كانها الحياة بقلم سيلا وليد

لمحة نيوز

فريدة خلفه تغالب دموعها هامسة بوجع لا يقال
_اللي بيحبه ربنا القدر دايما بيمتحنه في أغلى ماعنده...
نهض واتجه يجلس على الاريكة يحاول ان يكتم أنينه جلست فريدة بجواره فتمدد على الأريكة يلهث من ثقل في صدره كأنه يحمل الكون على أضلعه
_قلبي هيوقف من الوجع يا ماما... ولادي بيروحوا واحد ورا التاني...
أم أحرقتها التجارب قبل أن تطفئها السنين
_سامحني يا حبيبي ياريتني ما قابلتكم...كنتوا زمانكم عايشين في أمان الله...
اعتدل كمن يبحث عن طمأنينة في راحة يديها
_المرة دي الاختبار صعب أوي مش قادر أتنفس..مش بقولك كدا علشان أحملك ذنبنا بس ليه يحصل معانا كدا
أجابته بعين يختبئ فيها الإيمان خلف الحزن
_حبيبي على قد إيمانك بتتجازى... أكيد ربك عنده حكمة هو أنا اللي هقولك يا إلياس
هز رأسه والدموع تتساقط من عينيه كأنها اعترافات متأخرة
_بس المرة دي الوجع مؤذي أوي يا ماما...الوجع في ولادي ياريته فيا أنا... بصوت مرتجف
_استغفر ربك يا حبيبي ربنا عنده الأعظم والأحسن..ارجع بسنين عمرك وافتكر مراتك وبنتك كانوا فين ليه ماشكرتش على دا
بلاش تيأس من رحمة ربنا...
وشمس
عاقلة عارفة إنك مستحيل توقف قدام سعادتها ويوسف بكرة ربنا يهديه هو بس مشافش شوية ومتأكدة إن ضي هتفوقه عقلا وقلبا.
سكت لحظة ثم انتفض كأنه تذكر شيئا فجأة
_ماكلمتش يوسف واطمنت عليه...
قالها وتوقف عند الباب يلتفت إليها بنظرة مرهقة
_هكلمه..أطمن عليه.
خرج إلياس يبحث عن ميرال...
قبل قليل صعدت ميرال الى غرفة ابنتها بغرفة شمس كانت تجلس بشرود على فراشها تقلب صفحات الترجمة أمامها دون أن ترى شيئا منها.
دلفت إليها ميرال بهدوء يشبه النسمة رسمت ابتسامة خافتة على شفتيها
_شموس..فاضية ماما عايزة تتكلم معاها شوية.
رفعت شمس عينيها مبتسمة بخفوت
_أكيد يا ماما اتفضلي حضرتك.
خطت ميرال إليها وجلست بجوارها تمعنت فيها لحظة ثم قالت برقة تخفي خلفها قلقا
_بتعملي إيه يا حبيبتي
هزت شمس كتفيها بخفة
_عندي ترجمة صغيرة..حضرتك محتاجة حاجة
أشارت ميرال إلى ساقيها فابتسمت شمس وتمددت برأسها عليها كعادتها ابنتها بحنان أمومي يفيض وجعا
_حبيبتي..إنتي تعرفي حمزة من زمان
_لا والله يا ماما معرفوش أوي... اتقابلنا كام مرة بس.
تجهمت ملامح ميرال قليلا
_طيب إزاي يا بنتي دا بيقول بيحبك.
نظرت إليها شمس في دهشة ممزوجة بالخجل
_سمعته..بس ليه بابا كلمه كده
صمتت ميرال لحظة تدقق في ملامح ابنتها كأنها تحاول قراءة مالا يقال ثم همست
_إنتي بتحبيه يا شمس
نزلت برأسها إلى أسفل وقالت بصوت خافت
_مش موضوع بحبه يا ماما..بس هو شخص جذاب وحاسة إنه..يعني...
رفعت ميرال ذقنها لتجبرها على النظر في عينيها وسبحت بعيني ابنتها بينما قلبها يتمزق بصمت
_عجبك مش كده
أومأت شمس بخجل طفولي ثم أسرعت لتبرر
_بس والله ماقولت له حاجة ولا اتكلمنا غير مرتين صدفة..وإمبارح في الفرح لما لمحلي كده حضرتك عارفة عمري ماخبيت عنك حاجة..شخصيته جذبتني وكمان حاسة إنه فعلا..يعني مش بيلعب.
سحبت ميرال رأس ابنتها وانسابت دموعها حارقة تكاد تهشم ماتبقى منها
_معرفش أقولك إيه يا حبيبتي..بدعي ربنا من كل قلبي يقدملك السعادة اللي تستحقيها...
بس يا شمس حاولي تبعدي قلبك عن اللي ممكن يوجعك.
نظرت إليها شمس باستغراب
_مش فاهمة حضرتك تقصدي إيه
لكن قبل أن تجيب قطع الصمت طرقات خفيفة على باب الغرفة.
دخل إلياس يحمل على ملامحه القلق وعيناه تتنقلان بين ميرال وابنته بشرود واضح
_ميرال..كلمتي يوسف
هزت رأسها نافية وقالت بصوت هادئ حاولت أن تخفي به توترها
_لأ لسه..قولت أكيد نايمين.
اقترب منها بخطوة مضطربة وصوته يتهدج بين الحذر واللهفة
_لأ يا حبيبتي كلميه..هو سافر من ساعتين شرم زمانه وصل طمنيه وطمنيني.
قالها نحو الشرفة هامسا بنبرة فيها استعجال
_بعد ماتكلميه خليه يديكي ضي وكلميها أكيد فاهمة قصدي.
ترددت للحظة وهي تنظر في عينيه
_طيب..بس ينفع كده يا إلياس ابنك صعب ولو عرف ممكن يزعل.
ربت على كتفها بنظرة رجاء صامتة
_مش هيعرف...المهم تطمنني.
أومأت وسحبت هاتفها..انتظرت لحظات قبل أن يأتي صوته عبر السماعة
_صباح الخير يا حبيبتي إيه كنتي بتحلمي بيا ولا إيه
ابتسمت بخفة متصنعة
_عامل إيه يا حبيبي ومراتك عاملة إيه
أجاب وهو يرمق ضي التي كانت تفرغ حقيبتها خلفه
_كويسة..وجدو عامل إيه النهاردة
قبل أن تجيب سحب إلياس الهاتف من يدها بنفاذ صبر واضح
_عامل إيه يا يوسف
_كويس يا بابا كنت لسه هكلمكوا وأطمنكم..آسف لو قلقتك.
_مش مهم يا حبيبي عارف إنك مشغول جدك كويس بس العملية هتتأجل أسبوعين كمان الدكتور شايف حاجة في التحاليل وعايز يظبطها.
_ابعتلي التحاليل دي أشوفها وبعدين التأخير ده مش كويس.
_سيبك من عملية جدك..وقولي إنت فين
_شرم الشيخ.
_ليه شرم مش كنت بتقول هتسافر برة
_علشان أكون قريب من جدو..وكده كده دي مش آخر سفرية.
_تمام يا حبيبي...خد ماما عايزة تكلمك.
تناولت ميرال الهاتف وهمس إلياس
_كلمي ضي.
_حبيبي إديني ضي أكلمها وأطمن عليها.
_هي في الحمام يا ماما أول ماتطلع هخليها تكلمك.
_تمام يا حبيبي..خد بالك من نفسك والبس تقيل الجو برد الأيام دي.
_حاضر يا ماما.
أغلق الخط والتفت ليجد ضي واقفة خلفه تنظر اليه بنظرات تحمل عتابا صامتا.
قالت ببرود حاد
_ليه قولت لها إني في الحمام
صمت للحظة ثم اقترب منها ببطء
_اللي بينا مايخرجش برة..مهما حصل حتى والدتك لحد مانشوف هنقرر إيه.
انتزعت الهاتف من يده بحدة واحتدت بنبرة جريحة
_ماتقوليش أعمل إيه وماعملش إيه..دي حياتي أنا مش محتاجة أوامرك.
خطت خطوة نحوه بعينين مشتعلة..
_أنا مراتك يعني أي قرار لازم تشاركني فيه مش تنفذه من ورايا يا دكتور.
قالتها وهي تتجه إلى الشرفة وتغلق الباب خلفها بعصبية فظل واقفا مكانه يرمقها بغضب يتمتم لنفسه
_وبعدين يا يوسف هتعمل إيه
سحب منشفته متجها إلى الحمام بينما في الخارج جلست ضي أمام الكاميرا تبتسم بدلال مصطنع
_والله كويسين يا طنط عارفة إنكم قلقتوا صحينا متأخر ويادوب لحقنا الطيارة.
_ضي...
تمتمت بها ميرال وصوتها بالكاد خرج وهي تلقي نظرة خاطفة نحو إلياس ثم عادت بعينيها إلى الشاشة تسأل بخفوت مرتجف
تجمدت ملامح ضي ورجفة قوية اجتاحت جسدها حتى ارتعشت شفتاها..حاولت السيطرة على دموع تمردت عند أطراف عينيها ثم سرعان ماارتسمت على وجهها ابتسامة واهية تخفي مايعصف بقلبها
_متقلقيش يا حبيبتي إحنا كويسين وكل حاجة كويسة.
تأملتها ميرال لثوان طويلة كأنها تصغي لما وراء كلماتها ثم أومأت بتفهم حنون وابتسمت بتعب واضح
_طيب يا حبيبتي...هسيبك علشان ماعطلكيش.
أنهت المكالمة وبقيت تنظر إلى الشاشة المظلمة للحظات كأنها تبحث في سوادها عن قلبها الذي يصارع بصمت..
في مطار القاهرة صدح صوت المذيع معلنا وصول الطائرة القادمة من لندن.
خرج آدم الرفاعي من الطائرة يتقدمه نجله رائد الذي بلغ السابعة والعشرين من عمره وخلفه فرح ابنته الوحيدة ذات الخمسة عشر ربيعا تتشبث بذراع والدتها إيلين الرفاعي جراحة هادئة القسمات تحمل بين ملامحها سكينة الأطباء وثقتها المعهودة
عبروا صالة الوصول بخطوات متأنية تتقاذفهم مشاعر العودة بعد غياب دام سنوات. وبينما كانوا يتجهون نحو سيارات الأجرة توقف رجل على بعد خطوات منهم يحدق في وجه آدم باندهاش متأمل.
رفع صوته بدهشة ممزوجة بفرح حقيقي
_معقول!.. آدم الرفاعي
استدار آدم مبتسما وكأن الزمن تراجع خطوة للوراء.
_أوووه!.. المهندس العظيم يزن الشافعي بنفسه!
تخللتها ضحكة رجولية خفيفة من أثر الشوق.
قال يزن وهو يربت على كتف آدم
_مصر نورت والله يا عم.
ثم حول نظره نحو إيلين بابتسامة ودودة
_ونورتيها كمان يا دكتورة.
ابتسمت بلطف وقالت
_بوجودك يا باشمهندس.
نظر يزن الى اولادهثم قام بالإشارة إليهما بفخر أبوي واضح
_رائد وفرح... على فكرة رائد مهندس كمان بس معماري مش ميكانيكا زيك.
ابتسم يزن بإعجاب
_ما شاء الله ربنا يحميهم.
قاطعت فرح بخفة مراهقة
_والصغنن فينا لسه أولى ثانوي.
ضحك يزن بخفوت ودعاها بحنان
_ربنا يحفظك يا صغيرة.
ثم التفت آدم مستفسرا
_كنت فين كده يا يزن
_كنت في النمسا... عند إيمان بقالي شهر تقريبا.
ثم تابع بأسف خفيف
_حتى يوسف اتجوز امبارح وما حضرتش الفرح.
تبدل وجه آدم بدهشة خافتة
_يوسف مين تقصد ابن إلياس
أومأ يزن مؤكدا قبل أن يفتح باب سيارته التي توقفت بجانبه وقال مبتسما
_نتقابل بعدين
عاد إلى القصر كجندي مهزوم من معركة خاسرة تتساقط الهزيمة من عينيه قبل أن تنطق بها شفتاه.
دخل بعنف وبدأ يحطم كل ما تقع عليه يداه كمن يريد كسر العالم بأكمله ليتوقف وجعه.
فزعت دينا من صوت تحطيم الزجاج وصراخ ابنها ركضت نحوه والهلع يسبق خطواتها.
_حمزة!.. مالك ياابني
استدار نحوها يلهث كوحش مطارد وأشار بيده مهددا
_بابا لو مصرفش
سمعتيني مش عايز الوظيفة دي ولا عايز أي حاجة منه خليه يتصرف مفيش مستحيل عند إسحاق الجارحي!
لم تمض لحظات حتى وصل إسحاق بعدما بلغه من أرسلان ما جرى.
ارتفع صوته يجلجل بالهيبة
والغضب
_مالك يا لا فيه إيه محدش قادرك أبوها رافض خلاص! والبنت نفسها مش عايزاك افهم بقى
انتفض جسد حمزة كأنما اشتعلت النار في عروقه واقترب بخطوات غاضبة من أبيه حتى صار على بعد أنفاس منه.
نظراته تومض كشرارة خارجة من قلب يغلي
_هتجوزها يا إسحاق باشا حتى لو غصب عنك... وعن أبوها!
لم ينتظر إسحاق ردا عنيفة دوى صداها في أرجاء القصر.
شهقت دينا بفزع ورفعت يديها إلى فمها بينما تراجع حمزة ببطء الدموع تتجمع في عينيه كغيمة ثقيلة تسبق العاصفة.
تلفت حوله
بأنفاس مختنقة ثم قبض على مفاتيحه بعصبية وخرج بخطوات متعثرة
قاد حمزة السيارة بسرعة جنونية كأن الشارع ساحة حرب مفتوحة بينه وبين عقله.
كل ما يراه أمامه لم يكن سوى ملامحها...
ضحكاتها الطفولية تتردد في أذنيه همسها وهم يتراقصون نغمة صوتها وهي تناديه لأول مرة باسمه دون ألقاب.. تلك الكلمة وحدها كانت كفيلة بإشعال العالم داخله.
لكن جاء صوت الياس يتسلل إليه قاسيا رافضا يصرخ في رأسه كعويل يطعن قلبه.
ضغط أكثر على دواسة البنزين وكأن السرعة هي طريقه الوحيد لإسكاته أو طريقه إلى الهروب اليها
_طلبك مرفوض يابني ربنا يسعدك بعيد عن بنتي..هذه ليست كلمات انما كانت قيودا من نار تلتف حول عنقه لتجعل أنفاسه تتلاحق وعروقه تتشنج ويداه تعضان على المقود بقوة كمن يقاتل القدر.
صرخة مكبوتة خرجت من صدره تبعتها انحرافة حادة...
لتنقلب السيارة رأسا على عقب تتدحرج على الأسفلت وصوت مدو يختلط بأنين مكتوم...
ثم سكون.
سكون ثقيل لا يسمع فيه سوى همسه باسمها
بشرم الشيخ
استيقظت ضي بعد نوم متقطع على رنين هاتفها الذي لم يتوقف.
مدت يدها بتثاقل تلتقطه ثم أجابت بصوت مبحوح من أثر النعاس
_أيوه يا ماما
_حبيبتي عاملين إيه عرفت إنكم في شرم بس مكنش له لزوم السفر في الوقت دا يا ضي.
اعتدلت على الفراش تسند رأسها إلى الوسادة وصوت والدتها يأتيها محملا بوجع تعرفه جيدا.
_ليه يا ماما مش من حقي أفرح شوية
_ضي حبيبتي متنسيش إن جدك تعبان.
أنا متأكدة إن يوسف ماقدرش يرفض لك طلب بس لازم تكونوا هنا قبل العملية بأسبوع على الأقى
وبعد العملية سافروا براحتكم يا قلبي.
تعرفي جدو سأل عليكم النهارده.
أخفضت ضي رأسها بحزن وهمس خافت
_حاضر هكون هناك قبل العملية لو عايزة ارجع دلوقتي هرجع
ساد الصمت لحظة ثم جاءها صوت أمها مجددا
_ مش قصدي حبيبتي مش عايزة يوسف يزعل هو عندك عايزة أكلمه.
نظرت ضي إلى مكان نومه فوجدته خاليا فردت
_معرفش...
قالتها بغير وعي لتأتيها نبرة أمها المندهشة
_يعني إيه متعرفيش
_قصدي... لسه صاحية هشوفه حالا.
أنهت المكالمة بسرعة ثم أطلقت تنهيدة حارقة كادت تعصر صدرها.
تمتمت في سخرية مرة
_حلوة جوزك فين دي... مش لما يبقى جوزي علشان اعرف هو فين
نهضت ببطء من الفراش تتحرك بخطوات ثقيلة.
منذ مساء الأمس لم تره ولا تدري إن كان نام ام خرح كعادته
توجهت نحو الحمام وهي تتثاءب دلفت إلى الداخل .
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين 
ولولا الهوى ما ذل في الأرض عاشق ولكن عزيز العاشقين ذليل...
يقولون إن لكل قاعدة استثناء
ولعلي كنت ذاك الاستثناء الذي كتب عليه أن يحب أكثر مما يحتمل.
يا ليتني ما ذقت الهوى
فما ذل في الأرض عاشق...
إلا أنا.
مهما حاولت الهرب أجدك هناك...
بين روحي العاشقة وقلبي الولهان تسكن أنت لا كعابر في الشريان بل كنبض خلق ليذكرني أنك الحياة في دمي
وأنك.. رغم البعد.. ما زلت الأقرب.
ولولا الهوى...
ما كنت أنا.
فقربك دواء لروحي إن أثقلها الوجع وملاذ لقلبي إن خاصمه النور.
اقترب منها بخطوات بطيئة تحمل شيئا من التحدي بينما هي تتراجع غريزيا تتسع عيناها بتوجس وارتباك
_يوسف إنت ناوي تعمل إيه
.
تجمد مكانه وكأن كلماتها صفعت قلبه لا وجهه ابتلع ريقه بصعوبة وقال بصوت منكسر ضائع
_نواياي!! تمام اللي إنتي عايزاه يا ضي..
كأنها تلقت صفعة من كلماته ضج قلبها قبل عقلها وصرخت بعنف لا يشبهها
_أيوه صح! إنت صح دايما وأهي نفذت كلام عمي وسكت علشان تسافر وبعد كده تسيب البت الهبلة اللي صدقتك!
شهقت بأنفاس متقطعة ودموعها بدأت تبلل وجهها
_دلوقتي عرفت ليه ماكنتش عايز ولاد..
صرخ بغضب حاول كبحه
_اخرسي يا بت..وبطلي هبل!
خلعت حجابها بعنف سقط على الأرض كرمز لانكسارها وانهمرت دموعها أكثر كلما تذكرت مافعله بها اقتربت منه بخطوات متوترة
_ليه بتقتلني كده!! 
_ضي..اهدي صوتك الناس هتسمع.
لكنها كانت خارج حدود وعيها تبكي وتلكمه على صدره تصرخ بصوت مبحوح ممزوج بالعشق
_عايز تهرب يا يوسف! 
شهقت بأنفاس متقطعة وانفجرت
_هونت عليك كده!
_باااس..إنتي بتغلطي اهدي..مفيش حاجة من دي
لكنها لم تسمع كانت تبكي بصمت مكتوم والدموع تتساقط بحرارة خافتة على قميصه بينما هو يقبض عليها كمن يخاف أن تنهار إن أفلتها.
كل الغضب الذي بينهما تهاوى في تلك اللحظة ليكشف عن خوف أعمق خوف من الفقد..ومن الوجع الذي لا يقال.
وهرعت إلى الحمام تغلق الباب خلفها كمن تهرب من نفسها قبل أن تهرب منه.
أما هو فخرج بخطوات متثاقلة جسده يترنح وثقله ينوء بحمل لم يعد يحتمله.
كانت كل مشاهد طفولته تمر أمام عينيه كشريط لا يريد أن ينتهي
بكائه وهو يصحو مفزوعا ينادي على والدته صرخاته التي كانت تفزع نوم والده حتى صار الأخير يضطر أن ينام بجواره..عله يسكته حين يهمس باسمه وهو يطلب امه كل ليلة.
ظل يسير في شوارع شرم الشيخ حتى أنهكه التعب ووجعه أكبر من أن يحتمل.
وحين صدح الأذان من مسجد قريب توقف قلبه قبل قدميه شعر بأن النداء يناديه
دخل المسجد وأقام صلاة الفجر... صلاة الخاشعين لا صلاة المنافقين.
خرج بعدها يلفه سكون غريب وراحة مؤقتة تشبه الهدنة بينه وبين نفسه.
عند ضي
ظلت تنتظره في الشرفة والبرد يتسلل إلى جسدها الهش حتى خذلتها أطرافها من شدة البرودة.
لحظات وسمعت صوت الباب يفتح..
التفتت فرأته يدخل بخطوات صامتة ينزع ثيابه دون أن ينظر إليها ثم تمدد على الأريكة بجسده المرهق
كانت تعلم أنه لم يغف.
اقتربت بخفوت متردد
يوسف...
رد بصوت خافت خال من الحياة
_عايز أنام.
قالها وذهب بنومه حتى أنه لم ينزع حذائه ظلت تتابعه بصمت حتى ذهب بنوم عميق نظرت إلى هدوئه المستكين بمرارة بعدما علمت أنه تناول إحدى المهدئات.. توقفت وتحركت إليه نزعت حذائه وقامت بإعدال رأسه جلس تجلس_ياترى إيه حكايتك يابن عمي وإيه الكلام اللي إنت كاتبه دا 
تذكرت أمر ذاك الدفتر نهضت بهدوء وسحبته تكمل قراءة مابه..اتجهت إلى الفراش وجلست بجواره .التفتت إلى نومه ثم فتحت الدفتر تقرأ مايحتويه.
يوسف السيوفي..أم يوسف الشافعي
سؤال واحد كفيل بأن يربكني حتى النخاع.
كلاهما لم يمثلني يوما.
قضيت طفولتي أختبئ خلف لقب أثقل ظهري قبل أن أشتد
لقب صاخب كالسيوفي كأن الحروف فيه تشبه السيوف...تقطع ولا ترحم 
ثم..في لحظة عابرة محوا اسمي القديم
ورسموا لي هوية جديدة بلون غريب عن ملامحي.
صرت الشافعي...
دمية تبتسم حين يطلب منها
وتنحني لتنجو
بينما في داخلي صبي صغير يصرخ من أكون وأين والدتي ولماذا اختفت ضحكتي
أنا لست قويا مثل والدي
ولا ضعيفا مثل والدتي...
أنا خليط صنع من الخوف والكبرياء
من صمت يئن ووجع لا يجد سبيلا للخروج.
بل أنا العقاب يا نفسي...
عقاب يمشي على قدمين
لم يقيدوه بالسلاسل
لكنهم ربطوا عنقي بقيود من ذهب..
تبهر العيون ببريقها
لكنها تخنق أنفاسي كلما حاولت أن أتنفس بحرية.
بدأت أتساءل..ولا ينتهي السؤال
لماذا حرمت من أشيائي الصغيرة التي كانت تشبهني
لماذا كان علي أن أعيش في جلد إنسان آخر لا أعرفه
كنت طفلا..نعم لكن قلبي كان ينادي باسم لم أجد له صدى.
كل يوم يمضي أتساءل...
ولا ينتهي السؤال الذي يطاردني في كل لحظة سكون
لماذا تركت
لماذا خلقت لأحمل هذا الفراغ الشاسع الذي لا يمتلئ
كطفل لم أكن أطلب الكثير...
كنت أريد يدا تمسك بيدي.
حضنا أختبئ فيه حين أخاف.
وجها أعرفه وصوتا يخصني.
لكنني استيقظت في الحياة بلا أم.
قالوا إنها غادرت لتتلقى العلاج...
فكنت أنتظرها كمن ينتظر المعجزة.
أحسب الأيام أعد الليالي وأبني في خيالي ألف لحظة لعودتها.
كنت أركض إلى الباب كلما سمعت طرقا...
ظنا مني أنها هي.
ياالله..كم انتظرت.
كبرت وأنا
أحادث غيابها وأتوسل للسماء أن تعيدها ولو لثانية...
ثانية واحدة فقط لأقول لها لا تذهبي مرة أخرى.
لكنها لم تعد!!..
ولا أحد أخبرني لماذا!!
كنت أرى الأطفال يتشبثون بأمهاتهم
يختبئون خلف أثوابهن
ويبكون حين يوجعهم أحدا
وأنا
كنت أبكي وحدي.
أضم ركبتي إلى صدري...
وأخشى أن يسمع أحد صوت انكساري.
فالآن أتساءل يا أمي...
هل كنت تعلمين كيف تركتني
هل كنت تعلمين أن غيابك لم يكن غياب جسد...
بل غياب وجود...
غياب هوية...
غياب معنى..
لم يصمت الألم لهذا الحد بل تفوق على قسوة المرار حين انتزعني أبي من مدرستي ومن ذكريات بيتي
شعرت كأن العالم كله يتآمر على محو كل أثر لك في حياتي.
كنت أصرخ داخلي
لا تأخذوا عني رائحتها..لا تأخذوا عني ماتبقى منها.
ثم جاء ذلك اليوم...
حين اتهمني رفيقي بالتزوير
وقال
أنت تسرق حياة ليست لك.
حينها فهمت شيئا واحدا
أنني لم أفقد أمي فقط...
بل فقدت نفسي معها.
عدت إلى أبي أحمل خوفي
فأعطاني شهادة ميلاد لا تحملني
واسما لا يشبهني
وأصلا لم أعشه.
وعندما قال لي صوته المكسور جدك ليس جدك!..وأبيه الحقيقي رحل قبل أن يراه.!!
سألته بصوت ظننت أنه لن يخرج مني أبدا
وأمي
ماذا عن أمي
هل كانت تعرف
هل تركتني وهي تعلم أني سأكبر بلا ماض بلا اسم بلا صدر أعود إليه
لماذا تركتني أواجه العالم بهذه القسوة
لم يجبني أبي.
ظل الصمت ينهش ماتبقى من صبري...
حتى جاءت خالتي تلك التي حسبتها يوما مرفأ أمان
فإذا بها تلقي بي في غياهب الجب بيد واحدة.
قالتها ببرود لا يشبه البشر
كمن يبصق حقيقة كانت تنز في الظلام
أمك ماتت..وتركتك وحدك تذبل.
في تلك اللحظة...
انشق داخلي صوت لم يسمعه أحد غيري.
سقط الماضي من كتفي
وانكسر الحاضر بين ضلوعي
وانمحى المستقبل كأنه لم يكن.
كنت طفلا...
لا يعرف من الدنيا إلا رائحة ما لم ينله.
كنت أبني لعودتها ألف حكاية
أحلم بها وهي تفتح الباب
بقلب
يعرفني...
ولو من بعيد.
كنت أعلم في قلبي أن احتمال العودة ضئيل...
لكني كنت أعيش على هذا الاحتمال.
كان حلمي بها هو الهواء الذي أتنفسه كي لا أموت.
فلماذا
لماذا قالت لي هذه المرأة تلك الكلمات القاسية! 
لماذا سحقت آخر نافذة كنت أطل منها على الحياة
ليتها سكتت.
ليتها لم تقتلني وأنا مازلت حيا.
بعد تلك الحقيقة
لم يعد اسمي يشبهني
ولا وجهي يعرفني
ولا قلبي قادرا على حمل نفسه.
سرت وحيدا
أجمع شظايا هويتي التي وئدت قبل أن تكتمل.
مرت أيام...وشهور...وسنوات
وأنا أعيد خلق نفسي من الرماد
أدون لنفسي حياة لا يشرف عليها أحد
ولا يرسم معالمها سواي.
نعم..عانيت... تهت..بكيت حتى جف الملح من عيني.
تعثرت بذاكرة مشوهة..
وبقلب نصفه حي ونصفه قبر.
لكنني مع الوقت..وقفت.
لم أعد الطفل الذي ينتظر العودة.
لم أعد الوجه الذي يبحث عن ملامحه في الآخرين.
أنا...صنعت نفسي بيدي.
من دمي... من وحدتي.
من سؤالي الذي لم يجاب.
حتى أصبح كل من يراني اليوم...
يظنون أني بخير...
لكنهم لا يرون الدم الذي يختبئ تحت لمعان الذهب ولا يسمعون صرير القيود حين أبتسم.
اليوم أنهيت دراستي الثانوية أتمنى أن أحقق حلمي وأن أدخل الكلية التي أريدها حلمت بأن أكون طيارا حربيا ولكن والدي اعترض على هذا المجال لا أعلم لماذا ولكني تمنيته كثيرا.
فهل سينجو بي القدر وأحقق حلمي.
بدأت تقلب ببعض الصفحات إلى أن جاءت بيوم تخصصه بالكلية فلقد دون بعض الكلمات التي شعرت بأنها تزهق روحها.
أنا طبيب قلب يا سادة
أعيد الحياة لمن يموت
لكني..
أعيش ميتا بنبض لا يخصني.
أعرف كيف أرمم شريانا متعبا أو أوسع صماما ضاق عليه العمر...
لكن هناك وجعا آخر لا يقاس بالضغط ولا يرى على شاشة الإيكو..وجع يسكن خلف الضلوع يتسلل بين النبضات كأنه يختبئ من المجهر والعلاج.
أتجاهل صدى صدري أنا.
وأتظاهر بالثبات أكتب الوصفات بثقة وأنا في داخلي أحتاج وصفة تعيد لي القدرة على التنفس دون وجع.
كم مرة أنقذت حياة وأنا عاجز عن إنقاذ نفسي
كم مريض شكرني على شفائه بينما قلبي أنا يترنح في غيبوبة لا تفيق
القلوب يا سادة لا تموت بالسكتات فقط بل بالخذلان بالحنين بالخوف من الوداع.
تموت وهي تنبض...وتتنفس وهي تختنق تخفي وجعها خلف ابتسامة متعبة وصوت يقول أنا بخير.
ومامن دواء يعيد نبضها كما كان سوى صدق يعيد إليها الأمان
فبعض القلوب لا تحتاج طبيبا...بل رحمة حتى تهدأ..
قلبت صفحة اخرى وشهقة خرجت مع دموعها وهي ترى تاريخ عقد قرانهما على أعلى الصفحة يدون فوقه..لقد حدث ماكنت أخشاه.
فاليوم..لا أعلم هل هو يوم حياتي أم

يوم مماتي.
لا أفرح...ولا أحزن.
هناك شعور غريب يشبه الوقوف على حافة لا ترى مابعدها.
تم عقد قراني على ابنة عمي.
كبرنا معا...
كنت أعدها أختا لا أكثر
روحا تتنفس بجانبي دون أن أفكر يوما بما وراء ذلك.
لم تكن بيننا مشاعر تشبه مايكتب في الكتب عن
الحب لكنني كنت أحب شيئا فيها لا أعرف كيف أسميه.
كنت أحب تمردها.
عنادها الذي يشتعل إذا فرض عليها شيء.
غرورها الذي يشبه كبرياء من يرفض الانكسار.
ثقتها بنفسها التي كانت تسحق خوفي وتظهر هشاشتي في داخلي.
كنت أراقب كل هذا بصمت
وأقول بيني وبين نفسي
إن تزوجت يوما..فليكن شبيها لها.
لكنني لم أكن أريد الزواج أصلا.
كيف أنجب طفلا يشبهني فيأتي إلى هذا العالم حاملا مرارتي
كيف أسمح لروح صغيرة أن تتذوق الفقد نفسه
كنت أريد أن أكرس حياتي لمرضايا فقط...
لإنقاذ مايمكن إنقاذه من الآخرين...
بعدما فشلت في إنقاذ نفسي.
لذلك..بدأت أبتعد عنها.
على الرغم من أنها كانت ضيائي الوحيد في تلك الوحدة الخانقة
على الرغم من أنها كانت تقتحم حزن روحي بشقاوتها...
وتغسل جراح قلبي بضحكتها...
إلا أنني شعرت بشيء آخر حين رأيت الأعين كلها تتجه نحوها في احدى الحفلات هنا وخز قلبي.
وكأن شيئا داخلي انتفض خوفا..أو غيرة..أو اعترافا مبكرا لم أجرؤ أن أراه.
هل هذا نذير!
هل هذا إنذار!
هل هي ضوء يسبق العتمة..أم العتمة نفسها
أنا لا أعلم.
لكني أعلم شيئا واحدا
أشعر أنها يوما...
ستكون عتمتي الكبرى.
العتمة التي لا أهرب منها...
ولا أستطيع النجاة منها...
ولا أريد النجاة منها... 
انسابت دموعها وهي تقرأ كلماته التي تسللت إلى قلبها راحت عيناها تنظر إلى نومه العميق 
_أنا بحبك أوي يا يوسف وزي ماقولت عليا متمردة أوعدك تمردي دا هيخليني حياتك كلها وزي ماقولت ياحبيب قلبي أنا قدرك اللي مكتوب مش عتمتك أبدا يعني مكنتش عايز تتجوز علشان متخلفش!
لقد فعلها أبي...
فهمني من بين السطور التي مزقتها ورميت بها بعدما قرأ الكلمات التي حاولت إخفاءها...
ورأيت آثار الدموع في عينيه.
حينها فقط...كرهت نفسي.
كيف استطعت أن أجرح رجلا مثله
كيف سمحت ليدي أن تكتب وجعا يطعن قلبه
أي عقوق هذا الذي يتخفى باسم الألم
أي حزن هذا الذي يجعلني أقتل من احتواني حين تخلى عني العالم
قلت لنفسي
هل هذا جزاء إلياس الشافعي
الرجل الذي حملني حين كنت هشا
وحاول أن يبني لي حياة من أنقاض لم يكن هو سببها
كيف أرد له الحياة..بالموت!
كيف أكسر سندي
شعرت بألم ضاغط في صدري
كأن ضلوعي تنكمش لتبتلع قلبي.
ذلك الألم الذي لا يأتي من جرح خارجي...
بل من خيانة النفس لنفسها.
كنت أظن أنني أفكر بنجاتي فقط
أن الرحيل حل صامت...
حتى أدركت أني كنت على وشك قتل أبي قبل أن أموت أنا.
ولم يكن أبي وحده من انتشلني من تلك الحافة...
كانت هي نعم...عيناها.
عيناها التي كانت تغلق على قلبي بطريقة لا أستطيع الهروب منها.
كلما فكرت في الرحيل كدت أختنق...
كمن غاص تحت الماء وفقد تنفسه.
كلما أغمضت جفني رأيت تلك النظرة...النظرة التي لم تعد عابرة
ولا بريئة ولا عادية.
كانت نظرة حياة.
هي لم تكن ضيائي فقط...
بل كانت الحياة نفسها.
وأنا...لأول مرة...
لم أرغب في الرحيل.
لم أرغب إلا بنظرة واحدة...
نظرة عيناها التي أصبحت لي الحياة 
تقول 
لا أريد سواك إنني أحبك أحبك فقط
لحظة صمت باغتتني وأنا أدون هذه الكلمات...
وقفت أمام وجع لا أملك اسمه
وتخيلت عينيها وهي تقول لي أنا أحبك.
هل ستقولها كما كانت تلقيها سابقا بلا وعي
أم ستقولها هذه المرة بطعم العشق. وقد عرف القلب طريقه..
لا أعلم.
كل ماأعلمه أن قلبي يخفق بعنف يهدد صدري بالانفجار.
تمنيت في تلك اللحظة فقط...
أن تكون أمامي.
لو كانت أمامي ماتركتها تمر دون أن أبوح
لقد أصبحت خطرا على قلبي...
فقد بدأت أراها لا أختا كما كنت أحاول خداع نفسي.
من سيخبرها
من سينطق بالسر الذي يضج داخلي
كيف ستكون المواجهة بعد شهر من عقد القران
كيف أواجه نظراتها التي تعرفني أكثر مما أعرف نفسي
صفحة أخرى تنزلق بين أناملها ومازالت تقابل كلماته بالدموع
كأنني لو ابتعدت ثانية واحدة...
سأفقد الحياة من صدري.
ولكنني..أفسدت كل شيء.
أحزنتها... كسرت كرامتها.
وأطفأت تلك الأنثى
ندمت...نعم ندمت لأنني خفت من شدة الحب.
خفت حتى ظننت أن نجاتي في الهرب..
فأبعدتها بكبرياء الرجل الذي ظن أنه قادرا على السيطرة على النار.
لكني كنت...شيطانا أحمق.
باليوم التالي نزعت عني ثوب الغرور وسرت إليها...
ولكنها كانت قد عاهدت قلبها على أن تذقني مرارة البعد.
ثلاثة أيام...
ولم أر ملامح وجهها التي صارت سمائي.... ثلاثة أيام...
لم أسمع صوتها الذي أصبح نبضا يجري في صدري.
ثلاثة أيام...
كانت أعواما تميت... تساءلت
كيف فعلت بي كل هذا!! من شهر واحد فقط
كيف صار وجودها هو حياتي
وكان الجواب أقسى من الاعتراف
كنت أعشقها منذ طفولتي...
ولكن قلبي الأحمق...
كان يخاف أن يقول الحقيقة.
شهقت تضع كفيها على فمها تمنع صوتها وكأنه سيصحو تهمس لنفسها
_هل مااقرأه صحيح... تابعت القراءة
بالأمس كان زفافي..
اليوم الذي طالما تخيلته ثقيلا كجبل يوضع فوق صدري ورغم ذلك ابتسمت لا أدري كيف..كنت أحاول أن أخرس الارتجاف الذي يسري في دمي والخوف الذي كنت أحمله منذ كنت طفلا أراقب أبي كيف كان يضع رأسه بين يديه ليخفي انكساره وكيف كان يضحك بضحكة باردة تخفي خلفها 
كنت شاهدا على الوجع كله.
وكنت أخشى أن أكون أنا امتداده.
فبعد عودة أمي..شعرت بشيء يشبه الفرح لكنه كان فرحا موجوعا كمن شرب ماء بعد عطش طويل لكنه نسي كيف يبتلع..حاولت أن أحب نفسي مرة وكرهتها مرات..كنت متعبا من محاربة ظلي.
أوصاني الطبيب أن أدفن الماضي..
_ادفن الماضي...واصنع لنفسك حياة جديدة.
أومأت...وكذبت عليه...
لأن الماضي لم يكن جثة لأدفنها كان حيا في صدري..يتنفس.
قدمت المانع لها..
وكان ذلك كمن يكتب شهادة وفاته التي رأيتها بعينيها.
لم أحتج إلى كلماتها لأفهم غضبها...
لم أحتج أن أسمع شيئا.
الصدمة كانت في عينيها...
كانت كافية لتعيدني إلى السنوات التي كنت فيها الطفل الذي يخشى التعلق خشية الفقد.
في تلك اللحظة شعرت أنني خذلت شيئا طاهرا.
كأنني كسرت الطاولة التي وضعت عليها حياتي الجديدة.
انهار شيء بداخلي..
شيء كنت أظنه صلبا.
لم أستطع الدفاع عن نفسي...
ولا شرح خوفي...ولا تبرير ندبي.
فقط هربت من مواجهة ضعفي وضعفها.
وأدركت أن السعادة التي ظننت أني قبضت عليها...
كانت هشة كرماد يتناثر عند أول نفس.
لم تكن هي المخطئة..
ولا أنا المخطئ.
كان الجرح هو الذي حضر قبلنا...
وجلس بيننا...وقسم القلوب نصفين.
وهكذا...
أرتني أنني مازلت واقفا عند 
باب الماضي الذي مازلت أرتجف أمامه.
ولكنني لم أضعف ولم أنكسر كعادتي.
فكم من مرة ظننت أنني بلغت الأمان فإذا بالقدر يصفعني صفعة تسقطني من وهمي تجبرني أن أتعلم كيف أتنفس وأنا مكسور وكيف أبتسم وأنا أنزف بصمت.
كل صفعة كانت
توجعني أكثر لكنها كانت أيضا تنضجني أكثر..تطفئ في داخلي شيئا طفوليا وتشعل مكانه رجلا يعرف أن البكاء لا يعيد ماانكسر وأن الله وحده يجبر ماعجزت عنه الأيام.
وها أنا اليوم..لم أعد كما كنت..
الصفعات علمتني ألا أثق بوعود تشبه النسيم ولا أركن إلى قلوب تتبدل.
علمتني أن أبتسم وأنا أحتضن وجعي لأن أقسى مايفعله القدر أنه يربينا بطريقته القاسية..حتى نصبح أقوى مما كنا نتخيل.
أغلقت الدفتر وانسابت دموعها بصمت..هنا شعرت وكأنها بقبر مهما تصرخ لا أحد يسمعها.
وضعت الدفتر
_إزاي كنت شايل كل دا جواك.. وبتضحك!
_إزاي ماحستش بيك
هو إحنا كنا بعيد للدرجة دي!.
لكن الصمت أوجعها حتى خشيت أن نومه مسافة اتخذها للبعد فعصرت قلبها 
فالآن فقط فهمت ماذا كان يحارب
ولماذا كان قاسيا لدرجة أوجعتها.
مضت ساعات طويلة قبل أن يفتح عيناه أخيرا.
وعقل يصرخ هي محرمة عليك..الآن.
كل شيء توقف..نظرتها تلك مابين النوم واليقظة.
ابتسمت قليلا وهمست بصوت مبحوح رقيق خفيف
_صباح الخير...
هل جرب أحدكم أن يكون العاشق أقرب إلى روحك من الدم
ولكنك لا تملك حق لمسه
هنا شعر وكأنه يختنق..نبضه يدوي في أذنيه ه
اعتدلت بهدوء..لم تسأله لم تكثر الكلام فقط اقتربت..
همست بصوت خافت
_صباح الخير...هنا ارتعش 
لكنها لم تمنحه فرصة للهرب أو المراوغة اقتربت أكثر كأنها تلملم ماتبعثر منها ومنه.
_طيب رد الصباح...
رفعت رأسها تنظر له نظرة تحمل من العتاب أكثر مما تحمل من الكلام
_هو مش الرسول وصاكم بالضعيفين
طب ماأنا قدامك..ضعيفة..ومكسورة القلب 
_كنت فين إمبارح
_عايزة إيه يا ضي
_قولي..قولي اللي يريحك وأنا هعمله متفكريش إني مبسوط اللي بيحصل بينا بس إنتي عندك حق..
أنا كنت أناني فكرت في نفسي وفي سعادتي أنا...
لم تنتظر أن يكمل.
قبل أن يسألها على إيه
رن الهاتف لا يعلم لماذا شعر أن العالم عاد يقسو عليه حينما ابتعدت عنه.
نظر إلى الشاشة رفع الهاتف وعيناه تحاصر نظراتها إليه نظرات كانت تبوح باعتراف لم يكتمل فقال
_صباح الخير يا ابني إيه..بتحلم بيا
_يوسف اسمع...لازم ترجع فورا..
جدو مصطفى حالته بقت خطيرة ونقلناه المستشفى التحاليل وحشة والقلب النبض ضعف والكبد بدأ ينزف.
أنا دخلت شفت الحالة..بس إنت عارف..لسة في أول الطريق...
لم يكمل بلال..
انتفض واقفا وقال بتقطع
_مسافة السكة.
نهضت هي أيضا مذعورة من تغير ملامحه
_فيه إيه
_البسي بسرعة..جدو تعب..دخل المستشفى.
_حاضر..حاضر..بس اهدى شوية...
لكنه لم ير شيئا.
كل ماأمامه صورة واحدة
انهيار والده ذم نفسه
كيف أتى إلى هنا
كيف سمح لنفسه أن يكون بعيدا
بالمشفى عند حمزة 
هدأت الأصوات عقب عودة النبض مرة أخرى لكن الهدوء لم يكن إلا ستارا هشا يخبئ عاصفة لتمر تلك اللحظات العصيبة حيث شعر إسحاق وكأن جزءا منه ينتزع.
الموت لم يكن يحوم حول حمزة فقط..بل كان ينهش روح أبيه ببطء.
خرج الطبيب أخيرا من غرفة العناية ركض إليه عمران وأرسلان بينما إسحاق لم يستطع التحرك نحوه.. شعر وكأن قدماه ثقلت وصدره يرتفع وينخفض كمن يسحب الهواء من الماء.
لقد فقد السيطرة على جسده تماما.. بعد تلك اللحظات التي أشبه بخروج الروح ليهوي على المقعد.
أوقفه فاروق بينما توقف أرسلان ينطق بالسؤال المختنق
_ليه القلب وقف يا دكتور
أجاب الطبيب بنبرة مهنية هادئة لكنها انغرست في قلوبهم كسكين
_ده طبيعي يحصل في العمليات الكبيرة..لكن الحمد لله قدرنا نسيطر.. حالة المريض مستقرة نسبيا وهنراقب بدقة..سلامته إن شاء الله.
قالها ثم غادر..تاركا خلفه قلوبا تتشبث بالحياة.
ارتجف جسد اسحاق وسقطت دموعه ببطء شديد...
دموعا لم تكن بكاء بقدر
ماكانت انهيار أب.
اقترب أرسلان منه سريعا أمسكه بقوة تشبه الرجاء
_عمو لازم تقف أنا عارف إنه صعب والله عارف..بس بص حواليك..بابا بيحارب علشان ماينهارش عمران خلاص بيموت خايف على أخوه ودينا مش قادرة توقف على رجليها...لو إنت وقعت إحنا كلنا هنقع..
_فين إسحاق الجارحي
رفع اسحاق عينيه ببطء كانت عيون رجل رأى العالم كله يتهاوى أمامه
_حمزة عايش يا أرسلان
هز أرسلان رأسه بإصرار مؤلم
_عايش وهيقوم بإذن الله.
أسند إسحاق رأسه على كتفه وخرج صوته مبحوحا
_عايز أدخله.
تحرك بخطوات ثقيلة...
كل خطوة وكأنها تسحب من قلبه لا من قدميه أشارت له الممرضة
خمس دقايق بس يا فندم.
هز رأسه ودخل وقف عند الباب 
تجمد..وهو يرى ابنه هناك على الفراش الأبيض قطعة من روحه ممتدة أمامه كجسد بلا روح جسدا ينازع..
تقدم وهنا ركبته لم تحتمل المشهد فسقط عليها بقوة جعلت صوت ارتطامها كأنه صرخة مكبوتة.
مد يده المرتجفة وأمسك يد ابنه
كمن يحاول أن يعيد النبض بيده.
لو استطاع أن يزرع الحياة بأنفاسه لفعل.
..وخرج صوته متقطعا كأنه يخرج من صدر يموت
ماتكسرش أبوك يا حمزة...
أبوك مات كتير...وكان كل مرة يقوم لأنه كان قوي بس المرة دي هتوصل لروحي هتكسرها وتدفني وأنا حي.
وضع رأسه عند طرف الفراش...
وانفجر بكائه بكاء لا يخص رجلا بل يخص اب ينهار أمام قطعة منه.
آااه يا حبيبي يا وجع قلبي ياريتني أنا... ياريتني أنا وإنت لأ.
مضت ساعات طويلة وهو ينتظر أن يفتح عينيه...كان الوقت أثقل من الروح.
كل فترة يدخل إليه..مرة أرسلان ومرة فاروق..كلاهما يخرج بنفس النظرة رجاء لا يملك أن يتحقق..وخوفا لا يمكن الهرب منه.
إلى أن خرج الطبيب أخيرا...
لكن صوته هذه المرة لم يحمل أي طمأنينة
_كنت متأمل يتحسن لكن للأسف دخل في غيبوبة.
الكلمة سقطت كالسيف صرخة دينا شقت جدار المستشفى لم تكن صرخة..كانت احتضارا.
سقط جسدها أرضا تبكي بنحيب يمزق قلب إسحاق أسرعت ملك إليها بقلب يخاف أن ينهار هو الآخر
_طنط دينا..إن شاء الله هيفوق.
لكن دينا لم تسمع كانت تغرق في ألم الخوف من فراق ابنها وهي تتخيل أنه لن يعود.
أما إسحاق...
فاستدار ببطء شديد نحو الزجاج نحو الجسد المسجى هناك.. 
لم ير فراشا لم ير أجهزة بل رأى ابنه..روحه..قلبه المعلق
اقترب أكثر...
وكأنه يخاطبه من خلف جدار الغرفة
ماتعملهاش يا بني..ماتعملهاش...
أنا اللي بموت!! 
إنت سامع
إنت اللي ماسك روحي لو سبتني... هتموتني..أنا مش قد فراقك يا حمزة...
انسابت دموع دينا بلا توقف اختلطت بحشرجتها ولم تعد قادرة على التنفس من الألم.
انحنى إسحاق إليها 
اقتربت الممرضة بسرعة تحقنها بإبرة مهدئة...
بينما كانت عيناه معلقتان على فراشه.
هناك...
حيث تنام الروح التي إن غابت
تنهار الحياة كلها.
عند مصطفى 
كان يجثو بجوار والده يشعر بثقل جسده من شدة الوجع بينما إسلام على الجانب الآخرط
لم يعد يرى أحدا...ولا يسمع إلا صوت أنفاس أبيه البطيئة بعدما لم يشعر به.
هنا يأتي القهر...
قارئاتي الوجع ليس في جسد المريض فقط.
الوجع الحقيقي يسكن قلوب من يحاولون أن يتماسكوا أمامه.
أحبائه الذين يتمنون لو يدفنون أحياء معه بدلا من أن يشاهدوا روحه تنطفئ أمام أعينهم.
كان ينظر إلى جسد والده...
ذلك الجسد الذي عرفه يوما قويا ثابتا لا يميل ولا ينكسر.
أما الآن..
كأنه ظل كأن الحياة تسحب منه قطرة بعد قطرة.
لم يكن رجلا حينها.
بل طفل
بينما إلياس شعر بأن الهواء يضيق وأن شيئا في صدره يتفتت ببطء موجع وكأن حياته كلها تسحب من حوله من عظامه من لحمه..من قلبه.
ومن يخبر الناس...
أن فقدان الأب ليس حدثا..
بل انهيار عالم كامل..
الأب ليس كلمة الأب بداية الحياة..
أول ضحكة أول سند أول يقين بأن هذا العالم آمن.
ومن فقد أباه فقد نصف الحياة..
ونصفه الآخر يمشي بعدها مشوها.
لم يكن يريد وداعا.. كان يريد عودة.
خرجت منه آااهلم تكن صرخة..
لم تكن كلمة كانت نارا تخرج من قلب ينتزع منه أبيه وتحرق ماتبقى منه حيا.. وهو يعلم أن الموت علينا حق
وصل يوسف من المطار إلى المشفى كان يخطو بخطواته كأنه يريد أن يقطع المسافات بخطوة واحدة بينما تتحرك بجواره ضي دون حديث فالوضع لا يحتمل شيئا توقف بالمصعد وقال
_هتطلعي نطمن عليه وخلي السواق يوصلك للبيت قعدتك هنا مالهاش لازمة وكمان علشان ترتاحي من السفر.
_مش همشي غير معاك. 
خرج من المصعد ورد باعتراض 
_ضي مش قادر أجادل لو سمحتي قعدتك هنا مالهاش لازمة. 
_لأ ليها جوزي هنا. 
_احتمال كبير نسافر الموضوع هنا مش نافع
_علشان خاطري خليني هنا لحد مانشوف عمو هيعمل ايه
فهو في حالة لايريد جدالها.
وصل إلى الغرفة التي يحجز بها مصطفى كان بالخارج بلال وميرال وغرام. 
اقتربت ميرال 
_حمد الله على السلامة حبيبي. 
_بابا فين 
أشار بلال للداخل ثم سحب ذراعه وتحرك به
_باباك كلم الدكتور والدكتور رافض يجي المهم حاول تتواصل معاه وتقنعه ودلف للداخل بعدما ألقى نظرة على زوجته 
بالداخل دلف وكأنه يعلم حالة والده وعمه.
مرت الأيام بل والأسابيع والحال كما هو سوى من عملية مصطفى التي أتمها ودخوله في غيبوبة مابعد العملية رغم نجاحها رغم سفره للخارج بطائرة مجهزة بينما اختلف الوضع عند حمزة الذي فاق من غيبوبته وكل مايردد على لسانه اسم محبوبته دلف إليها إسحاق 
_دينا روحي ارتاحي شوية وأنا هبات معاه. 
_مش مبطل يجيب سيرتها يا إسحاق..ماتكلم الياس
_الياس سافر يقوم بالسلامة وبعد كدا نشوف اللي ربنا يقدمه. 
اعتدلت تنظر إليه 
_يعني هتوافق على جوازه من شمس
_إسحاق أنا عايزة سعادة ابني وبس مش عايزة أي حاجة تانية..ولا مستقبل ولا ماضي المهم ابني يكون كويس. 
أومأ لها وتنهد بألم قائلا
_ربنا يقدم اللي فيه الخير يا دينا. 
_إن شاءلله حبيبي.
شهرا آخر.
..
دلفت الممرضة بابتسامة رقيقة
_صباح الخير يا كابتن.
لم يرد..فقط رمش بعينيه ببطء كأن الكلام يحتاج قوة لم تعد تسكن جسده.. اقتربت تفحص نبضه حرارته مؤشر الجهاز...
_النهاردة أحسن بكتير..الدكتور هيجي دلوقتي.
رفع ذراعه بصعوبة..كأنه يرفع جبلا
_تليفون.
انحنت نحوه لتسمع كررها بأضعف من الهمس...
فأخرجت هاتفها وقالت برفق
_والدتك كانت هنا..لسة نازلة من دقيقتين لو عايز أكلمها تيجي فورا.
هز رأسه هو لا يريد أمه..
هو يريد قلبه.
أمسك الهاتف بيد مرتعشة...
كتب الرقم الذي يحفظه القلب قبل العقل وانتظر للرد.
عند شمس
كانت مستغرقة بنوم ثقيل كأن الجسد يعرف مالا تقوله الروح.
رن الهاتف طويلا...
دخل إلياس الغرفة يطمئن عليها.
فتحت عينيها تبتسم له تلك الابتسامة التي تشبه أمها تماما.
_صباح الخير يا بابا.
_صباح النور يا روحي...تليفونك بيرن
تم نسخ الرابط