كانها الحياة بقلم سيلا وليد

لمحة نيوز

دورت عليك وفين شمس
أشار إلى مكان جلوسها بجوار ضي وقال
_ مع ضي عند عمو إسحاق. 
صمت يطوف بنظراته على القاعة إلى أن وقعت عيناه على والده الذي يتوقف مع أحد الرجال يبدو أنه ذو مكانة مرموقة اقتربت منه إحدى السيدات ظل يراقب حديثهما بأعين صقرية التقط من خلال الحديث أنها زوجته لكن هنا انسحب الرجل يرفع هاتفه..التفت إلى والدته التي تتحدث مع غرام..تنهد منزعجا من قاعة الزفاف التي عادت للصمت مرة أخرى بل طرد والده إليهما بالخارج إلى أن ينتهي الزفاف..خطرت بذهنه فكرة حتى يشغل والده..انحنى إلى والدته 
وهمس إليها
هو بابا ماله! أول مرة أشوفه بيضحك كده..هتصدقي حسيته لسه مكملش التلاتين.
أشار برأسه نحو إحدى السيدات الأرستقراطيات تلك التي يكسوها النفوذ والجاه وهمس
_بصي كده..شوفي بتبص لبابا إزاي.. الراجل ده غريب بجد علشان في فرح يعني مش مبطل ضحك وفي البيت عامل عسكري السكة الحديد.
ظل يراقب تعابير والدته وهي تبتسم بهدوء فانحنى إليها وألقى كلماته بمكر طفولي
_طول ماإنتي طيبة كده بكرة يدخل عليكي بواحدة..ويقولك الكلمتين اللي حافظهم أي راجل في القرآن مثنى وثلاث ورباع!
_يوسف بتعمل إيه هنا نسيت عمو قال إيه!
توقف وعيناه على والدته ثم اقترب من بلال 
_متخافش..أنا اتصرفت وكله تحت السيطرة وهنكمل الفرح. 
لحظات وتوقفت ميرال متحركة إلى يزن..وعيون يوسف خلفها إلى أن وصلت إليه دقيقة واحدة حتى سحبها يزن إلى مكان الرقص..
ابتسم يوسف بشقاوة ثم أمال على بلال
_ عارف لو غلطت زي المرة اللي فاتت هعلقك على رأي عمك. 
_إنت لسة مصر طيب ياظريف أبويا وأبوك..روح بس خلي العيال اللي برة دول يجهزوا ووقت ماأرن لك يبقى ادخلوا.
ظل متوقفا يهمس لنفسه 
_ياله يابابا لف شوف مامي العسل وهي بترقص مع غيرك. 
تقابلت نظرات إلياس بيوسف..فتحرك إلياس إليه يرمقه بغضب 
_ يادي النيلة بدل مايشوف أمي شافني.. 
وصل إليه وهز رأسه بتساؤل
_بتعمل إيه هنا مش قولت لك ارجع على البيت. 
حمحم يحك أنفه ثم رفع نظره إلى والده
_آسف يابابا بدور على ماما..أصل ممعيش المفتاح. 
_مفتاح!..نطقها الياس باستغراب ثم أشار إلى باب القاعة
_ لسة ماتحسبناش.
تمام..طيب أنا بدور على ماما ومش لاقيها
دار إلياس بعينين مضطربتين يبحث عنها وسط الزحام حتى وقعت نظراته عليها وهي تتمايل مع يزن ضحكتها تنغرس في قلبه كخنجر..انقبض فكه وصرت أسنانه بغضب مكتوم..
راقبه يوسف بصمت فالتفت إليه إلياس فجأة
_ عايزها ليه
ارتبك الصغير وتلعثم للحظة ثم هز كتفيه ببرود مصطنع
_ عايز أسألها هاخد شمس معايا ولا لأ.
زفر الياس في ضيق رفع رأسه اتجاه باب الخروج ثم تمتم
_ارجع على البيت مش هكرر كلامي ومالكش دعوة بأختك. 
تحرك يوسف متذمرا وهو يتمتم 
_ نفسي أعرف دماغك دي بتفكر إزاي.
تركه ومضى نحو بلال وأصحابه الذين كانوا يتفقون على زفة بالطبل والمزمار..لمحهم أرسلان فاقترب بخطا ثابتة وقف متخصرا ينظر إليهم بصرامة وقال
_ أول مرة محبتش أزعلكم لكن اللي بتعملوه كتير..دي مش فرح في حارة هنا ناس مهمة ومينفعش الهبل ده.
ابتسم يوسف بخبث محاولا الضغط عليه
_ ياعمو هو الفرح فيه ناس مهمة وناس لأ ماإحنا بنحضر أفراح في قاعات زي دي وكله رقص ومزيكا.. وبعدين أنا وعدت عمتو غادة أعملها فرح حلو.
مسح أرسلان وجهه بكفه يحاول أن يكبح انفجاره
_ يوسف بلال الفرح ده مش بتاعنا.. لو سمحتوا سيبوا الجو يعدي بهدوء.
تأفف يوسف مستهترا وتحرك للخارج وقبل أن يبتعد التفت لبلال
_ هات عربية أبوك بقى مش هرجع ماشي على رجلي..استمع أرسلان إليه برفعة حاجب ثم اقترب من ابنه خطوة وأشار بإصبعه في تهديد جلي
_ أي حركة ناقصة منك هزعلك.. متنسوش نفسكم..أنتوا لسه عيال مش فاهمين حاجة.
مد يده وانتزع المفتاح من يد والده بتهكم
_ مفتاح العربية..ومش عايزين فرحكم دا الواحد لو راح عزا كان هيلاقي صويت أكتر.
كتم أرسلان ضحكاته ولكزه بكتفه محاولا تهدئته
_ يوم فرحك هجبلك طبل ومزمار.. متخافش.
زم بلال شفتيه ساخرا
_ هو إنت هتحضر فرحي أصلا وحياتك العيلة دي كلها ماهتحضر.. ناقص الناس تعايرني بيكم!
قالها وجذب المفاتيح وتحرك للخارج ألقى نظرة عابرة نحو يوسف الذي وقف معتذرا لأصدقائه عما حدث ثم استقل السيارة بجوار بلال.
جلس متأففا يضرب أصابعه على المقود يستمع إلى كلمات بلال 
_ إحنا نطرد من الفرح..لا وتقولي مسيطر!
_اخرس بقى أبويا قالي لسة هيحاسبني وبعد ماوصلت خلاص لمفتاح العربية هياخدها مني.
ضحك بلال بخفة وهو يسند رأسه على النافذة
_ ولا تزعل..هديلك عربيتي.
التفت يوسف بحدة وعقد حاجبيه
_ عربية إيه..إنت جبت عربية إمتى
رفع بلال كتفيه ببرود
_ لأ..لما أجيبها.
اختطف يوسف علبة المحارم وألقاها في وجهه بعصبية
_ متخلف..أنا كنت عايز أحضر بيها الامتحانات..بس أبويا قرر يعاقبني.
ابتسم بلال بخبث وغمغم
_ أبوك دا غريب ياأخي..كله عنده عقاب..عامل زي أبويا بالظبط.
رفع يوسف حاجبه يتأمل كلامه
_ تفتكر يقربوا لبعض
قهقه بلال وهو يشيح بيده
_ لا لا..تشابه أسماء وبس.
في الفندق الذي يقام به حفل الزفاف
تحركت إلى الطاولة بعد انتهاء
________________________________________
رقصتها مع يزن..رمقته بنظرة عابرة وهي تمر من جواره متجهة إلى مكان جلوسهم.
لكن يده القوية امتدت فجأة نظر حوله بابتسامة باردة ثم تحدث من بين نواجذه بصوت منخفض يحمل التهديد
_ المدام مالهاش راجل علشان تروح ترقص مع أخوها
اعتدلت تتطلع إليه بابتسامة لم تصل إلى عينيها وقالت بنبرة تحمل جرحا ومرارة
_ وتعمل إيه المدام وهي شايفة سيادة عظمته متجاهلها
أشارت بنظرة سريعة إلى أرسلان الذي كان يتراقص مع غرام ثم اقتربت منه خطوة
_ قبل ماتعاتبني ياحضرة الظابط شوف نفسك كنت فين ورميتني..لا ومش بس كدا شايفة الضحك من الودان للودان.
عيناها تتسعان بدهشة..دنا منها أكثر وهمس بصرامة
_ تقعدي على كرسيكي..ولو اتحركتي مش هقولك هعمل إيه.
قالها واستدار متجها إلى مصطفى كأن شيئا لم يكن..جزت على شفتيها بعنف وهي تراه يتحرك بكل تفاخر واعتداد بنفسه يلفت الأنظار كأنه ملك في عرشه.
أغمضت عينيها لوهلة وأنفاسها تتلاحق في صدرها تهمس داخليا
_ زي مايكون بتنفس حبك ياإلياس
اتجهت إلى مكان جلوسها بعينين مثقلتين بتوتر تحاول إخفائه لمحت فريدة ملامحها المتجهمة..
انحنت فريدة إليها هامسة
_ مالك ياحبيبتي زعلانة علشان اللي عمله إلياس مع يوسف
هزت رأسها نافية بسرعة وابتسمت ابتسامة باهتة وهي تفرك جبينها
_ لا..عندي صداع بس.
جلست تتجول بعيناها القاعة هنا شعرت بأن الألم ينخر عظامها حين وقعت عيناها عليه واقفا بجوار والدة مالك وابنة أختها يضحك كما لم تره من قبل..ضحكة أحرقت قلبها كأنها سخرية منها..
كاد الجنون يفتك بها ومع ذلك تصنعت الهدوء فيما لم تفارقها نظرات فريدة المراقبة لكل ارتجافة من ملامحها.
ربتت فريدة على كفها برفق وأشارت بعينيها نحو إلياس
_ ماتقومي تروحي لجوزك.
أطرقت ميرال رأسها نافية ثم التفتت إلى غادة التي كانت تتحدث مع مالك وقالت بصوت متماسك
_ هروح أشوف غادة.
نهضت وخطواتها تتثاقل رغم ابتسامتها المصطنعة حتى وصلت إلى العروسين الغارقين في أحاديثهما..لمحت غادة اقترابها فتهللت أساريرها ومدت يدها نحوها.
_ زي القمر يادودي..ربنا يسعدك ياروحي.
لمعت عينا غادة بفرحة حقيقية بينما ابتعد مالك نحو أصدقائه..جلست ميرال بجوارها تهمس
_ ربنا يسعدك ياحبيبتي..حافظي على جوزك شكله ابن حلال وبيحبك.
أومأت غادة وضحكت بخفة وهي تقول
_ نسخة تانية من جوزك ياميرو.. بحاول أقلمه على حياتي بس تقيل أوي.
قهقهت ميرال بخفوت وغمزت لها
_ إلياس مفيش منه نسخ..ودا المفروض تحمدي ربنا عليه.
اتسعت عينا غادة بدهشة
_ يعني إيه
قاطع حديثهما صوت مالك وهو يقدم أحد أصدقائه المقربين
_ غادة..دا أحمد صديقي المقرب
مد الشاب يده بابتسامة ودودة
_ مبروك أستاذة غادة.
_ميرسي التفت إلى ميرال وقال
_دي مدام ميرال مرات أخو غادة وصاحب الشغل. 
_أهلا أستاذة ميرال.
قالها ومد يده لتحيتها قابلته مبتسمة
_أهلا بيك..ربتت على كتف غادة وانسحبت بهدوء حاولت أن تسحب نفسا بعدما وجدته جالسا بمكانها..
جلست بهدوء مصتنع
وهو يراقبها بنظراته دون حديث
مضت ساعات الفرح بسلام يكسوه الهدوء وعاد الجمع كل إلى داره.
دخل أرسلان المنزل مرهقا ألقى مفاتيحه على الطاولة وفك ربطة عنقه بتثاقل بينما أسرعت غرام إلى الداخل تبدل ثيابها بعد أن دخلت ضي غرفتها.
لم تمض سوى دقائق حتى عادت فوجدته ممددا على الأريكة تغفو ملامحه بين التعب والسكينة..اقتربت 
_ أرسلان هتنام هنا يلا قوم نام جوا.
فتح عينيه بنصف إغماضة ثم تمتم بلهجة مثقلة
_ بلال مش جوا
تجهمت ملامحها تنقلت بعينيها في أرجاء الغرفة بخوف غامض ثم أسرعت نحو غرفته تتمتم بقلق
_ معرفش..هشوفه في أوضته كدا.
اعتدل أرسلان في جلسته حمل بذلته متجها إلى غرفته لكن أذنه التقطت صوتها المرتجف من الداخل
_ الولد مش هنا..كلم إلياس أو كلمه هو شوفه فين.
رفع أرسلان هاتفه يحاول الاتصال بابنه.
في غرفة يوسف..كان يجلس بجواره يلعبان سويا ألعابا إلكترونية دوى رنين الهاتف مع أصوات السيارات العائدة بالخارج.
ابتسم بلال وهو يمد يده لينهض
_ شكلهم رجعوايلا تصبح على خير..بابا بيتصل وبلاش تشد مع عموالفرح خلص وخلاص.
أومأ يوسف برأسه مبتسما تعبا
_ تمام..أنا أصلا مصدع وهنام عندي تيست بكرة ولازم أرتاح.
غادر الغرفة بخطوات سريعة يهبط على الدرج بخفة شبابية قابل ميرال التي
ابتسمت بحنان وسألته
_ حبيبي يوسف فوق
أومأ بلال وهو يشيح بيده
_ أيوة..بس هينام بيقول مصدع.
ابتسمت برفق
_ تمام ياحبيبي..تصبح على خير.
فتح الباب فدخل إلياس توقف أمامه و ابتسم قائلا
_ أهلا ياأخويا..لسه صاحي
_ وأنا أنام ليه ياعمو أنا عيان ولا بقيت ختيار
_ ختيار..رددها إلياس مما جعل بلال يهز رأسه بابتسامة مازحا 
_ يعني عجوز..عارفك فقير لهجات عربية.
رفع إلياس حاجبه مشيرا إليه بيده
_ يلا ياله أنا مصدع وماليش دماغ لهزارك.
قفز على أطراف أصابعهه وهو يضحك
_ ألف سلامة عليك ياعمو إن شاء الله اللي يزعلك يزعلني.
ابتسم إلياس رغم صداعه تحرك مبتعدا قبل أن ينفلت صبره ويكاد يلطمه
في الأعلى..
دلفت ميرال إلى غرفة نجلها وجدته يتهيأ للنوم..أطلت برأسها وسألت بنعومة
_ حبيبي..نمت
اعتدل على الفراش تطلع إليها بعينين يملؤهما الحنان
_ تعالي ياماما..كنت ناوي أنام بس لو محتاجة حاجة أنا صاحي.
اقتربت وجلست على طرف الفراش نظرت حولها للحظة ثم أعادت عينيها إليه
_ لسه زعلان من بابي
هز رأسه نافيا وأجاب بهدوء
_ خلاص..هو شايف إن دا غلط يبقى غلط بس إحنا كنا بس عايزين نغير الجو شوية.
مدت يدها وقالت بنبرة مطمئنة
_ عايزاك تهدى شوية وتركز..أهم حاجة عندي دلوقتي إنك تركز في مذاكرتك..امتحاناتك قربت خلاص.
ابتسم يوسف وربت على كفها بحنان
_ إن شاء الله ياماما..المهم إنتي قوليلي عملتي إيه في بابا أنا كنت بهزر معاكي أصلا بابا مش شايف غيرك
..قام الياس في تلك اللحظة بفتح الباب وقف إلياس على العتبة عينيه تجولان بينهما بحدة
_ بقالي ساعة بدور عليكي وإنتي قاعدة عند الحنين ابنك.
التفتت إليه بابتسامة خفيفة ثم نظرت إلى يوسف
_ يلا ياحبيبي..تصبح على خير.
رفع رأسه نحو والده ببراءة ممزوجة بجرأة
_ هي لسه داخلة مكملتش خمس دقايق..وبعدين إنتوا لسه جايين أصلا إيه بقالك ساعة دي يابوص
زمجر إلياس وهو يقطب حاجبيه
_ اتخمد ياحمار..لينا كلام الصبح.
نهضت ميرال سريعا وخرجت من الغرفة متجنبة النظر إليه بينما خطا هو نحو يوسف بعد أن تبادلا نظرات مشحونة..وقف أمامه كظل ثقيل وقال بصوت جاف
_ يوسف..إنت مابقتش صغير..لازم تفهم إنك ابن إلياس الشافعي.
تقلب يوسف في فراشه بانزعاج ضغط على جبينه وقال بفتور
_ بابا أنا تعبان ومصدع وعايز أنام..لو حضرتك عندك دماغ للخناق روح اتخانق مع ميرو..ابنك فاصل خلاص.
تشنج فك إلياس وكور قبضته حتى انغلقت وبرزت عروقه أومأ برأسه دون أن يتفوه بكلمة لكن نظراته الحادة كانت كافية لتوحي بأنه على شفا أن يصفعه.
دقائق قليلة كانت كافية لتبدل ثيابها ثم اتجهت نحو غرفة ابنتها..وجدتها قد غرقت في نومها فابتسمت بهدوء..لحظات ودخلت المربية تحمل كوبا من الحليب
خلاص يامدام هي نامت..طبعا ماغسلتش سنانها.
والله يامدام قالت عايزة لبن نزلت أجيبهولها لقيتها نامت.
خلاص نامي إنتي كمان بكرة إجازة..تصبحي على خير.
أغلقت باب الغرفة بهدوء ثم عادت إلى جناحها الخاص..خرجت من غرفة الملابس متثاقلة الخطا حتى بلغت الفراش تسحب الغطاء استعدادا للنوم لكن يده اعترضتها فجأة وقال بنبرة غاضبة تسبق نظراته
ينفع اللي حصل النهاردة في الفرح ولا كأنك متجوزة!
التفتت إليه سريعا غضبها يشتعل في عينيها
أنا برضو ولا حضرتك من وقت ماوصلنا ولا كأنك تعرفني! هو فيه إيه بالظبط وبعدين تعال لي هنا..مين اللي كنت حضرتك بتضحك معاها من الودن دي للودن دي
زوى حاجبيه يحاول السيطرة على انفعاله أمام توترها
مالك ياميرال أوزني كلامك..إيه بضحك معاها دي أنا مش فاكر..دا فرح وأكيد مجاملاته كتيرة.
أشارت إليه بحدة
خلاص..روح كمل مجاملاتك وسبني أنام.
ميرال! إنتي اتجننتي
آه. 
صرخت بها وهي تبتعد كأنها تهرب من جرح أحدثه غضبها قبل غضبه لكنه لم يسمح لها بالفرار..
_انتي بتعاندي مين!
قالها بصوت مشوب بالغضب والخذلان.
رفعت حاجبيها ببرود تحاول تخفي ارتجافها
_مش بعاند حد يا إلياس زهقت من القعدة قولت أشوف غادة.
تجمدت نظراته للحظات ثم طالعها بملامح ممتعضة وأومأ بتذمر
_لاحظي إننا كبرنا على الزعل ماينفعش كل واحد فينا يتقمص من التاني كده. أنا مش هسيب بابا وإسلام في يوم زي دا علشان أقعد جنبك إرسلان ويزن مش ولاد مصطفى السيوفي حتى لو الهوايات اختلفت مصطفى السيوفي هيفضل أبو إلياس لحد ما أموت.
ارتجف صوتها وهي ترفع عينيها إليه تنطق بالكلمات كأنها تنتزعها من قلبها
_وأبويا أنا كمان يا إلياس حتى بعد اللي حصل الراجل دا له فضل علي كبير
_حبيبي العاقل.. وكان ليه القمصة وكمان روحتي تضحكي مع راجل غريب
_ متكلمتش مع حد 
_ لا.. اتكلمتي وضحكتي كمان.. 
شعرت أن كل مابداخلها يتهاوى دفعة واحدة.. عنادها غضبها دموعها المكتومة
_ محبتش ترقصي قدام حد قولت لك قبل كدا اطلبي اللي انتي عايزاه في بيتنا وكل اومرك مجابة
_بغير عليكي مش عايز حد يشوف تفاصيلك غيري
مجنونة..هي عيوني ممكن تشوف غيرك
عند غادة
بعد ساعات من السفر وصلا أخيرا إلى الفندق في قلب باريس مدينة العشاق.
دخلت بخطوات مرتجفة كأن الأرض تهتز تحت قدميها وهمست في سريرتها دعاء واحدا اللهم اجعل هذه الليلة تمر بلا جراح.
جلست بأنفاس مرتفعة فوق الاريكة حتى لحق بها وهو يغلق مكالمته مع خدمة الغرف.
دلف ينظر إلى جلوسها إنها مازالت بفستانها الأبيض.
اقترب منها ببطء يتأمل ملامحها الجميلة
_ ألف مبروك ياحبيبتي...
ولم تخرج سوى إيماءة خجولة.
ابتسم وهو يراقب احمرار وجنتيها
أشار إليها بيد مرتجفة
_ روحي..غيري فستانك وتعالي نصلي.
هزت رأسها سريعا ثم خطت للداخل تهرب منه أولاثم تهرب من نفسها أكثر.
خرجت بعد دقائق مرتدية إسدالها تسير بخطوات خجلى كأنها تتعثر بثقل اللحظة.
ظل يتابعها بعينيه ..أشار إليها لتقف خلفه فأمها بركعتين يفتتحان بهما حياة جديدة حياة يستهل كتابها بذكر الله ويستودع سرها بين يديه سبحانه.
ماأعذب أن يبدأ المرء رحلته مع شريكة عمره بسجدة يضعان فيها أول عهد مع الله أن تكون حياتهما قائمة على الرحمة والمودة وأن يكون بيتهما حصنا من الطهر والسكينة.
انتهت الصلاة جلس لحظات يتأمل ارتباكها كأنها وردة تتفتح لأول مرة أمامه..
_ غادة..عارفة يعني إيه زوجة عارفة يعني إيه حياة جديدة
ابتسمت بخفوت وهزت رأسها قائلة بنبرة تفيض حنانا
_ يعني سكينة واطمئنان لزوجها..وقال بصوت مبحوح بالصدق
_ والزوجة الصالحة ياغادة..هي تاج على رأس زوجها ستر له في الدنيا ودعاء له في الغيب..هي اللي لو نظر ليها أفرحته ولو غاب عنها حفظته ولو أمرها أطاعته فيما يرضي الله.. الزوجة الصالحة هي رزق بل هي أعظم كنز ممكن يرزقه ربنا لعبده.
ارتعشت شفتاها بابتسامة متأثرة لتجد نفسها تهمس كمن تتم المعنى
_ والزوج الصالح..هو أمان هو اللي يمسح دموعي قبل ماتنزل ويخاف على قلبي قبل جسدي ويقودني معاه للجنة.
ارتسمت في عينيه لمعة لا يقدر على حبسها كأنها وعد صامت أن يكون لها كما تمنت وأكثر.
قبل سنة من آلان
بعد سفر طارق عادت الى عملها رغم جراحها ذات يوما خرجت من عملها كعادتها متجهة إلى السيارة التي تقلها إلى منزلها لكنها لم تجده في انتظارها كالعادة..كان هناك رجل آخر.
صعدت السيارة بصمت وعادت إلى بيتها..يومان والوضع كما هو اختفاء مالك وغضب إسلام الذي مازال يشتعل وهروب طارق الذي رسمته في ذهنها 
في المساء طرقت ميرال بابها برفق ثم همست من الخارج
_ أدخل ولا أرجع
أومأت لها بصمت.
دلفت ميرال للداخل عينها تلتقط انكسارها...جلست بجوارها مالت برأسها على كتفها وهمست بنبرة خافتة
_ قلبي وجعني أوي ياميرال..ليه أنا كنت رايحة والله أنهي كل حاجة بس هو ماصدق وأول حاجة عملها 
رفعت ميرال رأس غادة وعينيها تحملان صدقا ووجعا قديما
_ غادة..سواء طارق عمل أو ماعملش مالكيش حق تقولي 
برقت عيناها وانسابت دموعها على وجنتيها تهز رأسها نافية.
مدت ميرال يدها لتزيل دموعها بحنان وقالت بنبرة عميقة
_ حبيبتي..مش إسلام وإلياس اتخانقوا معاه خلاص ياغادة الموضوع انتهى هو يعمل اللي هو عايزه.. إسلام قالها علني..طارق ماينفعكيش.
ابتسمت ميرال بمرارة وهي تكمل
_ صدقيني دا احسن لك أنا أكتر واحدة مجربة.. هتتوجعي أضعاف لو كملتي متخليش قلبك يسيطر عليكي..أنا عارفة إنك تعبانة وقلبك موجوع بس مش كل حاجة قلوبنا بتتصرف فيها.
أطرقت راسها للحظة تسترجع ألمها الخاص ثم قالت بصوت متقطع
_ أنا مشيت ليه مع إني بعشق أخوكي وكمان عندي ولد..علشان شفت ده الصح..عيلة كانت هتتهد وجوزي حياته كانت هتضيع بسببي وابني هيتعاير..طيب أنا ماعرفتش أختار حياتي ونصيبي
________________________________________
إنما إنتي قدامك الحلول..ليه توجعي قلبك
أخذت نفسا عميقا ثم أكملت بوجع صادق
_ صدقيني إنتي دلوقتي مش حاسة بحاجة..غادة أنا بخاف أقول اسمي قدام حد جوايا ألم يقهر أي جبل.. علشان كده بقولك..قلبك دلوقتي له علاج قدام هتنقهري
قطع حديثهم دخول فريدة وهي تقول بلهفة
_ كلمي جوزك شوفيه اتأخر ليه!
نظرت إلى ساعتها بسرعة ثم التقطت هاتفها بارتباك وعيناها على فريدة
_ أيوة ياإلياس..اتأخرت كده ليه
جاءها صوته متعبا عبر الهاتف
_ أنا في المستشفى.
شهقت وهبت من مكانها بفزع
_ ليه!! في إيه!
ابتعد إلياس عن سرير مالك وقال بصوت بدا مثقلا
_ مالك عمل حادثة.
وضعت كفها على فمها بصدمة وارتجف صوتها
_ هو عامل إيه!
_ كويس..شوية رضوض بسيطة..نص ساعة وراجع مفيش حد معاهم دلوقتي.
تنفست بعمق تحاول السيطرة على ارتجافها وقالت بصوت مبحوح
_ طيب حبيبي..خلي بالك من نفسك.
أغلقت الهاتف وهي مازالت تحت وقع الصدمة
لتجد عيني فريدة تترقبها بقلق..التفتت إليها قائلة
_ مالك عمل حادثة وهو معاه في المستشفى..خلاص روحي إنتي وبابا وأنا هفضل مع غادة.
انتقلت بنظرها إلى غادة التي ابتسمت ابتسامة واهنة وأومأت
_ متقلقيش عليا ياحبيبتي..وبعدين أنا هلكانة وهنام.
اقتربت منها 
_ طيب حبيبتي..إسلام شوية ويرجع.
فجأة تذكرت وسألت بقلق
_ آه صحيح..هو فين
أجابت فريدة وهي تتنهد
_ فاروق تعبان وملك راحت تزور باباها.
أومأت بتفهم وقالت
_أنا كويسة.
بعد دقائق جلست على فراشها وكلمات ميرال ترنو بعقلها أغمضت عيناها تشعر بإزهاق روحها إلى متى ستعاني في علاقاتها..نظرت إلى ميرال المنشغلة بعملها ثم قالت
_هو مالك عمل حادثة إزاي ياميرال.
_ معرفش والله ياغادة ارتفع رنين هاتف ميرال التي ردت 
_أيوة حبيبي. 
أنا تحت انزلي ونزلي الولاد.
_لا اطلع إنت ماما وبابا مش موجودين وغادة لوحدها. 
استدارت إلى غادة الشاردة
_إلياس جه تحت هنزل أعمل حاجة خفيفة ونقعد زي زمان..إيه رأيك 
تمددت على الفراش تهز رأسها بالنفي 
_ماليش نفس انزلي لجوزك هو مش هيطلع لأنه لسة زعلان مني.
بعد فترة من الصمت أمسكت هاتفها بتردد ضغطت اتصالا ورقة قلبها تنتظر جوابا.
السلام عليكم.
وعليكم السلام.
ألف سلامة عرفت من ميرال.
شكرا..أنا كويس.
صمت لحظات ثم أضاف بصوت منكسر
إنتي عاملة إيه
الحمد لله كويسة نزلت الشغل... انا رجعت الشركة.
آه..
آسفة على الإزعاج وألف سلامة.
شكرا.
أنهى المكالمة ألقى الهاتف بجواره وكأن ثقله يساوي مافي صدره من تعب..رفعت والدته نظرها إليه بفضول لا يخفيه التعب
مين دي ياحبيبي
أخت إلياس..وبنت مصطفى السيوفي.
تسائلت بتردد
هي لسة متجوزتش
رد عليها بحدة طفيفة كرسها الألم والإعياء
هاتي المخدة ياماما ورا ضهري مالناش دعوة تتجوز ولا لأ.
دققت والدته النظر في ملامحه تحاول قراءة غضبه الذي شعرت بأنه أقوى من جروحه وقالت بنبرة حنونة متداخلة بالتأفف
_ مالك ياحبيبي..ليه مضايق كده
أجابها بصوت متقطع كأن الكلام يجهد صدره
ماما أنا تعبان ومش قادر أتكلم.
وضعت الوسادة خلف ظهره بعناية أمومية رفعت كفها فوق رأسه المجروح
_بس أنا فاكرة البنت دي كويس وكمان حلوة ليه مااتجوزتش لحد دلوقتي 
أغمض عيناه وانفجر بكلمة جارحة خرجت من حنجرة موشاة بالغضب
دي واحدة غبية متخلفة راحت حبت واحد رد سجون معرفش عقلها كان فين.
صمتت والدته تراقب نظراته الغاضبة ثم ارتسم على وجهها تهكم مر وقالت بصرامة تحمل ذاكرة مؤلمة
_ شوف مين اللي بيقول..مابلاش إنت ياحضرة الظابط ولا نسيت مين عمل فيك كده
لم تكن تلك جملة عابرة كانت كلمة مثقلة بتاريخ طويل..وقعت على قلبه كصفعة أبشع من أي ألم جسدي هنا شعر بضربة قاسية على رأسه أصعب من ضربة الحادث نفسه.
أخفض عيناه للحظة..وألم رأسه ازداد وصار كل صوت حوله مكتوما إلا صوت يذكره بصوت حاد يقتلع من صدره ماتبقى من هدوء.
ساد الصمت الغرفة كغيمة سوداء يحفظ لكل فيه سره وأوجاعه..
قالت بصوت مرتجف وكأنها تنزف حروفا
_عمرك ماهتنسى يامالك..عارف هتفضل دي النقطة السودة اللي مطبوعة في حياتنا للأبد.
أشاحت بوجهها عنه وقالت بصوت متعب ومر
_مالك ارتاح دلوقتي..مش عايزين نرجع للماضي وتغلطني تاني..بس افتكر..من شهر كنت هموت بسببك والنهاردة إنت كنت هتموت أنا مش فاهمة هتفضل عامل في كدا ليه
دفع الغطاء عنه بعصبية جسده يرتعش من الألم والضعف..حاول أن ينهض لكنه ترنح..هبت من مكانها فزعة واقتربت تحاول تهدئته تكبح جمرة غضبه..
لتقول بصوت باك يقطر رجاء
_خلاص..مش هتكلم تاني هخرج من الأوضة بس بالله عليك ارتاح علشاني.
ارتفعت أنفاسه مع بكائها
_ كفاية أبوك وأخوك..أنا تعبت ربنا ياخدني وأرتاح من العذاب دا..
_خلاص ياأمي..أنا آسف عارف زعلتك مني كتير..حقك عليا متزعليش.
رفعت عينيها إليه واختلطت دموعها بابتسامة حزينة
_أنا مش زعلانة منك ياابني..أنا بس عايزة أرتاح حرام عليك..ريح أمك يامالك مش كفاية الوجع اللي شلته على أبوك..ينفع كدا
أغمض عينيه بحزن وأردف بنبرة منكسرة بين يديها
_برضو ياماما برضو هنرجع نزعل من بعض
_ ماما أنا مش هتجوز تاني ريحي نفسك.
_علشان خاطري انسى الماضي 
ياحبيبي..وعيش الحاضر..ربنا المنتقم وهيجيب لك حقك..صدقني أنا مسامحة..اتجوز وعيش حياتك بقى..
لو بتحب أمك فرحني بيك شوف البيت دا عامل زي القبر مفيش غيري أنا وإنت املاه عليا بعوضك يابني. 
عاد إلى الفراش دون رد..سحب الغطاء وقال 
_ سبيني أرتاح ياماما لو سمحتي. 
ظلت تراقبه بصمت ثم خرجت تجر آلامها على فلذة كبدها وأغلقت الباب خلفها. 
مضت أسابيع قليلة حتى تعافى وعاد إلى عمله بالشركة من جديد.
في مساء هادئ أقام إلياس حفلة خاصة للعائلة داخل مقر الشركة احتفالا بفتح فرع جديد وبتزايد شهرته ومكانته حتى صار اسمه مطلوبا في كل مدينة.
خرجت غادة إلى حديقة الشركة تستنشق هواء باردا وتراقب القمر المعلق في السماء..كان لمعانه يتوارى خلف الغيوم بين حين وآخر فتبتسم رغم كل شيء لجمال الخالق في خلقه.
خطت رحيل خطوات هادئة وتوقفت بجوارها
_سرحانة في إيه
هزت غادة كتفيها وأشارت إلى السماء
_بشوف جمال الخالق في خلقه.. شوفي القمر عامل إزاي.
رفعت رحيل عينيها إلى القمر ثم أعادتهما إليها..تنهدت قليلا ثم قالت
_غادة..ليكي رسالة معايا.
استدارت غادة تنظر إليها في انتظار الكلام.
حمحمت رحيل بتردد
_طارق..
أغمضت غادة عينيها شعرت بقبضة تعتصر صدرها لكن رحيل أكملت
_طارق أنا بس حبيت أبرأه قدامك..والله العظيم كانت خطة عارفة مينفعش أقولك كدا بس حرام تفضلي فاكرة إنه غلطان.
رفعت غادة كفها تستوقفها
_رحيل لو سمحتي..طارق صفحة وانتهت أنا غلطت وربنا حاسبني.
تراجعت بنظراتها تبحث في الوجوه عن إلياس وإسلام قبل أن تتمتم بصوت مبحوح
اقتربت رحيل منها خطوة
_أفهم

من كدا إنك خلاص مسحتيه من قلبك
رفعت غادة يدها بغضب وانفجرت دموعها
_أنا بكره نفسي..أنا إزاي عملت كدا بكره قلبي وكل حاجة اسمها حب..اللي قدامك دي ضيعت أهم حاجة..قيمها وتربيتها علشان إيه علشان تثبت إنها صح وكلهم غلط! رحيل مش عايزة أسمع اسم طارق تاني..ربنا يوفقه.
قالتها وانسحبت بخطوات سريعة تكاد تأكل الأرض من تحتها..فجأة اصطدمت بجدار بشري رفعت رأسها لتوبيخ صاحبه لكنه كان يوليها ظهره استدار إليها ينظر لعينيها بعمق ثم قال 
_آسف.
قالها بهدوء وتحرك مبتعدا..مسحت غادة دموعها بعصبية واتجهت نحو سيارة إسلام جلست خلف المقود وقادتها بلا هدف تتجول في الطرقات حتى وجدت نفسها تقف عند شاطئ النيل الذي اعتادت أن تهرب إليه حيث تلاقت دموعها بصمت على وجنتيها
مرت فترة طويلة دون أن تشعر بالوقت..رنين هاتفها يتكرر في السيارة لكنها لا تستمع ولا تكترث لأي شيء.
بعد فترة توقفت سيارة خلفها..نزل منها يتحدث في هاتفه
_لقيتها ياباشا..حاضر هترجع على البيت.
تقدم منها ومد يده بالهاتف
_كلمي إلياس باشا.
رفعت غادة عينيها المبللة بالدموع إلى الرجل ثم إلى الهاتف
_ألو
جاء صوت إلياس صارما عبر الهاتف
_ردي على تليفونك ياأستاذة..طمني باباكي إنتي مش طفلة علشان تقلقيهم عليكي..وارجعي على البيت فورا..
قالها ثم أغلق الخط دون أن يضيف شيئا.
أخذ مالك الهاتف منها وأشار إلى السيارة
_اتفضلي..ومينفعش تخرجي تاني لوحدك..اتكلمنا في الموضوع دا كتير.
ظلت غادة تنظر إليه بصمت للحظات ثم تمتمت بصوت مبحوح
_آسفة..محستش بالوقت..تعبتك معايا.
أومأ بتحفظ ثم تحرك أمامها يفتح باب السيارة بعينين تمسح المكان كحارس حدود.
نظرت إلى الاتجاه الذي كان يراقبه وسألت ببرود
_بتبص على إيه
أشار بعينيه دون حديث فاستقلت السيارة في هدوء.
دقائق بالصمت يحوم بالمكان قبل أن يقطعه صوته فجأة
_فيه حاجة لازم أقولها رغم إنها أمانة..بس أنا زعلان على حالتك.
رفعت غادة عينيها إليه فقال بثبات
_طارق بريء..هو اتفق معايا..وقبلها إسلام أخوكي كان عنده أكيد فاهمة الباقي.
_ لو خلصت سوق وانت ساكت
أطبق يديه على المقود بقوة..
_انتي فاهمة قصدي
ردت بحدة
_لا..مش فاهمة ومش عايزة أفهم.. وممكن ماتتكلمش في حاجة ماتخصكش
أوقف السيارة فجأة واستدار إليها بنظرات غاضبة
_مش عارف على إيه بتكلميني كدا..أنا بس حبيت أبريه علشان لو حضرتك هتموتي من غيره.
رمقها بنظرات استخفافية حتى انسابت دموعها بغزارة التفتت إليه صارخة
_مااسمحلكش تتكلم معايا كدا! وزي ماإنت سمعت من شوية..لا طارق ولا غيره يهموني..أنا بكره الرجالة كلها.. وياريت تسوق وإنت ساكت..مالكش دعوة بحياتي الشخصية.
أسبوع آخر.. 
تذهب معه إلى عملها دون حديث لن يكترث لها ارتفع رنين هاتفها نظرت للرقم باستغراب ثم ردت 
_أيوة مين! 
على الطرف الآخر تحدثت
_غادة السيوفي معايا 
ضيقت عيناها وقالت 
_أيوة..كان يستمع إلى مكالمتها باهتمام إلى أن استمع الى اسم والدته 
_مين ليال البحيري
توقف فجأة مما جعل جسدها يهتز بعنف رفعت عينيها إليه بغضب واستأنفت حديثها في الهاتف
_ أيوة يافندم..سامعة حضرتك.
حمحم مالك وأشار بيده يطلب هاتفها
_ دي والدتي..ممكن تليفوني الشبكة عندي ساقطة.
لم تتردد سلمته الهاتف فانتزعه سريعا وهو يقول
_ أيوة ياماما.
ساد صمت قصير من جهتها ثم جاء صوتها الدافئ عبر الخط
_ إنت معاها ياحبيبي يعني كدا هتريح قلبي
انعقدت نظراتها بدهشة تبادلها مع نظراته التي انصبت عليها للحظة ثم رد باقتضاب
_ ماما أنا في شغل..وأكيد مفيش شبكة ماتقلقيش الناس.
أنهى المكالمة سريعا ثم أعاد الهاتف إليها قائلا ببرود
_ شبكة
زي ماقلت.
اكتفت غادة بإيماءة صامتة بينما ارتسمت على ملامحها حيرة لم تخف عنه.
عاد إلى منزله و الغضب يطل من وجهه كشرر..وقف أمامها متجهما وقال بصوت ينضح انزعاجا
_ ممكن أعرف كنتي عايزة توصلي لإيه انسي اللي في دماغك خالص.
لكنها لم تتراجع بل تقدمت نحوه بعينين متحديتين
_ اسمعني ياابن عثمان..أنا رحت بيت السيوفي النهاردة وشفت البنت.. عجبتني غير عيلتها يعني دي متأكدين من حسبها ونسبها وطبعا فاهم قصدي وأنا دلوقتي اللي بقولك يا مالك لو مافكرتش في حياتك أنا اللي هسافر عند خالك..وساعتها انسى إن ليك أم.
رمته بكلماتها الحاسمة وصعدت إلى غرفتها وأغلقت الباب عليها يومين كاملين قاطعته 
في اليوم الثالث كان يقود السيارة بصمت يراقب غادة متأثرا بكلام والدته الذي ظل يتردد داخله..استمع إلى حديث غادة عبر الهاتف تقول بصوت حزينا مليئا بالرفض
_ آسفة ياحبيبتي..لا ماليش في جو الحفلات ده.
تبعها تنهيدة موجعة
_ روحي إنتي وخدي الورد معاكي..أنا مش بتاعة الحاجات دي..وبعدين أفراحهم مابحبهاش كله لبس مكشوف واختلاط قذر..لا مقدرش.. مقدرش أحضر فرح زي ده.
أنهت المكالمة بعد حوار طويل بينما عيناه تتابعانها بصمت لحظة سكون كسرتها كلماته التي خرجت عفوية مترددة
_ إيه اللي يخلي بنت محترمة تحضر أفراح زي دي آسف..سمعت الحوار من غير قصد.
رفعت رأسها إليه نظرة عميقة ترتسم في عينيها وقالت بنبرة صادقة
_ يمكن مش فاهمين إن ده غلط.. وفاكرينه مجرد حفلة..أحيانا يامالك الواحد مابيكتشفش غلطه إلا بعد مايخسر حاجات حلوة.
اجابها بشرود وكأن الكلمات تخرج من جرح لم يلتئم
_ عندك حق..ساعات مابنحسش إننا غلط إلا لما بنخسر.
ساد صمت قصير ثم التفت إليها وقال بصوت منخفض مثقل بالاعتراف
_ سألتيني مرة حبيت قبل كدا
رفعت عينيها لتلتقي بعينيه فأومأ برأسه وقال
_ حبيتها..وسرقتني..يوم فرحنا هربت مع صاحبي ومعاها كل فلوسي..والدي ووالدتي كانوا رافضينها بس ماسمعتش كلامهم..ودفعت التمن.
شهقت غادة وقد وضعت كفيها على فمها من هول الصدمة بينما هو ابتسم بمرارة وأكمل
_ وبنت عمي كمانيعني عملت حبيبة علشان فلوسي وسلطتي.. ومش بس كدا ..اتجوزت وعملت فرحها بفلوسي.
أطلق ضحكة جافة ممزوجة بالقهر لكنها سرعان ماتلاشت..بعدما همست غادة بأسف عميق
_ أنا آسفة..بس صدقني هي ماتستاهلش واحد زيك..يمكن ربنا نجاك منها مش مهم الفلوس.
نظر إليها نظرة طويلة ثم قال بسخرية حزينة
_ زي ماربنا نجاكي من طارق كدا.
هزت رأسها بهدوء وصوتها خرج وديعا
_ يمكن الظروف مختلفة..بس أنا اللي غلطانة مش طارق.
_ وياترى اتعلمتي إيه
سألها بعينين تبحثان عن الحقيقة.
تنهدت ونظرت إلى النافذة كأنها ترى حياتها في الخارج
_ كتير..أولها إن الحب نصيب والحياة نصيب..وكل ماتكون حياتك برضا ربك هتحس إنك بخير حتى لو خسرت. ومهما كان الحب بريء..من غير رابط يفضل غلط..
________________________________________
طارق نقطة سودا في حياتي وبحاول اصلح من نفسي عارفة اني غلطت بس مين فينا معصوم من الغلط المهم مانتمداش فيه
اومأ لها بإعجاب من حديثها
مرت أيام قرر بعدها أن يتقدم لخطبتها إرضاء لوالدته أولا ولأنه لمس فيها التغيير ثانيا.
وفي اليوم التالي لزيارتهم الرسمية خرجت غادة لتجده بانتظارها..توقفت أمام السيارة لكنه لم يكترث لوقوفها.. ترددت لحظة ثم فتحت الباب وجلست بجواره تحدق فيه
_ إزي حضرتك يامالك باشا
أجاب وهو يتظاهر بالانشغال بكاسيت السيارة
_ أهلا أستاذة غادة..مش قاعدة في مكانك ليه
شعرت بضيق من بروده فهتفت بانفعال
_سيبك من مكاني وقولي يعني إيه اللي سمعته دا كل يوم بركب معاك ومش قادر تقول كلمة
أدار عينيه إليها ببرود مصطنع
_ كلمة إيه هو في حاجة
ضغطت على أسنانها غيظا بينما هو كان برؤية غضبها الصريح.. تحرك بالسيارة والجو مشحونا بينهما حتى توقف فجأة بجانب الطريق..التفت إليها بجدية
_ ماحبتش نتكلم في حاجة من ورا والدك..إنتي أمانة ..اللي سمعتيه مني كان مجرد حاجات عن حياتي قبل أي خطوة رسمية.
انغرست عيناه بأعينها وأردف بصوت أكثر صلابة
_ بس لازم تفهمي حاجة كويس..أنا إنسان صعب مابسمحش بالغلط وما بغفرش بسهولة..لو قلبك لسه متعلق بحد يبقى انسي
توقف عند كلماته الأخيرة وعيناه تخترق ملامح وجهها..
قاطعته بسرعة وكأنها تريد أن تخرس كل مخاوفه
_ أنا موافقة يامالك..بس عايزة أقولك حاجة..اللي قدامك دي بتتأسف لنفسها قبل أي حاجة أنا قلبي نضيفوأكيد إنت فاهم قصدي مش عايزة في وقت من الأوقات تبقى في نظرة شك في عينيك إني ممكن
التفت برأسه إليها سريعا عينيه هذه المرة أهدأ لكن أكثر صدقا وقال بلهجة حاسمة
_ وأنا لو كنت شاكك فيكي كنت مستحيل أتقدم..أنا بس عايز أفهمك حياتنا هتبقى إزاي لو حصل نصيب..إن شاء الله أكون الشخص اللي تلجئي له أول واحد.. حتى قبل والدك أكيد فاهمة قصدي.
تابع حديثه أكثر دفئا رغم صلابته
_ وممنوع نخبي عن بعض حاجة..أنا مش هضحك عليكي ولا أزوق كلامي.. أنا محتاجك..وإنتي كمان محتاجاني محتاجين نصلح ماضينا سوا.
ظلت تحدق فيه للحظات ملامحها بين الخوف والارتياح بينما ابتسامته الخافتة كسرت التوتر القابع بينهما. كان المشهد كأنه بداية عهد جديد ليس فيه أقنعة ولا مجاملات فقط صدق وجراح قديمة تحاول أن تلتئم.
عودة للحاضر 
بمنزل الياس
دلفت بخطواتها الصغيرة بعدما طرقت الباب واذن لها بالدخول 
بابي حضرتك فاضي مامي بتراجع مع يوسف وانا فيه حاجة مش فهمها في Religion
خلع نظارته وأشار إليها
تعالي ياشمسي 
خطت إلى أن وصلت إليه رفعها فوق مكتبه وازاح خصلاتها المتطايرة فوق وجوهها 
مش قولنا الدين اسمه دين ..
هزت كتفها للأعلى وتحدثت بطفوليتها
دي تربية دينية يابابا مش الدين مامي قالت الدين بيخصنا في 
رفعت كفها تعد على أناملها الصغيرة
الصلاة..ودي اهم حاجة..حاجة كبيرة اوي وبعدين الصوم وبعدين الزكاة وبعدين الحج
غلط يابنت إلياس ..ماما اللي قالت لك كدا 
هزت رأسها بنعم زم شفتيه وهو يفتح كتابها 
اهي امك دي عايزة تاخد درس معاكي 
واو..ليه ماما هتروح المدرسة تاني بس هي كبيرة اوي 
بطلي كلام وقولي ايه اللي عايزة تعرفيها وصدعتيني من قبل ما تسألي 
قلبت بصفحات الكتاب إلى أن توقفت على حديث النبي صلى الله عليه وسلم 
قال رسول الله ﷺ
أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا اؤتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر.
عايزة افهم الحديث دا وتشرح براحة علشان شمس تفهم وماتزعقش علشان ماعيطش واخاصمك
رفع حاجبه يتطلع إليها بصمت
وايه كمان يابنت ميرال 
دلوقتي بنت ميرال اومال ليه كنت بتتخانق مع مامي زمان وتقولها دي اسمها شمس إلياس 
هو حضرتك بتنسى ولا ايه 
فرك جبينه محاولا ألا يصفعها على وجهها رفع رأسه إليها 
طيب يابنت إلياس ..اسمعي الشرح بس لو اتكلمتي ..
عارفة هتجبلي تشكوليت لانك بتحب شمس مش انا شمسك 
جحظت عيناه من أسلوبها
ماشي ياميرال ياصغيرة ..خديني على قد عقلي واسمعي وافهمي علشان مش هعيد الكلام 
واهي قاعدة ياسي بابا..علشان افهم ويارب افهم منك حاجة 
نقر على مكتبه وهو يتطلع إليها ومشاهد من الماضي تمر بعقله ابتسامة لمعت بعينيه
بصي يا حبيبتي النبي ﷺ علمنا إن فيه صفات لازم المسلم يبعد عنها عشان ما يبقاش فيه شبه من المنافقين.
أول حاجة لما حد يأتمنه على سر أو أمانة ما يخونش.
يعني لو صاحبتك قالتلك سر ما تروحيش تقوليه لحد.
تاني حاجة لما يتكلم ما يكذبش.
يعني لو عملت حاجة غلط تقولي الحقيقة حتى لو هتزعليني لان ربنا بيحب الصادقين.
تالت حاجة لما يوعد يفي بوعده.
زي ما أوعدك أجيبلك لعبة وأوفي وأنت كمان لما توعديني تذاكري لازم تفي.
رابع حاجة لما يخاصم ما يفجرش.
يعني ما يقولش كلام وحش أو كذب علشان يغلب التاني لأ حتى في الخصام لازم يكون عادل.
هزت راسها وقالت بابتسامة بريئة
يعني يا بابا المسلم الصح يكون أمين وصادق وبيوفي بوعده وعادل حتى وهو زعلان
بالضبط يا ميرال ياصغيرة دي صفات اللي ربنا بيحبهم.
طيب حضرتك قولت لو صاحبتي قالت سر مااقولش طيب ينفع اقولك السر اللي يوسف قالي عليه 
تجمد جسده للحظة
تعرفي نفسي اعرفه علشان اذله بس مينفعش حبيبتي اي حد يقولك سر مينفعش تقوليه
طيب ليه ماما قالت لك سر عن عمتو غادة وحضرتك سمعتها انا سمعتها وهي بتقولك
بت دقيقة واحدة لو شوفتك في المكتب هعلقك مكان النجفة 
رفعت عيونها إلى النجفة ثم نظرت لوالدها 
بس كدا الاوضة هتبقى ضلمة على حضرتك
قاطعهم دخول ارسلان 
_الياس.. فاضي 
تطلع اليه بتساؤل 
_عايزك في حاجة مهمة اوي
اتجه بنظره الى شمس واشار إليها بالخروج
_حبيبتي اطلعي لمامي عندي مشوار
_ اوكيه يابابي 
تمتمت بها الصغيرة وتحركت للخارج مع اقتراب الياس متسائلا 
_ فيه ايه مالك 
_ احلام الجارحي.. لازم اقدمها للعدالة وقبل ماتقول مينفعش.. اسحاق قالي اعمل اللي عايزه وكمان قدم استقالته خلاص قرر يبعد عن شغله بسبب عمايلها 
شهق بخفوت 
_ اوعى تعمل كدا فعلا مش معاك متخليش غضبك منها ينسيك فضل فاروق واسحاق عليك انت كدا هدمرهم 
_ الست دي لازم تتحاسب ياالياس وفرصتي النهاردة
_غلط يابن ابويا اللي بتفكر فيه غلط حتى لو اسحاق قالك اعمل اللي انت عايزه بس دي امه مهما عملت امه ومفيش حد بيختار اهله.. وفاروق مايستاهلش دا 
_ اسمع مني علشان متندمش
_ انا مستحيل
ااذي بابا فاروق كان مجرد كلام من قهرتي على امي 
حاوط الياس اكتافه 
_ارسلان انا مقدر غضبك وزعلك على طنط صفية بس متنساش اسحاق وفاروق مالهمش ذنب دا عمرها كدا كدا هي كانت هتموت.. بلاش تقهرهم 
واحلام اكيد ربنا مطلع وهياخد حق الكل منها.. خليك بعيد حق الراجل اللي رباك
هز رأسه واستدار للمغادرة اوقفه الياس 
_رايح فين! 
_هشوف بابا فاروق اخر مرة صحته مكنتش عجباني 
بمنزل اسحاق 
دلفت الى غرفة مكتبه وجدته جالسا بشرود اقتربت 
_سرحان في ايه!! 
_فيكي طبعا.. الولاد فين 
_وحشتني على فكرة.. وانا حجزت رحلة لشرم
تم نسخ الرابط