كانها الحياة بقلم سيلا وليد
المحتويات
المكان دا الغلط مش على رؤى بس إلياس كمان غلط فتح لها الباب من الأول ودي رسمت خيالات سواء مرضية أو سليمة في الأول والآخر هي عايزة تاخد الحياة دي طبعا رانيا عرفت نقطة ضعف رؤى ولعبت على الحتة دي علشان كدا الراجل استخدمها صح
بس اللي أعرفه إن إلياس مش هيسامح
ميسامحش حقه بس دي بنت ومستحيل ارميها في الشارع ترضيها على جوزك ومهما عملت هتفضل أختي وزي مابخاف على ميرال لازم أحميها من نفسها وكمان أحمي إلياس من غضبه
بس هي مش محتاجة مستشفى يايزن
عندك حق هي فعلا محتاجة تفوق من الحقد والغضب ماهو لو إلياس حبسها وعذبها هيستفاد إيه بالعكس كرهها وحقدها هيزيد إنما لو اختلطت بالناس المريضة بعقولها ممكن تفوق وتعرف قد إيه إنها كانت عايشة في نعمة
هزت رحيل رأسها باعتراض
مش موافقة ولا قادرة أقتنع
بس أنا مقتنع وعارف هعمل أيه وميرال عارفة وموافقة
زفرت أنفاسها بيأس وأشارت إلى قهوته
اشرب القهوة لما أروح أشوف الولاد آسر كان مقموص عايز ينزل النادي
ارتشف قهوته ونهض من مكانه
هشوف أرسلان لما تراجعي مع الولاد عايز أرجع نقعد مع بعض شوية
اقتربت منه وأردفت بارتباك
عايزة أشوف إلياس عمل إيه في قضية الشركة بتاعة مختار زفت دا
لا أنا هعدي عليه وأسأله وأشوف ميرال كمان
في منزل طارق كان واقفا أمام نافذته يتأمل الحديقة بصمت ارتسمت على وجهه ابتسامة باهتة حين تذكر حديثها بمكتبه منذ عدة أيام بعدما طلب مقابلتها
اتخطبت تلات مرات وحقيقي تعبت بابا كل يوم سين وجيم وعيون ماما فريدة كلها اتهامات الفترة اللي فاتت إلياس كان مشغول بميرال مرعوبة من فكرة إنه يعرف ولا إسلام هيبقى شكلي وحش
نهض من مقعده واتجه إليها بخطوات هادئة
وأنا كمان تعبت من نظرات الاتهام دي ياغادةقولي مطلوب مني إيه أعمله عشان أريحك
نهضت من مكانها حدقت في عينيه برجاء
حاول مع بابا تاني يمكن يوافق خايفة من الغلط اللي عملناه
هز رأسه بأسى وأجاب بصوت منخفض
مرتين ورفض ياغادة عايزة تكسريني
صاحت بغضب يائس
لو بتحبني اتصرف شوف أنا بعمل إيه وإنت واقف سلبي إيه يعني لو جربت تاني
أوعدك هحاولبس عندي اقتراح نجربه يمكن باباكي يزعل شوية بس في الآخر هنكون مع بعض
في اليوم التالي
وصل إلياس إلى المنزل الذي تقيم فيه رؤى وصديقتها تقى أشار إلى مالك
ارجعواعمل اللي قلت لك عليه
طيب مختار هتزوره
أكيد عنوان المستشفى فين
تمتم مالك بالعنوان فاكتفى إلياس بابتسامة قصيرة وأشار إليه بالذهاب
طرق الباب مرارا الى أن فتحت تقى تجمد جسدها المرتعش وهي تحدق في قامته المهيبة
فين رؤى
أشارت بصمت نحو الداخل فدلف بخطوات باردة عيناه تمسح المكان كالصقر
خرجت رؤى تحمل قهوتها تهتف
تقى ولكنها صمتت بعدما وقعت عينيها عليه تجمدت في مكانها وسقط فنجان القهوة من يدها وتمتمت باسمه بصوت مبحوح
إلياس
ابتسم بسخرية مخيفة واقترب خطوة وهو يقول ببرود متوحش
إلياس والله أنا بس
من إمتى وانتي حية كدا يابت دا أنا لميتك من الشارع ويكون جزاتي كدا
ارتفع بكاءها وهي تتوسل
اسمعني بس ياإلياس
ليه ليه تعملي كدا يوسف ماصعبش عليكي
والنبي ياإلياس
دا كله ليه واحدة ماشكرتش ربنا على حياتها ليه هي اللي الكل بيجري وراها حتى إنت ياباشا وقعتك على وشك
حدجته بنظرة نارية وتابعت سمومها
شوف مين اللي واقف بيدافع عنها مش دي اللي المفروض تموتها خلتك أضحوكة ياإلياس باشا بس طبعا مش قادر تعترف بكدا فقولت أما ليسحب هاتفه صارخا
إيه اللي حصل يامالك
أستاذة غادة في شقة مع طارق
مرت أيام العزاء ثقيلة كالجبال على صدره كل نفس يلتقطه ينتزع من روحه انتزاعا كان بعيدا عن الدنيا بعيدا عن كل مايدب فيها من حياة لا يسمع سوى صوتها ينساب في أذنيه ضحكاتها كلماتها حتى صمتها
طرقات خفيفة دوت على باب غرفته لكنه لم يحرك ساكنا كأنه لا يريد أن يسمع دلف إلياس إلى الداخل وقف يراقبه لحظة طويلة ثم تقدم بخطوات مترددة وجلس إلى جواره مد يده يسحب صورة صفية من بين أنامله المرتجفة وجمع ببطء بعضا من ملابسها وحليها في صندوق صغير ثم أغلق الصندوق هنا شعر أرسلان بأنه أغلق معها صفحة حياته كاملة
أشار إلياس إلى بلال الواقف على عتبة الغرفة يراقب بصمت مهيب
خد ياحبيبي إدي الحاجات دي لمامتك
لكنه خطف الصندوق من يده بعنف وأردف بصوت يتهدج بغضب مكلوم
لا! محدش هياخدهم أنا أولى بيهم
لم يستسلم إلياس رفع الصندوق مجددا يحاول تهدئته ونظر إلى بلال
حبيبي اسمع الكلام
في تلك اللحظة وصل يوسف اقترب من والده فأشار له إلياس أن يساعد بلال في حمل الأشياء بينما عينا أرسلان تتابع حركاتهم كأنهم يسحبوا حياته مرة أخرى التفت إلى صوت إلياس الذي قال بحدة ممزوجة بالحزن
وبعدين هتفضل كدا لحد إمتى لما إنت تعمل كدا أومال سبت إيه لملك
رفع أرسلان رأسه
ملك ماكنتش بنتها أنا بس اللي ابنها
ابتسم إلياس بسخرية مرة وهز رأسه
أممم وإيه تاني ياراجل ياكبير هو فيه حد عاقل ومؤمن يعمل اللي إنت عامله دا دا لو طفل مايعملش كدا!
تراجع بجسده للخلف وأغلق عينيه ليستريح من ثقل الدنيا كلها
سبني لوحدي مش عايز أسمع صوت حد روح بيتك جاي عندي ليه
أرسلان ليه بتعمل كدا
فتح عينيه وقال
أنا السبب في موتها هي كانت عايزة تفضل معايا بس أنا اللي ودتها للموت
إنت مصدق اللي بتقوله دا فين إيمانك بربنا هو فيه حد بيموت قبل عمره قوم يالا تعال معايا شوف بنت عمك المجنونة عاملة إيه
تمدد على الفراش يهز رأسه
لا مش عايز قوم وسبني في حالي
نهض إلياس واستدار إليه ثم سحبه
قوم مش هسيبك ياله علشان نتغدى مع بعض وعايز أقولك حاجة مهمة
إلياس سبني بقولك
قوم وبطل مناهدة لاحظ أنا قاعد مع ميرال ويزن في مكان واحد
ماله يزن عمل إيه مشفتوش من يوم العزاء
أوقفه وقال
تعال وهحكي لك تحرك معه بصعوبة إلى الخارج قابلته غرام وهي تحمل قهوة إلياس أشار إليها
لا هاتي الولاد ميرال عاملة غدا
كلمتني قالتها غرام وعيناها على أرسلان
التفت إليها وقال
هاتي الولاد عند إلياس ولو عايزة أوصلك عند باباكي
اقتربت منه بعدما تركهم إلياس
إنت عامل إيه دلوقتي
كويس اجهزي علشان أوصلك
لا أنا كلمت زياد هيعدي عليا بعد الشغل
قلبي وجعني عليك وعاجزة
متعمليش حاجة !!
طيب ممكن تقوى علشاني أنا صمت ينظر إليها ثم هز رأسه
بحاول صدقيني قالها وتحرك للخارج بينما هي ظلت تراقبه إلى أن اختفى
بعد فترة
ظل بجواره إلى أن غفا ثم رفع نظره إلى زوجته
فيه حاجة
أول مرة أشوف فيك إلياس الأخ
أردف
بلال وضي فين
أشارت للأعلى قائلة
في أوضة يوسف فوق وغرام نزلت تشوف باباها حالته متأخرة
أومأ بتفهم ومضى إلى الخارج وهو يتمتم
المصايب لما تيجي بتيجي مرة واحدة اقتربت منه تربت على كتفه
طيب اطلع ارتاح شوية وأنا هنا هفضل جنبه لو احتاج حاجة
لا والله يعني أنا أنام فوق ومراتي تحت بتواسي أخويا!
أديك قولت أخوك متنساش إنه ابن عمي مش واحد من الشارع أنا غلطانة خليك لما توقع من طولك قالتها وتحركت للأعلى بينما هو مسح على وجهه يستغفر ربه
غبية
سمعتك على فكرة ابتسم رغما عنه ثم هوى على الأريكة بجسد منهك توقفت واستدارت تبحث عنه اتجهت نحوه مرة أخرى كان مستندا بجسده إلى الأريكة مغلق العينين
جثت على ركبتيها أمامه
حبيبي قوم ارتاح
مش قادر أسيبه لوحده صعبان عليا أنا عشت يعني إيه فقدان حد بتحبه صعب أوي حتى لو كنت طفل يمكن ما لحقتش أتعلق زيه بس الوجع الوجع مابيروحش
جلست بجواره ولمع عيناها بالدموع وهي تقول
بس عندكوا ماما فريدة إنتوا نسيتوا ولا إيه عارفة أرسلان متعلق بيها أوي بس أمه الحقيقية لسه حسها في الدنيا موجود
قال
تقدري تبعدي عن ماما فريدة
هزت رأسها سريعا وتلألأت الدموع كالنجوم بعينيها
أموت مقدرش دي كل حياتي كانت أمنيتي الوحيدة أرجع بس علشان أقولها سامحيني
ارتجف صوتها بالبكاء حتى تحول إلى شهقات متقطعة
شفتي اهو أرسلان كدا طنط صفية الله يرحمها كانت له كل حاجة أيوه عارف إن ليه أم تانية بس عمره كله في الست دي تستاهل الحزن ده كله
صمتت قليلا ثم نظرت إليه بعينين دامعتين
طيب وانت يا إلياس ليه بحسك لسه بتعامل ماما فريدة على إنها مرات بابا مصطفى مش أكتر
ابتسم ساخرا
مين قال كدا أنا أصلا ما كنتش بعاملها زمان على إنها مرات أبوي علشان دلوقتي أغير وأتعامل كدا
لكزته بيدها غاضبة
أومال لو مكنش قدامي بتضحك على مين يا ظالم يا مفتري
رمقها بنظرة متوعدة وأشار إلى صدره
ضربتيني واتهمتيني بظالم ومفتري بصي لو ما رجعتيش حالا تتأسفي هتشوفي الظالم المفتري هيعمل إيه
ضيقت عينيها تحدق فيه بصمت لثوان ثم اقتربت منه
آسفة كدا كويس
رفع حاجبه يلتقط نظراتها الماكرة زم شفتيه مصطنعا الجدية
هعمل عبيط وأصدقك
حبيبي الذكي
حبك بورص ياختي
رفعت رأسها إليه وغمزت
يعني انت بورص تراجع بجسده على المقعد بتعب ظاهر عينيه تغمضان
خلاص هو نايم بقالك كام يوم ما نمتش لازم ترتاح
مد يده في وهن
طيب ارجعي شوية بس
قطبت جبينها بتساؤل ولكنه لم يتح لها الفرصة ليتمدد فوق الأريكة
طيب هتنام كدا نام
أه هنام ماتقوميش بس
مش هسيبك عمري أغلق عينيه مبتسما ولكن اعتدل سريعا
ماما جت أكيد جاية تطمن على أرسلان نهضت من مكانها تؤكد حديثه وتحركت للخارج
بالأعلى جلست ضي في الشرفة تحدق في الحديقة بنظرات تائهة بينما كانت شمس بجوارها تحادثها لكن ضي لم تلتفت كأنها بعيدة في عالم آخر
في الداخل كان يوسف أمام جهازه يتابع بعض ألعابه بصمت فيما جلس بلال بجواره مسندا ذقنه إلى كفه شاردا في اللاشيء قاطع هذا السكون صوت شمس بنفاد صبر
وبعدين ياضي أنا هسيبك زهقت من العياط ده كله
قالتها الصغيرة ونهضت إلى الداخل ليتحرك بلال نحو ضي وأردف بصوت متوسل
بطلي عياط بقى علشان خاطري
لكنها انهارت تبكي بحرقة
مش هشوف تيتا تاني يابلال هي خلاص راحت عند ربنا
مش ماما قالت ندعي لها هي محتاجة دعاءنا دلوقتي
هزت رأسها وسط بكائها
أنا عايزة أروح عندها تحكي لي قصص زي زمان
هنا توقف يوسف عن اللعب نهض واقترب منهم ثم جلس بجوار بلال بصمت لحظة وأردف بصوت هادئ يخفي خلفه وجع السنين
مش عارف هتفهمي كلامي ياضي ولا لأ بس خبر الموت أصعب حاجة في الدنيا
رفعت عينيها إليه تبكي في صمت وهو يتابع بصوت مبحوح
لما خالتو قالت لي ماما ماتت كنت صغير ماكنتش فاهم يعني إيه موت كل يوم كان بيروح مني إحساس بالحاجة الحلوة في الدنيا خصوصا إن بابا كان في الشغل طول الوقت عارفين كنت بعمل إيه أجيب فيديوهات وأبحث يعني إيه موت
ابتلع ريقه وعيناه على الفراغ
فهمت إن الموت يعني فراق وجع اشتياق حاجة خلاص مش موجودة
رمش بعينيه المبللتين يتابع
بس على الأقل لو ليها قبر بتعرفي تزوريه تدعي لها تفضفضي معاها زي ما عمو بيعمل كل يوم
صمت لحظة ثم أضاف بصوت أثقل
بس أنا ماما ماتت ومافيش قبر أزوره لما كنت أشتاق لها أجيب صورها وأتكلم معاها وكل ماأسمع أصحابي بيروحوا لجداتهم أسأل خالتو فين قبر ماما كانت تقول ماتت بعيد مش عايزاك تزورها
خفض نظره إلى ضي وقال
عمرك شفتيني بعيط قدامك وأقولك ماما وحشتني لأني خلاص عرفت إنها مش هترجع عايزك إنتي كمان تعرفي إن تيتا صفية مش هترجع
بكت ضي وهمست بصوت متهدج
بس مامتك رجعت
أغمض يوسف عينيه بألم
أيوه علشان ماما ماماتتش لكن تيتا صفية في القبر دلوقتي ومهما تبكي مش هترجع ادعي لها وخلاص
في تلك اللحظة دلفت ميرال تحمل طبق التشيز كيك بابتسامة
حبايبي عملت لكم تشيز كيك يلا
ياضي مامي بتقول بتحبيها
هزت ضي رأسها بالرفض
مش عايزة
تقدم يوسف نحو ميرال يحاول التخفيف من توتر اللحظة
أنا ابنك وبموت فيها سيبك منها دي نكدية
داعبته ميرال بحنان
فيه حد يواسي كده
ضحك يوسف بسخرية مرة
ماكفاية مواساة أنا تعبت دا حتى شمس هربت منها
خرج بلال بعد حديث يوسف نظرت ميرال إليه بعدم رضا
ينفع كدا قالتها اقتربت وجلست أمام ضي تحدثها
حبيبتي ممكن نبطل عياط تيتا راحت مكان أحسن من هنا مليون مرة
رفعت ضي عينيها الباكيتين
هي هترجع صح ياطنط ميرال
مسحت ميرال دموعها بحنان
اللي بيموت مابيرجعش حبيبتي
بس حضرتك رجعتي قولي لها إزاي وإنتي ترجعيها
تصلبت ملامح ميرال كأن كلمات الطفلة صفعتها ليرتجف جسدها بلا تحكم فصاح يوسف غاضبا بعدما وجد حالة والدته
هو أنا مش لسه قايل لك إنها ماتت ومش هترجع!
انزلقت دمعة من عيني ميرال نهضت من مكانها تحاول تهدئته
يوسف حبيبي اهدى هي صغيرة وبتسأل بس
لكنه تحرك خارج الغرفة وغضبه يعصف به كعاصفة فقدت السيطرة
بكت ضي
هو أنا قولت حاجة غلط
سحبتها ميرال واتجهت بها إلى سرير يوسف جلست وبدأت تقص لها بعض أشياء عن موت المؤمن وحب ربه للعبد المؤمن إلى أن غفت
بالمنزل الذي تختبئ به رؤى
كان يجلس أمامها يستمع الى كلماتها الباكية على ما فعله بها إلياس فلقد اضطرت الاتصال بيزن لكي ينقذها
طيب قومي حضري نفسك علشان هترجعي معايا
هزت رأسها بعنف
لا إلياس هيموتني إنت متعرفوش
لا عارفه وعلشان ترتاحي انا طلبت منه يسامحك
إزاي هيسامح إنت متعرفوش أصلا
أنا قولت إيه قومي ومش عايز اعتراض لما أموت يبقى الجأي لغيري
قالها يزن وتوقف قائلا
هستناكي برة
بعد اسبوع بقصر الجارحي
تجمد فاروق في مكانه وعيناه تتسع من وقع كلمات أخيه التي اخترقت صدره كالرصاص
صفية ماتت إزاي يافاروق
رفع رأسه بذهول حدق في إسحاق بدهشة وغضب مكتوم
إنت تقصد إيه ياإسحاق!
لم يكترث إسحاق لحالته وأردف بصوت حاد قاطع
الجثة لازم تتشرح
قفز فاروق من مكانه كالملسوع من النار
إنت أكيد اتجننت عايز أشرح جثة مراتي!
تصلبت ملامح إسحاق وأردف بنبرة كسكين بارد
أنا مش باخد رأيك وبقولها قدام الكل قالها و التفت نحو أحلام عيناه تهتز بمزيج من الغضب والاتهام
صفية دي أمي قبل ماتبقى مرات أخويا هي اللي ربتني في عز انشغال الباقي بحفلاتهم
قطع حديثهم دخول أحد الخدم بصوت متردد
أرسلان باشا جه يافاروق باشا
ارتسمت صلابة على وجه فاروق قبل أن يدخل أرسلان بخطواته الواثقة عيناه تمسح المكان بحدة حتى وقعت على ملك الجالسة بجوار أحلام فتحدث بصوت جاد
ملك سبيني شوية مع فاروق باشا
بمنزل إلياس
خرجت ميرال متجهة نحو سيارتها لكنها توقفت فجأة حين وقفت أمامها سيارة يزن وبجواره رؤى
تجمدت للحظة ثم تقدمت بخطوات كالعاصفة لتتوقف السيارة فجأة أمامها ترجل يزن وصاح بوجه مشدود بالغضب
إنتي اتجننتي ياميرال!
لكنها لم تعبأ بوجوده اتجهت مباشرة نحو باب السيارة فتحته بعنف وسحبت رؤى للخارج بقوة عيناها تلمع بوحشية مكبوتة
أهلا أستاذة رؤى كنتي فاكرة إني هسيبك مرتاحة!
نظرت رؤى نحو يزن تستنجد وصوتها يقطر مرارة
إنت مش هتقولها حاجة!
اقتربت ميرال منها أسنانها تصطك من شدة الغيظ
يقولي ايه يابت لازم تدوقي اللي أنا دقته عشان تعرفي يعني إيه حمد ربنا على النعمة قالتها ميرال وهي تسحبها بغضب
ميرال!
صرخ يزن يحاول أن يمنعها لكن صوتها غطى على المكان وهي تنادي على الحارس
ارميها في المخزن
تجمد الحارس في مكانه بينما يزن يصرخ مذهولا
إنتي اتجننتي! دي أختك!
ضحكت ميرال ضحكة مرة عيناها تلمع بنار مجنونة
آه مجنونة وليس على المجنون حرج وأنا مكنتش أختها أصلا
صرخت رؤى فجأة وأردفت بكلمات كالسياط
عشان إنتي ضعيفة وغبية ومتستحقيش الحياة اللي عشتيها آه أنا عملت كل حاجة وكنت بشوفك بتصرخي وإنتي بتتحايلي على الممرضة علشان تديكي يامدمنة يامجنونة وكنت بستمتع بكده عارفة ليه عشان إنتي أخدتي حياة أكبر من حجمك حياة ماتستاهليهاش
تقدمت منها خطوة للأمام وجهها يحترق بالكراهية
إنتي اللي كان لازم
تموتي ياميرال أنا اللي كان المفروض أكون أم لابنك ومرات إلياس لأن واحدة زيك ضعيفة ومريضة ماتستاهلوش أومال لو عشتي في ملجأ كنتي عملتي إيه!
ارتجف قلب ميرال وصوت رؤى يجلجل كأنه يهدم آخر ماتبقى من قوتها حاولت جمع شتاتها رغم كلمات رؤى التي شعرت بها كأنها نصل حاد وهي تقول يامدمنة يامجنونة اقتربت منها تحاول أن تبعث القوة بداخلها ورفعت مع وصول سيارة بها أحد الأطباء واثنين من الرجال يرتدون زي أبيض اقترب يزن يبعد ميرال عنها وأشار إلى الرجلين
خدوها استدارت تنظر لتلك الرجال وتصيخ بغضب
عايز تدخلني مستشفى المجانين يايزن
وصل إليها يسحبها بعنف أحد الرجال يشير إلى الطبيب
مفيش زيارة غير بإذني
تجمدت ميرال بمكانها وهي تنظر إليهم وهم يسحبوها بوسط صرخاتها بدخول رحيل من البوابة الرئيسية توقفت بسيارتها بجانب الطريق وترجلت منها تنظر بجهل على الرجال الذين يسحبون رؤى مع صرخاتها تقابلت الأعين فتوقفت رؤى أمامها
عارفة هندمك على كل حاجة إنتي السبب
اقتربت منها رحيل بعدما أدركت ماصار وابعدت يد الممرض وانحنت تنظر إليها بشماتة
أنا اللي خليت يزن يدخلك مستشفى المجانين يامجنونة قالتها بهمس قاتل بجوار أذنها ليرتفع جنون رؤى تسحبها بعنف من جانبها في محاولة لخلاص رحيل من يدها ابتعدت رحيل بعدما أصابت هدفها تشير إلى الطبيب
حالتها صعبة جدا أي تقصير إنت المسؤول قدامنا شوفت كانت هتموتني إزاي قالتها والتفتت إلى رؤى وابتسامة ساخرة على شفتيها لم يلاحظها سوى ميرال
اسبوعا اخر مر على الجميع عند إلياس
ترجل من سيارته متجها إلى ذلك المبنى الشامخ دقائق وتوقف أمام المبنى ينظر بساعته مع فتحها الباب وخروجها من شقة أحد صديقاتها وخلفها طارق وقفت متجمدة تهمس بتقطع
إلياس!
اقترب منها وعيناه نيران جحيمية
على العربية
إلياس إنت فاهم غلط
على العربية مش عايز أسمع نفس
إلياس إحنا معملناش حاجة غلط
اخرس يالا ماوجهتلكش أي كلام مش هنزل لمستوى واحد
إلياس اسمعني لو سمحت
ابتعد بنظراته وهو يطوف بالمكان
امشي قدامي يامحترمة متخلنيش أفقد أعصابي قدام الناس
إلياس لازم تسمع هنا فقد أعصابه بالكامل ليلكمه بقوة أسقطته أرضا
في مكان آخر
صعدت ميرال درجات المبنى بخطوات سريعة وهي تتحدث بالهاتف تستمع إلى صوت أرسلان
وصلتي
أيوه قالتها وهي تبتسم بخبث وإصبعها يضغط على زر الجرس
زي مااتفقنا ماتقلقش علي ابن عمي ظابط مخابرات قد الدنيا
ضحك أرسلان ضحكة قصيرة
بس جوزك لو عرف
يبقى مايعرفش بعدين نتكلم سلام
أغلقت الخط مع فتح الباب ظهرت رانيا عيناها متسعتان من الدهشة ولكن أردفت ميرال
ماما حبيبتي وحشتيني
تراجعت رانيا خطوة عينها تتحرك بخوف خلف ميرال تتوقع ظهور إلياس
متخافيش محدش يعرف إني جاية لعندك العنوان جبته من رؤى الحقيرة آه أصلها باعتك
ارتجفت رانيا وأردفت بصوت ثقيل
إنتي عايزة إيه
جلست ميرال بثبات تضع ساقا فوق الأخرى ذراعاها وفي عينيها جمرا مشتعل
مش انتي عايزة أرجع لعندك
ارتبكت رانيا فاقتربت بخطوات حذرة تتفرس في ملامح ابنتها
وأنا المفروض أصدقك
ابتسمت ميرال بسخرية أخرجت من حقيبتها صورة وألقتها أمامها
شوفي كويس وملي عينك علشان تعرفي عملتي إيه في بنتك
التقطت رانيا الصورة بأصابع مرتعشة وعيناها اتسعت وهي تهمس
مين دي
اقتربت ميرال ورمقتها بنظرات كالسكين
مش عارفة بنتك يامدام رانيا ولا إنتي مش فاكرة عملتي فيها إيه
صمتت رانيا لحظات طويلة ثم قالت
أنا مكنتش أعرف والله ماكنت أعرف كل حاجة حصلت من ورايا ولما جيت لعندك كنت مهددة ياإما السجن ياإما الموت
ضحكت ميرال ضحكة ساخرة ممزوجة بالمرارة وقالت بصوت كصفير الريح قبل العاصفة
أيوه أنا بقيت التمن صح إنتي تعرفي إني كنت أه صح إنتي متعرفيش
ما كانش قدامي
حل تاني
قالتها رانيا بصراخ وعيناها تلمع بخوف
أنا حتى كنت مخططة أوصل لإلياس وأقوله كل حاجة
لكن ميرال لم تكترث لحديثها نهضت تدور في الشقة بعينين متقدتين حتى وصلت المطبخ عثرت
تراجعت رانيا تبتعد عنها وتساءلت بصوت متكسر
إنتي بتعملي إيه ياميرال
الصراحة يامدام رانيا أنا مش متأكدة هو هيعمل إيه بس إلياس السيوفي مابسبش حقه فكان لازم أسيطر على الوضع مع كلمتين حنيين لأرسلان علشان يقولي مكانك فين أصل أرسلان هو اللي جابك هنا علشان إلياس مايوصلكيش بعد برضو لما قولت له هيضيع نفسه علشانك
إيه رأيك بقى وصلت لكم أنتوا الاتنين واحدة قدامي هعرفها إزاي الوجع والتانية وحياة مرار الأيام وبعدي عن ابني لأسقيها المرار ضعفين
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
في تفاصيل العمر ثمة لحظات تنطفئ فيها الروح وأخرى توقدها بلهيب لا يطفأ هناك قلوب تكسر لكنها تظل تنبض رغم الألم تبحث في شظاياها عن ذاك الجزء الذي لا يزال يؤمن بالحب.
الحياة لم تكن يوما سهلة فهي تلقي بنا بين طرق ملتوية تغرقنا في الخيبات حينا ثم تمنحنا بلمسة صدق ما يعيد لنا معنى البقاء.
وفي منتصف كل هذا يولد الحنين يزهر العشق وتشتعل القلوب بين لهفة اللقاء وخذلان الفقد. كأننا نسير على حافة نار نحترق ونضيء في آن واحد.
هي الحكاية التي تختبئ خلف كل نظرة صامتة وكل ابتسامة مكسورة وكل وعد لم يكتمل حكاية لا تروى إلا بقلوب تجرعت مرارة الفقد وعرفت كيف تفتش بين الرماد عن بقايا حياة.
ابتعد إلياس عن طارق ارتفع رنين الهاتف يعلو بالمكان ورغم ذلك لم يلتفت إليه وصاح بصوت جاف متحشرج بالغضب
فكرتك راجل يالا
نهض طارق ببطء مسح الدماء المتجمعة عند فمه بظهر كفه وألقى بنظرة تحد نحو إلياس قبل أن يتكلم بنبرة متكسرة تحمل مزيجا من الألم والاعتراف
أنا بحبهاوإنت عارف..
تقدم خطوة للأمام وارتجف صوته وهو يتابع
مش ذنبي إن أبويا كان مجرمإحنا مالناش يد في اللي عمله خمس سنين وبحاول اقنعك وانت رافض تديني فرصة وهي اتخطبت وبرضو مقدرتش تكمل اه غلطنا لما اتقابلنا من وراكم وأصرينا على كدا منكرش اني وعدتك هبعد عنها بس مقدرتش ووالدتها جالها غيبوبة سكراتصلت بيا لأنها مالهاش حدوأكيد إنت عارف دا كله.
توقف لثانية يلتقط أنفاسه ثم أكمل بعينين يملؤهما الإصرار
آهأنا بحبها وماانكرش كان قدامي فرص كتيرةبس عمري ماأذيتها عمري مافكرت أضرها
التفت إلياس إليها عيناه تقدحان شررا وأردف بصوت ينفجر كالرعد
بيقول مافكرش يضرك لما يخرج معاكي من غير رابط رسمي غير مكالمتكم طول الوقتوتنكروا كمان إنكم جيتوا هنا قبل كده!
ارتجفت شفتاها وكأن الكلمات تخنقها فتمتمت بتقطع
إلياس
لكنه قطع صوتها وأشار إليها بتهديد صريح
اخرسي يابت واركبي العربية..مش عايز أسمع نفسك.
رن الهاتف من جديد فانتزعه من جيبه وأجاب بنبرة تقطر غضبا كأنها تحمل حمما تتفجر
فيه إيه!
أجابه الطرف الآخر مترددا
أستاذة ميرال في شقة على طرف المدينة ياباشاخرجت من ساعة وحاولت تهرب من الحراسة بس أنا تابعتها من بعيد زي ماحضرتك أمرت.
ضغط أسنانه حتى كاد يسمع لها صريرا
ابعت العنوان بسرعة.
قالها وأغلق الهاتف يلتفت بعينين تومضان بالغضب نحو سيارته ثم أشار لمالك بصرامة
وصل غادةوخليك على اتصال معايا.
تحت أمرك ياباشا.
توقف طارق أمامه
إلياس آسف إني مكنتش قد وعدي.
حدجه إلياس بنظرة كادت تحرقه
غادة دي أختي ياطارق أوعى تفكر علشان غيرنا الأسماء مبقتش تهمني دا أنا مستعد أضحي بحياتي لو حد حاول يضرها حتى لو أخويا نفسه ويارب مايكنش ضريتها فعلا لأني وقتها مش هرحمك يابن راجح..قالها وتراجع إليها..
ثم صوب نظراته النارية نحوها من جديد وأردف بصوت آمر
اركبيواقفة كده ليه!
تحركت ببطء تشعر بثقل خطواتها رفعت عيناها إلى طارق وهي تتجه إلى سيارة مالك ثم التفتت إلى إلياس الذي ابتعد بنظراته عنها هنا شعرت بأن صمته سيظل جارحا وسيرفض منحها فرصة لتبرير أو تفسير
وصل إلياس إلى العنوان الذي دون على شاشة هاتفه توقف بسيارته بعنف وترجل بخطوات متسارعة فاقترب منه الحارس وأشار بيده إلى الأعلى
فوق
تقلصت ملامح إلياس واندفع نحو المبنى متجها إلى الطابق المنشود..
بالداخل عند ميرال طالعت رانيا بوجه جامد كالصخر وعينين تتطاير منهما شرارات حمراء
لااااميرال إنتي اتجننتي!.
ورغم ذلك لم يرف لها جفن بل اتكأت عليها تحدجها بنظرات سوداء كالذي يغرق في الظلام وهتفت بصوت يخرج مبحوحا مخنوقا بالغل
شايفة الألم دا! ده ماييجيش نقطة في بحر اللي عشته بسببك
اقتربت أكثر حتى كادت أنفاسها الحارة تحرق وجه رانيا
من يوم مافوقت وعرفت إنك ورا الخراب اللي أنا فيهوأنا بدعي ربنا أموتك مش مهم إيه اللي هيحصل بعدها
ورغم ارتجاف يدها لكنها ضغطت بقسوة
أنا بكرهكبكرهك من يوم ماعرفت اللي عملتيه في ماما فريدةوفي أختك وأنا نفسي أشوفك جثة..
بكره نفسي ضغطت بقوة أكتر مع صرخات رانيا ولكن ميرال كأنها أصيبت بالصمم ولم تعد تستمع شيئا
وصلتيني أقتل نفسي وأقتل بنتي....دفعت رأسها عدة مرات بالجدار تصرخ بها كالمجنونة
أاااه..لازم أموتك..قالتها بصراخ وارتجاف جسدها ودموعها التي أصبحت كالشلال..
مع انفجار رانيا بالبكاء تحاول إبعاد يدها المرتجفةلكن ميرال تحولت كالمجنونة وهي تضغط بقوة وصرخات رانيا كالزلزال
حاولتي تقتلي جوزي علشان
مايوصلش لميرال
ارتفع صراخ ميرال ممزوجا بنحيب متقطع في تلك اللحظة دفع إلياس الباب بقوة عمياء فارتطم بالحائط وتناثر زجاجه في كل مكان
ميرال!.
همس بها بصوته مذعورا وهو يراها بتلك الحالة جسدها يرتجف بالكامل دموعها تسيل بلا توقف ووجهها مشوها بغضب ووجع عميقين كأن روحا أخرى استولت عليها.
اقترب خطوة واحدة قلبه يضرب في صدره بعنف وهي تشير إليه بجنون بعينين كجمر مشتعل
لو قربت...لو قربت
ميرال حبيبتي .
اقترب خطوة أخرى وعيناه على السكين الذي يرتجف بين كفيها..ونطق بصوت يرتجف وهو يحاول أن يلتقطها من حافة الهاوية
سيبيها فكري بعقلك ياميرو...
لكنها صرخت وأصبح صوتها متقطعا من حالتها الضائعة تمتمت كالذي فقد عقله
أنا لازم أموت الست دي ياإلياس..
إنت متعرفش حاجة..الست دي لو فضلت عايشة هتاخد ولادي مني هي قالت كده..قالتلي هتعملها وعايزة تموتك..
هتف إلياس وطالعها وهو يتوسل إليها
ميرو حبيبتي ارمي السكين..كده ولادك هيتاخدوا فعلا لأنك هتتحبسي لو موتيها القانون مالوش دعوة باللي هي قالته..فكري في الولاد يوسف وشمس.
لكنها هزت رأسها بعنف عيونها تغلي بدموع مريرة
لازم تموت لازم..هي تستاهل.
اقترب أكثر ببطء محسوب كأنه يحاول تهدئة حيوان جريح
تمام وحياتك عندي هاخد حقك منها..بس مش كده مش بالموت.. سيبي السكين ياميرو أرجوكي...
كانت يداها ترتجفان بعنف يهتز في قبضتها كأنه ينتظر السقوط.. خطوة واحدة أخرى فقط كانت تفصل إلياس عنها وعن اللحظة الفاصلة بين الحياة والموت..وهي تميل بنظراتها إلى رانيا راقب تغير ملامحها كأنها تصارع كوابيس..
ارتعش صوته وهو يهز رأسه بجنون من نظراتها إلى رانيا التي تيقن أنها فاقدة لعقلها بالكامل همس اسمها برجاء يائس يحاول إيقاظها من كابوس يغرقها في لج الظلمات ابتلع ريقه بصعوبة وقال بنبرة حاول أن تكون هادئة
طيب ينفع كده إنتي بتموتينا كلنا..مفكرتيش في في حياتنا!.سيبي السكين ياميرال سيبيها..
لكنها لم تستمع إليه كأنها بعيدة بعيدة جدا كأن روحها انفصلت عن جسدها..عيونها معلقة بوجه رانيا المحترق وصرخاتها تصم الآذان وذكريات سوداء تتدافع كالأمواج العاتية تلطم عقلها وكيانها بلا رحمة.
حتى ذهبت ذاكرتها لمآسيها الدامية تنظر إلى عيون رانيا المتألمة أمامها وهي لا تراها سوى وجه عذبها بل خنقها وألقى بها في الجحيم..صرخت رانيا باسم إلياس وهي ترى اقتراب ابنتها المجنون منها رغم حروقها لم تشعر بشيء إلا أن ابنتها ستقوم بقتلها حتما صرخت رانيا تستعطفها برجاء ولكن صراخها لم يكن شفيعا إليها بل كان صدى لآلام الماضي الذي فجرته رانيا بعقل ميرال المغيب لتفتح قيح جراحها الذي لم ينطفئ
اهتزت شفتاها بكلمات بالكاد خرجت من حنجرتها كلمات تحمل وجعا وقهرا
لازم
قالتها وهي تبكي بحرقة مع ارتجاف يدها..لم يكن
توقف كل شيء و تجمد ولم يسمع سوى أصوات أنفاسهم المتقطعة..
عيناه كانت على رانيا وهو ينظر إلى
مافعلته ميرال بها ثم اتجه إلى ميرال التي جثت على الأرض ترتجف كطفلة فقدت الطريق ودموعها تحفر أنهارا على وجهها.
صرخت بجنون
اهدي..اهدي ياميرال.
رفع نظره إلى ذلك الرجل الضخم علم من هيئته أنه تابع إلى أرسلان أشار على رانيا المقيدة وقال
فكها وخدها من هنا.
أومأ بطاعة وتحرك دون أن يضيف شيئا..
أما هي فقد انهارت أن داخله كان بركانا يوشك على الانفجار.. مضى بها بخطوات بدت واثقة بينما الحقيقة أن قلبه كان يختنق مع كل خطوة.
وصل إلى سيارته وضعها
برفق على المقعد
أنا معاكي..محدش دمرك ولا حاجة ميرال ركزي معايا..الماضي خلاص مات فكري فيا أنا وإنتي وولادنا..دا أهم من أي حاجة.
أغمضت عينيها ودموعها انسابت في صمت ورغم أن الدموع مياه لكنه شعر بها نارا تحرقه من الداخل..استدار خلف المقود
إيه رأيك نعدي على الدكتور الأول.
تحكي له اللي جواكي.
مش عايزة..عايزة أروح لماما فريدة.
تمام..هنروح لماما بس علشان خاطري نعدي على الدكتور الأول.
أومأت برأسها بصمت
عند غادة...
استقلت سيارة الحراسة جلس مالك خلف المقود وتحرك بها صامتا كأن الكلمات اختنقت في صدره..استندت غادة إلى النافذة نظراتها معلقة بالخارج تتأمل الشوارع التي تتلاشى خلف الزجاج بينما عيناها تحولتا إلى برك من الألم..كانت تدرك أنها أخطأت بحق الجميع لكن قلبها يأبى إلا أن يفتقده وبدأ ينزف لأجله.
أغمضت عينيها تركت دموعها تنساب في صمت ثقيل لم يكن بكاء صاخبا بل وجعا يتسلل كنيران تلتهم قلبها..
لمحها مالك عبر مرآة السيارة تردد طويلا قبل أن يبتلع كبرياءه ونطق
آسف..عارف إني اتصرفت غلط بس كان لازم أحافظ على أمانة شغلي.
فتحت عينيها ببطء نظرت إليه بنبرة مكسورة
ليه رغم إني حذرتك بس عملت اللي في دماغك.
لم يرد شد على المقود بأصابعه كأنه يحارب نفسه قبل أن يحارب كلماتها.. لحظات وتكلم بصوت منخفض لكن حاد
ماليش دعوة بتحذيراتك أهم حاجة عندي أأدي شغلي بأمانة وإخلاص..أول مرة عديت وخبرته بعد ماتركتي المكان..يعني حاولت أنصفك وأنصف شغلي.
رمقته بنظرة ممتلئة بالخذلان
إنت مالكش دعوة بحياتي تاني سمعتني إنت مين أصلا علشان تدخل في حياتي.
شد على المقود أكثر وتحدث بنبرة خرجت من بين أسنان مضغوطة
عذرا ياآنسة مش ذنبي إن حضرتك فاهمة غلط...أنا بأدي شغلي وبس..أما إنك تعملي حاجة غلط فدا مش عيبي.
صرخت بغضب مخنوق
ممكن تخرس مش عايزة أسمع نفسك خالص..
ابتسم بمرارة لم ترها
حاضر..هخرس بس مش علشان حضرتك قولتي كدا..علشان أنا أصلا مش عايز أتكلم مع شخص فقد الثقة في اللي حواليه.
جحظت عيناها من الألم نظرة نارية وجهتها إليه عبر المرآة لكنه سحب بصره سريعا للأمام يقود بصمت.. ظلت السيارة غارقة في الصمت حتى قطعه صوتها فجأة حادا متوسلا
ممكن توقف قدام النيل شوية
آسف..ماعنديش أوامر بكدا.
لو سمحت..
لكنه مضى في طريقه دون أن يلتفت إليها هنا أفلتت شهقة ببكاء خافت تحاول كتمه قدر ماتستطيع وهي تهمس بصوت مبحوح كأنها تكلم نفسها
لو روحت كدا..بابا هيشك وأنا مش هقدر أوجعه..وممكن يزعل مني.
اتجهت بنظرها إلى المرآة وعيناها تتوسلانه بصوت مكسور
مالك..لو سمحت نص ساعة بس أهدى..وبعد كدا كلم إلياس لازم أتكلم معاه.
حاضر..
نطقها مالك بنبرة خافتة ثم أوقف السيارة على جانب الطريق وترجل بخطوات بطيئة نحوها فتح الباب بهدوء فترجلت هي بعيون غائمة بالدموع وكأنها تمشي محملة بجبال من الهم..اتجهت نحو النيل وقفت صامتة تحدق بالمياه وكأنها تبحث عن شيء يطفئ حرائق صدرها.
ظل مالك يراقبها من بعيد لدقائق معدودة ثم أخرج هاتفه وأرسل رسالة قصيرة ثم بقي في مكانه يتابعها بصمت..جلست غادة على إحدى الأرائك الحجرية ومن عينيها انهمرت الدموع بغزارة بكاء مكتوم تحول إلى نحيب مرتجف وكأنها تفكك حصونها المنهارة.
اقترب مالك بخطوات هادئة مد نحوها محرمة ورقية بصمت..سحبتها منه دون أن تنظر إليه وهمست بصوت متقطع
شكرا.
لم يرد وظل كما هو بينما هي تنظر بشرود ضائع وذكريات مقابلتها بطارق وحديث إلياس كاد أن يشق صدرها..
قطع الصمت رنين هاتفه رفعه سريعا
أيوة يافندم.
تحدث إلياس بصوت حازم
خليها مع نفسها شوية متسبهاش لوحدها وبعد كده ارجع بيها البيت عندي..ماترجعش بيها عند السيوفي.
تحت أمرك.
أنهى المكالمة ثم تحرك إلى سياج النيل أخرج سيجارة أشعلها
وراح ينفث دخانها ببطء عيناه تتنقلان بين المارة ومياه النيل الساكنة ثم استدار يتأمل غادة سكونها نظراتها المعلقة في اللاشيء.
فجأة اقتربت طفلة تحمل باقة ورد صغيرة عيناها فيهما شقاوة طفولية
وردة ياباشا..خدها وصالح بيها حبيبتك بدل ماهي بتعيط.
زم شفتيه ساخرا
بكام الورد ده ياأم لسانين.
ابتسمت الفتاة بخفة كان عمرها مابين الثالثة عشر والخامسة عشر ردت بذكاء
لو هتاخده كله..يبقى بتصالح ومش زعلان..لكن لو بتسأل علشان تضحك عليا يبقى يفتح الله.
أخرج بعض النقود وضعها في كفها
شوفي دول يكفوا
قلبت النقود بين أصابعها
مش بطالين..أهم جابوا حقهم علشان أروح أذاكر.
تأمل ملامحها لحظة ثم سأل
إنتي بتدرسي.
طبعا..أنا في تالتة إعدادي وإن شاء الله هدخل ثانوي علشان أدخل كلية هندسة ياله سلام ياباشا..وصالح حبيبتك هي مش لابسة دبلة يبقى لسة حبيبتك مش خطيبتكط
تهكم على كلماتها أشار إلى الورد
خدي وردك معاكي دي مش حبيبتي.
رفعت حاجبها دارت بعينيها ولمحت غادة الغارقة في شرودها ثم نظرت له بثقة طفلة تعرف ماتقول
بس أنا شوفتها نازلة من عربيتك.
يلا يابنتي شوفي شغلك.
نظرت إلى النقود ثم إلى الورد
لو مش هتاخد الورد..يبقى خد فلوسك أنا مش شحاتة.
تنهد بضيق التقط الورد من يدها بإيماءة حادة أشار لها بالرحيل..تركته وغادرت وبقي واقفا يحدق بالورد الذي تركته معه ثم عاد بنظره إلى غادة.
اقترب منها بخطوات بطيئة انحنى قليلا وضع الورد أمامها وقال بنبرة جافة لكن فيها اعتراف خفي
اعتذار مني..مع إني مابعتذرش عن حاجة صح عملتها..بس اعتبريه اعتذار عن أسلوبي معاكي.
رفعت نظرها إليه لم تر سوى انعكاس وجهه خلف نظارته السوداء مدت يدها أخذت الورد هامسة
شكرا.
ثم نهضت فجأة وأردفت بكلمات مختصرة
روحني.
لا..هنروح عند إلياس باشا هو اللي أمر بكده.
أومأت بصمت ومشت نحو السيارة الورد في يدها وقلبها مثقلا بأسئلة لم تنطق بها.
عند طارق..
وصل طارق إلى الكمبوند كالمنهار أوقف سيارته فجأة فصرخت الفرامل بصوت مرعب..خرج يزن من منزله بسرعة ليرى ماذا حدث يظن أن الأمر متعلق برؤى لكن ملامح طارق كانت تحكي مأساة أكبر..هبط يزن الدرج بخطوات سريعة نحو طارق لكنه سبقه بانفجار ممزوج بالقهر
ذنبي إيه إني ابن راجح ذنبي إيه إني اتربيت على إيده وعملت غلط ربنا عاقبني واتجازيت..ليه دايما هدفع التمن ليه مهما أعمل الناس هتفضل تشاور عليا وتقول دا
ابن راجح.
ضاقت عينا يزن بدهشة بينما خرجت رحيل من المنزل تتفاجأ بصوت طارق المقهور وهو يكمل
هفضل أدفع التمن لحد إمتى ليه مش مكتوب عليا أتعامل إني طارق..وبس
اقترب يزن يحاول فهم مايجري
إيه اللي حصل ياطارق مالك!.
تعبان..أنا تعبان يايزن..خلاص حياتي اتدمرت..وهفضل في نظر الكل مجرم..وابن مجرم.
قالها ودموعه تنساب بلا توقف استدار مترنحا نحو منزله خطواته ثقيلة كأنها تقوده للهاوية..وقالت بقلق
روح وراه..طارق مش ضعيف علشان ينهار كدا أكيد فيه حاجة كبيرة حصلت.
أومأ يزن متفهما
طيب..خلي آسر يستناني لما أرجع.
عند أرسلان..
وصل أرسلان إلى مكتب إسحاق بعدما استدعاه..طرق الباب بخفة قبل أن يدخل
مساء الخير ياعمو.
أشار له إسحاق بالجلوس وهو مايزال منشغلا بمكالمة هاتفية..انتظر أرسلان دقائق قليلة قبل أن ينهي إسحاق حديثه ثم استدار إليه بابتسامة خافتة
عامل إيه دلوقتي
نهض إسحاق من مكانه وجلس قبالة أرسلان وقال بنبرة جدية
كويس ياحبيبي..بس اسمعني للآخر وفكر مش عايز ردك دلوقتي.
ظل أرسلان ينظر إليه في صمت حتى أكمل إسحاق
عايزك ترجع شغلك تاني ولو خايف من المساءلة أنا في ضهرك..محدش هيقدر يتكلم عمك واصل.
لم يتحرك ساكنا في وجه أرسلان حتى قال
فيه حاجة تانية حضرتك عايزني فيها
تأفف إسحاق بضيق
مش دا اللي منتظره منك ياأرسلان.
استند أرسلان على المكتب بذراعه وأردف بصوت هادئ لكنه حاد
الموضوع انتهى ياعمو..وحقيقي مش عايزك تزعل مني.
يعني إيه
زفر أرسلان بتعب
يعني خلاص أنا رسمت حياتي ومرتاح كدا..مش عايز أرجع أحارب ضد ولادي..عارف حق بلدي وفوق دماغي بس مش قادر أرجع للشغل دا تاني. عودت نفسي أبعد وأبعد ولادي عن ضغطه.
هز إسحاق رأسه بتفهم وحدجه بعينين تحملان شكا صامتا
طيب..إيه اللي قولته لفاروق وإيه الورق اللي كان معاك وخلاه من وقتها مش عايز يتكلم.
مرر أرسلان يده على وجهه كأنه يطرد ثقلا جاثما فوق صدره
حاجات تخص أحلام هانم..آسف عارف إنها والدتكم..بس اللي راحت كانت أمي.
تراجع إسحاق في مقعده ورغم ذهوله الذي يعصف به لكنه أخفى اضطرابه وتمتم بنبرة باردة
مش
________________________________________
فاهمك ياأرسلان..من إمتى بتكلمني بالألغاز
أغلق
عمو ممكن نأجل الموضوع..فيه حاجة بعملها ومنتظر نتيجتها.
توقف إسحاق ونظراته تزداد حدة
أرسلان أنا مشغول جدا..متقلقنيش إيه اللي مخبيه علي.
اقترب أرسلان خطوة للأمام وتمتم بنبرة أكثر ثقلا
عايز أعتذرلك عن مختار العوضي..أنا اللي عملت فيه كدا متنساش إنه مدسش على رجل أرسلان الشافعي..
اقترب أرسلان أكثر والنظرات بينهما تتلاقى بثقل
عندي معلومات تدفنه في سابع أرض بس مش هعمل كدا..لأن حسابه مع أرسلان الشافعي لسه مااتقفلش.
تجمد إسحاق في مكانه يرمق أرسلان بنظرات تبحث خلف
متابعة القراءة