كانها الحياة بقلم سيلا وليد

لمحة نيوز

حاجة مش ابني اللي يقول كلمة ومايكنش قدها 
_بس الولد مابيحبهاش هو قالي كدا 
صمت الياس وزفرات كالوخزات متراجعا برأسه للخلف واطبق على جفنيه 
_البنت بتحبه ومتأكد لو مش بيحبها زي مابيقول هيحبها 
_هو فيه راجل ممكن يتجوز واحدة مابيحبهاش 
فتح عيناه ينظر لداخل عيناها ورد
_ارسلان اتجوز غرام ومكنوش يعرفوا بعض وشوفي حياتهم مبنية على الحب والتفاهم يزن.. منكرش كان عنده حسابات بس بيحب رحيل جدا
تنهدت تهز رأسها بخوفا 
_بس يوسف مش ارسلان ولا يزن يوسف للأسف إلياس ولا نسيت 
_يبقى اللي عملته صح.. قالها بهدوء وهو مغلق عينيه 
_تقصد ايه! 
_اقصد يبقى بيحبها ياميرال ممكن هو مش فاهم مشاعره او خايف بكرة نعرف 
_انت مقتنع باللي بتقوله 
هز رأسه بالرفض واجابها
_للأسف لا.. ابنك مش عارف بيفكر في ايه
ضحكت 
_حرام عليك بتقسى على الولد 
تهكم على حديثها
_قولت لك قومي ابنك اللي تنفعه ضي خليها تربيه او بالاصح الاتنين يربو بعض 
تراجعت على صوت طرقات على باب الغرفة 
_ماما فاضية كنت عايزة اتكلم معاكي 
اعتدلت ميرال تنظر إلى الياس الذي اعتدل هو الاخر ينادي على ابنته 
_تعالي حبيبة بابا
بمنزل أرسلان قبل دقائق
كانت ضي تجلس في شرفة غرفتها تسند ذقنها على كفها نظراتها تسبح في الأفق البعيد كأنها تبحث عن شيء 
نسمة خفيفة داعبت خصلات شعرها لكنها لم تشعر بها.. كانت غارقة في صمتها حتى قطع صوت الهاتف شرودها.
رفعت الهاتف بكسل واضح
_قولي يا شمس دماغي بتوجعني.
جاءها صوت شمس مفعم بالحماس والسر
_اقولك على حاجة بس لو عرفتي حد أنا هزعل منك أوي!
_يا بنتي قولي بسرعة ماليش خلق فوازير!
_سمعت بابا ويوسف بيتكلموا... يوسف هييجي يخطبك!
تجمدت ضي في مكانها وكاد الهاتف يسقط من يدها وقلبها بدأ يخبط بعنف داخل صدرها.
_انتي بتقولي إيه يا شمس!
_والله العظيم سمعته بيقول لبابا روح لعمي واخطب لي ضي بس بابا رفض وقاله انت راجل روح بنفسك ماينفعش أبوك يخطب لك.
انفرجت شفتاها بابتسامة صغيرة ابتسامة مرتبكة بين الدهشة والفرح وامتلأت عيناها بدموع لا تعرف إن كانت من سعادة حقيقية أم خوف من أن تكون أضغاث أمل.
_شمس... أنا بحبك أكتر من أخوكي البارد.
ضحكت شمس بمرحها الطفولي قائلة
_هقوم أنزل أشوف بابا وماما وأفهم إيه اللي غير يوسف كدا فجأة.
_طيب يا شموس... تصبحي على خير.
أغلقت الهاتف وبقيت ضي لدقائق تحدق في اللاشيء تبتسم وحدها كأنها تسمع صوته في رأسها وكأن الكلمات التي طالما تمنتها صارت أخيرا قريبة.. 
_اصبر عليا يامعذب حياتي.. ابتسامة مرحة وهي ترسم بعقلها صور جنونية تتذكر حديثه
_ يارب تلاقي حد يقبل بيكي بس.. 
سمعت طرقا خفيفا على باب غرفتها.
_ادخل.
دخل بلال بخطوات هادئة عينيه تلمعان بحنان الأخ الكبير. 
_ضي ممكن نتكلم شوية
أومأت دون كلام كانت ما تزال غارقة في دوامة من المشاعر.
وقال بابتسامة خفيفة تخفي خلفها الكثير من القلق
_لسه زعلانة من يوسف
رفعت كتفيها بلا مبالاة مصطنعة ثم نظرت إليه بعينين يغمرهما العتاب
_المهم انت متأكد إني مستحيل أعمل حاجة غلط
_طبعا يا حبيبتي... إزاي أشك فيك
قالها ببساطة صادقة ثم أردف بنبرة واقعية أكثر
_بس شوفي يا ضي يوسف عصبي
________________________________________
وانتي عارفة طبعه. وبرغم كده أنا لو كنت مكانه ماعرفش كنت هتصرف إزاي. ما تزعليش منه هو غلط لما مد إيده بس الغلط دا نابع من غيرته مش كراهيته.
خفضت نظرها إلى الأرض أصابعها تعبث بخصلاتها وعينان شاردة في اللا شئ ثم قالت بصوت خافت
_خلاص يا بلال... الموضوع انتهى من ناحيتي.
وبعدين يوسف... زيك مش زعلانة منه.
ساد صمت دافئ يقطعه خفقان قلبها فقط بينما بلال ينظر إليها ويبتسم بخفة فيها فهم عميق أكثر من الكلام.
تركها وغادر الغرفة بهدوء تاركا خلفه قلبا مرتبكا بين فرحة تولد من جديد وقلق يخشى أن تنطفئ قبل أن تزهر.
بغرفة ارسلان 
خرجت غرام من غرفة الملابس بعدما ابدلت ثيابها راقبت جلوسه الشارد اقتربت تجلس بجواره
_لسة زعلان من ضي 
استدار إليها بصمت ثم اشار الى ساقيها واردف بصوتا خافت لكنه مسموع 
_ النهاردة فيه حاجات كتيرة ظهرت قدامي مكنتش واخد بالي منها 
_ضي بتحب يوسف ياغرام 
ابتمست بحنان وهزت رأسها بالايجاب
_عرفت من فترة 
رفع عيناه اليها وتسائل
_ازاي معرفش
تنفست بعمق وقالت
_مكنتش متأكدة وكمان محبتش اشغلك.. خوفت اكون مأفورة 
اعتدل وجلس بمقابلتها 
_احكي لي ايه اللي خلاكي تشكي فيها
_يوم عيد ميلاد شمس كان جايب لشمس حجاب وجاب لضي نفس الحجاب وقالها شوفي ذوقي احسن من اللي بتجبوه وقتها هي اخدته وكانت فرحانة اوي ودخلت الاوضة تلف بيه كأنه اغلى حاجة 
مسح ارسلان على وجهه بعنف يهز رأسه 
_بس يوسف مابيحبهاش 
_معتقدش ياارسلان هو ايه في الحب غير الغيرة
بمنزل إسحاق
جلس إسحاق أمام جهازه يضع نظارته الطبية عيناه تتحركان في تركيز صارم وقت العمل.
قطع سكونه طرقات خفيفة على باب مكتبه.
بابا فاضي
رفع إسحاق نظره عن الشاشة أغلق الجهاز وأشار لابنه بالدخول بابتسامة حاول أن يخفي وراءها إرهاقه.
تعالى يا حبيبي.
دخل عمران ملامحه متوترة وعيناه تتجنبان النظر مباشرة في عيني والده. جلس بمقابلته أخذ نفسا طويلا ثم قال بنبرة خجولة
فيه بنت عاجباني في الجامعة... وكنت عايز آخد رأيك.
قبل أن يرد إسحاق دلفت دينا وهي تحمل فنجان القهوة برائحة دافئة تملأ المكان. وضعت الفنجان أمامه ثم نظرت نحوهما باستفهام صامت فأشار إليها إسحاق بالجلوس.
عمران بيقول فيه بنت معجب بيها... إيه رأيك
ابتسمت دينا ابتسامة أم رأت في ولدها طفل الأمس وهو يكبر أمامها فجأة
حبيبي كبر وكمان عايز يخطب!
ضحكت بخفة لكن إسحاق لم يشاركها تلك الضحكة. كانت ملامحه جامدة صوته هادئا لكنه يخفي انفعالا أبويا واضحا.
يا دينا... حبيبك كبر فعلا بس ما فكرش زي الرجالة.
نظر إليه عمران بتساؤل حائر لم يفهم إن كان والده يمازحه أم يوبخه.
نهض إسحاق من مقعده استند براحتيه على المكتب وأردف بنبرة صارمة يختلط فيها الغضب بالحرص
إنت لسه قدامك سنة غير السنة دي... تقدر تقولي إزاي عايز تفتح بيت وإنت لسه مش موظف
رفع عمران رأسه بثقة مترددة يحاول أن يبدو راشدا أمام أبيه
حضرتك معاك فلوس كتير يعني مش محتاج أشتغل.
ضحكة قصيرة خرجت من بين شفتي إسحاق لكنها كانت أقرب للغصة منها للضحك. اقترب منه وضع يده على كتفه وقال بصوت أكثر لينا
حضرتي لما أروح أخطب لك البنت هقول لوالدها إيه ابني شغال إيه بلاش كده يا عمران هتعيشها منين
أطرق رأسه قليلا ثم قال في عناد بريء
ما تقلقش يا بابا الراجل عارف إنك غني أوي مش هيسأل.
هز إسحاق رأسه ببطء وعيناه تتأمل وجه ابنه كما لو كان يراه للمرة الأولى مزيج من البراءة والطيش والرغبة في الحياة.
ربت على كتفه وقال
طيب يا حبيبي... هتكلم مع ماما ونتفق ونشوف نزورهم إمتى قوم شوف وراك إيه.
ابتسم عمران بارتياح نهض وغادر الغرفة بخطوات خفيفة بينما بقي إسحاق واقفا مكانه يتابعه بعين مثقلة بالقلق.
أطلق زفرة طويلة خرجت كأنها تنهيدة أب يرى ولده على أعتاب الخطأ ولا يملك إلا مسايسته
وقفت دينا تراقبه بصمت ثم همست
إنت سمعت اللي سمعته
نظر إليها إسحاق نظرة فيها شيء من التحذير والرجاء
اهدي يا دينا مينفعش نقول حاجة دلوقتي... أنا هتصرف.
اقتربت منه بخطوات مترددة وقالت بنبرة مليئة بالخوف
طيب هتسيبه كده دي شكلها صوته خرج خافت لكنه حازم
دينا ممكن تكون البنت مظلومة... ما نستعجلش بالحكم.
ثم أدار وجهه نحو النافذة يتأمل ظلمة الليل كمن يحاول ترتيب أفكاره المتشابكة.
المهم أنا هكلم حمزة علشان نروح نخطب ضي... كنت مستني حمزة بعد زيارته لأرسلان يجي يكلمني عنها لكن اللي حصل إن عمران هو اللي سبق.
رمقت دينا وجهه باستغراب ممزوج بالدهشة
تقدمت دينا وربتت على ذراعه بحنان أمومي
خلاص كلمه... وأنا هكلم غرام ونروح نزورهم بكرة بالليل.
مساء اليوم التالي 
دلف الى منزل ارسلان.. وجدها تجلس بالحديقة تستند بظهرها وتنظر الى السماء شاردة اقترب من جلوسها ظل يحدق في جلوسها الصامت للحظات ثم حمحم حتى تنتبه لوجوده 
اعتدلت ولكنها لم تنظر اليه بل رفعت حجابها على خصلاتها.. وقالت
_لو جي تعتذر مش قابلة اعتذارك ولا قابلاك على بعضك 
تحرك إلى ان اصبح امامها وانحنى يسحب كفيها غصبا ينظر لأناملها ثم تركها وقال
_اعتذر ليه هو انا غلطت واحد شاف حد بيقرب من حاجة تخصه مش من حقه يغير
توقفت تنظر اليه كالمعتوهة رغم انها تعلم أنه سيأتي لخطبتها ولكن حديثه شل عقلها للحظات زفرت امامه بغضب نطقته عيناها
_ سحبت كلامي خلاص
_مش عيب ترجعي في كلامك ليه عيلة دا حتى ابن عمك حلو 
_غير ان الكيميا بتاعتنا هتجيب عيال يقلبوا العالم 
جحظت عيناها تنظر اليه بذهول خجل
للحظة ارتجف جسدها من كلماته ولكنها اعتدلت سريعا
_ايه للانفلات والغرور الأهبل دا 
_دي ثقة يابنت ارسلان.. قالها واستدار وهو يطلق صفيرا عدة خطوات ثم توقف مستديرا 
_زغرطي ياضلمة.. هتبقي مرات يوسف الشافعي... قالها وتحرك للداخل بينما هي تتابع تحركه وغروره بنيران كادت ان تحرقه ركضت خلفه دلف للداخل ملقيا السلام مع كلمات اسحاق لارسلان 
_قولت ايه ياارسلان نجوز ضي لحمزة 
توقف كالجماد الذي لا يشعر بشيئا رفع ارسلان نظراته الى يوسف مع صوت ضي بالخلف 
وأنا موافقة على حمزة ياعمو اسحاق 
قالتها بصوتا كالرعد ليستدير إليها يوسف ينظر لعيناها بنظرات غاضبة ثم قال 
وأنا بقول
ألف مبروك يابنت عمي 
هب ارسلان من مكانه مع كلمات ابنته بخروج يوسف من منزله.. مع نزول حمزة من سيارته وخروج شمس من منزلها تصيح باسم اخيها
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين 
ما أقسى أن يسبق القرار الشعور
وأن تقال نعم بينما الروح تصرخ لا.
أن يهنأ القلب على خسارته
ويجبر العاشق على التظاهر بالثبات
في حين كل شيء فيه ينهار بصمت.
ليس كل مبروك فرحا
ولا كل قبول رضا...
بعضها يقال لتدفن ما تبقى من حلم.
فيا من ظننت القلب يصرخ بحبك
اعلمي أن الصمت أقوى من أي صرخة
وأن الابتسامة أحيانا تخفي بحرا من الدموع.
ويبقى القلب صامتا يحمل كل الألم وحده...
خرج يوسف من منزل عمه خطواته سريعة تحمل في طياتها غضبا مكتوما وصيحات شمس تتعالى خلفه وهي تقترب من سيارته.
مع نزول حمزة من سيارته عيناه على ساعته التقطت أذنه صوتها المألوف..
رفع رأسه والتفت ناحيتها يراقبها وهي تتحرك صوب يوسف الذي قاد سيارته مبتعدا دون أن يلتفت إليها.
توقفت شمس بتذمر تعقد حاجبيها وتهمس في نفسها
_أكيد اتخانق مع ضي..وهتوقع على دماغك ياشموسة.
قالتها ولم تدري أن خلفها عينان 
استدارت لتعود إلى منزلها لكن خطواتها تباطأت حين قابلت نظراته مباشرة.
أومأت له برأسها وتحركت دون حديث إلا أن صوته استوقفها بنغمة هادئة مشوبة بشيء من الجرأة
_عاملة إيه ياشموسة
تصلبت للحظة ثم أجابته بابتسامة خافتة
_كويسة..شكرا لحضرتك.
ثم التفتت نحوه تحدق في عينيه بثبات وقالت
_محدش بيدلعني بالاسم دا غير القريبين مني..ومع احترامي لحضرتك بس لا إنت قريبي ولا حتى قدي..
نورت ياأستاذ حمزة.
قالتها ثم تابعت طريقها بخطوات سريعة باحتقان وجهها من الخجل والغضب ولكن أوقف عقلها الدفء الغريب في نظراته..
ظل حمزة يتابعها حتى غابت عن ناظريه تنفس بعمق كأنه يحاول طرد أثر نظراتها من ذهنه التقطت عيناه دخول سيارة بلال من بوابة الكمبوند..
أشار له بيده وماإن توقفت السيارة حتى ترجل بلال مبتسما يرفع نظارته فوق خصلاته بطريقة مألوفة لديه
_ياهلا بكابتن حمزة الجارحي منور ياباشا.
ابتسم حمزة وهو يصافحه بحرارة
_أهلا يادوك.
غمز بلال بطرف عينه بخفة
_شايف الكمبوند بتاعنا جاي المعدة.
ضحك حمزة وهو يسير بجواره قائلا
_أبدا والله بابا كلمني وقال لي أعدي عليكم هنا اتفاجأت لما لقيته هنا.
توقف بلال لحظة ينظر إلى سيارة إسحاق المركونة على مقربة ثم قال بدهشة
_آه والله..ماخدتش بالي من زمان أوي ماشفتوش.
قهقه حمزة بخفة وهو يتابع السير بجانبه
_إحنا يعتبر بنشوف بعض في الأعياد بس.
أدار بلال رأسه نحوه يرد بمكر لطيف
_يعني النهاردة العيد غريبة..أمي ماقالتليش!
انفجر الاثنان بالضحك لكن ضحكتهما لم تكتمل إذ قطعها صوت أرسلان الغاضب يرتفع بالداخل
تبادلا نظرة متوترة قبل أن يتجها تلقائيا نحو مصدر الصوت.
بالداخل قبل دقائق فقط
بعد أن نطقت ضي بتلك الكلمات وخروج يوسف بتلك الطريقة المتشنجة هب أرسلان من مكانه عروقه تنتفض وهدر بصوت يزلزل أركان الصالة
هو إنتي للدرجة دي مش محترمة ولا متربية للدرجة دي الانحطاط خلاكي تقلي أدبك على أبوكي!
تجمد إسحاق في مكانه يحاول تدارك الموقف ثم قال بنبرة هادئة يحاول بها إخماد النيران
_أرسلان إهدى ..البنات الأيام دي مندفعين شوية متكبرش الموضوع.
لكن أرسلان لم يسمع لم ير إلا نارا سوداء اشتعلت في صدره وأحرقت كل اتزانه.
أشار بيده نحو الداخل وهو يصرخ بصوت مبحوح من فرط الغضب
مش عايز أشوف وشك قدامي ياضي..
تدخل إسحاق بحدة لم يعتدها منه
أرسلان احترم وجودي ياأخي!
استدار إليه أرسلان بعينين دامعتين كمن فقد السيطرة على نفسه
_حضرتك متعرفش حاجة ياعمو... البنت دي أنا..أنا معرفتش أربيها.
هرولت ضي للداخل ودموعها تسبق خطواتها المرتجفة تتعثر بأنفاسها بينما غرام لحقت بها مسرعة محاولة تهدئتها.
أما أرسلان فظل واقفا مكانه صدره يعلو ويهبط كمن يوشك أن يغشى عليه..
توقف بلال عيناه تتنقل بين وجه والده وإسحاق بتوجس لا يعلم ماالذي حدث ولا من أين انفجرت هذه العاصفة.
اقترب بخطوات مترددة من والده
_بابا فيه إيه صوتك عالي كده ليه
رفع أرسلان رأسه نحوه والغضب مازال يشتعل في ملامحه
_اتصل بابن عمك وشوفه راح فين..أو روح له بنفسك.
كان إسحاق جالسا في مكانه يتابعهم بحيرة لا يفهم سبب كل هذه الضجة.
اقترب بلال منه بسرعة محاولا التدارك
_آسف ياعمو إسحاق صوت بابا خلاني أنسى وجود حضرتك..عامل إيه
ربت إسحاق على كتفه بابتسامة هادئة
_كويس ياحبيبي..وإنت
_الحمد لله..حضرتك بخير
_الحمد لله.
في تلك الأثناء كانت أنفاس أرسلان تكاد تحرق المكان بما فعلته ابنته لا يعلم ماالذي حدث لها حتى وصلت إلى هذا الحد.
اقترب حمزة وجلس بجواره بهدوء محاولا تهدئة الجو فقال لوالده
_مقولتش حضرتك هتيجي يابابا.
طالعه إسحاق للحظة ثم اتجه ببصره نحو أرسلان الذي ازداد احتقانا.
قاطعهما بلال وهو ينظر لهاتفه
_بتصل بيوسف ومش بيرد.
رجع أرسلان بجسده للخلف على المقعد تمتم بضيق
_مش هيرد..حاول توصله أو شوف عمك يمكن يعرف مكانه.
قطب بلال جبينه متسائلا
_هو فيه إيه إيه اللي حصل
قطع حديثهما دخول إلياس المفاجئ ألقى السلام وقال وهو يوجه نظراته إلى إسحاق
_مصدقتش لما شفت عربيتك برا.
نهض إسحاق يصافحه بمحبة
_وحشتني يابني والله جيت مرة قبل كده بس كنت في إسكندرية.
_حمد لله على السلامة إسحاق باشا.
_الله يسلمك.
التفت إلياس نحو حمزة الذي وقف ليحييه
_إزيك ياعمو إلياس
_كويس ياحبيبي إنت عامل إيه
_الحمد لله.
وبينما تبادلا التحية وقعت عينا إلياس على أرسلان الجالس والغضب يغلي في ملامحه لكنه استدار على سؤال
_هو يوسف فين ياعمو
جلس إلياس متأملا ملامح أرسلان المشتعلة ثم قال بهدوء
_معرفش..أنا لسه واصل يمكن يكون في البيت.
التفت إليه أرسلان سريعا لكن إلياس أضاف
_هو قال لي هيعدي على ضي.
قاطعه إسحاق بصوت متزن
_كان هنا فعلا بس مشي.
التفت أرسلان نحو إلياس ينظر إليه بخذلان واضح بينما ظل إلياس متحفظا يظن أن شقيقه لا يرغب بالحديث أمامهم..لكن صوت إسحاق أعاده من شروده
_كويس إنك جيت ياإلياس كنت مستنيك علشان ناخد رأيك في موضوع.
أدار إسحاق رأسه نحو حمزة وابتسم 
_قررت أورط أرسلان في العيلة مالهوش أمان فقلت أربط الولاد ببعض..حمزة وضي.
انغلق وجه أرسلان للحظة أغمض عينيه يحاول السيطرة على الغضب الذي تفجر داخله هنا فقط فهم إلياس سبب احتقانه..سحب نفسا عميقا وزفره ببطء يحاول أن يتدخل بحكمة حتى لا يتفاقم الموقف.
أما حمزة فاتسعت عيناه في ذهول تجمد بمكانه لا يصدق مايسمع عينيه تتنقل بين والده وأرسلان في صمت.
التقط إلياس كل ذلك بحدس خبرة عمله السابق فمال للأمام وهو يرفع صوته بنبرة خفيفة الظل لكسر التوتر
_شكل أرسلان فعلا ناوي يخلع منك ياإسحاق باشا.
ضحك إسحاق بخفة يضيق عينيه نحو أرسلان كأنه يستفزه بمودة
_مستحيل..هو عارف نفسه حاول يبعد قبل كده ومقدرش يعيش بعيد عن إسحاق..صح ياأرسو
لوحت عيناه بالألم ولم يعلم ماذا يقول فلقد وضعته ابنته بموقف مخزي سحب نفسا ثم قال بصوت خافت لكنه حاد
_عمو حضرتك عارف غلاوتك عندي وولادك ولادي والعكس..صمت يسحب نفسا وحاول أن يكمل حديثه ولكن إسحاق أوقفه
_متأكد من دا حبيبي ولو شايف حمزة مش مناسب انسى الموضوع مش علاقة هتخسرنا بعض أنا بس حبيت أناسبك والولد أعجب بالبنت وهي واافقت..بس
هنا قاطعه إلياس سريعا قبل أن يفلت زمام الأمور وقال بنبرة حاسمة وهو ينظر نحو إسحاق مباشرة
_أبدا ياإسحاق باشا حضرتك عارف قيمتك عند أرسلان وهو يتمنى ذلك بس الموضوع مش زي ماحضرتك قولت..لأنك جاي تخطب البنت وهي مخطوبة والمفروض خلال أيام هنكتب كتابهم. 
التفت إسحاق سريعا إلى أرسلان هنا فهم غضبه من ابنته فتراجع بجسده مذهولا..هل غصبها أرسلان على الارتباط..قرأ أرسلان مايدور بعقل عمه فقال
_ ضي متخانقة مع يوسف وهو كان جاي علشان يشتروا الدبل وحضرتك عارف الباقي..التفت إلى حمزة ونظر إليه بحزن
_مش عارف أقولك إيه حبيبي ربنا يرزقك ببنت الحلال. 
ابتسم حمزة ونظر إلى والده
_ولا يهمك ياعمو بابا أصلا اللي مستعجل وأنا كنت شايف ضي أخت بس حضرتك عارف إسحاق باشا مستعجل وأتمنى حضرتك اللي متزعلش ضي زي أختي. 
ربت إسحاق على كتفه بعدما علم سبب ثورته الغاضبة
_كنت قول ياأرسلان بدل الغضب دا كله. 
قاطعهم رنين هاتف إلياس..نهض معتذرا وهو ينظر إلى أرسلان 
_ بعد إذنكم..قالها وغادر يرد على هاتفه..
أيوة يامالك. 
_فيه واحد زار رؤى النهاردة ياباشا. 
_اعرف كل حاجة عنه وابعتلي التفاصيل..واعمل حسابك تتغدى معانا بكرة إنت وغادة والولاد من زمان مجتوش عندنا. 
_تمام هشوف غادة وبعدين أرد عليك. 
تمام.. 
قالها وأغلق الهاتف ينظر إلى منزل أرسلان تنهد بغضب بعدما علم بما فعلته ضي..فاق من شروده على صوت يزن 
_واقف كدا ليه 
_مفيش..إنت رايح فين.. 
_فيه اجتماع في شركة العامري فيه حاجة ولا إيه.
أومأ له وتحرك معه إلى سيارته 
_بكرة إن شاءلله هنكتب كتاب يوسف وضي بس هيكون بينا وإن شاءلله الحفلة لما ماما ترجع. 
ربت يزن على كتفه وتمتم بسعادة حقيقية
ألف مبروك ربنا يسعدهم يارب. 
أومأ إلياس وحمحم
_عايز أعزم طارق بس إنت عارف الدنيا هتبقى إزاي. 
تنهد يزن وقال
_من رأيي تعزمه لازم الاختلاط ياإلياس متنساش طارق أخو ميرال وخال الولاد ودا منقدرش نتجاهله وغادة عمتهم فلازم المواضيع تتاخد عادي..دا رأيي. 
_تمام هكلمه واللي فيه الخير ربنا يقدمه.
_سلام ونتقابل بكرة هرجع متأخر.
أومأ إلياس بصمت يتابع خطوات أرسلان وهو يودع إسحاق بعينين تائهتين سحب نفسا
طويلا وزفره بوجع مكتوم
_أعمل إيه معاك يايوسف..وإنتي ياضي ليه تقولي كدا..أوف قالها وعيناه تتجول بالمكان..اقترب أرسلان منه بخطوات مترددة بعد مغادرة إسحاق
_أنا آسف ياإلياس على اللي حصل.
استدار إليه إلياس وصوته خرج متماسكا بصعوبة
_ أرسلان عقل ضي يوسف لازم يتجوزها ياأرسلان..لأنه لو مااتجوزهاش مش هيتجوز خالص..أو بمعنى أدق..مش هيلاقي اللي تقبل بيه.
تجهم وجه أرسلان واقترب منه يمسك بذراعه بحدة
_إنت مخبي عليا حاجة
رفع إلياس نظره إليه وللمرة الأولى لمع بريق الدموع في عينيه
_قال بنفسه إنه مش هيتجوز.
ارتبك أرسلان وانعقد حاجباه بدهشة حقيقية
_قال كده! طب ليه أنا مش فاهم حاجة..إيه اللي خلاك متأكد
أشاح إلياس بوجهه كأنه يخاف أن تقرأ الحقيقة في ملامحه
_عارف خوفك على بنتك من اللي بعمله..بس والله يوسف طيب وحنين..مش أنا اللي بقول كده إنت عارفه كويس.
تنهد وهو يبتسم بحزن
_ولو شمس كانت أكبر وقالت لي إنها بتحب بلال عمري ماكنت همنعها.
ازدادت حيرة أرسلان ضغط على ذراع أخيه بقوة أكبر
_إلياس..إنت مخبي عني إيه
رجع بجسده للخلف ونظر بعيدا وكأنه لا يريد الحديث
_نجوز الولاد الأول..أنا عارف إن يوسف هيتعبنا بس متأكد إن ضي هتغيره..لأنها بتحبه.
_طب وعلى فرض هو مش بيحبها أو... في حد في حياته
التفت إليه إلياس بعينين منهكتين
_ياريت..ياريت يكون في حد في حياته..بس هو نفسه قال..مش عايز يتجوز أصلا.
ابتسم أرسلان رغم توتره ربت على ساقيه كمن يحاول طمأنته
_بكرة يحب صدقني..المشكلة إن كلية الطب مافيهاش وقت للحب وإنت عارف..
بلاش تضغط عليه أنا شايف فعلا ضي مش في دماغه.
لكن إلياس قاطعه كمن نطق حكما
_يوسف مش هيتجوز غير ضي.
_بس هو رافض ياإلياس والبنت بنفسها قالت إنها موافقة على حمزة..تفتكر بعد كده هيرضى
_هيوافق..ماتخفش.
قالها إلياس بثقة هادئة أربكت أرسلان فزفر الأخير بحدة وهو يرفع حاجبيه بدهشة
_أكيد اتجننت! دا راجل هتجبره على الجواز وبعدين متزعلش مني ياإلياس..إيه اللي يخليني أعذب بنتي بجوازة زي دي
التفت إليه إلياس نظراته هادئة لكن فيها حزم غريب
_علشان بتحبه وهتوافق ياأرسلان.
ثم أكمل بصوت مبحوح بنبرة يعرفها من
________________________________________
يعرف الألم
_ولو قالت قدامه إنها موافقة على حمزة علشان تغيظه...فدي غباوة منها مش أكتر..
عارف إنها اندفعت وصعب أرجع يوسف تاني بس ماعندناش حل تاني..ولازم أعمله.
ضاقت عينا أرسلان بشك وقلق سأل ببطء
_ناوي على إيه ياإلياس
ابتسم ابتسامة خافتة تحمل وجعا أكثر من الطمأنينة
_مش على حاجة..بس

عايز أقعد مع ضي الأول..
وبوعدك لو فعلا مش عايزاه زي مابتقول..الموضوع هينتهي هنا.
ظل أرسلان يتطلع إليه لثوان قبل أن يومئ أخيرا بتفاهم مائل للحذر ثم أشار بيده نحو الباب
_طيب..تعال كلمها وشوف رأيها.
توقف الياس ونظر اليه
_اسحاق بيحبك اوي.. الراجل دا كل يوم بيكبر في نظري اكتر واكتر
ابتسم يهز رأسه.
_ هو فعلا كدا.. 
ابتسم الياس بمرارة وقال 
_رغم مكانة حمزة إلا انه جه طلب ضي.. انت عارف يعني ايه 
هنا توقف ارسلان ينظر اليه بذهول 
_مفكرتش في الموضوع كدا خالص 
ربت الياس على كتفه 
_ لا فكر.. لانه راجل من دهب بس احسن حاجة ان الموضوع جه متأخر
بمنزل طارق.. 
كانت تداعب طفلها استمعت إلى رنين هاتفها رفعته تنظر إليه مبتسمة
_بابي بيتصل تعال نرد عليه. 
_أيوة يابابي..همست بها وهي تداعب طفلها. 
على الطرف الآخر 
_هنودة صباحك ورد حبيبتي. 
نهضت بعدما وضعت ألعاب طفلها أمامه 
_صباح الخير حبيبي..وصلت القاهرة ولا لسة
_لسة نازل من الطيارة حالا وقلت أصبح عليكوا واجهزي علشان هنخرج نتعشى برة. 
_تؤ..تعال بالسلامة الأول ارتاح وبعد كدا نشوف هنقدر تخرج ولا لأ.
ابتسم بحنان عليها رغم جنونها بعض الأحيان إلا أنه يعشقها بكل حالاتها 
_تمام..قدامي ساعتين فيه اجتماع مهم في شركة العامري تصفية السنة وأكون عندك.
_بحبك. 
_وأنا أكتر..قالها وأغلق الهاتف انحنت تحمل طفلها وصعدت به إلى غرفتها
_تعال نشوف مامي هتلبس إيه تستقبل به بابي. 
صعدت إلى غرفتها تنظر بثيابها تمرر أناملها بينهما ألى أن وقعت عيناها على ذلك الفستان الأسود..سحبته تستنشق رائحته وذهبت بذاكرتها إلى قبل سنتين..
خرجت من الشركة بعد انتهاء عملها.. تأخرت تلك الليلة وكانت الساعة قد تجاوزت العاشرة مساء..ازدادت الأمطار فغمر المكان سكون قاتل.
تتميز هذه المنطقة بأنها مخصصة للشركات فقط ولا تلوح فيها حركة.. تأففت ورفعت هاتفها تفاجأت بنفاذ بطارية هاتفها..ظلت تمشي تحت المطر حتى شعرت بإرهاقها فتوقفت حائرة حين مرت سيارة فظنت أنها تاكسي فأشارت إليها.
توقفت السيارة وفتح الزجاج ليتكلم أحدهم بصوت متهافت
أكيد في الخدمة ياجميلة..
التفت إلى صديقه وقال
قلتلك من ساعة ياله نمشي من هنا 
فتح الباب الخلفي لها بدهاء
تراجعت هند للخلف وامتلأت عيناها بالدموع..دارت لتعود علها تلوذ بأمن الشركة لعله ينقذها من هؤلاء ..ركضت لكنها تعثرت انكسر كعب حذائها خلعته وسارت حافية.. .
.
مع مرور سيارة بسرعة جانبهم ولم تتوقف..وقعت عيناها عليها فتعلق الأمل بعينيها صرخت باسمه عدة مرات
_طارق!
داخل السيارة كان طارق يقود عائدا إلى منزله يتحدث مع يزن عبر الهاتف
خلاص هعدي عليك بكرة قبل ماأسافر الغردقة..وعرف رحيل لازم تكون موجودة.
كان منشغلا بالهاتف ولم يلاحظ الطريق لوهلة مايحدث ولكن وقعت عيناه على ذراعين تلوحان في الظلمة. توقف فجأة أغلق الهاتف ونظر في المرآة ثم اهتز نظره من نافذة السيارة حين سمع الصرخة..تراجع بالسيارة سريعا ونزل منها مهرولا.. بعدما وقعت عيناه على ذلك المشهد الذي كان أكثر قسوة.
صرخ طارق وهو يتقدم
تجمد أحدهما والتفت الآخر يخرج سلاحا أبيضا رفعه بوجه طارق ونفس بارد
لو قربت هنموتك.
لكن طارق لم يبرح مكانه عينيه سريعتا الحساب السيارة خلفه بابها مفتوح..رفع يده بحركة محسوبة ليس تهديدا بل محاولة للتماسك
_اهدوا.
قالها حينما توضح وجهها أمامه ورأى الخوف يعتلي ملامحها
تبدل ميزان القوى ليلكمه طارق بقوة فقد فيه اتزانه وأخذ الآخر يركض في الظلام وخلفه طارق دقائق و عاد مسرعا إليها مد يده ورفع حجابها من فوق الأرض ثم بصوت منخفض وحنون
إنتي كويسة اتأذيتي
تنهدت عيناها تلمعان بالغضب والخوف والامتنان معا..حاولت أن ترد بصوت مكسور
_ شكرا..قالتها بارتجاف أمسك بحقيبتها المرمية وقال
تعالي اطلعي العربية..هوصلك بيتكم.
قام بتشغيل السيارة والمطر يواصل ضربه على زجاج السيارة.. غرقت في دوامتها لتخفض رأسها فوق كتفه.. مغشيا عليها
مرت عدة أيام إلى أن عادت هند إلى الشركة.
دخل طارق مكتبه يشير لسكرتيرته بنبرة هادئة
_ابعتي لي هند وانتي كملي شغلك برة.
لم تمر دقائق حتى كانت تقف أمامه تفرك كفيها بخجل واضح.
قال مبتسما بخفة
_حمد الله على سلامتك.
_الله يسلمك يامستر طارق.
رفع نظره نحوها
_فيه عربية هتوصلك بعد الشغل ماتطلبيش أوبر تاني..وأخرك الساعة خمسة.
هزت رأسها امتنانا
_شكرا لحضرتك.
ترددت لحظة ثم دنت من المكتب قليلا وقالت بصوت متقطع بالعاطفة
_عايزة أشكرك..مش عارفة 
تنهد وقال بهدوء رزين
_متشكرنيش ياهند أي حد مكاني كان هيعمل كدا.
_روحي كملي شغلك.
أومأت ورحلت بخطوات خفيفة بينما عينيه تابعتا ظلها حتى غابت خلف الباب.
مرت أيام أخرى بهدوء إلى أن جلست ميرال معه في مكتبه
_نعيمة بتشكرك جدا ياطارق أنقذت بنتها.
التفت إليها دون اكتراث مبالغ
_تشكرني ليه معملتش غير اللي أي حد هيعمله.
قالت بابتسامة حنونة
_ربنا يبارك فيك ياحبيبي.
سكتت قليلا ثم قالت بخفة فيها عمق
_مش ناوي تتجوز ياطارق
تراجع في جلسته نظر نحو النافذة
_وأرجع أتوجع تاني لأ ماليش نصيب.
قاطع حديثهما طرقات خفيفة تلتها هند وهي تدخل حاملة دفتر مواعيده
_أبلة ميرال! وحشتيني وأنا بقول الشركة نورت ليه.
ضحكت ميرال وامتد الحديث بينهما بعفوية محببة..ضحكاتهما كانت تخترق المكتب وتربك انتباه طارق الذي اكتفى بالمراقبة تلك البراءة التي تتسرب من كلمات هند كانت كافية لتزيح بعض الغبار عن قلبه.
استرسلت ميرال وهي تضحك
_والله أول ماأجيب سيرة المحشي لإلياس بطنه توجعه من اللي عملته طنط نعيمة وكل مانعزمه يهددني إنه مش هييجي.
_جوزك دا عايش على الهوا.. والمصاصة ياأبلة
انفجرت ميرال ضاحكة بينما التفتت هند فوجدت عيني طارق تراقبانها بتركيز..همهمت بخجل مرتبك
_آسفة يامستر طارق نسيت نفسي... أنا أصلا لما بشوف أبلة ميرال بنسى الدنيا.
تدخلت ميرال بخبث أنثوي لطيف
_ابن عمك عامل إيه لسه بيجري وراكي
ضحكت هند
_لا الحمد لله اتجوز وريحني منه أخيرا.
قالتها ثم التقطت دفتر المواعيد ووضعته أمام طارق وهي تقول بابتسامة سريعة
_أشوف شغلي بقى قبل ماأنطرد.
مر أسبوع آخر..
منهمكة بعملها قاطعها رنين هاتفها الداخلي لتسمع صوته الجاد
هند تعالي لي على المكتب.
تحت أمرك ياأفندم.
جمعت أوراقها سريعا واتجهت نحو مكتبه لكن السكرتيرة الخاصة له اعترضتها أمام الباب
مستر طارق مشغول دلوقتي عدي عليه في وقت تاني.
رفعت حاجبها بثقة واقتربت منها خطوة
شكلك مش شايفة شغلك لأنه هو بنفسه اللي طلبني..ولو مش مصدقة..ادخلي اسأليه.
لم تنتظر ردها بل دفعتها بخفة ودلفت إلى الداخل بثبات..
وقف طارق حين رآها يشير نحو المقعد المقابل
اقعدي ياهند..عايز أتكلم معاكي.
جلست متوترة قليلا لكنه بدأ حديثا هادئا لم تتوقعه..لم يكن عن العمل بل عن حياتها عن طموحاتها عن خوفها من الناس عن قوة شخصيتها في المواقف..لم تفهم في البداية لكنها أجابت بصدق فكان يصغي باهتمام صامت. 
وقبل
أن تنصرف قال بنبرة غامضة
تمام..روحي دلوقتي هنتكلم بكرة.
في اليوم التالي دلفت إلى مكتبه مرة أخرى لكنه نهض هذه المرة فور دخولها..
سألته بتردد
بلغوني إن حضرتك نقلتني أبقى السكرتيرة الخاصة ليك
ابتسم بخفة لم تفهمها ثم قال دون مقدمات
هند..تتجوزيني
تجمدت الكلمات على شفتيها..
تلك الجملة رغم بساطتها كانت كأنها نغمة عازفة على أوتار قلب لم يمسه الحب قبل ذلك.
توردت وجنتاها جميل تنظر إليه فقط عاجزة عن النطق.
قبل ماتقولي رأيك..اقعدي مع ميرال خليها تحكيلك كل حاجة عني..وبعد كده هسمع ردك.
_ليه أنا..لا مستوى ولا عيلة 
_مين قال كدا مش يمكن لما تقعدي مع ميرال تعرفي حاجات ورا الستار.
_عارفة كل حاجة..نطقتها ببراءة ليس لديها تزييف أو خبث.
_إيه رأيك فيا
_على فكرة أهم حاجة إنت إيه دلوقتي متقلش بنفسك علشان هتفضل تبص للناس إنهم أحسن منك ودي مش حقيقة..الرجولة أفعال يامستر.
_تعرفي بقالي شهر براقبك. 
_عادي من حقك لازم تعرف كل حاجة عن الشخص اللي شغال معاك. 
هز رأسه بالنفي وهمس ببحته الرجولية
_لا علشان طيرتي النوم من عيوني
نظرت لعينيه نظرة طويلة وابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيها
موافقة..
ثم تابعت بصوت خافت يحمل يقينا وحنينا معا
وعارفة كل حاجة عنك.
عند بلال بغرفة أخته..
التفت نحوها وعيناه تشتعلان أشار إليها بحدة قاسية
_تعرفي أنا مصدوم فيكي بجد ومش عارف أتصرف إزاي..أهو بيقولك مبروك! افرحي ياست ضي.
قالها بنبرة جارحة وخرج من الغرفة تاركا خلفه صدى كلماته كطعنة في صدرها.
ظلت تحدق في الباب المغلق تتنفس بصعوبة وكأن الهواء صار ثقيلا عليها جلست على الأرض تضم ركبتيها تضع ذقنها فوقهما والعبرة تخنق صوتها وهي تهمس لنفسها
_عجبك كده ياست ضي افرحي بقى..هو خلاص مش هيبصلك تاني... ولا هيعبرك حتى.
نهضت ضي بسرعة وعيناها مغرورقتان بالدموع أمسكت بذراع والدها تبكي بحرقة
_أنا آسفة يابابا..عارفة إني غلطت بس والله هو اللي عصبني كنت عايزة أضايقه..بس معرفش قولت كدا إزاي والله طلعت مني من عصبيتي واللي قاله.
نظر إليها أرسلان بحدة صامتة وأردف بصوت مجروح أكثر منه غاضبا
_تضايقيه! إنتي مجنونة في واحدة عاقلة تقول اللي قلتيه دا!
تبكي كطفلة فقدت توازنها
_أنا بحبه أوي يابابا..بس هو بيضايقني دايما شايفني تافهة وإني ماأستهلوش..يمكن علشان كده قلت اللي قلته.
بهدوء مشوب بالحسرة وقال بصوت منخفض
_يوسف قالك كده
هزت رأسها بالإيجاب وأشارت نحو الخارج
_اسأل بلال هو سمعه وهو بيقولها.
تراجع أرسلان ببطء نظراته غامت بمزيج من القلق والضياع ثم قال بحسم أخير
_ إنتي عايزاه ولا لأ ياضي سيبك من اللي بيقوله المهم إنتي هتقدري تعيشي معاه 
فركت كفيها تنظر للأرض وصمتت اقتربت غرام تربت على كتفه
_سبهالي ياأرسلان ولو هي مش عايزة يوسف خلاص مفيش راجل غيره يعني.. 
دقق النظر بأعين ابنته 
_يوسف راجل منكرش دا بس مش عايز بسببكم يحصل مشاكل بينا إنتي موافقة عليه..وزي ماقولت لك كلامه كله لأسباب عمك مش عايز يتكلم فيها.. 
استدارت غرام إليه وأردفت
_وافرض هو رافض الجوازة أو فيه حد في حياته 
التفتت إليها ضي سريعا تهز رأسها تنتظر رد والدها بلهفة 
_مفيش حاجة من دي ياغرام قالها وخرج بينما سحبت غرام كف ابنتها وأغلقت الباب.. 
_أنا مش هحاسبك على اللي حصل من تهورك بس إنتي بتحبي يوسف فعلا وموافقة عليه
انسابت دموعها رغما عنها تهز كتفها بضياع
_بحبه بس خايفة ياماما خايفة يكون حد في حياته علشان كدا رافض الجواز.
ربتت غرام على كتفها ونفت حديثها 
_لا مفيش حد أنا بس حبيت أطمن من بابا بلال قالي مفيش حد ريحي نفسك..
ا
_عارفة إنك مابتحبيش اللي يتحكم فيكي بس الراجل بيحب الست الحنينة اللي تضحك في وشه وتقوله حاضر ومش معنى كدا تلغي شخصيتك المهم متكونيش الند بالند طريقتك غلط معاه أنتوا مش نازلين مصارعة مين اللي هيكسب هو لو اتعصب ابعدي مترديش عليه طيب عارفة بيقول لباباكي إيه دي عايزة مدرب قرود وصدقيني يوسف كويس وحنين وبشطارتك هتخليه يحبك دا لو مش بيحبك أصلا..قالتها غرام وخرجت..
بينما بقيت ضي واقفة مكانها تشعر أن الكلمات التي قالتها والدتها صارت جدارا يفصلها عن الرجل الذي كانت تحلم به..جدارا من الوجع والندم.. 
اتجهت إلى هاتفها...لحظات ورد عليها
_عايزة إيه ياعروسة الهنا..إيه أجبلك هدية. 
_لازم نتكلم.
نظر من نافذة سيارته وأجابها
_مفيش بينا كلام
________________________________________
والحمد لله هنكسر قلة وراكي.
_اسمعني..صرخت بها وهي تبكي 
_إنت عصبتني عارفة إني غلطت بس إنت مستفز. 
أغلق الهاتف دون أن يستمع إليها..
القت الهاتف تصرخ
_ماشي يايوسف..!
مساء اليوم التالي..
توقف إلياس أمام المرآة يهندم ثيابه أغلق أزرار قميصه الأخير بتمهل ثم ارتدى ساعته ونظر إلى ميرال عبر انعكاس المرآة
_ماجهزتيش ليه ياحبيبتي
اقتربت منه ببطء بملامح تحمل اضطرابا 
_تفتكر اللي بنعمله دا صح ياإلياس أنا..أنا خايفة من ردة فعله الولد بقى راجل ينفع نجوزه غصب عنه وبالطريقة دي
_ميرو حبيبتي..اجهزي زمان المأذون على وصول يوسف سبيه عليا متخافيش.
هزت رأسها بخفوت وهي تقول
_طيب افرض مرجعش من امبارح ماشفناهوش..وأنا قلبي مش مطمن.
ابتسم بخفة واتجه إلى خزانة الملابس ظل يقلب فيها إلى أن أخرج منها فستانا أزرق رفعه أمامها يقيمه بعين فاحصة ثم قال
_حلو دا ياله غيري..يوسف جاي كلمته من شوية قالي نص ساعة وراجع..مجاش من إمبارح كان عنده تدريب مع دكتور محي وبيقولي الولد بيتطور..الحمد لله ذكي وبيتعلم بسرعة له مستقبل حلو.
نظرت إليه بعين دامعة
_عارفة دا...بس لما يعرف إن النهاردة كتب كتابه وإنك حطيته قدام الأمر الواقع..هيرفض يمكن يعند أكتر.
وهمس بابتسامة هادئة
_متخافيش..جوزك عامل حسابه لكل حاجة.
تراجعت خطوة وهي تهمس
_خايفة نكون بنضيعه ياإلياس... يوسف مبقاش صغير.
تنهد بعمق وأشار إليها برفق
_ياله حبيبتي ادخلي غيري أنا هسبقك على بيت أرسلان..أشوف المجنونة التانية.
أمسكته من ذراعه بخفة
_إنت مااتكلمتش معاها
هز رأسه مبتسما
_أه حبيبتي اتكلمت..بس أهي مجنونة زيك دايبة في الواد وبتدلع.
ابتسمت رغم قلقها ولكزته برقة
_هو إنت هتلاقي واحدة تحب جوزها قدي
ضحك بخفوت وقال وهو يطالعها بعيون عاشقة
_تؤ...ولا هتلاقي راجل يحب مراته زيي تنكري
اقتربت أكثر
_لا طبعا..بس نفسي ماما وبابا يكونوا هنا وحشوني أوي كنت عايزة يحضروا كتب الكتاب.
وقال
_بعد شهر إن شاء الله إسلام قالي كده..ملك بتنهي رسالتها وماما قالت نستناهم الشهر دا..
بعد قليل بمنزل أرسلان..
توقف يوسف على عتبة الباب يحمل حقيبة صغيرة وعيناه تلمعان بابتسامة خبيثة
_فين أختك يابلال جايب لها هدية الخطوبة.
أشار له بالدخول.
دلف لتقع عيناه على يزن وإلياس بالداخل ضيق عينيه قليلا وهو يلقي السلام.
رفع إلياس رأسه يتطلع إليه
_معدتش على البيت ولا إيه
تجول يوسف بعينيه في أرجاء المنزل ثم سأل
_لأ فين عمو مش باين ليه
تحرك بعدما ناداه بلال الذي دخل إلى أخته ليخبرها بوجوده.
لكن صوت إلياس أوقفه
_رايح فين
أشار للأعلى بثقة مستفزة
_دقيقة وراجع..رايح أبارك للعروسة.
تحرك صاعدا الدرج بينما التفت إلياس نحو بلال متسائلا
_هو عرف حاجة
هز بلال كتفيه وقال بقلق
_والله ماقلت له حاجة تليفوني مقفول من الصبح وأنا كان عندي سكاشن كتيرة.
في الأعلى...
طرق يوسف على باب غرفتها ثم دلف بعد أن سمح له الصوت الناعم بالدخول.
دخل بخطوات باردة رفع كيسا أمامه وقال بسخرية هادئة
_جبتلك فستان خطوبتك ياعروسة..
بما إني كبير العيلة..كان لازم أشارك العريس فرحته وأوفر عليه تمن الفستان.
نظرت إليه بثبات
مدت يدها وانتزعت الفستان من بين أصابعه وقالت بابتسامة متماسكة تخفي ارتجافها
_هلبسه يايوسف..هديتك غالية ولازم تتلبس للغالي.
رفع حاجبه بسخرية صريحة
_أخيرا...هكسر وراكي قلة..
أحسن حاجة في الموضوع دا إني هرتاح منك.
_واضح إنك فعلا مبسوط إني هتخطب!
قالتها بحدة بينما هو دار بنظره في الغرفة متجنبا عينيها
_مش فارق معايا..أهم حاجة إنك سعيدة.
اقتربت خطوة 
_سعيدة طبعا...
تجمدت نظراته للحظة وارتبكت أنفاسه ثم تنحنح وهز كتفيه متظاهرا باللامبالاة
_مبروك يا بنت عمي.
الفستان دا هيخليكي تعرفي قد إيه أنا... سعيد لجوازك.
ألقت الفستان بعصبية على الفراش وحدجته بغضب
_شكرا...ومتخافش هلبسه.. قالتها وتراجعت 
ابتسم نصف ابتسامة واقترب منها همس بصوت خفيض مشبعا بالتحدي
_عارف..علشان كده اخترته باللون اللي بحبه.
تجمدت لثوان تكافح لتبقي ملامحها ثابتة ثم فجأة انطلقت منها ضحكة صاخبة عندما ادركت انه لم يعلم بأنه العريس وقالت بنغمة متحدية
_وأنا كمان جبتلك بدلتك ياحبيبي.
انعقد حاجباه في سخرية قاسيةقائلا بنبرة لاذعة
_حبك صرصار مجاري..مابحبش كلمة حبيبي أنتوا مصدقين نفسكم
اخترقت كلماته صدرها كخنجر بارد شعرت بالهواء يسحب من حولها ومع ذلك رفعت رأسها بعناد تحدق في عينيه المشتعلتين وهمست بصوت مرتجف لكنه جريئ
_لا حبيبي يايوسف...مصدقة جدا.
توسعت عيناه بدهشة حارقة امتزجت بالذهول والحنق وامتلأ صوته غضبا وهو يقول
_طيب احترمي الراجل اللي وقفتي قدامي بكل بجاحة وسمعنا إنك موافقة...ولا يمكن كان قصدك تجرحي يوسف
لم تهتز لم تبتعد ظلت نظراتها تشتبك
رفعت يدها وأشارت نحو الباب بجمود
_اطلع برة...عايزة أجهز كتب كتابي الليلة.
للحظة واحدة فقط...
اهتز قلبه تلعثم النفس في صدره ثم أخفى ارتباكه بابتسامة متماسكة وقال بفتور
_مبروك..ولو عايزة أشهد على العقد ماعنديش مانع.
_اطلع برة...
تمتمت بها بصوت مبحوح واستدارت
توليه ظهرها في حين ظل واقفا للحظة يتأمل صمتها المتوتر..
ثم خرج يجر خلفه بقايا قلب لم يعترف يوما بالحب.
خرج مسرعا كأن الهواء يختنق معه..لا يريد أن يرى أحدا لا يريد أن يسمع أحدا كل مابداخله يصرخ وهو صامت..كانت خطواته تسبق أنفاسه حتى وصل إلى المنزل فتح الباب بعنف وكأنه يفرغ غليانه في المقبض..
قابلته شمس وجهها يشع فرحا تركض نحوه كطفلة وجدت أباها بعد غياب
أحسن عريس ده ولا إيه
تجمد للحظة.. لا يملك الرد كأن طاقته نفذت ثم تحرك نحو الداخل.
نزلت ميرال من أعلى تنادي على ابنتها لكنها توقفت حين رأته واقفا في البهو نظراته مرهقة ووجهه شاحب.
حبيبي إنت جيت
رفع حاجبه ساخرا يخفي تحت ابتسامته المرة
تم نسخ الرابط