كانها الحياة بقلم سيلا وليد
المحتويات
الجنة...
ضحكت بخجل رقيق
_قلت أوريهولك قبل ما أنزل.
تاركا خصلاتها تتساقط بحرية على كتفيها
_خليكي كده...مش مهم الحجاب الليلة..خليها علي أتحمل أنا نظراتهم بس ممنوع التصوير أي واحدة تتصور معاكي..مش هقولك هعمل إيه.
_هتعمل إيه
قال بعينين تلمعان بالعشق
_مش هقولك..
_أسيبك بقى علشان اتأخرت.
توقفت عند الباب التفتت نحوه كأنها لا تريد المغادرة
_مش هتبات هنا
أومأ مبتسما وقال بنبرة دافئة
_هقعد في البيت لحد الفرح.
_ليه باقي أربع أيام!
_بلاش يا يوسف...إيه اللي بتقوله دا! إ
ابتسمت بخجل ناعم تركت كفيه كمن ينتزع قلبه ثم خرجت تاركة خلفها رائحتها معلقة بملابسه..راقب مغادرتها أغلقت الباب هنا شعر وكأنها أغلقت قبره دونها جلس على الفراش ينظر لمحرمتها التي سقطت منها
بالأسفل وصلت مع دخول رحيل ورولا دنت منها رحيل
_ألف مبروك حبيبة خالتو.
_الله يبارك فيكي يا خالتو رحيل التفتت تنظر إلى رولا الصامتة
_لسة فاكر عليكي تيجي طيب يوم فرحك هروح على الزفة.
ابتلعت رحيل جمرة غصتها ورسمت ابتسامة
_ يبقى اعملي فعلا كدا حبيبتي..اللي قدرك قدريه.
قاطعتهما رولا
_حلوة الحفلة أوي يا ضي بس ليه كلها بنات.
رمقتها رحيل باستياء وقالت
_هي الحنة بيكون فيها شباب!!
تأففت وتحركت دون أن تنظر إلى والدتها بينما سحبت رحيل كف ضي تديرها
_فستانك تحفة تحفة يا أجمل عروسة.
_ميرسي يا طنط رحيل..هو ليه حضرتك حزينة وشك شاحب.
فلقد لاحظت ضي حالتها بينما ابنتها لم تكترث..قالت
_شوية اإرهاق يا خالتو...تعالي ندخل جوا..دلفوا للداخل..
كان المكان يتلألأ بأضواء خافتة تمتزج فيها أنغام
الطبول مع ضحكات الفتيات جلست ضي على مقعد مرتفع فستانها الأحمر المطرز ينساب من حولها.
اقتربت غرام وعيناها تلمعان بمزيج من الفخر والدموع همست وهي تمسح على شعرها
كنت لسه إمبارح بشيلك بين إيديا والنهاردة بقيتي عروسة.
ضحكت ضي والدمع يوشك أن يسبقها وسط تصفيق الحاضرين.
تقدمت إحدى السيدات المختصات برسم الحنة تحمل صحن الحنة المزين بالورود والياسمين قالت بمزاح
يلا يا عروسة الليلة دي ليلتك... هنرسم الحنة على إيدك..صمتت وقالت
_عايزة إيدك بس
مدت ضي كفها بخجل وقالت
_أه إيدي بس.
انطلقت الزغاريد من كل ناحية وضحكات الفتيات ورقصهم حولها في مشهد غمره الدفء والأنوثة والفرح الطفولي الذي يسبق الخطوة الكبرى في العمر...وهو الزفاف.
دلف أرسلان بعد دعوة فريدة اليه وقف يتأملها بصمت يبتسم بحنو يخفي خلفه وجع الفراق رغم أنها لن تبتعد كثيرا ولكن فكر تجعل قلبه يأن بصمت ثم همس لنفسه وهو يراها بتلك الحالة
_كبرتي يا ضي أوي كدا..وأنا لسة حاسس إنك طفلة بتجري ورايا تناديني بابا استناني.
رفع رأسه والتقت عيناه بعينيها فبادلته نظرة امتنان عميقة كأنها وعد أنه سيظل حبيبها الأول.
اقترب أرسلان منها
_مبروك يا أميرة بابا
_حبيبي يا بابا ربنا يخليك ليا يارب.
وقف بأحد الأركان مبتسما
_مبروك يا أم العروسة.
_الله يبارك فيك يا حبيبي..عقبال لما نفرح ببلال.
_إن شاءلله..بلاش ترهقوا ماما إنتي شايفة حالة البيت يعني سعادة بينكم على الضيق ليه الحفلة دي كلها.
اقتربت تنظر إلى وجهه الحزين
_حبيبي ماما قالت محدش له يتدخل حتى ميرال قالت لي إلياس حاول يتكلم معاها وهي رفضت قالت فرح أحفادي لازم مصر كلها تتكلم عنه حتى عمو مصطفى كمان..قالنا إنه متابع كل حاجة ومش عايز تقصير وإحنا الصراحة محبناش ندخل.
وتحرك بجوارها يشير إلى السلالم المزينة والزينة التي تعلق على الجدران بإنارتها
_بس الحاجات دي مكلفة أوي يا غرام ليه ماما تعمل كدا
توقفت أمامه تعقد ذراعيها وقالت بتذمر
_إنت نسيت إن دول أحفاد الشافعي ولا إيه بلاش أقولك حفيد السيوفي اللي عمو مصطفى مصر على كدا وبعدين إنت بقيت بخيل ولا إيه يا أرسو إحنا بنجوز كل يوم.
ابتسم بحنان وقال
_إنتي عارفة عني كدا أنا قصدي مهما كان دول ولادنا ومادفعناش حاجة فمكنش لازم يدفعوا كدا.
_والله يا أرسلان..تمتمت بها فريدة خلفهم فاستدار إليها سريعا
_ماما..لا مش قصدي.
_ولا قصدك يابن جمال دا هدية مني لأحفادي محدش له دعوة إن شالله أدفع ملايين محدش يتدخل
_ربنا يخليكي لينا يا ست الكل وعقبال لما تجوزي ولادهم هو أنا خسران حاجة.
لكزته بخفة وابتسمت
_ربنا يتمم فرحتهم على خير حبيبي عايزاك تتواصل مع الفندق مش عايزين تقصير.
_حبيبتي منظم الحفلات الخاص بينا متولي الأمر متقلقيش وأنا كلمته إمبارح والنهاردة إسلام كلمه كمان.
ربتت على كتفه بدخول ليال والدة مالك فأشارت بعينيها إلى غرام
_قابلي حبيبتي مامت مالك..وإنت شوف أخوك فين خرج من فترة ولسة مرجعش.
_في بيت يوسف كلموه هناك وقال هيعدي يشوف خلصوا فرش ولا لسة.
توقفت تتطلع إليه بتساؤل
_هو يوسف مش هيقعد مع باباه
هز أرسلان رأسه بالرفض وقال
_لا أخد اللي جنبه.
_ليه ساب بيت أبوه إلياس مقاليش حاجة زي كدا.
_ماما إحنا بنزق يوسف بالعافية وهو عايز كدا خليه براحته وبعدين البيت جنب البيت مجرد جدران بينهم إلياس اتفاجئ أصلا لأن يوسف هو اللي اتصل بشركة الديكور واتفق على كل حاجة من غير ماحد مننا يعرف اتفاجئنا بشغلهم محبش يزعله وخلاه يعمل اللي عايزه.
أومأت بتفهم ثم قالت
_خلاص اطلع عند إسلام فوق لوحده مع مصطفى علشان مش هعرف أطلع دلوقتي.
بغرفة إسلام
انتهت ملك من زينتها ثم تحركت للمغادرة..دلفت مربية أطفالها
_مدام ملك إلياس مش مبطل عياط.
تأففت بضجر وألم معا حتى تكورت دموعها من طفلها الذي أرهقها نفسيا وبدنيا تراجعت تتنهد بعدما شعرت بتهاوي جسدها وأردفت بصوت واهن
_هو مش دا شغلك أنا تعبانة ومش قادرة أتعامل معاه.
_والله يا مدام حاولت معاه بس هو ممكن دوشة الفرح مخوفاه.
أشارت إليها بالخروج
_خديه وانزلي الحنة وأنا جاية وراكم.
بعد فترة صعدت إلى غرفة مصطفى بخطوات مترددة لكن ماإن فتحت الباب حتى تجمدت في مكانها.
نظرت إليه بذهول فها هو يستعد للنزول بينما يقف إسلام إلى جواره يحاول مساعدته.
ارتجف صوتها وهي تقول
_عمو مصطفى حضرتك هتنزل إزاي وإنت تعبان
ابتسم بلطف رغم الإرهاق الذي يسكن ملامحه وأشار إلى إسلام قائلا
_هات لي السكارف يا حبيبي.
ثم التفت نحو ملك بخطوات بطيئة متعبة
_عايز أنزل للعروسة تحت.
عقدت حاجبيها باستنكار
_إسلام إنت إزاي توافق على كده!
اقترب إسلام من والده يضع الوشاح برفق حول عنقه وعيناه متشبعتان بالحزن
_شوفت يا بابا حتى ملك مش عجبها اللي بتعمله...قولت أجيب لك ضي هنا.
ضحك مصطفى ضحكة خافتة ممزوجة بالوجع
_اسكت يالا...ودي تبقى فرحة..لازم تدخل عندها وهما محنيين إيديها زي ما عملت مع غادة.
_بس حضرتك تعبان يا بابا...
وضع يده على كتفه وخرج صوته دافئا رغم ضعفه
_أنا كويس يا حبيبي مش عايز فريدة تحس إنها بلا ضهر.
_بابا...همس بها إسلام بصوت مبحوح وانسابت دموعه دون مقاومة.
اقترب مصطفى منه وقال
_أنا كويس.. يا ابني ربنا يخليك لمراتك فيه مناسبات ماينفعش تسيب فيها شريكة عمرك وكأنها يتيمة..علشان بعد ماتسلم روحك لرب العالمين تبقى الذكريات الحلوة دي هي اللي تصبرها على الفراق..
مش عايز دمعة منها وأنا لسه عايش يا إسلام..كفاية إنها ربتكم ومخليتكمش تحسوا بيتم الأم.
توقف ليلتقط أنفاسه ثم أكمل بصوت متهدج
_وصيتي يا إسلام..فريدة هسألك عليها يوم الدين.
تسلل إسلام وانفجر باكيا كالطفل
_بابا
لو سمحت...مش عايز أسمع منك الكلام ده.
ابتسم بحنان يستند على كتفه
_إحنا مجرد ضيوف في الدنيا يابن مصطفى..نزلني قبل إلياس مايجي ويعملي محاضرة.
بالأسفل كانت الأغاني تصدح والضحكات تتناثر بين الفتيات بمشهد يسعد القلوب.
سحبت رولا يد ضي بحماس
_قومي بقى ارقصي معانا متعمليش عروسة تقيلة.
تذكرت كلمات يوسف
_ترقصي بس بهدوء مش عايز تنطيط زي العرايس المجنونة خلي فيه شوية حياء هراقبك على فكرة..
رفعت رأسها وهزتها قائلة برفض
_رولا والله مش قادرة.
قالتها بدخول شمس التي لم تترك لها مفرا ضغطت عليها وهي تضحك حتى انسجمت ضي معهم تتمايل بخفة وسط دائرة من البهجة بينما شمس تلتقط فيديو لهن والفرحة تفيض من الوجوه.
دقائق قليلة والسعادة تملأ المكان إلا من قلب واحد كان يبتسم للوجوه ولكن داخله يصرخ و يناجي خالقه في صمت موجوع
ربي...إن زوجي بين يديك فاحفظه بعينك التي لا تنام.
هنا انقطع صوت الموسيقى فجأة حين دلفت ملك بصوتها الحنون
_عفوا يا حلوين... جد العروسة جاي يباركلها ممكن نوسع شوية
تجمدت فريدة للحظة قبل أن تهب واقفة عيناها تبحثان بلهفة من الردهة التي دخل منها فإذا به هناك... يستند على ذراع إسلام وخطواته مثقلة بوجعه لكنها تحمل من الكبرياء مايبكي القلوب.
اقتربت منه بخطوات مرتعشة
وفي قلبها صرخة موجوعة لم تنبس بها الشفاه تهمس داخلها
آه يا حبيب الشباب والمشيب...
يا من سرق المرض منك قوتك ولم يسلبك مهابتك يا من علمتني أن الرجولة ليست صلابة الجسد بل ثبات القلب وقت الانكسار.
واليوم أراك تتهادى أمامي تسرقك الأيام من بين ذراعي وكأنها تنتزع من صدري أنفاسي واحدة تلو الأخرى...
آه يا وجعي الجميل ويا حبي الذي لم يخن وعده رغم وجع السنين.
رغم المرض وتأوهاتك كنت وستبقى الحبيب والزوج الذي لم يعرف إلا أن يصون سعادة زوجته.
_ضي..هتفت بها فريدة تقترب منه وتشير إلى ضي
_تعالي لجدك حبيبتي.
لكنه أشار إليها بالتوقف
_لا يا فريدة أنا عايز أروح لها لو سمحتي.
ضغطت على شفتيها حتى تمنع
_ألف مبروك حبيبة جدو ربنا يسعدكم يارب.
احتنضنته بابتسامة بريئة وقالت بصوت متهدج تمنع دموعها
_ربنا يخليك لينا يا جدو.
دقيقتين حتى دلف الياس كالمجنون دون إذن بعد علمه بنزوله من غرفته
_بابا..تمتم بها ليستدير إليه ببطء وهو مازال
_تعال يا أبو العريس..باركت لعروسة ابنك
كان يفتش بملامحه كالأم التي تفتش بجسد رضيعها
_إيه اللي حضرتك بتعمله دا مش قولنا كفاية الفرح!
قالها وهو ينظر إلى إسلام باستنكار.
رد إسلام
_هو اللي أصر يا إلياس.
اتجه بنظره إلى ضي
_حبيبة عمو روحي مكانك هطلع جدو فوق علشان مايتعبش.
_حاضر يا عمو..تمتمت بها
_نورت حنتي يا جدو ربنا يخليك لينا.
ابتسم وهز رأسه
_ربنا يسعدكم حبيبة جدو.
حاوطه إلياس برفق وقال بين الحضور
_آسف يا جماعة دخلت من غير إذن.. جد العريس والعروسة مش مريحني.
اقتربت منه ليال والدة مالك
_ألف سلامة عليك يا سيادة المستشار.
_شكرا يا أم مالك..
أومأ إسلام إليها
_شكرا لحضرتك يا طنط..اتفضلي جوا..قالها يشير برأسه إلى ملك بعد تحرك فريدة خلف مصطفى.
بمنزل إلياس
كان المنزل يضج بالحياة حيث اجتمع الشباب في بهو واسع تملؤه الموسيقى والضحكات.
أحضر بلال أحد العازفين ودعا مجموعة من الأصدقاء ليحيل المكان إلى سهرة حيوية خفيفة.
دخل يوسف متفاجئا بما فعله ابن عمه ألقى السلام على الجميع صافح بعضهم ثم سحب بلال من بين الجمع جانبا وهو يحدق فيه بضيق
_مش قولت دا بكرة! أنا هلكان الله يخرب بيتك يا بلال!
ضحك بلال مشيرا إلى وجهه
_بدل ما تقول ألف سلامة عليك وتقعد تضمد وشي يا متخلف جاي زعلان!
وضع يوسف كفه على وجهه يدفعه للخلف بملل
_تستاهل يا ابني علشان فعلا متخلف!
ثم أكمل متنهدا
_أنا طالع آخد شاور وأفوق وبعدين أنزل للفرح اللي هيفجر دماغي... واحد متخلف.
قالها وصعد الدرج بخطوات بطيئة بينما ابتسم بلال بمكر وهو يتابعه بنظرات ماكرة
_والله لاسهرك لحد الصبح مش هتشوف النوم ليوم الفرح!
اقترب أسر مستفسرا
_هو يوسف زعلان ولا إيه
أجابه بلال وهو يلوح بيده بلا مبالاة
_سيبك منه دا بغل... مكنش ناوي يعمل حاجة أصلا. بص بدل البوص سمح سيبك منه وتعالى برا.
ثم خرجا إلى الحديقة حيث تزداد الأضواء والموسيقى.
أما في الأعلى فقد ألقى يوسف أشياءه على المقعد وجلس على طرف الفراش يمسح وجهه بإرهاق ظاهر.
_أعمل في المتخلف دا إيه! أنا مش قادر أفتح عيني.
رن هاتفه التقطه بلا اهتمام لكن عينيه اتسعتا حين وقعتا على الاسم... شمس.
ضغط على الفيديو المرسل فظهر له وجه حبيبته المضيء بالضحك تتراقص بين صديقاتها كفراشة
ابتسامتها... بريئة كضحكة طفل أول العمر وعيناها يا الله كم سلب عقله من أول نظرة.
همس بصوت مبحوح
_طلعت لي منين ظل يمرر عيناه على ملامحها يهمس لنفسه
_ايه السر اللي بينا رغم كنا قريبين بس مكنش فيه مشاعر بينا ياترى ايه اللي حيحصلنا كل اللي قادر افهمه مبقتش قادر ابعد عنك حاسس قلبي بيوقف
_اااه.. تمتم بها وقلبه يتراقص بين ضلوعه ليرفع الهاتف ويتصل بها انتظر طويلا لكن لا رد.
أغلق عينيه متسطحا على الفراش لتتراقص ملامحها في ذاكرته كحلم لا يريد أن ينتهي فابتسم رغم الألم
_جننتك خلاص... شهرين بس وعملت فيك كده أومال بعد الجواز هتعمل فيك إيه
اعتدل فجأة حدق في المرآة أمامه وكأنه يواجه نفسه العارية من كل دفاع
_جواز! فرحك بعد يومين يا مجنون هتكون جاهز ولا هتبقى زي الأهبل
مرر أنامله بعصبية فوق خصلاته يدور في الغرفة كمن
يحاول الهروب من فكرة تطارده.
_لا... لا أكيد مش متخلف عشان تفكر كده!
زفر بغضب يشد شعره بقوة ثم ركل الكرسي فانقلب أرضا ارتد أنفاسه العالية صدى على جدران الغرفة.
هدأ قليلا حتى ارتفع رنين الهاتف من جديد.
_أيوه يا بلال!
_خلاص نازل.
قالها بعنف مكتوم أغلق الخط واتجه إلى الحمام.
لم تمر دقائق حتى خرج بخطوات سريعة إلى الأسفل... كأنه يهرب من نفسه قبل أن تهرب منه.
بمنزل إسحاق خرجت دينا تقف على الباب تنتظر. توقفت تنظر بساعتها بعصبية صغيرة
_اتأخرنا يا حبيبي.
ابتسم إسحاق
_آسف يا قلبي... كان عندي شغل مع ناس مهمين هدخل أخد شاور على السريع وأنزلك.
في تلك اللحظة خرج حمزة من الداخل يرمق والديه بعيون مرحة ثم سأل مازحا
_رايحين فين اوعو تكونوا رايحين
ابتسمت دينا وردت دينا
_حنة ضي النهاردة إيه نسيت
أشار إسحاق بإصبعه ورفع حاجبه
_هاطلع بسرعة ما تمشيش.
هنا تدخل حمزة بعفوية
_لو تعبان يا بابا أنا ممكن أوصلها.
خطى اسحاق نحو الباب ثم استدار إلي حمزة بنبرة فيها قليل من الاستخفاف والمحبة معا
_ومن إمتى خوفك على أبوك يا حنين
اقترب حمزة مزهوا يضع كفوفه في جيب بنطاله إلى أن وقف أمامه يغازل ويقلد حركات والده ثم رفع انامله وقام بإعادة ياقة قميص والده بتصنع ثم قال
_إسحاق باشا شمس وحشتني بقالي كام يوم ماشوفتهاش وكدا كدا هروح لها فخليك كريم وانا أوصل ماما وأشوفها.
قضم إسحاق شفته مشدودا ينظر إلى دينا بإشارة
_اتصرفي مع الواد دا بدل ما أضربه قلمين.
ضحك حمزة
_أحسن بابا في الدنيا كنت عارف إنك مش هتقدر تزعل ابنك.
التفت حمزة إلى دينا بلطف متصنع
_ياله يا دينا... قصدي يا ماما إسحاق زكي عن صحته.
تردد والده في صمت لثوان ثم رمى نظرة جادة باتجاه ابنه ثم أشار إلى دينا مجبرا وكأن القرار لم يعد بيده
_روحي معاه بدل ما يعملي مصيبة.
بمنزل طارق
توقفت هند بجسد ينتفض ورمقته بصمت حارق كاد أن يشعل جسده بعدما بصقت تلك الدخيلة بينما طارق كان يتنقل بنظراته بينها وبين الطفل ثم تسائل
_تقصدي ايه!
اشارت الى طفلها وقالت
_روح لبابا ياحبيبي... خطى الطفل الى ان وصل أمام طارق ينظر اليه بصمت كل هذا وطارق كاد أن قلبه يتوقف عن النبض يردد بخفوت
_ابني.. عندي ولد طيب ازاي وامتى
اخرجت ورقة الزواج واقتربت تضعها بيده
_بالورقة دي ياطارق فاكر لما جيت لعندي بعد خناقتك مع الياس وطلبت نتجوز علشان تنسى غادة ايه نسيت
هز رأسه وتراجع للخلف يستند على الجدار بعدما فشلت ساقيه بحمله.
_إزاي يعني قصدك حملتي يومها طيب ليه ماجتيش بعد ماعرفتي
_خوفت منك تجبرني انزله وخاصة بعد حبس رؤى وخوفت من الياس لو عرف.. لانه شافني يومها بعد ماخرجت من بيتك
كور قبضته يعض ندما أقسم إنها إحدى كوابيسه السوداء
نظر للطفل بعيونا مترقرقة
_عندي ولد.. في السن دا معقول
رفع عيناه إليها ثم أقترب
_انتي ايه شيطانة سبع سنين ولسة فاكرة جاية تقولي لي
دفعته بقوة وزمجرت بغضب
_انت سافرت وانا هربت من البلد خوفت اهلي يعرفوا عيشت في الامارات كام سنة واتعرفت على واحد أمارتي وكنت هتجوزه بس طبعا رفض الولد واضطريت ارفض بسببك وسبب ابنك ابنك عندك اهو وعندك معامل مصر كلها شوف هتعمل ايه لازم نتفق هو مسؤل منك وحرام يعيش محروم وابوه عند اموال الدنيا
مش كدا ولا ايه ياطارق باشا
كل هذا وهند تستمع إليها وكأنها داخل كابوس اسود سيقضي على حياتها رمقتها تلك الدخيلة تشير اليها
_وبعدين في الاخر اتجوزت بيئة ياطارق باشا.. واحنا مكناش عاجبين جناب البيه ليصرخ الطفل يركض الى والدته يتشبث بساقيها ثم رفع عيناه إلى طارق
_انت شرير أنا مش عايزك
هزة عنيفة اصابت جسد طارق وهو يرى الطفل يتعلق بوالدته وينظر اليه بكره هنا تدخلت هند برسم ابتسامة متصنعة
_حبيبي ايه رأيك تيجي معايا نجيب تشكوليت... ولكن قطعتها تقى تصرخ بها
_انتي مين انتي علشان تجيبي لابني حاجة نطقتها ثم رفعت عيناها الى طارق
_متخلنيش اندم اني جبت لك الولد
اقترب يجز على اسنانه يقول بهسيس اعمى
_متخلنيش اندم اني توبت ودلوقتي خدي الولد وارجعي مكان ماجيتي وسيبي عنوانك مع البواب وانا يبقى اعدي عليكي
رفع اصبعه واشار بتهديد
_اقسم بالله لو كانت لعبة من العابك الحقيرة لاكلك التراب.. ياله غوري من وشي
تحركت بعدما رمقت هند باشمئزاز ثم اتجهت الى سيارة الاجرة وصعدت بها
بينما هو يتابع مغادرتها بعروقا منتفضة كادت ان تخرج من وجهه دنت منه قائلة
_ممكن تهدى لازم تقعد وتفكر مع نفسك كويس قبل ماتاخد اي قرار فيه ولد في النص
التفت ينظر اليها بحزن
_هند أنا مكنتش اعرف وبعدها ماقدرتش اتحمل لان غادة كانت... صمت ولم يتمم حديثه بعدما رأى دموعها تلمع بعيناها
تحركت متجهة الى سيارتها
_هروح انا والدادة بتاعة علي انت ارتاح وخلص شغلك
خطى يطبق على ذراعها برفق وقال
_هند استني
نظرت الى كفيه ثم اليه وقالت
_طارق لو سمحت مش عايزة اتكلم دلوقتي.
بفيلا السيوفي
وصلت دينا إلى الفيلا فتحت باب السيارة لتهم بالنزول إلا أن صوت حمزة أوقفها
_ماما لازم أشوف شمس... حاولي تتحججي بحاجة وابعتيها بره بس دقيقة واحدة.
استدارت إليه سريعا نظرتها تحمل توبيخا قاسيا
_حمزة عيب كده... افرض باباها شافك هيقول إيه! يا ابني امسك نفسك شوية.
لكن صمتت حين وجدته قد خرج من السيارة دون أن يلتفت
وقع نظره على تلك الفتاة الخارجة من بوابة الفيلا مع إحدى صديقاتها تلف وشاحا رقيقا حول كتفيها.
توقف الزمن لحظة...
طاف بعينيه
على ملامحها التي اشتاق إليها حد الجنون ملامح حفظها قلبه عن ظهر حب يومان فقط غابت عنهما لكنهما كانا كعمر كامل يقتلهما الشوق حتى خيل له أن أنفاسه تحترق.
اقتربت دينا بخطوات مسرعة وقبضت على كفيه برفق أم تخشى الخوف على ابنها
_يا بني المكان دا للبنات... عيب كده
لكنه لم يسمع كان مأخوذا بها...
يراها كنسمة ربيع أقبلت بعد شتاء عمره شعرها يتطاير حول وجهها المستدير وابتسامة صغيرة تضيء ملامحها وحركاتها البريئة
ارتفع نبضه حتى كاد صدره ينفجر من شدته ثم تمتم بنبرة موجوعة
_بحبها يا ماما... بحبها أوي شوفي الطفلة دي عملت إيه في ابنك.
رفع نظره إليها برجاء طفل ضائع
_ماما لو سمحتي... عايز أكلمها كلمتين بس وامشي... رجاء.
هزت رأسها بالرفض عيناها تلمعان بحزن أمومي ثم استدارت نحو الفيلا لتخفي اضطرابها.
دخلت حيث استقبلتها شمس بابتسامة دافئة
_اتفضلي حضرتك الكل جوا.
توقفت دينا عند الباب وضغطت على حقيبتها متظاهرة بالبحث فيها
_يووه... نسيت فوني في العربية ولسه هرجع بالكعب العالي دا.
بادرتها شمس بلطافتها المعهودة
_هاتي المفتاح أشوفه أنا... وحضرتك ادخلي ارتاحي.
وهنا...أشارت دينا بخفة نحو السيارة لتتحرك شمس بخطواتها الهادئة وهي لا تعلم أن القدر ينتظرها هناك على بعد خطوات... بين أنفاس محبوسة وعيون تترقب اللقاء الأول بعد الغياب.
لتقول دينا على اثر حركاتها
_لا حمزة وصلني... مش عارفة مشي ولا لسه... الحقيه يا شموسة معلش قوليلي تليفون ماما في العربية... دور عليه ومتزعلش.
أومأت شمس برقة وابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيها
_تمام يا طنط ولا يهمك.
سارت بخطواتها الواثقة نحو السيارة كان حمزة قد استدار يهم بالمغادرة بعدما فقد أمله لكنه توقف حين لمح إشارتها من بعيد وابتسم ابتسامة تراقص على اثرها القلب وهو يهمس لنفسه
_كنت عارف يا ماما... مش هتهوني عليكي.
اقتربت منه بخطوات حذرة وقالت بصوت متزن ونبرتها مهذبة
_أهلا كابتن حمزة... طنط بتقولك فونها في العربية تشوفه كده
اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الارض ويوم العرض عليك
رفع حمزة حاجبيه بخفوت وقال
_بس العربية مافيهاش حاجة.
أشارت بهدوء نحو الباب الأمامي
طيب دور هتخسر إيه
صمت ثقيل جعل أنفاسه تتوتر
نظر إليها طويلا ثم أشار إلى السيارة بنبرة متماسكة تخفي اضطرابه
_العربية قدامك دوري.
فجأة دوى صوت رولا وهي تلوح بمرح
_أوووه كابتن حمزة عندنا! وأنا بقول المكان منور ليه
ابتسم بخفة لكنه لم يزح عينيه عن شمس وقال وهو يختنق بعشق دفين
_المكان منور باللي فيه.
استدارت شمس محاولة الفرار من اضطرابها
_طيب هروح أقولها...
لكن اوقفتها رولا
_استني ياشمس لقيته! ماهي بعتتني أقولك لقيت الفون في العربية.
تطلعت شمس إليه بأسف مرتبك
_آسفة بس هي يعني...
اقترب خطوة لم يعد يخبئ نظراته كانت عيناه تتشبثان بها كمن وجد الحياة بعد موت
_ولا يهمك.
قالها ثم نظر إلى رولا
وأردف بابتسامة جانبية
_عقبالكم يا بنات.
ضحكت رولا بخفة وقالت بمشاكسة
_إنت الأول يا كابتن!
قالتها وتركتهما ومضت على رنين هاتفها لتبقى شمس في مكانها تنظر إليه بحيرة وتردد
قطب جبينه بخفة وابتسامة صغيرة تلعب على شفتيه
_عايزة تسألي عن حاجة
ترددت قليلا ثم قالت بصوت خافت لكنه ثابت
_الصراحة أيوه. هو انت اللي اتصلت بيا من كام يوم
استند على السيارة وراح يتأمل عينيها بعمق قاتل للصبر
_آه أنا.
ثم أضاف بابتسامة غامضة
ولو عايزة إجابة سؤال تاني هقولك معرفش.
رفعت حاجبها بدهشة
_يعني إيه معرفش حضرتك اتصلت وقلت زوج المستقبل! ممكن أفهم يعني إيه الكلمة دي
تحرك بخطوات هادئة نحو باب سيارته فتحه ثم التفت إليها وهو يلوح بكفه بابتسامة ثقة
_هتشوفيني في الفرح وبالمناسبة بحب اللون الأرجواني جدا هيكون قمر عليكي واثق في ذوقك بس بلاش روج ما بحبوش.
_راعي أني بغير مش معنى اني متكلمتش هسمح لا..
اتسعت عيناها وافترقت شفتاها بدهشة من جرأته بينماهو استقل السيارة وغادروقفت تهمس لنفسها
_معقول العسل دا يطلع مجنون
وصلت إليها رولا
_واقفة كدا ليه يا شمس
التفتت إليها تشير إلى تحرك حمزة وقالت
_معرفش حساه مش طبيعي.
ابتسمت وسحبت كفها
_هو بس علشان ميعرفكيش المهم أنا خارجة نص ساعة لو ماما سألت عليا قولي لها فوق في الحمام المهم متعرفش إني خرجت.
_وبعدين يا رولا..أنا بقيت بكذب كتير بسببك كفاية يوم ماقولتي لها جاية تذاكري عندي وأنا معرفش عنك حاجة خمس ساعات لو سمحتي لازم تقولي لوالدتك إنتي بتروحي فين مادام مابتعمليش حاجة غلط.
_خلاص يا شمس مش عايزة منك حاجة أنا كنت هروح لواحدة صاحبتي بس عملت حادثة وماما دايما بترفض حتى من غير ماتعرف.
اقتربت وربتت على كتفها
_طيب أنا آسفة روحي ومتتأخريش.
هزت رأسها سريعا وأشارت إلى آخر الشارع
_لا هي ساكنة قريب هاخد عربية ضي تمام.
أومأت لها بهدوءوتحركت سريعا للخارج وهي تراقبها بعينيها.
بالداخل مازالت البهجة والسعادة تعم المكان..جلست ميرال بجوار رحيل الصامتة
_مالك يا رحيل من وقت ماجيتي وإنتي ساكتة وبعدين إنتي قولتي هتيجي بعد الضهر إيه اللي أخرك كدا.
هزت رأسها ورسمت ابتسامة
_آسفة يا ميرال نمت وراحت عليا نومة المهم ألف مبروك حبيبتي ليوسف عقبال شمس يزن احتمال كبير يجي بكرة ربنا يسهل ويلحق يخلص بكرة.
_إن شاء الله حبيبتي هي إيمان بقت كويسة
_أه الحمد لله هتفك الجبس أسبوع كدا في تلك اللحظة دلفت شمس بمفردها.
نهضت رحيل متجهة إليها تبحث بعينيها عن رولا
_حبيبتي فين رولا مش كانت معاكي
ارتبكت تفرك بكفيها ثم ابتسمت بتردد تشير إلى الأعلى
_أه..طلعت فوق قالت عايز تغير الميكب..ماتقلقيش شوية وتنزل.
_يعني هي فوق
أومأت شمس بعيون متربكة حائرة من شدة رحيل بسؤالها تعلم أن علاقتهما ليست على مايرام.
عدة ساعات مضت الى أن انتهى حفل الحنة صعدت شمس أولا..وقامت بإزالة مكياجها واتجهت إلى فراشها تهمس لنفسها
_هتنامي على نفسك يا شموسة آااه يا رجلي..قالتها بدخول ضي التي أنير وجهها بالسعادة حدجت تلك التي تلمس قدميها بتألم
_مالك يا شمس
أشارت إلى أقدامها
_رجلي يا ختي من الصبح وأنا بجري زي مايكون أنا العروسة.
ضحكت واقتربت منها
_يوم فرحك صدقيني هنام لحد المغرب.
هبت من فوق الفراش تلكمها بشقاوتها الطفولية
أه يا ناكرة الجميل يا كلب البحر.
ارتفعت ضحكاتها إلى أن صمتوا ثم اعتدلت ضي تنظر إليها
_ماتوقعتش الليلة هتكون حلوة أوي كدا.
وضعت شمس
_أنا فرحانة أوي يا ضي علشان هتكوني مرات أغلى شخص في حياتي.
أغمضت عينيها فراحت ملامحه في خيالها كحلم جميل ابتسمت وتنهدت تتمنى لو أن المسافة بينهما تمحى بلمح البصر.
اعتدلت شمس بعد لحظات من صمتها تنظر إليها باستغراب
_ضي مالك ساكتة ليه
هزت كتفيها بابتسامة واهية ثم نهضت ببطء خلعت فستانها بحركة مترددة.
تقدمت نحو خزانتها وضعت الفستان داخلها بعناية تمرر أناملها عليه برقة
ثم توجهت إلى الحمام وحين خرجت كانت شمس قد استسلمت للنوم.
جلست ضي بجوارها تراقب ملامحها الهادئة والابتسامة تملأ عيناها فوجه شمس يشبه يوسف حد الوجع.
اقتربت منها ببطء تهمس كأنها تخاطبه
_وصلي دي
تحركت شمس بتململ وابتسمت بخفوت وهي تهمهم
_حاضر...
عادت ضي إلى فراشها المقابل تتأمل السقف بصمت فمنذ عودة ميرال وشمس وهي تشارك شمس بغرفتها في زياراتهم المتكررة لجدتهم.
سحبت هاتفها من فوق الوسادة فتحته فظهر أمامها اسمه...يوسف.
عدة مكالمات فائتة.
ارتجف قلبها وضغطت على زر الاتصال.
على الجانب الآخر...كان يوسف قد غفا منذ دقائق بعد سهرة طويلة مع أصدقائه.
رن الهاتف ففتح عينيه نصف فتحة مد يده بتثاقل وأجاب بصوته المبحوح بالنوم
_ألو...
تصلب جسدها للحظة ارتبكت ثم همست باسمه بخجل
_يوسف. وصوته بدأ يفيق
_يعني..
ضحكت بخفوت وارتبك صوتها وهي تهمس
_لقيتك متصل بيا كتير... الفون كان فوق.
رد بابتسامة تنضح عشقا
_ولا يهمك يا حبيبتي كنت بس عايز أطمن..أشوفك عاملة إيه.
مش كويسة...
قالتها بصوت خافت مهزوم لتتسلل شهقة بكاء خانتها قبل أن تكمل.
اعتدل يوسف سريعا وارتجف جسده بالقلق
_ضي فيه إيه مالك مين زعلك
خرجت منها الكلمة كطعنة ناعمة مبللة بالدموع
_إنت...
قطب جبينه يحاول التذكر وقال مستنكرا
_أنا! مش فاكر زعلتك في إيه وبعدين إحنا مااتكلمناش أصلا..ممكن أفهم زعلانة مني ليه لو قصدك على الفستان اخبطي دماغك في الحيطة بقى.
لكنها قاطعته بصوت مبحوح موجوع
_علشان وحشتني..وعايزة أشوفك وإنت مش موجود.
هل شعر أحدكم يوما بصراخ القلب حين يعجز اللسان عن الرد
_ صمت.. من خلال الهاتف كأنها أمواج ترتطم بقوة تريد أن تصل إليها بأي شكل.
دقائق من الصمت الموجع...
ثم أغلقت الهاتف بخفة مرتجفة وارتمت على وسادتها تضم نفسها بذراعيها
همست لنفسها لائمة
_إيه يا ضي..اتجننتي! أول مرة تبقي ضعيفة كده!
تقلبت على الفراش كمن يهرب من نار تشتعل تحته ثم نهضت مرة واحدة.
خرجت من الغرفة بخطوات مترددة..
هبطت السلالم بهدوء حتى دلفت إلى غرفته..وكأن قلبها المتحكم الأول.
توقفت عند الباب فتحته لتقابلها رائحته تتسلل إليها كأوكسجين الحياة الذي تختنق بدونه.
دخلت تتأمل كل تفصيلة في المكان
.
عند يوسف
نظر للهاتف الذي بيده بعد إغلاقها وشعور جحيمي بداخله يريد أن يصل إليها بالحال ولكن عقله تمرد عليه
_اهدى..متبقاش ضعيف كدا مش كل حاجة تقولها تجري عليها..الصبح يبقى روح لها.
صمت لدقائق ثم رفع هاتفه يتصل بها مرة أخرى ارتفع رنين الهاتف التي تركته بغرفتها عدة مرات حتى استيقظت شمس..نهضت تبحث عنها فرفعته وردت بعدما وجدت أخيها
_أيوة يا جو
صمت للحظات..يشعر بالضيق ظنا أنها لا تريد محاكاته فقال
_أهلا شموسة عاملة إيه حبيبتي
_مفيش كنت نايمة صحيت على رنين التليفون ومعرفش ضي راحت فين.
_هي مش عندك
_لا..ممكن
_طيب حبيبتي تصبحي على خير.
_لو عايزها أنزلها.
_لا يا شموس كنت بطمن عليكم بس.
فرك وجهه يشعر بالضيق ثم نهض من فوق فراشه واتجه إلى غرفة بلال وجده مازال مستيقظا
_يوسف إنت لسة صاحي فكرتك نمت.
_ماجاليش نوم.
بقولك حجزت في شرم زي ماقولت لك ولا لأ
كان بلال مندمجا بشاشة جهازه أومأ له وقال
_أيوة..الفندق اللي قولت عليه.
سحب مقعدا وجلس بمقابلته متأففا يشعر بالضيق التفت إليه بلال
_مالك فيه حاجة
تراجع بجسده ورفع قدمه فوق المقعد المقابل
_قلقان من عملية جدو خايف مؤشراته ماتتقبلش العميلة.
أغلق جهازه واعتدل ينظر إليه
_إنت ماشفتش التحاليل وراجعت على كل حاجة وكله كان تمام
رفع يوسف رأسه وأومأ له
_بلال العمليات دي صعبة هو أنا اللي هقولك الكبد مصاب بجزء كبير جدا.. خايف يكون المرض خرج عن
السيطرة في مكان تاني ولسة في أوله ومش واضح إنت عارف دا معناه إيه
ربت على ساقيه
_أنا عارف إن ربنا كبير وفي الأول والآخر دي أعمار يا يوسف ولو له نصيب يعيش مش محتاج عملية.
_يارب يا بلال يارب..أنا خايف أوي عليه مش متخيل نفقده أصلا غير إن تيتا ممكن تموت وراه.
ابتسم بلال بحزن
_فكرتني بتيتا صفية الله يرحمها كنا بنقول هنموت وراها وشوف عشنا كام سنة..الأعمار بيد الله حبيبي..سيبها على ربنا فكر بس في فرحك دلوقتي
وبعد كدا كل حاجة هتكون تمام.
تنهد ثم اعتدل واقفا
_كمل شغلك عطلتك هروح أنام.
قالها وخطا للخارج أوقفه بلال
_يوسف..توقف واستدار إليه لينهض من مكانه مقتربا منه ينظر لعينيه
_ضي..ضيق يوسف عيناه منتظرا بقية حديثه..ابتسم يربت على كتفه
_ضي أغلى من روحي زي ماشمس أغلى من روحك كدا أوعى تزعلها يابن عمي هي بتحبك أوي وأنا اكتشفت إنك كمان بتحبها..مش هضحك عليك عارف إنك زعلان على جدو مصطفى
بس أنا عارف يوسف كويس أوعى تكسر بخاطر أختي يا يوسف علشان منزعلش من بعض إلا ضي.
استدار يوسف دون أن يرد عليه وغادر الغرفة بصمت مريب جعل بلال يشعر بالخوف..ليهمس
_ياترى ناوي على إيه يابن عمي
صباح اليوم التالي..
استيقظت لتجد نفسها نهضت من مكانها وتحركت للخارج بنزول شمس من الدرج
_ضي كنتي فين قلقت عليكي.
_نمت في أوضة يوسف..فيه حاجة
غمزت شمس بشقاوة تهز رأسها ثم وضعت الهاتف في يدها
_أه فيه..الدوك اتصل إمبارح بالليل واتصل الصبح.. طمنيه.
سحبت الهاتف وصعدت إلى غرفتها.
مرت عدة ساعات إلى أن وصل إلى الفيلا يبحث عنها دلته شمس على مكان الغرفة التي بها دلف للداخل.. توقف ينظر لتلك الواقفة تجمع أغراضها بحقيبة وعلى وجهها طبقة سوداء اقترب منها دون أن تشعر به
_صباح الخير على مراتي الحلوة.
التفت تنظر إليه
_لسة فاكر عليك.
أشار على وجهها
_إيه الطين اللي إنتي حطاه دا
_طين!! دا طين دي ماسكات علشان أعجب الباشا
_الباشا عاجبه أي حاجة فيكي والله.
رفعت حاجبها وقالت
_أه بدليل جيت إمبارح.
_كنت نعسان يا بت مالك فيه إيه وبعدين لسة دافع لك فاتورة تقطم الضهر وأنا لسة ببني أوضة فوق السطوح علشان شوية الطين دول والله لو أعرف كنت عجنتهم من الجنينة.
دفعته وابتعدت بعناد طفولي
_إيه..مااستهلش يا دوك ولا إيه
_أنا ومالي ومال أبويا وأبوكي والواد بلال والعيلة كلها في شنطتك.. توصليهم لحد باب بيتي.
ضربت الأرض بقدمها غيظا
_بطل هزار وقولي ماجتش إمبارح ليه أنا بت في أوضتك على فكرة.
ضحك وهو يرفع حاجبه بمكر
_احمدي ربنا إني مجتش
ضحكت رغما عنها ثم استدارت تكمل جمع ملابسها.
اقترب منها بخطواته الثقيلة وسأل
_بتعملي ايه
_هدوم..طنط ميرال بعتتهالي الصبح علشان أشوف اللي يعجبني بس كلهم واو يا يوسف فقولت فرصة أخدهم
_اطلع برة إزاي تدخل هنا كده عايزة أجهز فيه حفلة بالليل ولسه ماعملتش ساونا.
_ساونا!
ارتبكت وهي تهز رأسها
_ساونا إيه قصدي أكمل الحاجات اللي ناقصاني.
ابتسم بخبث خافت
_تمام همشي ومش هتشوفي وشي غير يوم الفرح.
_أحسن برضو.
قالتها بسرعة لكنها لم تتوقع عودته المفاجئة
وخرج صوته خافتا لكنه مهتز بالغضب
_يعني منمتش طول الليل وقلقان ومضايق على زعلك دا يكون ردك واستدار يغادر بصمت موجع.
تبعته بعينيها حتى اختفى تنهدت بوجع مكتوم.
بغرفة مصطفى كان الصمت يعم المكان لا يسمع سوى خرير جهاز الأكسجي.
دلفت فريدة بخطوات هادئة حتى وصلت إلى مالك الجالس بجوار مصطفى
_عامل إيه يابني
نهض سريعا بابتسامة لطيفة
_الحمدلله يا طنط فريدة إزاي حضرتك
ابتسمت وهي تجلس مقابله
_الحمدلله يا ابني دايما منور المكان..
من يوم المستشفى مشفتكش إلياس قال لي إنك كنت في السويس.
أومأ لها وقال
_أه كان فيه مشكلة في الشغل وإلياس بعتني والحمد لله..
في تلك اللحظة انفتح الباب ودلفت غادة تحمل طبقا من الشوربة بين يديها تفوح منه الحرارة برائحتها الشهية
_أحلى شوربة لأعظم أب في الدنيا.
ابتسم لها مصطفى بحنان متعب
_تسلم إيدك حبيبتي..بس ماليش نفس.
أمالت فريدة رأسها نحوه بلهجة عتاب خافتة
_هتكسف غادة قدام جوزها ينفع كده
نظر إليها بعينيه المرهقتين وقد فهم مقصدها فابتسم بخفوت.
جلس مالك يسانده كابن لا كزوج ابنته
_يلا يا عمو علشان غادة متزعلش وتنكد عليا.
ضحكت غادة بخفة
_لا والله أنا اللي أنكد عليك.
ابتسم مصطفى بهدوء وربت على ذراع مالك
_غادة جوهرة غالية على أبوها وعارفة قد إيه غلاوتك عندي ومستحيل تزعلك مش كده يا بنتي
_متخافش يا بابا حضرتك عارف بنتك..حضرة الظابط بس بيحب يتدلع.
ضحكت فريدة وهي تتناول الصحن منها
_قومي يا بنتي افطري إنتي وجوزك مع أخوكي تحت.
_حاضر
_حبيبي محتاج حاجة
_لا يا حبيبتي..بس طلعيلي فارس وفريدة لما يرجعوا من النادي نفسي أشوفهم.
_عيوني يا بابا أول مايجوا هطلعهم.
غادرت الغرفة بخطواتها الهادئة ونظرات والدها تلاحقها لعل النظر إليها يخفف من ألم المرض..
_هي كويسة حكت لي مالك كان شد مع والدته علشان عمه وإنت عارف بنت عمه رجعت غادة متعرفش بس أنا فهمت من كلامها إنها زعلان منه علشان مبيشركهاش.
كان يستمع إليها بصمت ثم قال
_إلياس عارف إنها زعلانة
هزت رأسها بالنفي وقالت
_إسلام بس وميرال إلياس مفكرها زعلانة علشانك بس لما شوفت مالك مجاش من أسبوع وبيسأل عليك عن طريق إسلام عرفت فيه بينهم مشكلة واتكلمنا بس.
بمنزل طارق..
فتح الباب ودلف وجدها تجلس بالشرفة تنظر بشرود في الفضاء.. اقترب منها هبت كالملسوعة..
_اهدي أنا.
أزالت دموعها وأومأت برأسها تتجاوز وقوفه قائلة
_هشوف علي
وأوقفها
_هند من إمبارح وإنتي قافلة على نفسك.
_طارق ممكن نأجل كلامنا معنديش طاقة أتكلم في حاجة دلوقتي
_هند أنا آسف سامحيني مقدرتش أمنع عنك آثار الماضي.
انسابت دموعها بغزارة وارتجف جسدها بالكامل رفع رأسه ينظر إلى عينيها الباكية بتألم..
_آسف.
رفعت رأسها إليه وقالت ببكاء
_هتعمل إيه أنا مقدرش أتقبل واحدة في حياتك وفي نفس الوقت ابنك مقدرش أمنعك عنه..أنا تعبانة يا طارق
_ألف سلامة عليكي حبيبتي.. متقلقيش وعد مني يا هند هفكر في حاجة ترضيكي أنا مستحيل أستغنى عنك..مقدرش أبعد عنك يوم واحد.
سبحت بعيونه الباكية
_وأنا كمان بحبك أوي واتقبلت ماضيك بس مش ولد يا طارق دا تقيل عليا علشان كدا بقولك سيبني يومين.
بمنزل يزن
دلفت غرفة ابنتها وجدتها تجلس أمام المرآة تضع بعض الكريمات.. تحركت إلى الفراش وجلست عليه تراقبها استدارت رولا إليها
_خير ياماما.
_إيه رأيك نتكلم شوية زي أي أم وبنتها..ألقت مابيدها واستدارت إليها
_ماما عايزة إيه أنا تعبانة وماليش نفس أتكلم وبعدين هنزل لبنت عمتو وهبات هناك بما إن الفرح بعد يومين ولا حتحرميني من الفرح كمان
توقفت رحيل وحاولت السيطرة على نفسها حتى تصل إلى ماتريده
_إنتي حبيتي حد يا رولا
نهضت بتأفف
_يوووه أنا قولت لك تعبانة ولا أقولك أنا ماشية وماتخافيش هخلي آسر يوصلني.
قالتها وتحركت سريعا من أمامها بينما ظلت رحيل بمكانها تبعد خصلاتها عن وجهها بغضب تنظر حولها بتيه
_ياربي إعمل إيه أقول إيه لأبوها طيب دي أفهم منها إزاي.
بمنزل إسحاق
دلف حمزة إلى عمران يسحب من فوقه الغطاء وصاح بغضب
_عمران قوم كدا.
نهض من نومه يمسح على وجهه انحنى يضع الهاتف أمام عينيه
_إنت بتعمل إيه مع البت دي
تراجع عمران بجسده على الفراش وقال
.
هدأ حمزة قليلا وجلس بجواره على الفراش
_عمران البنت دي مش كويسة
_لا متخافش..فهمتها.
نهض من فوق الفراش وغمز إليه
_أنا أخو حمزة الجارحي يابني مش عبيط منكرش الأول شدتني بس لما عرفت حقيقتها بعدت وطبعا إسحاق باشا لما هددها علشان تبعد عني.. حاولت تتذاكى .
توقف حمزة بمقابلته وقال
_برافو عليك..أنا من وقت ماماما قالت إنك معجب بواحدة بدور علشان أعرف مين دي بس لما عرفت كنت هتجنن.
لكزه عمران وأردف بمزاح
_ألف سلامة عليك من الجنان يا عاشق يا ولهان أخبار شمسك وقمرك إيه
دفعه فوق الفراش وتحرك للخارج يسبه..بينما ارتفعت ضحكات عمران بالداخل.
مضى اليومان سريعا كأن الدقائق كانت تعدو لا تمشي إلى أن جاء اليوم المنتظر...يوم الزفاف.
في الفندق كانت الغرفة المخصصة للعروس تنبض برائحة العطور والورد الأبيض
جلست أمام المرآة تنهي زينتها..
دلفت رولا وشمس بخفة ومرح تسبق ضحكاتهما نبرات صوتهما.
رفعت رأسها إليهما مبتسمة ثم أشارت إلى وجهها وهي تسأل بتردد خجول
_حلو ولا أوفر
وقالت بمرحها المعتاد
_أحلى وأجمل
بيكي.
وغمزت لرولا التي تنظر إليها من شدة الإعجاب.
لم تمر دقائق حتى ارتدت فستانها... فستانا كأنه حكاية تروي عشقهما يتلألأ مع كل حركة يلامس الأرض بخفة..يكتب حروفهما على بعض نقوشه ينساب عليها ليجعلها أميرة متوجة على عرشها.
توقفت شمس تحدق فيها بانبهار حقيقي اقتربت منها والتقطت صورة خاطفة قبل أن تنطق
_دي علشان جو.
شهقت ضي بسرعة وهي تلوح بيديها
_لا لا يا شمس وحياتي لا خليها مفاجأة.
رفعت شمس حاجبيها بخبث
_ليه أوعي تكوني غيرتي الفستان ده كمان
ضحكت بخفة وقالت
_غيرته فعلا بس الباشا رجعه وقالي إياكي تغيريه دا معمول ليكي إنتي.
أشارت إلى حروفهما التي تنقش على الفستان.
نظرت إليها شمس بدهشة ثم
متابعة القراءة