها بنظرة تحرق الهواء من حولها
_أنا أبعد واحد في الكون ممكن يفكر يقربلك بأذى..أنا أحرق الكون كله علشانك...وإنتي جاية تقوليلي مينفعش!
لم تجد في حالة غضبه مكانا للكلام ففتحت باب السيارة وجلست بصمت..
جلس هو الآخر خلف المقود يحاول أن يسيطر على زلزلة صدره ثم أدار المحرك وتحرك بسرعة.
استدارت إليه بذعر
_إنت رايح فين!..قلت
هنتكلم.
ظل صامتا لثوان حتى خرج صوته خافتا لكنه أشد وقعا
_هخطفك مادام مفيش فايدة من اللي بعمله.
شهقت وترقرقت عيناها خوفا وهي تصرخ
_دي الثقة اللي قلت عليها ليه عايزني أندم إني وثقت فيك
توقف فجأة على جانب الطريق..التفت إليها ونظرته هدأت تدريجيا أمام دموعها المتساقطة.
_شمس..أنا تعبان فكرة إني مش عارف أوصلك وجعاني..نفسي نتكلم زي أي اتنين بيحبوا بعض.
ضغطت على ثيابها في محاولة للسيطرة على ارتجاف أنفاسها... لتشعر وكأن الهواء اختفى ولم يبق إلا أنفاسه.
أغمضت عينيها خرج صوته مبحوحا مشبعا بكل مايكتمه
_شمس!!
فتحت عينيها ببطء همست وهي تحاول أن تثبت أنفاسها
_لو سمحت...إنت كدا بتضغط عليا.
لم يحتمل المسافة بينهما وضمه بين راحتيه ونطق
_أنا..بحبك.
شهقة موجوعة خرجت منها رغما عنها سحبت كفها بسرعة ..أدارت وجهها للنافذة تبتلع الدموع التي هاجمت عينيها
_وبعد الحب دا إيه ممكن تفهمني
رد فورا..بلا تردد..كأنه كان يحمل الجواب في صدره لسنين
_نتجوز.
التفتت إليه بعينين يتنازع فيهما الخوف والحب
_مينفعش والله مينفعش..بابا مستحيل يوافق.
اقترب برأسه نحوها
_دول ميهمونيش..المهم إنتي قوليلي بس إنك موافقة خلي عندي أمل.
صمتت رغم شعورها بأن روحه تنتزع لتتكون في عينيها طبقة كرستالية مرتجفة رآها فابتلع أنفاسه وتراجع للخلف يتنهد بعنف مكتوم.
اختل انتظام تنفسه ورفع يده لا إراديا وفك أول زر من قميصه كأنه يبحث عن هواء بعد شعوره بالاختناق
كانت تراقبه وكل مايحدث بينهما ينهش قلبها.
انفجرت دمعة على خدها تبعتها شهقة ببكاء وارتجاف شفتيها
_ياريت بإيدي حاجة صدقني مش هتأخر.
استدار إليها بسرعة وقال بنبرة قلقة
_مش عايز غير إني أسمع إنك موافقة...عايز أطمن قلبي مش عايز أحارب الدنيا وفي الآخر تقوليلي مش عايزاك قوليلي دلوقتي علشان أعرف هعمل إيه.
انخفض نظرها بخجل طفولي تتلاعب بحافة ردائها ووجنتاها توردتا بشكل خذله..وفتنه.
همست بخفوت
_مش عايزاك..تخسر شغلك ولا مستقبلك..أهم حاجة ماضيعش مستقبلك.
لم يملك إلا أن يتنفس ببطء محاولا أن يسيطر على زلزلة قلبه وهو يرى خجلها..كالخجل الذي أوقعه من أول نظرة.
_إنتي حياتي و مستقبلي.
أبعدت رأسها عنه كالملسوعة وصوتها يرتجف كمن يحارب بين قلبه وعقله
_لو سمحت ماتقربش مني حرام اصلا ممكن نرجع أنا مش عايزة أكره نفسي كفاية ثقة بابا وماما فيا..ونزلت لك علشان متزعلش.
كانت كلمات بسيطة..لكن وقعها على قلبه كان كالماء على أرض عطشى.
ابتسم أخيرا ابتسامة صغيرة لكنها بعثت النبض في صدره من جديد.
اقترب باندفاع لا إرادي لم يرحم ضعفها الذي هزه يهمس بنبرة تخترق العمق
_بعشقك..وحاسس إن موتي هيكون على إيدك.
رجفة قوية فهمست
_حمزة لو سمحت..
مد يده إلى تابلوه السيارة فتحه وأخرج منه علبة أنيقة..قدمها لها دون مقدمات
_كنت عايز أديهالك النهاردة بس طبعا طلعتي فوق ومانزلتيش.
نظرت للعلبة باستغراب
_إيه دي
_افتحيها.
فتحتها لتجد داخلها شابا وفتاة بثياب زفاف ملكية يدون عليهما اسمهما بماء الذهب يدوران على موسيقى صامتة لكنها تنطق بالأحلام.
ابتسامة واسعة انفرجت على وجهها حتى لمعت عيناها ببراءة أعادت له كل الحياة
_حلوة أوي.
قالتها بابتسامة نطقتها عيناها قبل شفتيها ثم رفعت عيناها إليه
_حبيتها أوي..تابع حديثها الذي صخب القلب لأجله وهو ينظر إلى ابتسامتها كأنها الهدية الحقيقية
_عقبالنا يا حبيبتي..وعد مني هعملك فرح مصر كلها تتكلم عنه.
رفعت عينيها إليه والقلق يطفح بداخلها
_حمزة..لو سمحت بلاش تضيع مستقبلك.
ابتسم بحزن رجولي وبقناعة لا تهتز
_ماليش مستقبل من غيرك يا شمس... ولو على الوظيفة مش عايزها.
اتسعت عيناها بدهشة
_ياااه...للدرجة دي بايع كل حاجة
توقف بالسيارة أمام بوابة الكمبوند التفت إليها وقال بصوت عاشق فاق القدرة على تحمل محبوبه
_لأني ميهمنيش غيرك تستاهلي أبيع الكون كله علشانك.
إنتي مش فاهمة عملتي فيا إيه.
ارتجف قلبها لكلماته..ولمعان العشق في عينيه.
شعر بضياعها بانهيار مقاومتها القليل المتبقي فمد يده كأنه ينتشل روحها من حافة الانجراف
_تأكدي لو هبيع الدنيا كلها أنا مستعد.
نظرت لعينيه الواثقة وتاهت في قسماته التي تخبرها أنها ملكه هو لا غيرها.
_خايفة.
نطقتها دون وعي
ابتسم بحنان وقال
_
ارتفع النبض حتى شعرت أنه كاد أن يسمعه فاستدارت بجسد مرتعش
_لازم أمشي مينفعش كدا..أوقفها قائلا
_شمس...
نطقها وهو ينظر أمامه وصوته يحمل قرارا لا رجعة فيه
_بكرة هرجعك البيت وإياكي تفكري تهربي الأسبوع دا أجازة...وأنا هرجعك من الجامعة ولو مش خايف على زعل باباكي كنت وصلتك وجبتك كمان.
التفتت إليه بصدمة
_إنت بتقول إيه! السواق بيكون معايا وبعدين أصلا مينفعش حتى قعدتي معاك دلوقتي.
رد بنبرة ثابتة رجولية لا تعرف التراجع
_ماليش دعوة بدا كله أهم حاجة عندي أكون قريب منك..ولو ينفع أكون السواق بتاعك موافق.
شهقت واتسعت عيناها لدرجة جعلته يزم شفتيه بسخرية عاشق يعرف تأثيره
_مش بقولك عاشق يا بنت الشافعي
سحبت نظرها سريعا
_لما أكلمك..ماتبعديش عيونك عني.
ثم اقترب أكثر وصوته انخفض بحرارة
_شمس..إنتي دلوقتي في حكم خطيبتي لحد ماباباكي يوافق وقتها بس هتكوني ملكي شرعا وقانونا... اعملي حسابك في كدا ومتفكريش هخبي على باباكي موضوع الجامعة.
كلماته نبرته قربه...كل شيء فيه جعل قدميها تتخلخل من تحتها.
همست دون وعي وكأن عقلها غاب وترك الأمر لقلبها المرتجف
_طيب..لو بابا فضل مصر على رأيه...هنعمل إيه
خرجت منه آه محبوسة مكبوتة انطلقت من عمق قلب رجل يعشق فوق احتماله
_ كنت متأكد إنك بتحبيني.
كانت جملة مكتومة بفرحة النبض... جعلتها تبتعد بنظرها للحظة هنا خشي من مقدار مايشعر به..كان على حافة اللاعودة..
على وشك أن يسقط صريعا لعشقها بلا رجعة..
سحب نظره بعيد يلتقط نفسا سريعا وقال بنبرة تخفف خوفها دون أن يخفي اشتعاله
_متخافيش...عامل حسابي.
ثم استدار إليها وابتسامة جانبية تشعل نبضها
_أهم حاجة إن قلبك باسم حمزة وإنك موافقة على أي حاجة.
شهقت بخجل وكأنها أدركت فجأة أنها أفلتت من يديها زمام الأمر فهزت رأسها بسرعة
_أنا...ماقولتش موافقة.
أطلق ضحكة قصيرة وهو يرى ارتباكها نظراتها الهاربة وجنتيها المتوردتين...
ضحكة رجل يعرف أنها وقعت وأنها مهما أنكرت...قلبها فضحها
_أيوة...عارف.
مال عليها بابتسامة مستمتعة
ربنا يصبرني عليكي وعلى أبوكي..
أنا مش ضامن نفسي المرة الجاية هعمل إيه لكن في كل الأحوال مش مستعجل المهم اللي أخدته النهاردة واعرفي إنك دلوقتي في حكم خطيبتي الأسبوع دا بس.
رفرفت بأهدابها تبتعد كالذي لدغه عقرب فتحت الباب سريعا بأيدي مرتعشة ودفعته بقوة وهو يراقب ارتجافها ابتسم وأخرج رأسه يشاكسها
_بالراحة كسرتي باب العربية وإسحاق هيعلقني فوقيها.
توقفت واستدارت تشير بيدها المرتجفة بحدة
_لو طلعت قدامي تاني...
نزل من العربية يحاصرها بعينيه
_زعلانة علشان قولت العربية فداكي العربية وصاحب العربية...أقولك فداكي أبويا بذات نفسه.
ضربت قدمها بالأرض رغم ابتسامتها من حركاته
_يابني بس بقى!
أمسك قلبه بطريقة مسرحية
_يالهوي عليك يا حمزة! بتقولي يابني!
أفلتت ضحكة رغما عنها فاقترب منها حتى توقف أمامها تماما
_شمسي..لما بتضحكي بتنور قلبي والدنيا كلها.
توترت وأشاحت بيدها
_لو سمحت يا كابتن مينفعش اللي حضرتك بتقوله ده.
لوح بيده بضيق
يادي النيلة على اللي خلفوني! رجعتي بليدة الفصل التاني..وكابتن وحضرتك.
_بليدة يعني إيه
صك على أسنانه يشير لمنزلها
امشي...قبل ماأغير رأيي وأخطفك فعلا وأخليهم يقدموا دية
اتسعت عيناها
إنت صعيدي!
مسح على وجهه يهدئ نفسه فلقد طفح الكيل وبدأ يفقد سيطرته ثم دنا يميل إلى مستواها
_شمسي البريئة...دقيقة واحدة كمان صدقيني مش عارف ممكن أعمل إيه...أنا بقالي نص ساعة بتعامل بمعاملة ظابط الجيش معاكي.
ركضت للداخل وجسدها يرتجف
_قليل الأدب...مش متربي!
مسح على شعره يراقب ركضها وهو يهمس لنفسه
يارب صبرني عليك يا عمو إلياس أصلي شكلي هخطفها فعلا.
بالداخل...اصطدمت بأحدهم وهي تخطو بخوف شهقت تنظر إليه بعيون جاحظة.
_كنتي فين وعربية الزفت ده بتعمل إيه قدام الكمبوند
_هو..أصله.
صك على أسنانه
_تعرفي لو عمو شافك ولا يوسف كان عمل إيه أنا واقف منتظر حضرتك لما ترجعي عيب اللي عملتيه ولا لأ
_بلال اسمعني.
_لا مش سامع خذلتيني يا بنت عمي.
_هو كان عايز يتكلم معايا بس والله.
اقترب منها بغضب
_بعد نص الليل يا محترمة أي واحد يشوفك هيقول إيه غير إنك مش متربية.
نزلت دموعها بغزارة تنطق بشهقات متقطعة
_خوفت يجي ويتخانق مع بابا خوفت والله.
تضايق من بكائها..اقترب منها
_خلاص بقى بطلي عياط أنا خايف عليكي يا هبلة تعرفي هو هيتجنن عليكي ليه..علشان برائتك دي بلاش تخسريها يا شمس حتى لو جه زي ماقالك..صدقيني من جواه هيكون فرحان وهتكوني درة غالية حبيبتي.
_آسفة..تمتمت بها ببكاء حاوطها بذراعيه
_خلاص بقى..أنا آسف قسيت عليكي بالكلام.
قاطعهم صوت إلياس
_شمس.
انتفض جسدها تستدير لوالدها ابتلعت ريقها بصعوبة وتلجلجت بالكلام
_أصل..أنا..
قاطعها بلال وهو يقترب من إلياس
_كنا بنتكلم مع بعض وبتسألني عن حاجات.
زوى إلياس جبينه
_حاجة زي إيه
_عادي يا عمو حضرتك مش واثق فيا
_أبدا حبيبي..بس مستغرب.
تحرك بها إلى وقوف إلياس
_حضرتك متعرفش شمس بالنسبالي إيه دي طفلتي على رأي الواد الدكتور ابنك.
سحبها إلياس
_طيب ابعد يا ظريف قال طفلتك روح اتجوز وهات طفلة على قدك.
ابتسمت تتحرك مع والدها ثم التفتت برأسها إلى بلال .. شهق من فعلتها البريئة فقال بصوت مرتفع
_أبوكي لو شافك هيدفنك بالحيا اغسل عارك.
توقف مستديرا إليه
_بتقول إيه يا متخلف
ضحك بصوت مرتفع يشير الى شمس
_بنتك بتعاكسني.
هز إلياس رأسه يسحب شمس ويتحرك لداخل منزله بينما ظل بلال بمكانه للحظات يتذكر ماصار منذ ساعات..
كان عائدا الى المنزل توقفت أمامه سيارة بها بعض الشباب توقف ينظر إلى هيئتهم التي تدل على الإجرام لحظات ووصلت سيارة حرسه..نزل قائدهم
_فيه حاجة يا دكتور
ركض الشباب إلى السيارة دون حديث بينما استدار بلال إلى الرجل
_لا..معرفش مين دول.
قالها وصعد إلى سيارته... وعاد الى المشفى دلف الى غرفته التي تحتحز بها كارما نادى على الممرضة
_مش عايز أي مخلوق يدخل الاوضة دي واهتمي بمدام كارما هي واخدة مهدئ هتنام للصبح أول لما تفوق كلميني
خرج من شروده على صوت آسر
_كويس إنك لسة صاحي عايز أعرف إيه حالة بابا بالظبط
سحب كفيه وتحرك الى الطاولة يقص له عما علمه من حالة يزن
بمنزل يوسف
ساعات قليلة حتى استفاق الصباح ببطء يحمل معه نورا خفيفا يتسلل عبر ستائر الغرفة لكنه لم يزعج
كانت الأنفاس متشابكة والقلوب ماتزال تتحدث بصمت كل نبضة فيها تقول
الليلة الماضية لم تكن مجرد لحظة بل ولادة حب جديد لا يموت.
ابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيها في نومها وهو يراقبها بصمت
_نمتي كويس
همست مجيبة بنبرة محملة بارتياح
_جدا..من أول جوازنا دي أول مرة أنام كده.
_وأنا كمان...
هنا تذكرت المهدئات مما أصابها ارتعاشة خفيفة رفعت رأسها تحدق فيه تسمرت نظراتها عليه دون حديث فهتف بصوت أقرب للدهشة
_مالك بتبصيلي كده ليه
ازدادت حدة خوفها وهي تستعد للمواجهة فقالت متسائلة
_إيه حكاية المهدئات
دي وليه بتاخدها
انحنى ليلتقط كنزته يبحث عن مهرب من المواجهة
_يوسف..أنا مراتك يعني نصك التاني... يعني مفيش حاجة تبقى مستخبية بينا السر بيكسر والجفوة اللي بيعملها بتوجع.
اعتدل جالسا كمن أثقلته ذكرى الماضي التي لا تزال تنزف داخله..أغمض عينيه وأسند رأسه للخلف بينما بحنان تحاول أن تهدئ من روحه الضائعة
_حبيبي لو سمحت.
فتح عينيه على صوتها المنكسر
_لو معتبرني كل حاجة زي مابتقول... صدقني مفيش حد هيخاف عليك قدي أنا بحبك أوي...وأموت لو حصلك حاجة يوسف إنت بقيت كل حياتي.
_فاكرة..فاكرة حريق الفيلا
تجمد جسدها للحظة وعلمت أن ماسيقوله أثقل مما تقدر هي على احتماله لكنها أحاطت كفيه بيديها تشجعه على المواصلة.
تنفس بعمق وكأن كل نفس يخرج من صدره رمادا قديما
_من يوم الحريقة وأنا مبعرفش أنام النار كانت حواليا والدخان بيخنقني... وأنا طفل مرعوب مش قادر يصرخ.
انزلقت الدموع من عينيه ببطء مؤلم
_سمعت صريخ مامتك برا...وكنت عايز أقولها أنقذيني يا طنط بس صوتي ماطلعش...كأن لساني اتشل الدنيا كانت بتعتم والدخان مالي البيت وأنا قاعد على السلم بعيط لوحدي... ومحدش سامعني.
ارتجف صوته وهو يستعيد ذكرياته المؤلمة يتابع
_لحد ماالبواب فتح الباب وشوفت مامتك وهي بتجري وسط النار وبعدها الدنيا اسودت...وغبت عن الوعي.
مسح على وجهه بكف مرتعشة
_ومن اليوم دا كل ماأحاول أنام... أحس النار بتطوقني من تاني بنادي على بابا وماما ومحدش بيرد كبرت... بس الخوف كبر معايا.
تنفس بثقل
ولما دخلت ثانوي قلت لوالد صاحبي الصيدلي إني مش بنام إداني دواء... وقال ضرره بسيط ومن ساعتها وأنا باخده.
ياالله على هذا الانكسار الذي يشعر به داخله وهو يتابع حديثه المؤذي
_حاولت أبعد عنه بس مقدرتش الكوابيس رجعت وبقت أوحش مش مجرد حريقة..حاجات تانية..كوابيس ماليهاش آخر.
انسابت دموعه على وجنتيه وجعا كأنها آخر ماتبقى من طفولته المحترقة وماإن لمحته
همست بصوت متصدع
إنت إزاي اتحملت دا كله لوحدك إزاي محدش قدر يحس بيك
حاول أن يرسم ابتسامة رغم اختناق أنفاسه وقال بنبرة خفيفة يغلفها الحزن
_ليه بتحسسيني عشت مأساة عادي..كل واحد فينا بيمر بمرحلة صعبة فيه اللي بيعدي...وفيه اللي مابيعرفش وأنا للأسف ضعيف مقدرتش وعيناها ه
_إنت أقوى شخص قابلته في حياتي.. أوعى تقول على نفسك ضعيف يوسف معقول ورا الوش الهادي دا كل المعاناة دي
رفع حاجبه بمشاكسه خفيفة
_من إمتى وإنتي طيبة وبريئة كده
ضحكت وهي تلاطفا
_لا..دا التطور زاد أوي وبقينا بنمد إيدينا كمان!
قهقهت بصوت عالي لكن ضحكتها لم تكتمل إذ
نظرت
هو إيه اللي بتقوله دا
أجابها بنبرة رخيمة تذوب دفئا
_عندك حق يا حبيبتي مش هتفهمي
عاد الرنين بعد الصمت..
_رد على التليفون.
لكنه لم يفعل شيئاا
_لو قولتلك إني مش عايز أشوف ولا أسمع حد غيرك هتصدقي
تراجع قليلا ينظر إليها
_إيه رأيك أخطفك كام يوم بعيد
_موافقة...
نطقتها سريعا بلا تفكير فقهقه بخفة
_بقولك أخطفك...وموافقة
_أه...أي مكان...ومن غير ماأعرف حتى مادام معاك موافقة.
_عايزك كده على طول...أي مكان أكون فيه تبقي إنتي فيه.
رفعت رأسها تنظر إليه بعينين دامعتين بالحب
_ماينفعش أبعد...لأني مش هعرف أعيش
ضحكت بنعومة تشير بعينيها إلى الهاتف.
لم يشعر بنفسه إلا وهو يلقيه بقوة فيتهشم إلى أجزاء.
شهقت واضعة كفيها على فمها
_يا مجنون!
التفت إليها يشير بيده
_أنا مش هشيل تليفون
قهقه يعلم أنها تمازحه ثم
_عايزة تروحي فين نفسك في إيه أي حاجة عايزاها...قول
_عايزة أجيب ولدين وبنتين...
قالتها ثم رفعت رأسها تحدق في عينيه
_يوسف...نفسي يبقى عندنا أولاد أوي الفكرة دي مجنناني بتخيل نفسي وأنا أمهم واهتم بيهم...وإنت راجع من الشغل وهما يجروا عليك...
يارب نفسي أعيش الإحساس دا أوي.
ظل صامتا يستمع لكل حرف ثم زفر بقوة وهو
_أنا عارف تقصدي إيه...ماتخافيش يا ضي الموضوع ده شيلته من دماغي خلاص وأنا كمان نفسي يبقى عندنا أولاد أوي.
فركت كفيها بخجل تبتعد قليلا عن نظره.
فرفع حاجبه بسخرية خفيفة...
حدق فيها بعمق ثم همس بنبرة منكسرة
_للدرجة دي مفيش ثقة
هزت رأسها نافية ثم قالت بخفوت
_كنت عايزة أطمن..مش حقي
_حقك يا حبيبتي... واطمني أنا عمري ماهعمل حاجة إنتي مش موافقة عليها..ودا كان أسهل أعمله ليلة فرحنا...ومن غير ماتعرفي كمان.
نظرت إليه طويلا قبل أن تسأل
_يعني إنت مقتنع يا يوسف يبقى عندنا ولاد
رفع حاجبه ساخرا بخفة
_إنتي تعرفي عني ممكن أعمل حاجة من غير اقتناع
قبل أن ترد قاطعهم طرق خفيف على باب الغرفة
_الباشا تحت بيسأل عليك يا دكتور.
_تمام..قولي له عشر دقايق ونازل.
تمتم بها
التفت إليها
_جهزي نفسك هشوف بابا عايز إيه وهكلم بلال يحجز لنا أي مكان..إيه رأيك في إيطاليا
ابتسمت بعينين ممتلئتين حبا
_قولتلك يا حبيبي أي مكان مش فارق
ضحكت بخجل
_ومين قالك..أي حاجة تخصك ممكن أنساها
اعتدل واقفا وهو يلوح بيده
ضحكت بنعومة جعلته
وضعت كفيها على فمها تمنع ضحكة انفلتت منها بينما هو دلف إلى الحمام.
بمنزل يزن
توقف آسر بجوار الطبيب الذي يتابع حالة والده وصوته يخرج متوترا
الحالة نفسية...جسديا مفيش حاجة. واضح إنه اتعرض لضغط شديد.
تعلقت عيناه بالطبيب وكأن روحه معلقة بإجابة واحدة
يعني...فيه أمل يرجع يتكلم تاني
أكيد بس لازم يغير جو...هل تعرفوا إيه اللي وصله للحالة دي
أومأ آسر وشكره سريعا ثم أسرع إلى غرفة والده.
وجد رحيل تجلس بجوار يزن تطعمه بيدين مرتعشتين لكنها تجاهد لإخفاء خوفها.
ماما...إيه اللي حصل لبابا إزاي وصل لكدا
رفعت رحيل رأسها إليه نظرتها قلقة لكنها ثابتة ثم عادت تنظر ليزن
مفيش يا حبيبي...يمكن ضغطه علي من غير ماياخد باله المهم بقى حضر نفسك...الخميس مسافرين برا نشوف دكتور متخصص.
قبل أن يرد خرج صوت يزن...مكسور متقطع لكنه صوت
م...ش...رايح...في مكاان...يا رحيل...
تجمدت رحيل لثانية ثم لمع بريق عينيها كأنها رجعت للحياة.
ودموعها تسبق كلماتها
يزن حبيبي...حمدلله على سلامتك! صوتك...صوتك رجع يا روح رحيل... الحمدلله...الحمدلله!
دموع آسر سالت بلا مقاومة...ينظر لوالده الذي ضم والدته بصعوبة لكن برغبة.
بابا إنت كويس
أومأ يزن له بثقل...ولكن الإشارة كانت كافية.
دخلت رولا تركض تتعلثم
بابا اتكلم ماما قالت بابا اتكلم!
أشار لها يزن بيده المرتجفة
ر...و...لا...
جثت أمامه تمسك كفيه
حبيبي يا بابا...حمدالله على سلامتك... ربنا مايحرمني منك...
حاول رفع كفيه نحو رأسها فرفعته رحيل وساعدته حتى وضع يده فوق شعرها
_ماتعيطيش...حبيبة بابا...
لكن رولا انهارت صوت بكائها ارتفع حتى صار صرخة
_آااه يا بابا أنا بموت من غيرك...
نظر إليها يزن بعينين محملتين بالألم فبادرت رحيل
تعالي حبيبتي..بابا كويس يلا قومي خدي نفسك.
تعالي...سيبي بابا يرتاح.
خرجت رولا مع أخيها بينما لم تفارق عيناها والدها حتى آخر لحظة.
جلست رحيل بجواره ابتسامة باهتة تحاول أن تخفي انهيارها
حمدالله على السلامة يا يزن...
فتح عينيه بصعوبة همس
اب...عتي...لإلياس...
هزت رأسها بسرعة خوفا ورفضا
لا...بلاش يا يزن علشان خاطري مش عايزة حد يبص لبنتي إنها مش كويسة شد حيلك...ولما تقوم بالسلامة نزور رؤى سوا...
أومأ...ثم أغمض عينيه مستسلما للتعب.
ظلت رحيل تطالعه بعينين ممتلئتين بالألم..
كأن قلبها معلقا بين خوف قديم... ومصير قادم.
بمنزل يوسف
هبط للأسفل وجد والده يرتشف قهوته
_صباح الخير..حلمت بتشرب قهوة.
رفع نظره ينظر بساعته
_معرفتش إنك هنا إلا لما شوفت عربيتك.
جلس بمقابلته يدقق النظر به
_مش فاهم
_إنت مش كنت بتقول عندك شغل وبعدين بتصل بيك مابتردش ليه
_تليفوني اتكسر.
_إيه اللي كسر تليفونك
_نصيبه يا حج.
_ماشي يابن إلياس..إنت كويس
_جدا..
صمت الياس للحظات ثم سحب نفسا متجها بنظره إلى ابنه
_يوسف عايز أتكلم معاك راجل لراجل بس قبل أي حاجة انا مش بدخل في حياتك حبيبي أنا أب وعايز أطمن عليك و..
قاطعه يوسف بعدما أدرك بما ينوي قوله
_بابا أنا كويس ولو على الموضوع اللي سمعته صدقني مش صح وانتظر حفيدك إن شاءلله..الصراحة كنت ناوي أسمي إلياس فقولت كفاية حضرتك.
_لا والله ومين قالك أنا موافق أصلا.
قهقه عليه وأشار
_قول والله..ابتسم إلياس يشير لجواره
_تعال جنبي عايز أتكلم معاك في موضوع مهم.
نهض من مكانه وجلس بجواره يقص إليه سبب رفضه لحمزة...انتهى من حديثه ينتظر رد ابنه
_أنا فهمت حضرتك مش ملزم تقولي شمس لسة صغيرة وكمان حاسس السن بينهم كبير.
_مش موضوعي السن بس مش عايز أختك تعيش تعيسة أنا عارف الواد بيحبها وجدا كمان بس تفتكر الحب كافي
_طبعا يا بابا..أهم حاجة يعني حبه هيخليه يواجه صعوباته حمزة شخص كويس وعلى قدر من الاحترام وطبعا مش هنختلف على عمو إسحاق لكن شمس فعلا صغيرة أنا مش موافق إنها ترتبط في السن دا لازم تخلص دراستها وتحقق هدفها.
_حبيبي إنت مش فاهم قصدي.
_لا فاهم حضرتك خايف حمزة يتأثر بجوازه من شمس ويرجع يندم أنا قولت لحضرتك لو بيحبها بجد الحاجات دي مش هتفرق معاه لأن زي ماحضرتك قولت قبل كدا الانسان اللي بيعمل الوظيفة ويبان فيها مش الوظيفة اللي بتعمل الانسان وحمزة سواء حربية أو مدني هيكون ناجح.
_الناس دي مش بتفكر كدا حبيبي.
_بابا الموضوع بسيط ارفض مش علشان مستقبله زي ماحضرتك خايف لأن الحاجات دي في إيد ربنا.
ربت إلياس على كتفه ونهض من مكانه
_ربنا يسهل خايف أختك تتعلق بيه بس وإنت شايفه مجنون.
_لا ماأظنش هو عاقل وإن شاء الله يتقبل الموضوع..شوف حضرتك المناسب واعمله حتى لو شمس هتزعل شوية بس حقيقي أنا مش عايزها ترتبط دلوقتي.
قاطعهم دخول بلال ملقيا تحية الصباح
_بتصل بيك مابتردش.
ضحك إلياس بسخرية وقال
_تليفونه اتكسر يا حبيبي.
_اتكسر!! مش فاهم إزاي يعني
في تلك اللحظة وصلت ضي
_صباح الخير يا عمو.
_صباح الورد حبيبة عمو عاملة إيه
_كويسة الحمدلله..توقفت بجوار يوسف طالعهم إلياس بنظرة مطمئنة ثم انسحب للخارج بينما سحب بلال يد يوسف وهو ينظر إلى ضي
_ضي لو مفطرتوش جهزي الفطار واعمليلنا قهوة بإيدك أه.
قالها وتحرك يسحب الآخر وعيناه على زوجته.
بعد دقائق بالحديقة هب من مكانه فزعا
_يعني إيه متجوزة عرفي إنت مجنون يابني!
_يوسف اقعد لو سمحت محدش يعرف خالص حتى آسر مايعرفش.
_أكيد اللي بتقوله دا جنان.
_يوسف كل اللي قدرت أوصله إن عمتها المحبوسة هي ورا دا كله.
_عمتها مين
تساءل بها يوسف بجهل.
فأجابه بلال
_اسمها رؤى على ماأظن.
هنا ارتفعت دقات قلبه بصخب جنوني وحياة الطفولة كلها تمر أمام عينيه وصورتها تتحرك سريعا ككابوس كاد أن يسحب روحه هوى على المقعد وشحب روحه
_خالتو رؤى معقول توصل للقذارة دي!
_المهم دلوقتي..البنت ماتعرفش إيه اللي حصلها كل اللي فكراه إنها راحت المكان دا بناء على كلام رؤى.. ومتعرفش إيه اللي حصل صحيت من النوم لقيت نفسها..
_باااااس يا بلال اسكت لو سمحت.
دار حول نفسه كالمجنون
كاد عقله أن ينفجر يهز راسه بغضب
_مستحيل..لا مستحيل تضر بنت أخوها صمت وتذكر مافعلته به لم يشعر بنفسه وهو يضغط على كوب المياه ليتحطم بيده..نظر بلال لدمائه
_يوسف ممكن تهدى لازم نفكر بهدوء لأن الورقة مكتوبة باسم واحد مجهول الهوية من يوم فرحك وأنا بدور معرفتش أوصله.
فرك جبينه كاد أن ينزع جلده وهو يهز رأسه رافضا أن يستمع لحديث آخر..
_بس أنا هعرف أجيب اسمه
_تمام هنعمل فيه اللي إنت عايزه بس نوصله إزاي وهي مش فاكرة أي حاجة حتى المكتب طلع إيجار ليومين.
وصلت ضي تحمل قهوتهما
_عملت لكم قهوة.
نهض واتجه للداخل وهو يقول
_مش شارب عندي مشوار مهم.
تابعت تحركه ثم اتجهت إلى بلال
_إيه اللي حصل
مفيش حبيبتي..أنا كمان عندي شغل ولازم أروح المستشفى حالا.
بعد فترة..
دلفت تبحث عن الذي يريد رؤيتها توقف بعدما دخلت واقترب منها وهي تتطلع حولها
_أنا اللي عايز أقابلك.
دققت النظر به ثم تساءلت
_إنت مين!
ابتسم بمرارة ودنا
_يوسف إلياس السيوفي ولا أقول الشافعي يا خالتو.
انتفض جسدها وتراجعت للخلف
_يوسف..
دنت تملس وانسابت دموعها
_ياااه..لسة فاكر خالتك يابن إلياس
تراجع ينظر إلى
_اقعدي يا خالتو بينا حساب ولازم نصفيه.
سحبت المقعد تتطلع إليه باشتياق
_كبرت أوي وبقيت نسخة من أبوك كأنه هو اللي قدامي.
ابتسمت بحزن وقالت
_شوفت أبوك وخالك عملوا فيا إيه
أومأ لها وقال
_أه شوفت..وأنا لما عرفت جيت علشان أخرجك.
توسعت عيناها تتراجع بجسدها على المقعد
_تخرجني إنت هتخرجني!
زم شفتيه وهز رأسه
_أه..بس لازم يكون فيه مقابل.
عند إلياس
خرج برفقة ميرال إلى منزل يزن ولكنه توقف على دخول حمزة من البوابة الرئيسية..قطب جبينه قائلا
_خير على الصبح
وصل حمزة إليه خلع نظارته واقترب منه ملقيا السلام ثم قال دون تردد
_أنا جاي أعرف حضرتك هجيب شمس من الكلية الأسبوع دا.
ضغط إلياس على أسنانه بقوة وزمجر بغضب
_إنت ليه مصر يابني تطلع في الشخص اللي دفنته
اقترب حمزة منه ونظر داخل مقلتيه
_معلش يمكن حضرتك نسيت تكفنه إحنا جينا وقرينا فاتحة يعني بنتك دلوقتي ضيفة معززة مكرمة عند حضرتك والله مش هزار يا عمو ولا تقليل منك أنا عملت كل المطلوب مني واللي الدين والتقاليد بتقوله أتمنى تتقبلني علشان بنتك خلاص بقت ملكي.
_ميرال قولي له يمشي أنا عامل خاطر لأبوه.
_حمزة حبيبي مينفعش اللي بتعمله.
_إيه اللي بعمله يا طنط ميرال هل بعمل حاجة عيب ولا حرام..التفت إلى إلياس وتابع حديثه
_حضرتك شايف إني شخص مش كويس ومش أمين لو حضرتك شايف إني مش راجل هنسحب
_يابني يارحبيبي افهم..بنتي ماتنفعكش.
_عمو إلياس أنا قدمت استقالتي علشان أريحكم كلكم ناقص بس تعتمد وحضرتك بما إنك خبرة فاهم قصدي..شمس خلاص مش هتنازل عنها ولو جيت في يوم زعلتها يبقى موتني من غير مايرف لك جفن.
_مش هينفع...صرخ بها إلياس بعدما فقد سيطرته ثم تقدم خطوة منه
_الموضوع مش يخصك بس عيلتك كلها ولادك وولاد أخوك مش هينفع يابني بالله عليك بلاش تكسر بنتي بنتي لسة صغيرة..بلاش توصلني إني أحبسك.
تراجع يرتدي نظارته مردفا
_أنا قولت كل اللي عندي الباقي مايلزمنيش.
قالها وتحرك مغادرا مع رفع إلياس هاتفه يتحدث إلى ابنته
_إنتي فين يا بابا
_خارجة حبيبي فيه حاجة
_شموسة أكيد مش ثقة باباها مش كدا حبيبتي
توقفت وشعرت بارتجاف الارض تحت قدمها
_هو فيه حاجة تسائلت بها بتقطع فقال
_لو حمزة جالك ماتخلهوش يقرب منك حبيبتي.
صمتت للحظات مع دمعة انبثقت من عينيها
_حاضر يا بابي.
_وبعدين ناقصني مجنون شمس كمان.
قهقهت تنظر للذي غادر البوابة
_إنت بجد هتحبسه.
استدار إليها
_هما العيال دول اتجننوا مرة واحدة آخر حاجة كنت أتوقعها الواد الأهبل دا.
_متنساش بنتك اللي وقعته.
_بنتي بنت ك..ضحكاتها أبعدها يرمقها بغضب
_هو إيه الجيل الأسود دا ياربي العيال ماشية تحب على نفسها.
_مالك يابني مين مزعلك
_هو فيه غيره ابن إسحاق إيه الواد دا!.
ضحكت ميرال تغمز لأرسلان
_بيقوله أبو مراتي.
قهقه أرسلان بصوت مرتفع.
حدجه إلياس
_بتضحك!! البجح بيهددني بيقولي احمد ربنا إنها لسة اسمها شمس إلياس مش شمس حمزة.
_يعني ايه
_مش عارف يعني إيه
صمت أرسلان للحظات حتى توسعت عيناه بذهول
_قصده ابن إسحاق لا كدا لازم قعدة عرب.
دقق إلياس النظر إليه
_أقطع دراعي لو إنت مش شغال مع الواد التنح دا من ورايا.
بعد دقائق وصلت إلى سيارتها بدخوله الحرم الجامعي أشارت لسائقها
_رجعني على البيت.
ترجل سريعا من سيارته ولكن تحركت رغم تلاقي النظرات هنا شعر بنيران جحيمية تأكل صدره استقل سيارته وتحرك سريعا يقطع طريقها نزل سريعا وتحرك إليها وقام بفتح الباب
_أنا مش متفق معاكي من إمبارح
_لو سمحت يا كابتن مينفعش كدا متخلنيش أتصل بالشرطة.
لم يفعل شيئا سوى أن يسحبها رغم اعتراض السائق ولكن فاق جنونه التعقل يدفعها بالسيارة
_إمبارح عيونك قالت لي بحبك ماتختبريش صبري أنا كنت هوصلك بس لكن باباكي يسكت لا.
_كلم إلياس باشا يا حمزة بيه.
استقل سيارته وهو يشير إلى سائقها
_قوله بنتك في الحفظ والصون ماتخفش هرجعها شمس إلياس بس ماوعدوش كتير.
حاولت فتح باب السيارة وهي تصرخ به
_نزلني بقولك..بلاش شغل قطاع الطرق دا.
_على فكرة المسلسل حلو يبقى تابعيه.
_مسلسل إيه
قالتها بذهول فرد
_قطاع الطرق احترمت باباكي ورحت لعنده أستأذنه بس إزاي يسكت إلياس باشا كل شوية مستقبلك.
_حمزة لو سمحت رجعني إنت كدا بتولع نار بين العيلتين.
_إنتي بتحبيني ولا لأ
صرخ بها وهو يقود السيارة بسرعة جنونية.
_ياله منتظر الرد بتحبيني ولا لأ
_حمزة حاسب هنعمل حادثة حمزة لو سمحت.
عند إلياس
ركض إلى سيارته بعد إخبار سائقه بما حدث رفع هاتفه
_يعني لو موت ابنك دلوقتي تقدر تقولي هيكون إيه الوضع
_في إيه يا إلياس
_في إن ابنك مش متربي وعايز يتربى يا إسحاق باشا ياريت ماترجعش تلومني.
قالها وأغلق الهاتف وصلت ميرال إلى منزل أرسلان تطرق الباب بقوة أفزعت الجميع
_الحق يا أرسلان حمزة خطف شمس إلياس ممكن يموته.
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
في صمت الليل يهمس القلب بأسرار لا يسمعها العقل
وتبكي الروح على شيء لا يراه أحد سوانا.
كان بين القلوب شعور هادئ مثل نسيم الصباح
يلتقي الحنين بالابتسامات وتصبح اللحظات أطول من الزمن.
لكن الحياة تفرض قيودا لا نفهمها
فتتردد القلوب بين الاقتراب والانكسار
ويصبح الحب كرقصة على حافة الظلال بين الأمل والخوف.
وفي النهاية يفرض القدر ما لا يختاره القلب
ويبقى الحب القديم ذكرى مؤلمة
بين نبضة قلب لا تملكها وهمس روح لم يسمعه أحد
ويبقى الحنين رفيقه الأبدي.
زمت شفتيها بحنق وسحبت الكرسي لتجلس في مواجهته مباشرة
_وياترى إيه المقابل يا دكتور
أسند ساعديه على الطاولة نظراته تخترق هدوءها المفتعل
_رولا عملتي في رولا إيه يا..
توقف يحبس الاسم في صدره قبل أن يلقيه كطعنة
_يا رؤى هانم.
اشتعل صدرها كأن جمرا سقط فيه فاعتدلت تحدق فيه بعينين تغليان غضبا
_رؤى هانم!! دلوقتي بقيت رؤى يا يوسف مش خالتك اللي كنت بتموت فيها خالتك اللي ربتك دلوقتي بقيت مش عاجباك
اشتد فكه ونظر بعيدا وكأنه يلجم نفسه
_اسكتي مش عايز أقلب في القديم علشان ماأزعلكيش.
صفقت بيديها على الطاولة وانحنى صوتها المر
_لا يابن إلياس قلب مش إنت اللي جيت لحد عندي يبقى اسمع سمموا دماغك بإيه من ناحيتي بدل ماتوقف مع خالتك اللي بسببها بقيت راجل محترم جاي النهارده تحاسبني
رفع يده قاطعها بجفاء حاد
_أنا قولت مش عايز أتكلم في الماضي.
_بس أنا عايزة.
هوت قبضته على الطاولة هزة زلزلت جسدها تتطلع إليه بذهول
_مش مكسوفة!! واحدة زيك تتكسف على دمها ليكي عين تتبجحي لو مكانك أموت نفسي.
اقترب بجسده صوته يخنقها
_وياريتك بني آدمة الانحطاط شدك لدرجة إنك تإذي بنت أخوكي! بس أقول إيه اللي دمها فاسد تئذي أختها وسهل عليها تبقى مخزن للشر والحقد.
تجمد الهواء بينهما قبل أن ينفث سؤاله المختنق الذي حمله سنوات
_سؤال واحد من سنين نفسي أسأله.
أمال برأسه وقال بصوت متقطع رغم القسوة
_ليه عملتي في كدا ليه
عرفتي إن أمي عايشة وبدناءتك وكدبك وجعتيني عايز أعرف إزاي وتقوليلي إنك بتحبيني إزاي وإنتي بتقتلي أمي
قهقهت بسخرية مريرة تصفق بيديها كأنها تحيي انهياره
_ الله يا زمن شوف بيقول إيه عن الأم اللي رمت ابنها قبل مايكمل عشر سنين وهربت تعمل فيلم طويل عريض!
صرخ بقهر مكبوت يرفع إصبعه بحدة
_هتتكلمي عن أمي تاني هنسى كل تربيتي وهخليكي تعرفي يعني إيه تغلطي في حق أم يوسف الشافعي.
اقتربت منه مائلة برأسها ملامحها تتلوى بخبث
_واضح إنهم معبينك جامد ومخبيين الحقيقة اللي مرعوبين تعرفها.
بصراحة أبوك كان هيتجوزني لولا إن أمك انهارت
تسمر مكانه عروقه انتفخت قبضته تتشنج كأنها على وشك الانفجار.
نهضت هي واقتربت منه بخطوات محسوبة كحية تتقدم نحو فريستها
_كان خلاص هيطلقها كانت بتنهار وتهرب منه كل شوية..لحد مابقى فاضله خطوة.
قال بغضب يزلزل المكان
_اخرسي بقى.
ابتسمت ابتسامة باردة بخفة مقززة
_ياترى قالك اتجوزها إزاي
خليني أقولك الحقيقة يا دكتور...
همست قرب ه بفحيح بارد
_مصطفى باشا غصب عليه قاله لو مااتجوزتهاش لا إنت ابني ولا أعرفك.
تراجعت خطوة لتطلق آخر سهم
_تعرف ليه علشان فريدة هانم جدتك الموقرة أمرت بكدا.
عروقه نبضت بشراسة وصوته خرج مبحوحا بالغضب
_اتكلمي كلمة واحدة عن أمي تاني وهقسم بالله ماهتخرجي من هنا على رجلك.
ابتسمت ابتسامة من يعرف أن النار اشتعلت تماما حيث أرادت
_أتكلم ده أنا لسه مابدأتش.
استدار يوسف ببطء كأنه يشعر بعموده الفقري يتجمد ملامحه تتصلب فيما هي تواصل قصف الحقيقة كرصاص متتابع
_علشان فريدة خطفت ميرال من أمها.
ماهو أبو ميرال اللي يبقى أبويا اتجوز فريدة بعد موت جدك جمال أبو أبوك
وطبعا فريدة ماعجبهاش الوضع فهربت وخدت ميرال معاها ولعبت على مصطفى باشا وألفت قصة طويلة عريضة وخلته يغصب على أبوكابنهايتجوز ميرال اللي هي بنت عمه وخبوا عليه..
عارف ليه
علشان إلياس لو عرف إن البنت دي بنت الراجل اللي قتل أبوه عمره ماكان هيوافق.
ازدادت ارتجافة يوسف وشهيقه صار أثقل لسانه انعقد بينما هي تغرس الخنجر ببطء
_أبوك اتجوزها بالغصب..
والحياة بينهم مستحيلة.
كانت بتهرب منه كذا مرة رغم إنه أصلا اتجوزها غصب عنه.
بس الهانم كانت دلوعة فريدة.
اقتربت خطوة صوتها صار كحفيف أفعى
_إلياس زهق وقالها نتطلق.
لكن الهانم كانت صحفية مشهورة قد الدنيا وكانت مرعوبة على صورتها قدام الناس.
إزاي تتطلق من الراجل اللي البنات كلها كانت بتحسدها عليه
دارت حول يوسف مثل ذئبة تحاصر فريسة بدأت تنزف بينما هو شعر أن نبضه توقف فعلا وجهه شاحب وملامحه مكسورة بين غضب وصدمات متلاحقة.
ضحكت بسخرية خبيثة
_وقفت قدام المأذون وهو بيكتب كتابنا
شافت إن الجوازة دي إهانة ليها..
وده قبل ماأبوك يعرف إني أختها.
نظرت مباشرة في مقلتيه بسمتها تتسع كلما زادت رجفة جفونه
_ومش بس كدا..
راحت لأبوها المجرم واتفقت معاه يخلصها من أبوك.
وحتى طلبت منه يخلصها منك وهي حامل فيك.
وجدك جاب لها دكتور مخصوص علشان ينزلك..
رغم إن الدكتور حذرها
لكن هي كانت مش عايزة أي ارتباط بأبوك بعد ماحاول ياخد حقه من راجل قتل أبوه..رفعت رأسها قليلا وكأنها تستمتع بدماره اللحظي
_ميرال أمك كانت مستعدة تموتك قبل ماتشوفك.
أفلت ضحكة صاخبة ولكنها باردة رغم نيران صدره مع دخول العسكري قائلا
الزيارة خلصت.
قالها العسكري وهو يشير بيده قبل أن يمد يوسف بطاقة ما نحوه
عايزها كام دقيقة كمان جايب لك واسطة
متابعة القراءة