كانها الحياة بقلم سيلا وليد

لمحة نيوز

أن نكتب لها بداية.
كان آدم يتحدث مع إلياس ولكن خفت صوته بمجرد دخول إسحاق..هنا ساد الصمت احتراما يليق بثقل إسحاق وحضوره تقدم إسحاق بخطوات هادئة فنهض آدم سريعا يحييه بمودة تليق بمقامه بينما اكتفى إلياس بإيماءة هادئة تظهر تقديره وميرال التي تبادلت معه ابتسامة رقيقة
_أهلا بحضرتك.
أومأ لها برأسه وبادلهم التحية بنظرة تحمل وقار السنين.
ثم انتقل إلى إلياس
_آسف جينا من غير موعد. 
أشار إليه إلياس بالجلوس ورد بنبرة وقورة تليق به
_إحنا بينا موعد برضو البيت بيت حضرتك يا باشا.
قالها إلياس ورفع عينيه على حمزة الذي ظل واقفا عند الباب
_واقف كدا ليه يا حمزة ادخل حبيبي. 
هكذا تمتم بها إلياس ينظر إلى ميرال التي علمت مقصده رفع آدم نظراته عليه
_دا ابن حضرتك يا إسحاق باشا
تجمد إسحاق للحظة وعينيه تسافر لابنه الذي وقف كالطيف لا روح فيه. رأى الانكسار في عينيه وتلك النظرة التي تشبه الغريق غامت عيناه بصمت حزين قبل أن ينطق بصوت خافت
_أيوة ابني الكبير حمزة.
_ماشاء الله ربنا يباركلك فيه.
اقترب حمزة بخطوات بطيئة وكأن كل خطوة تجر خلفها وجعه من تلك القاسية وهو يراها بل يتحدث معها عن شخص آخر هنا شعر بأن قلبه لم يعد يسكن صدره بل كان يتخبط بشراسة يريد أن يصرخ بها ويبعدها عن الجميع ولكنها مازالت واقفة ثابتة في مكانه لا تشعر بانهياره الصامت.
وصل إلى آدم يحاول أن يبدو ثابتا يحاول أن يجمع فتاته
_أهلا بحضرتك ياعمو
نطقها بجمود كأن صوته يخرج من صدر متعب.
ابتسم آدم بحنو وهو يربت على كتفه
_أهلا يا حبيبي.
تحركت ميرال قليلا تمسك يد ابنتها محاولة تهدئة نظرات حمزة المصوبة إليها
_بعد إذنكم..قالتها وتحركت بعض الخطوات ولكنها توقفت على كلمات إسحاق نحو شمس بنبرة عتاب أبوي بسيط
_إيه يا عمو...مفيش إزيك
تجمدت شمس ورفعت رأسها ببطء تنظر إليه بدهشة طأطأت رأسها بعدما رأت نظرات الجميع مسلطة عليها شعرت وكأنها تختنق ولم تقو على التنفس كأن جدران الغرفة تطبق على صدرها بينما حمزة كان يحدق بها بعمق جارح كأنه يحاسبها بنظرة واحدة عن مارآه وسمعه.
خطت متجهة إلى إسحاق ولم تستطع أن تنطق أو أن تبتسم لم تشعر سوى بارتجاف جسدها رفع إلياس نظراته إليها هنا رأى ابنته قلبه النابض تقف في عين العاصفة وحيدة.
فنهض من مكانه بهدوء يشبه
_تعالي يا بابا.
كانت الكلمة كحبل نجاة امتد لها وسط الغرق.
تحركت شمس نحوه بخطا مرتبكة خطوات تخونها رغم محاولتها الثبات.
كانت تشعر بأن كل عين تفضح خوفها.
لكن أشدهم وقعا عليها كانت نظرة حمزة.
وقعت عيناها عليه وهو يطالعها بنظرة ليست غضبا فقط بل وجع حاد 
كأنه يقول بصمت موجع
_ليه
سحبت نفسا ثقيلا تحاول أن تسيطر على ارتعاشة قلبها وهي تمر بجواره دون أن ترفع رأسها ولكن زفرة حارقة أخرجها من جوف الوجع
ثانية..كانت كافية لتعيد كل شيء وكافية لتحرق كل شيء.
توقف فجأة عيناه تتشبثان بها كالغريق حين يرى طوق نجاته.
اقترب خطوة..ثم أخرى إلى أن صار أمامها تماما
_إزيك يا شمس
جملة بسيطة..لكنها كالسهم اخترقت صدرها.
غامت عيناها بالدموع وارتجفت أجفانها بارتعاش حاولت الرد لكن خذلتها الكلمات وشعرت بتوقف لسانها..
كل مااستطاعت فعله أن تبتلع ريقها بصعوبة وقبل أن تنطق جاء صوت والدها 
_تعالي يا حبيبتي.
قالها إلياس وهو يسحبها من أمامه بخطوة حاسمة وعيناه تشتعلان حذرا..ثم التفت إلى حمزة بابتسامة مصطنعة
_اتفضل يا حبيبي.
رفع حمزة حاجبه ببطء ونظرة الغضب تلتمع في عينيه بينما جلس إسحاق يحك جبينه بصمت على أفعال ابنه المتهور الممزوج بالعشق..رفع نظره بعدما استمع إلى كلمات ابنه التي جاءت كالصاعقة على الجميع
_بعد إذنك يا عمو إلياس..عايز أتكلم مع شمس وقبل ماترفض دا حقي. 
قالها بثبات رغم اضطراب أنفاسه التي كانت تفضح رجفة قلبه.
ابتسم إلياس بسخرية متحفظة واستدار ينظر إلى إسحاق وقال 
_اقعد وبعدين نشوف هتقول إيه.
لكنه لم يجلس ولم يتأثر بحديث إلياس بل رد قائلا
_لا معلش..هقول اللي عندي وبعدها نقرر.
ثم أشار إلى آدم ضاغطا عليها كأنه يثبت للجميع أنها ملكه وحده وأردف 
_شوف ضيفك متخافش عليها... محدش هيخاف عليها قدي.
شهقت شمس بصوت خافت وحاولت سحب يدها منه لكن قبضته كانت أقوى من إرادتها.
نظرت إلى وجهه باعتراض على مايفعله لكن كانت ملامحه تصرخ حبا واحتياجا 
تجمد إلياس ونيران الغضب تتأجج في صدره من وقاحة حمزة فتح فاهه للاعتراض ولكن أوقفه إسحاق وهو يومئ له بهدوء يحاول أن يسيطر على الوضع
_خمس دقايق بس يا إلياس.. 
_إسحاق..تمتم بها بعدم رضا ومازاد الموقف تعقيدا كلمات حمزة إلى آدم باعتراضه على مااستمع إليه فقال بصوت منكسر لكنه مملوء بالصدق
_أنا آسف يا عمو...بس حضرتك غلطت في العنوان عارف كان نفسك تناسب عمو إلياس..هو يستاهل الصراحة لكن معندوش غير شمس واحدة وشمس دي ملك لحمزة الجارحي.
قالها ونظراته الممزوجة بالرجاء والعتاب وكسرة رجل لم يعرف الهزيمة إلا أمامها..كانت كافية أن تزلزل إلياس حتى عجز عن مواجهته.
وقف إسحاق يتنفس بثقل ونطق بصوت خرج من صدر أثقلته الهموم على فلذة كبده
_حمزة بيحب البنت يا إلياس..ومش هقولك كان ممكن يموت..قالها وهو ينظر إلى آدم 
_ماتقول حاجة يادكتور.
تلفت آدم في حرج ثم نهض بخطوات بطيئة
والله يا إسحاق باشا مكنتش أعرف إن الموضوع كده..أنا جيت على طلب ابني.
_رد إلياس ونبرته تجمع بين الكرامة والوجع
_بنتي لسه صغيرة على الجواز ومقدر حال ابنك..بس مش هينفع والله يا إسحاق لو بإيدي كنت أوصلها لحد بيتك بس الظروف أقوى مننا.
صمت ساد بالغرفة للحظات حتى شعر إلياس بتوقف تنفسه كأن الغرفة تحولت إلى ميدان معركة لا يسمع فيها سوى صوت القلوب الموجوعة.
اقترب إسحاق خطوة من إلياس وقال بصوت أهدأ لكنه مليء بالهدوء
_اهدا وفكر..الولد متمسك بالبنت وصدقني مكنتش أعرف إنها شقلبت كيانه
لكنه قطع كلماته بصرامة ممزوجة بالحزن
_إسحاق لو سمحت بلاش شغل الضغط البنت لسة صغيرة وأظن سمعت آدم عايزها لابنه أنا آسف بجد مش بفكر أجوزها حاليا
_طبعا رأيك يحترم مقدرش ألومك كان طلب وخلص ومش معنى كدا علاقتنا هتتوتر بسبب الموضوع دا وكل شيء قسمة ونصيب.
التفت إلى إسحاق 
_آسف جدا مكنتش أعرف إن الموضوع كدا. 
_مفيش موضوع أصلا يا دكتور.. تمتم بها الياس
بالخارج
توقف أمامها وهمهمت بوجع مكتوم مما يحدث لها
_هتفضل تتعامل بالطريقة دي لحد إمتى ليه مصر تحرجني بالشكل دا
اقترب منها خطوة ووميض عينيه اشتعل بين لهب الشوق وجمر الغضب كأنه يريد أن يخرس قلبه عن النبض ورغم ذلك قال 
_اسمعيني..علشان أنا تعبان ومش قادر أجادل وقفت قدامك وقولت بحبك مرة واتنين ومستعد أقولها مليون..مش طالب ردك بس اللي يوجع إنك تدوسي على قلبي برجلك.
صمت لحظة وتابع بصوت منخفض لكنه كان كالسيف
_ سميها زي ماتسميها..أنا بحارب في كل الجبهات لوحدي وإنتي سايقة الدلال ومش حاسة.
اقترب حتىا بنبرة مبحوحة من العشق الضاري
_أنا متأكد إنك بتعشقيني زي مابعشقك وبقسم لك يا شمس الجارحي..كل وجع قلبي هخده منك
شمس... تمتمت بها ميرال بصوت متردد فتراجع حمزة ببطء يلتقط أنفاسه وزع نظراته بين الاثنتين 
هشوف آخرته إيه عمو إلياس! مش حجته أبويا أديني جبت له أبويا..
قالها بحدة ثم دلف للداخل بخطوات تشتعل غضبا.
اقتربت ميرال من ابنتها بينما الحزن يعتصر وجهها
_حبيبتي اطلعي أوضتك.
_ماما..قالتها بدموعها التي خانتها وتساقطت تحرق وجنتيها ا
_حبيتيه مش كده
خرجت شمس تنظر إليها بعين تتشبث بأمل يوشك أن يموت
_بابا ليه رافضه يا ماما
لم تجب ميرال ولكنها شهقت بخفوت كأن الماضي
عاد ليطعنها. 
وقبل أن تنطق وصل إلياس ينظر إليهم بوجه جامد كالصخر لكن ملامحه تفضح حربا داخلية تمزقه. 
نظر إلى ابنته وارتسمت على شفتيه شبه ابتسامة..ابتسامة أب يخفي وراءها جرحا لا يندمل.. وقال بصوت مبحوح
_حبيبتي اطلعي أوضتك..وبعد ما الضيوف يمشوا لازم نقعد مع بعض.
نظرت إليه للحظات بصمت وعيناها تنطق بالكثير من الأسئلة وأهمها ليه توجعني ورغم ذلك هزت رأسها وقالت 
_حاضر يا بابا.
تمتمت بها بانكسار ودموعها تكابر ثم انسحبت.
ظل إلياس يلاحقها بعينيه حتى اختفت عن نظره ثم أدار وجهه ببطء نحو ميرال وفي عينيه وجع رجل يعاقب كل يوم على ذنب لم يقترفه
_مش عايزك تتكلمي مع شمس في أي حاجة..أنا اللي هقعد معاها.
رغم أنه قالها بنبرة هادىة لكنها شعرت بأنها خرجت كأمر جاف ورغم ذلك أومأت في محاولة يائسة للسيطرة على انكساره..تنظر إليه بعين الأم الموجوعة فمهما تماسكا بحبهما سيظل الماضي قبرا لدفنهم اقتربت تحاوط نظرة الصراع وتساءلت بارتجاف شفتيها
_هنفضل لحد إمتى كده يا إلياس ذنبهم إيه الولاد البنت شكلها حبته والواد الصراحة يتحب.
ارتجف جفنه فشد على قبضته محاولا أن يخفي رعشة صوته
_ميرال..أنا مش ناقص وجع محتاج اللي يسندني مش اللي يهدني..نهدى شوية..مش عايز الماضي يوجع الولاد زينا.
صرخت بصوت مخنوق
_هو لسه ماأثرش! أنا قولتها لك زمان أنا لعنة ليك وللولاد..واللي كنت خايفة منه حصل.
أغمض عينيه كأنه تلقى طعنة.
اقترب منها ببطء وقال بصوت خفيض لكنه يقطر ألما
_وبعدين بقى يا ميرال الناس جوا اتصلي بابنك لازم يكون موجود ومش عايز ضعف..لو ضعفتي قدام البنت هتضيعيها.
ونظر إليها طويلا
_ميرال..محدش بيختار قدره اللي حصل خلاص حصل..لكن شمس ماينفعش تفكر في حمزة أنا أب واللي مرضهوش على ولادي
مرضهوش على حد.
ارتجفت شفتاها وهي تهمس
_قلبي بيوجعني يا إلياس..وجع مش عايز يخلص هفضل لحد إمتى أدفع تمن حاجة ماليش ذنب فيها
_فيه إيه مالكم 
نظرت بضياع إلى فريدة 
_بنتي ذنبها إيه يا ماما ذنبها إيه تعيش مأساة أمها وابني..ابني اللي كبر وجواه مليون لعنة من أمه وخلاه يعمل اضراب عن الجواز الواد كره الجواز معندوش ثقة بسبب أمه. 
جلست فريدة بمقابلتها
_حبيبتى إيه اللي بتقوليه دا ابنك إتجوز ولو على شمس بكرة تنساه إنتي مش فاكرة غادة
تراجعت بجسدها تنظر اليهم بتيه
أنتوا مش عارفين حاجة..ولادي بيضيعوا بسببي أنا حاولت أفهمكم زمان أنا عليكوا محدش صدقني ياريتني مت أنا لسة عايشة ليه.
اقترب إلياس 
_ميرو..حبيبتى عايز قوتك أنا كنت حاطط احتمالات هنواجه مشاكل من دي ميرال.. راجح عمي أخو أبويا..فوقي إنتي مالكيش دخل.
هزت رأسها بانهيار والدموع تتساقط غصبا عنها لاتسمع في أذنها سوى صدى صوت حمزة
بحبها..ومش هسيبها.
شهقت وهي تضرب صدرها بقبضتها
_ولادي الاتنين بيضيعوا البنت قالت بتحبه وأبويا بيعمل كدا ليه والتاني بيهرب من مراته بسبب أمه
ظلت ترددها وعيناها تجوب بالمكان كالتي فقدت عقلها.
همس برجاء خافت ممزوج بانكسار
_كفاية بقى يا ميرال..كفاية علشان خاطري إنتي مالكيش ذنب. 
_ولادنا يا إلياس قولي أعمل إيه علشان يرتاحوا أموت نفسي والله لو ينفع لأعملها.
كمن يتمسك ببقايا حياة تفر من بين يديه بينما في عينيه ألف دمعة محبوسة وألف لو تتشبث بالحلق ولا تخرج.
_اهدي خلاص..كله هيعدي حبيبتي اهدي
_طلعها فوق حبيبي وأنا هدخل عند أرسلان وإسحاق لم تكمل جملتها إذ وصل إليهما ارسلان 
_إلياس اتأخرت ليه عملت إيه مع إسحاق شايف الدنيا متوترة. 
رمقته فريدة تشير إلى ميرال بأن يصمت
أومأ متفهما بينما انسحب إلياس..التفت أرسلان إلى والدته
_إيه اللي حصل 
تنهدت بألم تهمهم
_ربنا يتولاها يابني تعال ندخل عيب نسيب الضيوف لوحدهم.
بمنزل يزن...
دلفت رولا إلى غرفة والدها بخطوات ترتجف كأن الأرض تهتز تحت قدميها مع كل خطوة..توقفت عند الباب لحظة تتأمل سكون جسده فوق الفراش..ذاك السكون الذي لم تعهده يوما رجل بحيوية يزن الشافعي وعقله المتوقد كيف انطفأ هكذا كيف سقط فجأة كمن سحبت منه الحياة دفعة واحدة!
اقتربت ببطء كأن قلبها يسحبها إليه سحبا..جلست إلى جواره 
دخلت رحيل خلفها فهوت دموع رولا على صفحات وجهها بلا مقاومة.
_بابا..حبيبي..وحشني صوتك أوي.
ارتجفت عيناه بثقل يحاول الرد أن يربت على خوفها كما اعتاد دائما...لكنه عاجز محبوس في جسد خان قوته يعرف أنها كانت الضحية...كبش فداء لحقد أخته الذي لم تداركه إلا بعد فوات الأوان.
اقتربت رحيل تضع طعامه بجواره ورسمت ابتسامة متعبة تحاول بها السيطرة أمام ابنتها
_حبيبي..يالا علشان معاد دواك..طارق كلمني وقال إنه جاي في الطريق يارب المرة دي تسمع كلامنا يا يزن...وتروح للدكتور اللي قال عليه بلال.
مد يزن أنامله المرتعشةا
_يزن..علشان خاطري اسمع كلامي لازم الدكتور أنا محتاجاك..وولادك كمان يا حبيبي.
رفع نظره بصعوبة إلى ابنته..نظرة حزينة عميقة تنزف وجعا أكبر من أي كلمات..كانت تبكي بصمت صمتا يشبه الانهيار المخفي خلف روحها.
ثم عاد ببصره إلى زوجته..نظراته كانت رسالة بل رجاء..فهمته رحيل..
هزت رأسها مطمئنة
_متقلقش هتقوم بالسلامة..وهتعرف كل حاجة بس بالله عليك ساعدني يا يزن.
أغمض يزن عينيه..لتسقط من طرفهما دمعة صامتة دمعة رجل يصارع عجزه أكثر مما يصارع المرض
ربت على كفها بارتفاع أنفاسه ينظر إليها بألم يفتك بقلبه الموجوع عليها ابتعدت وغادرت الغرفة ودموعها تسبق خطواتها
جلست رحيل بجواره 
_هي متعرفش أي حاجة خوفت تعمل في نفسها حاجة أنا معرفش هي اتعرضت لإيه دماغي مشلولة ومش قادرة أفكر إنت لازم تفوق علشان خاطري لازم نلحق بنتنا يا يزن لازم تعرف إيه اللي حصل طارق حاول يتفاهم مع رؤى ويعرف حاجة بس هي طلبتك إنت. 
أومأ بعينيه دون حديث في تلك اللحظة دلفت الخادمة تعلن عن وصول طارق. 
بمنزل مالك 
انتهى من ارتداء ملابسه 
_حمام الهنا يا روحي. 
ابتسمت واقتربت منه حتى توقفت أمامه
_عندك اجتماع ولا إيه فيه بدل رسمية 
حدجها بنظرة صامتة ثم قال
_مالك حبيبتي فيه حاجة 
رفعت عيناها إليه وترددت بالحديث ولكنها اتخذت قرارها قائلة
_والدتك كلمتني عايزة تشوف الولاد ونقعد كام يوم عندها زعلانة مني بتقولي يعني سافرتي شهر بالولاد وقولت حقها لازم تكون مع باباها بس فين أنا حقي. 
_بالنسبة لماما أنا هعدي عليها وأفهمها الوضع أما لو بتقولي كدا علشان تعرفي سببي ليه رافض الاستقرار مع ماما..فدا علشان عمي رجع مصر هو وبنته والبيت دا بيت جدي أه والدي له النص وعمي وعمتي النص التاني بس يعتبر بيت عيلة ماما متمسكة فيه علشان حياتها مع بابا كلها كانت هناك رغم محاولاتي قبل جوازنا نستقر بعيد بس هي كانت بترفض وأنا كنت بسكت علشان كان عمي مسافر لكن دلوقتي مينفعش. 
صمتت تنظر إليه ثم قالت
_علشان بنت عمك مش كدا 
نهض من مكانه واتجه إلى المرآة يرتدي ساعته قال وهو ينظر من خلال انعاكسه
_هتأخر النهاردة في الشغل إلياس مبقاش يهتم خالص بالشركة وأرسلان كمان. 
توقفت مقتربة منه لم تجادله على إنهاء الحديث 
_هروح أبات عند بابا النهاردة.
استدار إليها سريعا 
_باباكي عند إلياس..إزاي تباتي هناك. 
_إلياس أخويا مش غريب يا مالك. 
سحب هاتفه وتحرك قائلا
_لما باباكي يرجع الفيلا باتي عنده براحتك لو عايزة تروحي تزوريه عند إلياس معنديش مشكلة لكن مبيت لأ. 
قالها وغادر دون أن ينتظر ردها.
بمنزل يوسف
تململ على رنين هاتفه مد يده بتكاسل يسحب الجهاز لكن الرنين كان

قد انقطع..وضعه جانبا ثم عاد بنظره 
كأنها تحلم به...
منذ متى صار أسير نبضها
منذ متى يحركه قلبه بدلا من عقله
إن كان هذا مافعله به القرب في ساعات معدودة...فماذا سيحدث بعد سنوات
... أنها أصبحت هوائه حياته وسكينته.
.
_بلا رجعة مكنتش ناوي أرجع هنا تاني. 
دمعة تدحرجت على وجنتيها وكلمات مذكراته تصدح بأذنها 
_إزاي كنت هتبعد عن عمو ومرات عمو وشمس أنا كنت السبب يا يوسف صح.
قطب جبينه للحظات 
_تقصدي إيه! 
_مش فاهم عايزة توصلي لإيه لكن خلاص إنتي بقيتي عندي كل حاجة ليه بتقلبي في حاجات ممكن تبعدنا
اعتدل
غصب عني يا يوسف..اقنعني يوسف اللي مش عايز يتجوز فجأة هيكون جوزك..خايفة في يوم ترجع تندم وأنا كمان خايفة وقتها ألوم نفسي في الضغط عليك. 
_ضي فيه حاجات كتيرة إنتي متعرفهاش وفعلا فكرة الجواز كنت
رافضها للأبد بس خلاص أنا معاكي انسي كل حاجة حصلت.
_يوسف أنا كان ممكن أتجوز حد غيرك يعني وقتها برضو كنت هتقول كدا 
إحنا مش هنرجع كل مرة نفس الكلام 
إنتي دلوقتي مراتي..ومبقاش ينفع نرجع ورا خطوة..
لازم نفكر في استقرار حياتنا... والاستقرار مش حضن وحب وبس 
حاجات كتير..أولها الثقة.
لو الثقة اتكسرت يبقى النهاية اتكتبت.
صمت لحظة
ضي..أنا وثقت فيكي وسلمتك يوسف كله وبتمنى ماتخونيش الثقة دي.
أنا اتنازلت عن أهم حاجة كنت ببنيها سنين علشانك.
فعشان كدا...بلاش تسأليني تاني كنت ناوي على إيه لأني دفنته.
تنهد بضيق مسح وجهه ورد بصوت حاول ضبطه
أيوة يا ماما
كنت نايم يا حبيبي
يعني فيه حاجة
تجمد جسده على الفور حين سمع صوت بكاء شمس.
ابتعد سريعا جلس مستقيما
_شمس بتعيط ليه فيه إيه
_لو فاضي..تعال ضروري.
حاضر.
قالها ونهض من الفراش بعجلة.
اعتدلت ضي والقلق يتسلل إلى ملامحها
في إيه يا يوسف
معرفش..شمس بتعيط.. بابا كان قالي إن دكتور آدم جاي...بس معرفش إيه اللي حصل.
نهضت على عجل
طيب حبيبي إهدى..
انزل إنت وأنا هالحقك.
بعد قليل...
دلف يوسف إلى منزل والده والهدوء الحزين يخيم فوق الوجوه كغمامة ثقيلة..ألقى السلام بصوت متردد وعيناه تعبران سريعا بين إسحاق وحمزة قبل أن يسلم عليهما ويجلس جوارهم منصتا للحديث المحتدم.
قال إسحاق محاولا تلطيف حدة الجو
يا إلياس صدقني شرف ليا طبعا تكون شمس من عيلة الجارحي...
أجاب إلياس وصوته يحمل ذاك الوجع المختبئ خلف هيبة الأب
جيتك على راسي من فوق يا إسحاق...وقدرك عندي كبير...بس كل شيء قسمة ونصيب..وإنت عارف أسبابي.
ثم التفت إلى حمزة الذي كان يجلس كبركان على وشك الانفجار
يا بني أنا مقدر تعلقك بشمس... والله مقدره بس مينفعش..شمس لسه صغيرة وأنا مش مستعجل على بنتي.
رفع حمزة رأسه بحدة وعيناه تلمعان بحب يائس
وأنا مش مقتنع بكلامك يا عمو...أنا عارف كل حاجة فبلاش تزويق الكلام .. أنا بحب بنتك...ومستعد أعمل اللي تطلبه هو ليه حضرتك مصر تكسر قلوبنا
تنفس إلياس بعمق وكأنه يحاول أن يخرج كل مايعجز عنه قلبه
مين اللي قال كده يابني! أنا آخر واحد يحب يوجعك بس إنت عارف بينك وبينها قد إيه
كان يريد أن يكمل لكنه ابتلع حديثه حينما هز حمزة رأسه بقوة وقال بصوت مرتجف
أنا معرفش غير حاجة واحدة إني بحبها والباقي مش فارق.
تدخل أرسلان بصوت خافت محاولة منه لتهدئة العاصفة
حمزة...اهدى مش كدا.
لكن حمزة كان قد تجاوز مرحلة الهدوء
_أنا مش عيل يا عمو أرسلان علشان ينضحك عليا بكلمتين أنا عارف خوف عمو إلياسبس أنا بقوله يثق فيا ثم التفت إلى يوسف يستنجد به
يوسف قول حاجة! قول لعمو إني مستعد أضحي بحياتي علشانها!
نظر يوسف بدهشة غير مستوعب مايقال
أيوه
يا حمزة اللي فهمته إنت عايز تتجوز شمس
صرخ حمزة بصوت خرج من صدر يتشقق
إيه! حرام
رد يوسف بسرعة كأنه يخاف من شرارة الغضب التي اشتعلت
مش قصدي..بس هي لسه صغيرة... صغيرة جدا على الجواز يا حمزة..وأنا مع بابا.
_الموضوع مش رافضينك الموضوع لسة بدري على كدا وصدقني ياحمزة لو شمس كبيرة كنا وصلناها لعندك
سقط الصمت بينهم ثقيلا صمتا يخنق الأنفاس ويضرب قلب حمزة الذي شعر وكأنه يدفع بعيدا عن حلمه بقبضة من حديد.
رفع رأسه بصوت مبحوح أقرب لرجاء يختبئ خلف غضب موجوع
دا مش سبب للرافض اقنعني..ليه رافض
تبادل إلياس النظر بين يوسف و أرسلان..قبل أن يسحب شهيقا متعبا
حبيبي...فيه أسباب كتير مينفعش إنك تتجوز شمس.
طالعه بنظرة شبه متحدية
عايز سبب واحد من الأسباب الكتيرة دي يا عمو.
ابتلع إلياس غصة ظلت عالقة في حلقه سنوات..ثم قال
ماضي شمس يا حمزة..مينفعش مع وظيفتك.
وإيه يعني
قالها حمزة بحدة حاول بها إخفاء ارتجافة قلبه.
سحب إلياس نفسا عميقا كأنه ينبش قبرا قديما بداخله
تعرف..أنا كنت ظابط أمن دولة.
شهق حمزة وحدقت عيناه في إلياس بذهول لا يصدق.
تابع إلياس بصوت منخفض..لكنه موجع حد الألم
الاختلاف بينا إنك مخير...مش مجبر يا ابني.
بلاش تضيع مستقبلك علشان حاجة..
ممكن تتعوض..
مش كدا يا إسحاق باشا
تنفس إسحاق بمرارة الأب
قولت له يا إلياس...
هنا ارتجف جسد إلياس وشعر بأن قلبه انشق لنصفين يهز رأسه محاربا دموع أبت أن تتراجع
بالظبط...زي ماوالدك قال.
هنا هب حمزة من مكانه و حدق فيهم بعينين تتقدان عنادا وحبا
دا في قانونكم أنتوا.
لو على الوظيفة اللي خايفين عليها... مش عايزها.
أنا دلوقتي قدمت لك كل الحلول... ومستني منك الرد النهائي يا عمو.
مش وظيفة اللي أتحارب عليها وأبعد عن حبيبتي.
اقترب خطوة وصوته ينفجر بثقة رجل يعرف مايريد
أنا حبيت بنتك بجد وأنا مش صغير..وحضرتك عارف.
مش مراهق علشان أدرس شعوري.
وبوعدك..زي ماوعدتها بنتك هتكون مراتي..وياريت تتصرف على الأساس دا.. بنتك دلوقتي ملكي
قالها..ودار حول نفسه مغادرا دون كلمة أخرى.
رفع إلياس رأسه نحو إسحاق والإنهاك ينهش ملامحه
إسحاق متزعلش مني أنا تعبت وإنت عارف.
دي بنتي...ومش هستحمل دمعة تنزل من عنيها..وأنا كأب كان نفسي في راجل زي حمزة...بس مش بإيدي حاجة.
نهض إسحاق ببطء يهز رأسه بامتنان رجل يعرف قيمة الصدق في حديث إلياس
ربنا يباركلك فيها..وأنا كان يشرفني تكون جزء من عيلتنا..
أنا قدمت مذكرة يا إلياس وهي تحت الاختبار وبدعي تكون في صالحنا.
لمعت ابتسامة حزينة على وجه إلياس ابتسامة يحملها رجل هزمه الماضي أكثر مما هزمته المعارك
ماتتعبش نفسك...
حاولت أيام كلية يوسف واترفضت للأسف.
التفت يوسف سريعا إلى والده وشعور بالضآلة ضربه كصفعة..
هل كان والده يحارب لأجله!! يحاول أن يصنع له طريقا ممهدا لمستقبله
أحس للحظة بالأنانية..
اقترب إسحاق 
عندي أمل في ربنا كبير..
ومتنساش اللي قدامك إسحاق الجارحي.
خفض إلياس بصره وهمس
ربنا يقدم اللي فيه الخير.
اللهم آمين يارب العالمين.
بالمشفى بغرفة بلال
كان منكبا فوق شاشة جهازه يتفحص صورا شعاعية بعين خبيرة في تلك اللحظة اندفع الباب فجأة كأن ريحا مذعورة دفعته..رفع رأسه ببطء ثم جحظت عيناه حين لمحها..
نهض سريعا يمد قامته نحوها
مدام كارما
وضعت كفاها ملتصقتين بصدرها وأنفاسها تتلاحق كمن جرى حافيا فوق نار رفعت يدها المرتعشة تشير إليه بالصمت..ضيق بلال عينيه واقترب بخطوات محسوبة
في إيه مالك
لكنها لم تجب فجأة تلاقت لحظة قبل أن يقطعهما صوت مفزع بالخارج
اقلبوا لي المستشفى عليها!
طلعوها من تحت الأرض حتى لو في تلاجة الموتى!!
كان صوت طليقها صداه يمزق أرجاء المشفى مع تحذيرات أمن المشفى
_لو سمحت متخلناش نتعامل معاك بطريقة مش هتعجبك..لكنه لم يلتفت اليهم بل صرخ
سامعاني يا كارما! هاجيبك حتى لو في القبر.
انتفض جسدها كريشة وقعت في عاصفة..اقتربت بخطوة من الباب الزجاجي وقفت تنظر عبر الشق الضيق والدموع تتساقط بلا انقطاع مع ارتجاف جسدها بشكل ملحوظ. التقطته عينا بلال حتى سحبها 
خلاص..خلاص مشي..اهدي.
لكنها لم تستطع الوقوف..ف
مش..مش قادرة..أقف.
وسحب كرسيا بيد مرتعشة من العجلة وأجلسها بلطف ثم أسرع وقدم لها كوب ماء
اشربي..خدي نفس يلا.
ارتشفت رشفة صغيرة كأن حلقها يشتعل
قلبي دقاته سريعة مش قادرة أتنفس.
تمام اهدي ركزي معايا.
ساعدها على التمدد فوق فراش المرضى وماإن استلقت حتى ازداد ارتجاف جسدها وعلت شهقاتها حتى انقطع صوتها تماما..حاولت الكلام فخرج الهواء بلا حروف.
نبضك سريع قوي..كارما ركزي خدي نفس ببطء.
لكنها لم تسمع...لم تعد قادرة كان الهلع يبتلعها.
فك بلال حجابها دون تردد وهو يلاحظ انقباض كتفها وتشنج عضلاتها
كارما..اسمعيني لو سمحتي اتنفسي بالراحة اهدي..أنا هنا.
كانت عيناها زائغتين لا ترى سوى صدى تهديد طليقها يتردد في أرجاء عقلها ثبتها بيده الأخرى ثم غرز الإبرة المهدئة بلطف محسوب.
بعد ثوان بدأ ارتجاف جسدها يخفت..وصوت شهقتها يهدأ..حتى استسلمت جفونها وغفت كمن نجت لتوها من موت محقق.
تنفس بلال أخيرا بعد أن هدأت أنفاسها وجلس على المقعد المجاور للفراش..راح يتأمل ملامحها الشاحبة بنظرة امتزج فيها القلق والحزن مد يده إلى هاتفه وهم بطلب رقم أستاذه لكن تذكر سفره للمؤتمر الطبي أعاد الهاتف إلى كفه ساكنا.
نهض بعد برهة وخرج إلى الممر يتابع مايدور حوله
من همسات..أصغى رغما عنه
هي هربت من جوزها 
لا هو اللي مريض نفسي وبيعذبها!
أنا أعرفها..كانت أيامها سودة معاه.
كلمات الممرضات كانت كالسكاكين بعضها يشوه الحقيقة وبعضها يلامسها لكنه كله كان يزيد غضبه اشتعالا.
عاد باتجاه الغرفة لكنه توقف فجأة حين اصطدم بجسد صلب أمامه..رفع بلال رأسه وصوت أنفاس الآخر كانت كزئير.
نعم
سألها بلال ببرود مصطنع رغم التيبس الذي غزا ظهره.
فين كارما
جاء صوت أسامة أجشا كمن ابتلع جمرا.
رفع بلال حاجبه بسخرية لم يستطع كبحها
كنا بنتمشى أنا وهي على الكورنيش...
ولم يكمل الجملة حتى انقض عليه أسامة فجأة وقبضة تطبق على عنق بلال..تحولت عيناه إلى شرر متطاير والغضب يتقافز كالوحش في صدره
أدفنكوا
اختنقت أنفاس بلال واتسعت عيناه ويده تحاول عبثا فك القبضة الحديدية..ركضت الممرضات وعلت صرخاتهن تستدعي الأمن.
دفعه أسامة فجأة بقوة فارتطم بلال بالجدار يسعل بانهيار وهو يحاول سحب الهواء من صدر يكاد يختنق..لم ينتظر أسامة أن يلتقط أنفاسه بل زأر
تنفس بلال أخيرا بعمق متقطع ومسح على عنقه بتأوه خافت قبل أن يصرخ في وجه الأمن الراكض
الراجل دا..لو دخل المستشفى تاني... كلكم هتتقدموا للتحقيق!
كانت نبرته حادة حاسمة كأن خنقة أسامة أشعلت داخله شيئا لم يكن موجودا قبل دقائق.
بمنزل أدم قبل قليل
دلفت تحمل كوب قهوته نظرت إليه للحظات كان غارقا في عمله محاصرا بأوراق مبعثرة فوق مكتبه يطارد تركيزه على تصميم بين يديه.
اقتربت تضع الفنجان أمامه
_عملت لك قهوة يا حبيبي.
رفع رأسه ببطء و نهض قليلا تناول الفنجان وقال بابتسامة دافئة
_تسلم إيدك يا حبيبتي.
جلست أمامه تتأمله بعين أم ترى مالا يراه الآخرون ترى التوتر يثقل كتفيه ترى الانتظار يضغط على صدره وترى الخوف الذي يحاول إخفائه خلف هدوء مصطنع.
تنفست بعمق كأنها تجمع شجاعتها
_بابا راح بيت الشافعي علشان موضوعك...
أومأ لها بابتسامة وقال 
_عارف.
بس فيه حاجة لازم تعرفها.
ترددت لحظة ثم تركت الكلمات تتساقط ببطء عليه
_حمزة الجارحي..ابن إسحاق الجارحي أكيد ماتعرفوش..بس دا راجل مهم جدا كان في المخابرات وليه وزنه...وابنه طيران حربي وعرفت إنه بيحب شمس .
ارتعشت ملامح رائد للحظة لا تكاد ترى لكن التقطتها إيلين فالأم لا تخطئ اهتزاز القلب في عيون ابنها.
شد على فنجانه حتى ارتعشت مفاصله لكنه تماسك وقال بصوت يخفي تحت هدوئه عاصفة
_المهم هي يا ماما شمس..وبعدين على كلامك إن إسحاق دا راجل كبير... طيب ليه عمو إلياس رافض
هزت رأسها بأسى وكأنها تخشى أن تكون الحقيقة موجعة أكثر مما يظن
_معرفش يا حبيبي..كل اللي أعرفه قولته بس أهم حاجة لو محصلش نصيب مايبقاش دا عيب فيك..يمكن ربنا كاتبلك قدر تاني..حد تاني.
سقطت كلماتها على قلبه كحجر ثقيل.
خفض عينيه قليلا كأنه يهرب من فكرة أن تنتزع منه الفتاة التي أحبها قبل أن يملكها.
ثم قال بصوت متماسك رغم أن نبضه كان يكذب ذلك
سيبي الموضوع نستنى ونشوف بابا هيقول إيه.
كانت إيلين تراقب ملامح ابنها التي رأت كل شيء
القلق...الرغبة...الخوف...
وتلك الشرارة التي تشتعل في صدر الرجل حين يشعر بأن قلبه عاشق حد الثمالة.
بغرفة مصطفى
جلس إسلام إلى جوار والده يقص عليه ماجرى في الأسفل ونبرة الحزن تتسلل من بين كلماته
_يعني الواد قال مستعد يضحي بوظيفته
أومأ إسلام وعيناه تحملان من الأسى مايفوق ماينطق به لسانه
صعبان عليا كسرة إلياس يا بابا... هيفضل يخسر بسبب عمه لحد إمتى
تنهد مصطفى وصوته خرج واهنا يعكس تعب الجسد وحكمة العمر
_نصيبه يا إسلام...الحياة أقدار يابني متوزعة علينا بالعدل اللي إحنا مش شايفينه.
قاطعهم دخول ملك تحمل ابتسامة جميلة
_مين جه لجدو
ركض الطفل إلى فراش مصطفى يعتلي السرير بحماس
_جدو...حبيب إلياس.
ابتسم مصطفى رغم الإرهاق يشير له بيده المرتعشة
_حبيب جدو تعال هنا.
وفي تلك اللحظة ظهرت فريدة عند باب الغرفة وجهها لوحة كاملة من الحزن المكبوت.
تبع مصطفى خطواتها بعين تعرف التعب كأنه يحاول أن يخفف عنها قبل أن تتكلم
_
ساعتين يا فريدة..تنسي فيهم مصطفى.
رسمت ابتسامة مكسورة أشبه بضحكة تحمل وجعا أكثر مما تحمل سعادة
_معلش يا حضرة اللوا...قولت يمكن زهقت مني.
أشار لها لتجلس إلى جواره ثم التفت إلى إسلام وملك
_قوموا روحوا. مش كنتوا عايزين تمشوا
نهض إسلام ضاحكا بمحاولة منه ليهون صعوبة الموقف
_بتطردنا دلوقتي يا درش
لكن أسرع الطفل ورفع ذراعيه يتشب
جدو...جدو...هترجع البيت إمتى
رفع مصطفى كفيه 
_قريب يا حبيب جدو...خلي بالك من أختك ومن ماما لحد ماجدو يرجع
_حاضر..أنا هكون ظابط وأحميهم كلهم.
ابتسم مصطفى والحنان يغلب الإرهاق
_إن شاء الله يا حبيب جدو.
كانت فريدة تتابعهم ودموعها تلمع على وشك السقوط.
مدت ذراعيها للصغير بصوت متحشرج
_ومش هتحمي تيتا يا الياس
توقف الطفل وفكر قليلا ثم وضع إصبعه على ذقنه كما يفعل الكبار
طبعا يا تيتا أنا قولت لعمو إلياس... عايز مسدس زيه علشان لما أكبر أبقى ظابط وأحرسكم كلكم.
ضحكت فريدة رغم دموعها
إن شاء الله يا حبيبي إن شاء الله.
بغرفة شمس
دلف إلى الداخل بعد طرقات خفيفة وقف عند العتبة لحظة وابتسم بخفة وهو يرى زوجته تجلس على يمين شمس ووالدته على يسارها.
فقال بنبرة رخيمة
مساء الخير يا سيدات الشافعي.
تمتمها وهو يقترب فنهضت ميرال تستقبله بعينيها أولا
الضيوف مشيوا
أومأ لها دون أن يزيح بصره عن شمس ثم قال
إلياس تحت بيدور عليكي شوفيه عايز إيه.
أفلتت ميرال ضحكة صغيرة مصدومة من طريقته وردت
طيب يابن إلياس ماتروحش أنا عايزة أتكلم معاك.
هز كتفيه
أنا مش فاضي لما أشوف التايم تابل بتاعي.
ثم أدار رأسه نحو ضي التي تتابع المشهد بابتسامة
ضي شوفي لها ميعاد كده..شكلي هضطر أتنازل وأقعد معاها.
لكزته ميرال بكتفه بغيظ تحاول أن تخفي ضحكتها بينما قهقهت شمس على كلمات أخيها.
اقترب منها جلس بجوارها ثم مد يده لأخته
يلا يا ميرال مش فاضيين..عايز أشوف الشمس مالها غايبة عني ليه
تجمدت شمس لوهلة. سالت دموعها فجأة..بلا استئ
رمق والدته بنظرة مطمئنة خفيفة يخبرها بصمت أن تطمئن.
خرجت ميرال بينما جلس 
_كدا وقعتي قلبي كنتي بتعيطي ليه
_تعبانة أوي يا يوسف معرفش إيه اللي بيحصل. 
أزال دموعها
_طيب ممكن أعرف سبب الدموع دي إ الجارحي يا شمس 
هزت رأسها بانهيار
_أبدا والله أنا بس عايزة أعرف إيه السبب في الرفض 
_طيب ليه إنتي موافقة عليه شايفة ينفع إنك ترتبطي دلوقتي إنتي لسة صغيرة.
نهضت تفرك كفيها وابتعدت بنظراتها عنه
_مين قال إني عايزة أرتبط أنا أصلا مش موافقة هو بس صعبان عليا.
_صعبان عليكي إزاي يعني حبيبتيممكن نهتم بمذاكرتنا ونخلص كليتنا الأول.
أشار إلى ضي وتابع حديثه
_شوفتي ضي ارتبطت قبل ماتخلص 
_أنا تعبانة وعايزة أنام ممكن تاخد مراتك وتطلعوا. 
_إنتي شايفة كدا 
صمتت ولم ترد عليه أومأ لها ثونهض يسحب كف ضي وخرج بهدوء
_تفتكر بتحبه
_معرفش شمس صغيرة يا ضي وممكن مشاعرها تكون متقلبة المهم انزلي تحت هشوف ماما وألحقك.
_هعدي على بابا لحد ماتخلص.
أومأ لها ثم اتجه إلى غرفة والدته 
دلف بعد السماح 
_فاضية يا ميرال ولا أرجع 
ابتسم قلبها قبل عينيها تشير إليه بعدما نزعت حجابها..جلست وأشارت إلى ساقيها 
_تعال من زمان معملتش مساج.
_بس أنا مش مصدع.
_بالراحة هو إلياس مظبط اللياقة
ارتفعت ضحكاتها بحنان أمومي
_عامل إيه حبيبي من وقت فرحك والمصايب فوق دماغنا.
_على فكرة أنتوا اللي بتوع مصايب أنا فرحي ابن ناس. 
قهقهت حتى دمعت عيناها..رفع عيناه ومازال متمددا أمامها
_بتكوني قمر وحياة إلياس اضحكي على طول. 
تنهدت ونظرت لداخل عينيه
_عايزة أتكلم معاك في موضوع مهم. 
أنصت يستمع إليها باهتمام بعدما اعتدل..ترددت للحظات ثم نظرت في عينيه
_ليه ماتممتش جوازك من مراتك حبيبي 
شعر بأن الارض تدور حتى فقد أنفاسه مع دخول إلياس على كلمات ميرال توقف للحظات وكأن صاعقة هزت كيانه هل يعقل أن ابنه لم يتمم زواجه بعد أكثر من شهرين!
عند بلال 
خرج من المشفى متجها إلى سيارته استقلها مع رنين هاتفه
_حمد الله على السلامة يا حضرة المحامي النابغة.
_وحشتني يا ببلاوي لسة نازل من العربية قولت أكلمك قبل ماأدخل بيتنا شوفت أنا صديق جدع إزاي 
قاد السيارة متجها إلى منزله وهو يتحدث بهاتفه فجأة توقفت سيارة بها بعض الشباب أمامه..
عند حمزة 
خرج من منزله ورفع هاتفه
_قدامي خمس دقايق وأكون قدام البوابة انزلي
لازم نتكلم. 
_لو سمحت يا كابتن مينفعش اللي بتعمله دا. 
_شمس لو مانزلتيش هطلع لك بطريقتي. 
نظرت للهاتف الذي أغلق ارتجف قلبها بعدما توقف عقلها عن التفكير لحظات و ارتدت ثيابها وخرجت من البوابة الرئيسية للكمبوند تحركت إلى سيارته وصعدتها 
_ممكن أعرف إنت عايز توصل لإيه 
قاد السيارة ولم يرد عليها مع نظرات الرعب التي تجلت بملامحها.
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين 
روحان تمضيان بمحاذاة بعض
وما إن حاولتا الالتقاء... حتى انكسرت إحداهما على عتبة الأخرى.
لم تكن دروب العمر ملكا لنا
لكنا نسير فيه كغرباء
نبحث عن دفء لا يعرف طريقه إلينا.
اتبعتك بلا حذر ومضيت خلف وهجك حتى أطفأت كل قناديل العودة. 
يا لسذاجة القلب حين يسلم روحه لمن لا يجيد الإمساك بها.
كانت دفاتري تنبئني بصقيع يزحف
لكن قلبي كان يصر على رؤية الربيع خلف كل غيمة...
حتى أخذت مني ما ظننته محفوظا خلف ألف جدار
أخذت قلبي المتعب ذلك القلب الذي ظن أن الوصول إليك نجاة... 
فإذا به غرق آخر.
اقترب إلياس من ابنه يراقبه بصمت يختبئ خلفه قلق عميق بينما كان يوسف يبدو كمن تلقى ضربة أربكته حتى أفقدته القدرة على التنفس وكلمات والدته لا تزال تطن في صدره كصاعقة اخترقت قلبه قبل عقله.
حاول أن يجمع شتات نفسه لكنه لم يجد سوى بقايا قوة متعبة فنهض ببطء كأن جسده يجر خلفه ثقل الحقيقة التي سمعها للتو.
قال بصوت خافت مكسور
_الوقت اتأخر لازم أنام عندي شغل بكرة.
نادته ميرال بصوت مرتجف شعرت بأن كلماتها اسقطه أرضا
_يوسف...
لكن إلياس رفع يده يمنعها من الاقتراب وبعينين يغلب عليهما الحزن والخوف قال
_روح يا ابني لازم ترتاح إحنا مش عايزين غلطة تتحسب عليك.. متنساش تحت إيدك أرواح ناس بريئة.
تمتم يوسف
_تصبحوا على خير.
قالها ثم استدار يمضي بخطوات بطيئة مثقلة كأن الأرض تشده نحو الأسفل يشعر بصدره يختنق من الضجيج الذي صنعته كلمات أمه في داخله عويل لا يتوقف يجرح ويذكر ويعيد كل ماحاول نسيانه.
ماإن اختفى حتى التفت إلياس نحو ميرال وفي عينيه سؤال يخشى إجابته
_إيه اللي سمعته دا
جلست ميرال تجمع خصلات شعرها التي تمردت على وجهها بفعل ارتعاش يديها ثم وضعت كفيها فوق ملامحها في محاولة لإخفاء اضطرابها وقالت بصوت متهدج
_عرفت بالصدفة...يوم ماكان تعبان.
ضاق صدر إلياس واقترب منها قليلا
_يعني إيه ضي اشتكت لك
هزت رأسها نافية ودمعة حائرة انزلقت على وجنتها
_لأ..بس هي انهارت من خوفها عليه قالت كلام كتير وأنا استنتجت.
لم يستطع إلياس إخفاء الغضب الذي اشتعل بصدره فسأل بصوت منخفض لكنه حاد
_طيب ليه ماقولتيش ليه اتكلمتي معاه من ورايا
طالعته بنظرات أشبه بنظرة أم جرحت لأنها أخفت خوفها ولم تخف عواقبه تنتظر منه أن يفهم..تنتظر أن يهدأ..تنتظر ألا ينهاروا جميعا
تدحرجت دمعة ثقيلة على خديها دمعة حملت خوف أم ووجع امرأة تشعر بأنها صارت عبئا على قلب ابنها..أمسكت صدرها كأن الألم خرج من بين أضلاعها وهي تهمس بصوت منكسر
_قلبي وجعني عليه يا إلياس..كل حرف كاتبه بينخر في قلبي أنا...أنا نقطة سودة في حياة ابني بدل ماأكون دوا لجراحه...بقيت الوجع اللي دمره.
لم يحتمل إلياس اهتزازها بحنان حارق وقال لها
_حبيبتي...يوسف بيحبك وبيخاف عليكي قوي وإحنا منعرفش هو كتب كده ليه ولا إمتى..يمكن كان متضايق يمكن ظروفه كانت ضاغطة عليه.
رفعت ميرال رأسها إليه وعيناها تلمعان بحرقة واضحة صوتها خرج كاختناق
_وجع لي قلبي يا إلياس..نفسي وأطبطب على صدره وأقوله سامحني يا حبيبي...بس مش قادرة خايفة أوجعه أكتر...خايفة يكون وجودي بيفكره بمرار الأيام دي.
ابتسم إلياس رغم ثقل قلبه وتمتم وهو يمسح دموعها بإبهامه
_تبقي عبيطة..دا بيتجنن لما بيشوفك زعلانة دا ممكن يتخانق معايا علشانك وينسى نفسه.
اتسعت نظراتها المرتجفة
_ليه مش قادر تقولها عايز ما يتوجعش تاني
زفر إلياس بعمق كأنه يحاول أن يهدئ من عاصفة احزانه
_ميرو..اهدي وبلاش تتسرعي إنتي عارفة دلوقتي لو راح يوسف يقلب على ضي مش هيعرف يسيطر على نفسه.
اتسعت عيناها فزعا كأن الفكرة ضربتها كالبرق
_والله..والله العظيم يا إلياس ماقالت لي حاجة.
اقترب منها أكثر وصوته انخفض حد الهمس لكن القلق بدا واضحا
_بس هو مش هيفهم كدا.
سكنت ميرال لحظة كأن روحها انفصلت عنها ووقفت تتأمله ثم عادت الدموع تتساقط بصمت موجع ويدها على صدرها تمسك قلبها تخشى أن تكون قد آذت ابنها بكلماتها
عند يوسف 
وصل إلى منزل عمه بخروجها من المنزل مع والدتها التي تتحدث إليها
_حبيبتي خلي بالك من نفسك وبلاش تنطيط كل شوية خايفة تكوني حامل وتتعبي. 
توقف يوسف ينتظرها وقالت
_تصبحي على خير يا ست الكل متقلقيش أنا كويسة..قالتها وتحركت تركض إليه..كان يتابع خطواتها مع ابتسامتها التي تذيب قلبه من الهموم
_اتأخرت كدا ليه وحشتني على فكرة...
قالتها بصوت خافت وهي تقترب منه لكنه اكتفى بإيماءة لغرام الواقفة تراقب تحركهم
ثم تابع سيره دون أن يمنحها ردا..
_يوسف..بكلمك مابتردش ليه
نظر أمامه بصمت طويل إلى أن وصلا للمنزل
هاخد شاور..وقولي لحد يعملي قهوة ويطلعهالي.
قالها بلا روح ثم هم بالصعود.
أمسكت ذراعه توقفه
_إنت زعلان علشان شمس..صح
رفع عينيه إليها نظرة ثقيلة صامتة... كأنه يحمل شيئا لا يريد أن ينطق به ثم انسحب من أمامها دون كلمة.
راقبته وهي تعقد حاجبيها بغيظ وقلق ممزوجين ثم نادت الخادمة
_اعملي قهوة للدكتور وعايزة عصير فريش.
تحركت الخادمة فورا بينما صعدت هي إلى غرفتهما..خلعت حجابها ورداءها دخلت غرفة الملابس تبحث عن شيء ترتديه..تجمدت للحظة أمام صف قمصانها الحريرية
تم نسخ الرابط