كانها الحياة بقلم سيلا وليد

لمحة نيوز

مجرد مهدئات مش أكتر.
ارتجف لسان إلياس وارتعشت أنامله وهو يتمسك بذراعه كمن يخشى أن ينهار..وقال بصوت خرج مبحوحا يخنقه الذهول
_حتى لو تدخل جراحي
أجابه بصوت خافت كسكين يقطع ماتبقى من أمل
_للأسف ياإلياس..مبقاش ينفع.. بس هنحاول كان الافضل يفضل في ألمانيا
_هو اللي طلب يرجع هنا.. 
_ربنا يقدم اللي فيه الخير هنشوف العملية.. 
ظل صامتا يختنق بصمته كأن الحديث أشواكا تجرحه رحل الطبيب بينما هو لم يتحرك..دار حول نفسه
وعينيه تجولان في المكان كمن يبحث عن دفء ضاع.
هنا كان أمانه هنا ضحكته الأولى وصرخته الأولى هنا من رباه وجعل منه رجلا تهابه الرجال.
ارتعشت أنفاسه لدقائق ثم رفع هاتفه بصعوبة كأن الجهاز صار أثقل مما استمع إليه وضغط على الرقم
_تعال على بيت جدك حالا.
_حاضر..
قالها يوسف بصوت خافت وأغلق الخط بينما توقف إلياس ودموعه قد خذلته أخيرا لتتساقط بصمت على وجنتيه قبل أن يمسحها بيده كمن يخجل من ضعفه..ظل واقفا لا يسمع سوى أنين قلبه الذي كان يوما صلبا كالصخر وها هو الآن ينهار بصمت كجدار شاخت عليه الذكريات.
عند يوسف تحرك الى سيارته قاطعه رنين هاتفه برقم بلال أجاب بنبرة جافة
_أيوه يابلال.
_إنت فين يايوسف
سحب يوسف نفسا وأدار السيارة
_رايح لجدو..في إيه
_لازم نتكلم بعد ماتخلص كلمني.
_بخصوص إيه لو الموضوع مش مهم أجله ماليش مزاج أتكلم مع حد.
_ضي مالها يايوسف
توقف يوسف بسيارته فجأة وأجابه بصوت مختنق ماذا يجيبههل يعترف بأنه حطم غرورها دام صمتا ثقيلا الى أن قال
_ هشوف جدو واعدي عليها بقالي كام يوم مشفتهاش قولها تجهزلي عشا لما ارجع.. حاول ان تكون نبرته متوازنة ولكن شعر بلال بثقل انفاسه علم انه ليس بخيرا
بغرفتها دلف اليها ارسلان ينظر الى عيناها التي ذبلت اقترب مقهورا منها
_حبيبتي قومي جهزي نفسك..هنروح فيلا السيوفي
رفعت رأسها بذهول
_فيلا السيوفي!
جاء صوت غرام من خلفها حائرا
_فيه إيه
أجاب أرسلان وهو يحاول تمالك نفسه
_عمو مصطفى تعبان جدا وإلياس وكلهم نقلوا هناك..وأنا مش هسيب ماما في الظروف دي.
اتجه بخطوات نحو الباب ثم أضاف بنبرة هادئة
_جهزوا نفسكم هنقعد هناك كام يوم لحد ماحالته تتحسن.
عند إلياس 
وصل إلياس إلى غرفة مصطفى سحب نفسا طويلا وطرده ببطء كمن يلفظ وجعه قبل الدخول. طرق الباب طرقات خافتة ثم دلف إلى الداخل.
كانت فريدة جالسة بجانب السرير كأنها تحمي آخر ما تبقى من دفء عمرها معه. التفتت نحوه حين فتح الباب واهتزت دموعها في عينيها حين رأته يخطو بخطوات ثقيلة عيناه لا تفارقان ملامح والده الشاحبة.
اقترب منه انحنى برفق
_بابا...
همس بها كمن يستدعيه من غيبوبة ففتح مصطفى عينيه الذابلتين بصعوبة.
_الي... اس...
نطقها متقطعا
_ألف سلامة عليك يا بابا... كده هونت عليك متعرفنيش مرضك بنفسك.
حرك مصطفى رأسه بصعوبة نحو فريدة.
_فريدة... فين إسلام
_لسه ماشي من خمس دقايق ابنه تعبان هيكشف عليه ويرجع لك على طول
أزاح مصطفى جهاز التنفس محاولا الحديث لكن إلياس أسرع يمسك بيده
_بابا... ما تتكلمش دلوقتي.
أشار له مصطفى أن يجلس قربه فجلس إلياس صامتا يحدق بوجهه المتعب وقلبه يئن من الوجع. أمسك كفيه من جديد رسم على شفتيه ابتسامة شاحبة وقال بصوت مختنق
_عايز تعرف إنك غالي ولا إيه يا مصطفى باشا
ابتسم مصطفى ابتسامة واهنة تلمع دمعة على طرف عينه تهتز بين السقوط والبقاء.
_عارف يا ابن مصطفى... إني غالي.
قالها بصوت متقطع كأن كل حرف يخرج من أعماق عمر أنهكه الوجع.
اقترب منه إلياس أكثر انحنى حتى لامس جبينه كتف والده ونزع عنه ما تبقى من قناع القوة الذي اعتاد ارتداءه أمام الجميع إلا أمام هذا الرجل.
همس بصوت مبحوح يشبه نحيبا مكتوما
_والله... أغلى من روحي يا بابا.
ظل صوته عالقا بين أنفاس مصطفى كأن الهمس وعد أبدي
رفع مصطفى كفيه المرتجفتين وضعهما على وجه إلياس الذي تهاوت كل صلابته وهو يسند رأسه على كتف والده.
_عمري في يوم ما شكيت إنك ابني... حتى بعد ما غيرت اسمك وبعد هروب ميرال بسببي...
توقف للحظة كأن الذكرى تختنق في صدره ثم تابع بصوت مبحوح
_آه يا إلياس... كنت بشوف الحزن في عينيك بس عمرك ما آذيت أبوك بنظرة... ولا كسرتني بكلمة.
شد إلياس على كفيه المرتجفتين وارتجف صوته وهو يهمس برجاء مختنق
_لو سمحت... علشان خاطري متتكلمش دلوقتي يا بابا.
لكن الألم تسلل جسد مصطفى بلا رحمة.
ابتعدت فريدة إلى النافذة تمنع شهقاتها ..
هل سيبكيها القدر مرة أخرى
سؤال واحد تردد في ذهنها وهي تراه كمن يحميه من الموت نفسه.
احتوى إلياس جسده المنهك وأعاد جهاز التنفس إلى مكانه بحذر وهو يهمس له بحنان مبحوح
_خلاص يا بابا... خد نفسك أنا هنا ماتخافش.
ضغط مصطفى على كفه حاول أن يبتسم رغم أنفاسه المتقطعة
_أنا كويس...
قالها بصوت مرتفع الأنفاس كأنه يقنع نفسه قبل أن يطمئن ابنه.
يحيطه بذراعه ك طفلا بين يديه يهمس مبتسما رغم الدموع التي تتلألأ على وجنتيه
_عارف إنك كويس... وإن شاء الله هتبقى كويس...
أومال مين هيجوز يوسف وشمس
ارتسمت على ملامح مصطفى ابتسامة باهتة قبل أن يغفو بسلام تحت تأثير المهدئات.
ظل إلياس كأن ذراعيه صارتا وطنا يمنع الفقد من الاقتراب حتى وهو يعلم أن فقدانه اصبح قريبا
دقائق ودلف يوسف نظر لجلوس والده بتلك الطريقة ويضع رأسه فوق رأس مصطفى يسبح ببحور من الدموع بلا توقف 
دنا منه يوسف وشعر بأن قلبه يحترق لأول مرة يرى والده بتلك الطريقة 
_بابا... همس بها يوسف 
ازال دموعه ووضع والده بهدوء مكسور على الفراش تمنى لو اخفاه داخل صدره تمنى لو ازال الامه.. تمنى وتمنى ولكن قدر الله
خليك جنب جدك.. 
قالها واتجه إلى الشرفة التي تجلس بها فريدة.. جلست على المقعد تنظر بشرود كأنها تودع الحياة للمرة التي لا تعلم عدد
جلس بجوارها بصمت هنا انفجر صوتها بالبكاء بكت وبكت حتى شعرت بانقطاع احبالها الصوتية.. كيف يواسيها وهو يريد من يواسيه دقائق صمت قاتلة كأن الحروف اصبحت اشواكا تجرحه 
_ماما... تمتم بها بلسان ثقيل 
_ابوك هيموت ياالياس صح الدكتور قالك كدا 
قاطعهم دخول غادة 
_ماله بابا بابا ماله انتوا مش كنتوا بتحجوا بابا حبيبي انا جيت 
قالتها غادة وهي تجثو أمام فراشها 
واردف 
_عمتو جدو كويس هو نايم بس لو سمحت بلاش تزعجيه 
دلف الياس بعدما استمع صوتها رفعت عيناها اليه 
_بابا ماله ياالياس ومن امتى تعبان 
انحنى يرفعها من الأرض 
_غادة بابا كويس انتي مش صغيرة علشان كدا 
فين ماما ياالياس
تسائلت بها غادة..اشار الى الشرفة..ثم تقدم من يوسف الذي توقف يتابع مؤشرات مصطفى رفع نظره الى والده
_المستشفى افضل من البيت يابابا
قال
_هو رافض المستشفى المهم كلم الدكتور بتاعك يستعجل الدكتور الخاص بالعمليات دي 
_حاضر..هكلمه حالا توقف عندما تذكر شيئا فقال 
_حاضر 
بعد ساعات 
خرج من غرفة مصطفى بخطوات مرهقة فقابله أرسلان على الدرج.
_باباك فين
هز كتفه بجهل
_معرفش.. كان مع تيتا فوق يمكن نزل معاها أنا خلاص مش شايف قدامي من التعب. خليك عند جدو لما بابا يرجع 
_ماشي يا حبيبي اطلع ارتاح.
_أنا هنام حتى لو على السلم بجد مش قادر.
اتجه الى غرفة والدته يطرق باباها حتى يجلب ثيابه دلف بعدما لم يستمع ردا
اتجه إلى الخزانة ولكنه توقف بعدما استمع الى خطوات.. ظن والدته فقال دون أن يلتفت 
_ماما أنا هنا جيت اخد ترنج دولابي فاضي ليه.. استدار بعدما لم يستمع ردا
كانت قد خرجت من الحمام
_يوسف!.. إنت بتعمل ايه هنا
لم يجب.
تقول 
_طنط ميرال مش هنا 
_تعرفي المفروض اعمل فيكي ايه مبترديش على اتصالاتي ليه
رفعت عيناها التي امتزجت بخليط من الألم والحزن
_انا طلبت من عمو ننفصل انت غالي عندي ومش حابة انك تضغط على نفسك وصدقني مش زعلانة منك حق كل واحد مننا الاختيار
رغم احتراق الحروف على شفتيه الا ان عيناه كانت تنفجر بما لم تنطقه لم يفكر كثيرا 
_اضغط على نفسي زي مابضغط على نفسي بقالي يومين علشان مكسرش دماغك..
لا إله إلا انت سبحانك إني كنت من الظالمين 
لم أعرف أن الحنين قد يغرق المرء في سكون عميق كهذا
ولا أن قلبي الذي عاش غريبا عن العاطفة سيجد نفسه يوما أسيرا لوجه واحد.
كل ما كنت أظنه صدفة صار قدرا يلاحق أنفاسي.
كنت أعيش ساكنا لا أعرف للقلوب طريقا
حتى جئت فأفسدت صمتي وعلمتني كيف يحب الإنسان حتى الوجع.
منذ أن مررت في حياتي تغير كل شيء
كأنني كنت أعيش على هامش الوجود
ثم جئت أنت لتذكريني بأن للروح وطنا
وبأن النور قد يأتي أحيانا متأخرا...
لكنه حين يأتي يبكينا من شدة الجمال.
تجمعت دموعها في عينيها وهمست بانكسار متقطع
_اعمل اللي إنت عايزهأنا مبقاش فارق معايا حاجة.
_يعني إيه مش فاهم كلامك
لم يكد ينهي جملته حتى انفتح الباب بعنف ليظهر إلياس واقفا أمامهما ملامحه مزيجا من ذهول وشرر متطاير من عينيه..استدار يوسف سريعا تجمد جسده للحظة وهو يرى والده يقتحم المكان بتلك الهيئة ألتفت سريعا نحو ضي التي شهقت ونزلت دموعها على وجنتيها من رؤية عمها ويوسف الذي كاد يجن من رؤية والده لهيأتها تلك.
تراجع بجسده خطوة أمامها يحاول حمايتها من نظرات والده ثم واجه والده بنبرة حاول جاهدا أن يخفي ارتجافها
_إيه يا بابا اللي حضرتك عملته دا إزاي
تدخل علينا كده مش المفروض تخبط الأول!
لم يكترث لحديثه بداية الأمر بل ظلت عيناه معلقتين على ضي نظراته تشتعل غضبا كلما لاح له ارتباكها واحمرار وجهها وهناك هواجس تضرب عقله هدأ قليلا وفاق على حركات يوسف الجنونية وهو يقف أمامها كدرع بشري يحاول أن يحجبها عن أعين أبيه.
لاح الخبث بعقل الياس بعدما واجه غيرة ابنه الجنونية فاقترب منهما خطوة لكن يوسف تراجع فورا يرفع يده بتحذير غاضب
_بابا..لو سمحت.
زم إلياس شفتيه وانحنى قليلا برأسه وهو يزفر أكثر عندا ثم قال بصوت أجش يقطر سخرية
_ده إنت بجح يا وادعايزني أخبط على أوضتي وأنا داخلها!
في تلك اللحظة دخلت ميرال بخطوات متوترة محاولة أن تسيطر على غضب إلياس تنقلت عيناها بينهما بخوف واضح..
ابتلع يوسف لعابه بصعوبة محاولا السيطرة على صوته المرتعش
_بابا..مش قصدي والله بس ممكن تخرج دلوقتي نتكلم بعدين برة
رفع إلياس حاجبه بسخرية باردة ثم نظر إلى ضي التي مازالت تختبئ خلف يوسف وهمس بنبرة حادة عنيدة
_ضي
صمت لحظة ثم أردف بصوت قاطع
_اطلعي من ورا الحلوف دا وقوليلي كنتوا بتعملوا إيه في أوضتي.
شهقت وارتعدت أوصالها مما ازداد غضب يوسف الذي كور قبضته سحبته ميرال للخارج
_إلياس..تعال نشوف بابا مصطفى ياله حبيبي.. 
لكنه لم يتحرك إنشا واحدا وظل واقفا بمقابلة ابنه 
_هطلع لو خرجت ومكنتش ورايا هدخل وأطلعها برة كدا ويبقى وريني هتعمل إيه ثم رفع نظره إليها
_بتتخبي من عمك وراه يا بنت أرسلان. 
سحبته ميرال تكتم ضحكاتها..تدفعه بخفة للخارج.. 
خرج يمسح على خصلاته وابتسامة أنارت وجهه بعد حزنه على مصطفى.. _بتضحكي على إيه إنتي كمان 
لكزته تضحك 
_ بس بقى كسفت العيال إنت فظيع والله.. 
رفع حاجبه ساخرا
_الواد بيقولي مابتخبطش ليه شوفتي بجاحة الحلوف.
_جايبه من بعيد نسيت نفسك ولا إيه
_ياريت يا ميرال هانم تعرفيه أنا متأكد إنه كان عارف إننا جوا بس لو معملش شو مايبقاش إلياس باشا.. قالها يوسف الذي خرج على كلمات والدته ينظر وقال
_مش هتكلم..قالها وغادر من أمامهما بينما ظل إلياس يتابع تحركه الغاضب استدار إلى ميرال 
_ادخلي شوفي ضي زمانها منهارة عرفيها كنت بعانده مش أكتر أنا واثق فيها.
أومأت وتحركت للداخل بينما ظل مكانه للحظات ثم اتجه إلى غرفة مصطفى.
بغرفة يوسف
دلف إلى الداخل كوحش جريح يتخبط في قفص ضاق على أنفاسه..يثور كمن فقد عقله يركل مايعترض طريقه كأن في داخله إعصارا يبحث عن مخرج.
توقف أخيرا يلهث تتناثر أنفاسه الغاضبة بكبت جحيمي إلى أن سقط على المقعد يمرر كفه في شعره بعنف كاد يقتلع معه روحه.
أغمض عينيه للحظة لكن ملامحها اندفعت إلى ذاكرته كطعنة فهب واقفا ينزع قميصه بعنف حتى تناثرت أزراره على الأرض كدموع مبعثرة..
_فاضي نتكلم
أومأ بصمت وهو يجفف خصلاته اقترب منه ودارت عيناه بالغرفة ثم قال 
_ انت مبهدل الدنيا ليه كدا
لم يجبه فسحب نفسا قائلا
_إيه رأيك نرجع بيتنا نبات ونيجي كل يوم بعد مانخلص شوية ونرجع تاني حاسس إني مخنوق ومش عارف أتعايش. 
استدار اليه يوسف بعدما ألقى منشفته واتجه إلى أحد الأدراج ينزع سجائره مع اقتراب بلال يسحبها بعنف
_أنا بكلمك على فكرة ولما سألتك قولت لي هي مرة حد عزم عليك وماحبتش تكسفه.
تابعه برفعة حاجب وصمت ثم تراجع إلى المقعد وجلس قائلا
_بلال دماغي وجعاني ومش ناقصك إنت كمان. 
اقترب منه وعيناه تحاوط اضطرابه 
_مالك يايوسف وإيه اللي حصل بينك وبين ضي سمعتها بتكلم باباك عايزة تفسخ الخطوبة. 
سحب المقعد وجلس بمقابلته يتعمق بملامحه وقال بنبرة متزنة 
_يوسف إنت عارف غلاوتك عندي ربنا أعلم إنت بالنسبالي مش مجرد ابن عم وبس وهي كمان دي روحي.. مضحكش عليك أنا كنت رافض ارتباطكم ببعض مش عيب فيك والله بس أنا عارف أختي وعارفك إنت مش بتاع قصص الحب اللي ضي بترسمها من خلال قرائتها للروايات وطبعا فاكر كل إجازتك كانت قفشات بينكم بس بعد الخطوبة معرفش حسيت إنك واحد جديد بيحاول يبني عالم تاني غير اللي متعوده منك أه عارف موضوع كتب الكتب جه بدون علمك بس منكرش اليوم دا شوفت حاجة فيك مختلفة وخصوصا لما رجعتوا بالدبل.
كان يستمع إليه بصمت موجع..اقترب بلال بجسده يربت على ساقيه
_يوسف إنت عايز تكمل مع ضي فعلا ولا ناوي على إيه ولسة موضوع الهجرة دا في دماغك طيب لو هتهاجر هي هيكون مستقبلها إيه معاك..
أنا حاولت أفهم من بابا بس كل اللي قاله سيب الدنيا ماشية زي ماهي.. 
زفرة حارقة أخرجها من لهيب أعماقه بعدما أنهى بلال كلماته ثم قال 
_أنا استلمت الجنسية من أسبوع يابلال وبابا عرف كل حاجة علشان كدا جوزوني ضي على أساس تضغط عليا ومسافرش.
أومأ بلال منتظرا بقية حديثه تراجع بجسده بعدما سحب سجائره من كفه وقال 
_مناقشة الرسالة الأسبوع الجاي بعدها هقرر أنا كدا كدا لازم أسافر علشان أكتسب خبرات أكتر. 
_طيب وضي يايوسف مصيرها إيه.
نفث دخانه ينظر إليه ثم قال
_هاخدها معايا.
ضيق عيناه بتساؤل 
_يعني إيه مش فاهم هتاخدها إزاي 
_هنتجوز.. مش هما عايزين كدا. 
توقف بلال يهز رأسه بالرفض
_ومين هيسمح لك بكدا لا ماما ولا بابا.
وإيه اللي يخليهم يرفضو..مش هنتجوز.
_يوسف إنت عايز إيه بالظبط
قالها بلال بصوت خافت لكنه مشحون بالتعب
_مش عارف...
تمتم بها يوسف وهو يزفر تنهيدة طويلة كأنها خرجت من عمق صدره لا من فمه.
ثم مال برأسه للخلف قائلا
_عايز أنام يا بلال..قوم روح أوضتك ونكمل كلامنا بعدين.
نهض بلال بتردد يحدق فيه لحظة ثم قال بنبرة غلبها العتاب
_يعني مش راجعين البيت
رد يوسف دون أن يلتفت
_أرجع إزاي وأسيب جدو تعبان روح إنت لو عايز.
استدار بلال متجها للباب وقال قبل أن يخرج
_هشوف ضي أخدها معايا.
لكن يوسف انتفض سريعا من مكانه
_لأ..
اقترب منه خطوة ونبرته أكثر حدة مما
_سيبها...أنا هاوصلها تدريبها الصبح 
عايز أتكلم معاها في موضوع مهم.
تأمله بلال للحظة بعين تبحث عن مايخفيه ثم أومأ في صمت وانسحب للخارج دون كلمة أخرى.
أغلق الباب خلفه وأسند ظهره إليه أغمض عينيه وصراع مرير يعصف بداخله كعاصفة لا تهدأ.
أخرج هاتفه واتصل بأمه
_ماما ماعنديش لبس في الدولاب.
جاءه صوتها الدافئ من الطرف الآخر
_نسيت يا حبيبي هكلمهم يطلعوا هدومك.
صمت لحظة ثم سأل بصوت خافت كأنه يخشى الإجابة
_وضي لسه عندك
ردت بعد تنهيدة مسموعة
_عيطت كتير لحد مانامت...احمد ربنا إن مرات عمك ماجتش وشافتها بالحالة دي.
سكتت ثواني ثم أضافت بصوت حذر
_يوسف..أنا واثقة فيك وعارفة إنك مستحيل تغلط..
ضي بتعيط 
كلماتها اخترقت صدره كسهام مشتعلة اشتعل وجهه خجلا وغضبا من نفسه وصمته كان أبلغ من أي اعتراف.
ارتفع صوت ميرال بتوتر يخالطه الخوف
_يوسف...إنت عملت في البنت إيه
أغلق عينيه وزفر بحرارة وقال ببرود مصطنع يخفي اضطرابه
_أنا تعبان يا ماما عايز أنام..
هتبعتي الهدوم ولا أنام
ثم أنهى المكالمة ألقى الهاتف بعنف على الفراش وأسند كفيه إلى وجهه يلهث كمن يحاول الهروب من نفسه..
ألهذا الحد صار ضعيفا
لم يقدر حتى ولا على مواجهة حقيقة يخشاها أكثر من ذنبه.
ظل صامتا دقائق تتردد أنفاسه المتقطعة قبل أن ينهض متجها نحو الشرفة يبحث عن نسمة تعينه على التنفس بعدما خنقته جدران الغرفة وكأنها تضيق عليه عمدا.
وقف هناك يحدق في العتمة وصدره يعلو ويهبط بانفعال مكتوم.
طرق خفيف على الباب أيقظه من دوامة أفكاره التفت ليراها العاملة تدخل بهدوء وضعت ثيابه في الخزانة بنظام ثم قامت بترتيب الغرفة وانسحبت دون كلمة..
ظل مكانه عيناه تتعلقان بالفراغ كأن داخله يساق إلى هوة بلا قرار.
همس لنفسه بصوت أجش
_هتعيد معاناة إلياس يا يوسف 
ولا ضي هتحبك أكتر من حب أمك لأبوك
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة أشبه بغصة
_مصدق نفسك..معقول هتحبك زي حب أمك لأبوك
طيب..وإنت هتحبها زي حب أبوك
ضحك بمرارة وصوته اختنق في حلقه
_دول ماتوا في حب بعض..وفي الآخر دبحوا بعض..
تفتكر عندك القدرة تكون قوي زيه 
تقدر تواجه..
ولا هتكسرك العيون اللي هتحاكمك..
ولو جالك ابن...هيعاني هيتعاير 
هتغير هويتك...ولا هتعيش بهوية مجهولة النسب زيك
انحنى على السور ضغط بيده على صدره وكأنه يمنع انفجاره وزفرة حارقة خرجت منه كأنها جمرة تسكن أعماقه
_آه...
آه لو خرجت كانت تزهق أرواحا كثيرة.
رمق السماء بعينين مثقلتين ثم همس بصوت واهن كاعتراف أخير
_حبتها اوي حتى ذبت عشقا لعينيها...
نظر إلى ساعته ثم تحرك بخطوات نحو الطابق الأعلى حيث غرفة مصطفى. 
طرق الباب بهدوء ودلف فوجد إلياس يجلس إلى جوار مصطفى الغافي بينما أرسلان يتابع صامتا.
اقترب يوسف بخطوات حذرة مد يده ليتفحص المؤشرات على الجهاز فبادره إلياس قائلا بنبرة مطمئنة
_بلال لسه كان هنا وقال إن كل حاجة تمام.
أومأ يوسف برأسه دون رد ثم رفع نظره نحو مصطفى وعاد بنظره الى والده وقال بصوت خافت
_بابا مفيش علاج ينفع من غير أكل.
ثم التفت يبحث بعينيه عن فريدة وتساءل
_ فين تيتا
توقف إلياس ونظر إليه بقلق
_فيه حاجة يا يوسف
هز رأسه نافيا ثم قال 
_أنا بس عايز أقلل المحاليل..لازم ننشط الجهاز الهضمي والقلب كمان مايتعبش من كتر
السوايل.
اقترب أكثر وقال بنبرة لينة وهو يشرح
_جسمه دلوقتي مش قادر يستقبل سوايل كتير..نبض
القلب بيضعف ومش عايزين نوصل لمرحلة الخطر..
الكبد مرهق جدا ولو زودنا المحاليل السوائل هتتجمع في بطنه وصدره وهيتعب أكتر..
أنا مش بمنعها خالص بس نقللها ونبدأ نرجع الأكل الطبيعي بالتدريج.
قطع حديثهم دخول ميرال تقدمت بخوف واضح في عينيها
_فيه إيه ماله بابا مصطفى
التفت إليها يوسف بدخول فريدة بخطوات متوترة فبادرها قائلا
_عايز نبدأ نأكله كل ساعتين أو تلاتة حاجة بسيطة.
رفعت فريدة حاجبيها اعتراضا
_بس الدكتور مقالش كده يا حبيبي!
ابتسم يوسف نصف ابتسامة وقال بلطف
_تيتا الدكتور بيتكلم عن علاج الكبد... وأنا بتكلم عن القلب مش عايز عضلة القلب تضعف فهنقلل المحاليل مش هنمنعها ونعتمد على الأكل الخفيف..
مش محشي ولا لحمة أنا قصدي عصير زبادي تفاحة مبشورة... الحاجات دي اللي تقويه وأنا هكتب لك لستة بالأكلات اللي تنفعه.
في تلك اللحظة فتح مصطفى عينيه بتعب فاقترب يوسف مبتسما رغم توتره
_عامل إيه يا درش شايف الكل ملموم حواليك ازاي
ارتسمت ابتسامة باهتة على وجه مصطفى وهمس بصوت واهن مفعم بالحنان
_ربنا يبارك فيكم يا حبيبي...
انحنى يوسف نحوه ونظر إلى عينيه بعزم حنون
_يلا لازم تفوق..شايف الكل خايف عليك قد إيه
ضحك مصطفى بخفوت رفع كفه المرتجف ثم همس
_إن شاء الله هتعمل العملية وهترجع أحسن من الأول..
لقيت متبرع وخلال أيام هينزل مصر والدكتور اللي هيمسك العملية من أحسن الناس في المجال ده..
منقدرش على بعدك يادرش.
ساد الصمت لحظة لم يسمع فيها سوى أنين الأجهزة وارتجاف النفس بين الرجاء والخوف
بين حفيد يمسك بالأمل كأنه وعد حياة وجد يبتسم وهو يودع بعينيه الحنون
انسابت دموع مصطفى وهو يحدق في عيني يوسف وخرج صوته متهدجا كأن كل نفس يقتطع من روحه
_عايز أحضر فرح يوسف يا إلياس... ممكن تحقق لأبوك الأمنية دي
تجمد يوسف في مكانه ورفع نظراته التائهة بين وجه والده وملامح جده. اعتدل إلياس على مقعده بينما اقترب أرسلان بخطوات هادئة وقال بابتسامة واهنة
_إن شاء الله يا عمو..تقوم بالسلامة وهنعملهم أحلى فرح.
لكن مصطفى تمتم بصوت بالكاد سمع
_قبل العملية...
هزة عنيفة اجتاحت جسد يوسف كأن الكلمة صفعة أيقظت بداخله كل خوف دفين تراجع خطوتين للخلف وهو يرسم ابتسامة مرتجفة
_هروح أنام..تعبت تصبحوا على خير.
تبعته نظرات أرسلان بقلق صامت بينما رمقت ميرال إلياس بنظرة غامرة بالحزن ثم جلست جوار مصطفى على طرف الفراش وقالت بصوت رقيق
_حبيبي المهم صحتك دلوقتي..إزاي هنعمل فرح وإنت لسه تعبان
أومأت فريدة تؤكد حديثها تبتلع غصة في حلقها
_خف يا مصطفى وكل اللي نفسك فيه هيتحقق.
صمت ثقيل كأن انفاسها اختنقت بوجعها..اكتفى أرسلان

بنظرة طويلة نحوهم ثم استأذن وغادر..
دلف يوسف إلى غرفته بخطوات متعثرة كأن الأرض ترفض أن تحمله..
عيناه تائهتان في الفراغ وصدره يعلو ويهبط بأنفاس متقطعة كل سؤال ينهشه كوحش جائع
هل سيتزوج هل سيكرر الألم ذاته
توقف أمام المرآة نظر إلى انعكاسه وكأنه يرى غريبا لا يعرفه..
_هو إنت أهبل
همس لنفسه وهو يحدق بعينيه المحمرتين
_ماإنت عارف الخطوة الجاية..الفرح 
ولا كنت ناوي تهرب هتقدر..تفتكر هتقدر تعيش بعيد عنها بعد ماحبيتها..
وتقلل من أبوك
تقطعت أنفاسه وارتجف جسده كمن يختنق من داخله..وقلبه ينزف وعقله يصرخ بالهرب ولا مفر من الاثنين.
ظل واقفا للحظات بدت له دهورا حتى دوى طرق على الباب تبعه دخول إلياس.
تجول ببصره في الغرفة ثم ثبت نظره عليه
_نتكلم هنا ولا تحت
رفع يوسف وجهه نحوه وقال بصوت يتهدج بين دموع محبوسة
_حبتها.. إنت اللي عملت فيا كده ليه وجعتني كده يا بابا
بقيت واقف في نص البحرلا عارف أرجع ولا عارف أعدي.
اقترب إلياس منه بخطوات بطيئة كأنه يخشى أن ينهار أحدهما لو اقترب أكثر.
اخترق عينا ابنه التي تحررت دموعها لم يفعل شيئا سوى أن احتواه
يحاول أن يخفي ارتجافه حتى لا يظهر ضعفه أمام ابنه
_حبيبي ممكن تهدى علشان نعرف نتكلم
ما تخلنيش أحس بالذنب..وتقول عليا أب سيئ.
تحرر يوسف بوجع غائر ورفع عينيه المبلولتين نحوه
_مش عايز أتجوز يا بابا..وفي نفس الوقت حبيتها ومش قادر أبعد مش هقدر..أنا مش إلياس..
ميغركش كلامي أنا ضعيف مش هقدر صدقني يا بابا مش هقدر.
اقترب إلياس ينظر في عينيه كأنه يبحث عن ذاته القديمة داخله.
ضغط على وجنتيه بحنان مؤلم وقال بصوت خافت
_يوسف حياتك غير حياتي..وضي غير ميرال..
اسمعني كويس الماضي امسحه من دماغك عيش حياتك يا حبيبي
ميرال وإلياس كانوا قصة لكن يوسف وضي..قصة تانية خالص.
هز يوسف رأسه نافيا بعنف ودموعه تتساقط بحرارة
_ماليش دعوة بحياتكم اللي أعرفه إن ميرال كانت بتحب إلياس واتخلت عنه وسابت طفل مايعرفش في الدنيا غير 
دار بخطوات متوترة كأنه يهرب من صور الماضي التي تتلاحق أمامه كمشهد سينمائي قاتم
_مهما اللي مريتوا بيه مايديش الحق لأم تتخلى عن طفلها..
مايديش الحق لراجل يطرد وهي تبكي!
إيه دا..دا حب.. ولا عذاب اقنعني..
أنا مش قوي زيك علشان أعيش العذاب دا
تراجع يرفع ذقنه وقال 
انسى موضوع الجواز دا أنا مش هتجوز..
سمعتني و زي ماورطني..خرجني.
تجمدت ملامح إلياس للحظة لكن يوسف لم يمنحه فرصة للكلام تابع بانفجار موجوع
_دا اللي فهمته من اللي حصل
_أنا ماليش دعوة باللي مريتوا بيه أنا عايز طفولتي اللي اتسرقت مني 
تقدر ترجعها لي
اقترب أكثر يطعن والده بعينيه المليئتين بالدمع والغضب
_تقدر ترجع لي حياتي اللي سحبتوها مني..
تقدر ترجعني مدرستي اللي كنت بحبها واضطريت أسيبها علشان غيرتوا اسمي..
علشان صحابي اتريقوا عليا وقالولي مزور..
قولي يا إلياس باشا
أبني حياة إزاي وأنا مش عارف أحرق الماضي
ساد صمت ثقيل كقبر فتح على أسرار مدفونة بين أب يعترف داخله بالهزيمة وابن لا يعرف سوى حقه الذي أهدر ظلما..
_طيب ممكن تقعد وتسمعني ووعد بعدها هعملك اللي إنت عايزه ولو عايز تسافر هساعدك كمان.
_تساعد مين يا بابا أنا خلصت كل حاجة هبعد عن كل حاجة تفكرني بالوجع اللي مش قادر أتحمله.
نظر الياس لداخل مقلتيه وضغط عليه بنبرة موجوعة 
_هتبقى مرتاح يا يوسف لما تبعد عن أبوك وأمك والبنت اللي حبتها هتبقى مرتاح فعلا
_بابا لو سمحت..خليني مرة واحدة أعمل حاجة لنفسي.
اقترب منه إلياس مد ذراعيه ليحاوط ابنه برفق يربت فوق كتفه بصوت خافت مبحوح
_طيب اقعد واسمعني وبعد كده قرر اللي إنت عايزه.
تراجع يوسف وجلس ببطء لكن داخله كان جمرة تلتهمه ببطء.
بدأ إلياس يسرد له كل شيء منذ اكتشافه الحقيقة حتى هروب ميرال وعودتها كان يوسف يستمع بصمت ثقيل فهو يعلم بعض التفاصيل لكنه لم يكن يعرف مامرت به والدته خلال سنوات ابتعادها.
رفع رأسه أخيرا عيناه دامعتان وصوته مختنق
_يعني إيه!
أومأ إلياس بتنهيدة كأنها تنتزع من روحه ثم بدأ يقص له كل شيء أسباب تأخرها مامرت به وكيف تغيرت حياتها.
قبضة قوية اعتصرت صدره وهو يسمع معاناة والدته ثم رفع نظره لوالده بعينين مشتعلتين
_وليه عملوا فيها كده! ومين دول!
تابع إلياس حديثه بصوت يملؤه الوجع يروي له علاقتها برؤى وراجح وكل ماجرى كأن كل حرف يخرج من فمه شوكة تحرق جوفه.
نهض يوسف فجأة ملامحه ترتجف بين الغضب والذهول عيناه تائهتان
_معقول!! فيه أم وأخت يعملوا كده أنا كنت فاكر الموضوع غيرة على راجل لكن لما سألتكم عن خالتي قولتوا إنها هاجرت!
هز رأسه ببطء عيناه تترقرقان
_لا يا حبيبي خالتك محبوسة كان المفروض تتعدم لأنها قتلت رانيا بس المحامي بتاعها جاب شهادة إنها مجنونة وقدر يخفف الحكم.
صدمات متتالية وقعت فوق رأسه كجبل أثقل من احتماله تاهت أنفاسه وقال بصوت مخنوق
_معقول فيه حد يكره حد كده
اقترب منه واحتوى كتفيه يحاول تهدئة ارتعاشته
_ماما تعبت في حياتها أوي ومنكرش أنا كنت سبب في بعض الوجع بس أنا بقولك يا يوسف..أمك دي أقوى أم في الدنيا محدش يتحمل اللي هي عانته.. كلنا اتأذينا بس هي أكتر واحدة اتأذت
_علشان كدهماقدرتش أحقق حلمي
رد الياس عليه بقهر 
_علشان كده حاولت أبعدك عن أي حاجة توجعك تاني
مسح على وجهه بعنف كأنه يحاول يمحو الماضي من على ملامحه وجلس يضم قبضتيه في صمت خانق..
اقترب إلياس وجلس بجواره حدق به طويلا فاستدار يوسف يقول بصوت مبحوح
_بحاول أقنع نفسيوالله بحاول.
قالها وأغلق عيناه بعدما تراجع بجسده للخلف.
تأمل وجه ابنه صمته ارتجافة أنامله ثم همس بنبرة متقطعة
_يوسف..هو أنا كنت أب فاشل كده معاك مقدرتش أخرجك من اللي كان بيحصل حواليك
ابتسم يوسف بمرارة وأطرق رأسه
_أبدا يا بابا مافشلتش على قد ماقدرت ربيتني بس حضرتك نسيت إني كنت طفل..مالحقتش أعيش طفولتي.
سحبه إلياس برفق وهمس
_آسف يا حبيبي يمكن كنت قاسي علشان ماتكبرش ضعيف وماحدش يكسرك.
ربت يوسف على كف والده ونظر إليه بنظرة تذيب الصخر
_مش زعلان منك صدقني..يمكن حاجات كنت بشوفها وجعتني علمت فيا حاولت أدفن الماضي بس كأنه مش راحمني كنت دايما بسأل نفسي ذنبي إيه وذنبك إيه وذنب ماما إيه
بس زي ماحضرتك دايما بتقول..دي أقدار ولازم نرضى بيها.
حبيبي لازم تعرف إنك أغلى من روحي مفيش أغلى منك في الدنيا.
التفت يوسف نحوه بعينين يملؤهما وجع السنين وقال بصوت مختنق
بتكذب يا إلياس..من إمتى وأنا أغلى من ميرال
ضحك إلياس بخفة حزينة كأنه يحاول بث الطمأنينة في قلبه
إنت أغلى يا بن إلياس..أمك حاجة وإنت وأختك حاجة تانية خالص.
تراجع يوسف قليلا
وارتفع حاجبه بسخرية مرة
من لحظات كنت بتقول مفيش أغلى منكدلوقتي أمي وشمس كمان
لكزه والده بخفة ونهض من مكانه يزفر وكأنه تخلص من ثقل جاثم على صدره
المهم شوف عايز تعمل إيه وأنا معاك.
ثم التفت إليه بنظرة خبث لطيفة وقال
_ضي أصلا قالت لي تفسخوا الخطوبة يعني مش هتزعل لو قررت تفسخها وتسافر..بس خلي بالك السفر حاجة والهجرة حاجة تانية..سفر يابن إلياس مش هروب فاهم دا حق أمك وأبوك عليك.
وقف يوسف بمحاذاة والده يرمقه بصمت مطول ثم قال بنبرة واهنة
_سبني أفكروبعد كده أرد عليك.
اقترب منه إلياس ونظراته تتشبث بوجه ابنه كأنها ترجوه ألا يضيع
_بس وإنت بتفكر افتكر متظلمش بنت عمك خصوصا إنك بتحبها.. أكيد فاهم قصدي حتى لو محصلش حاجة بينكم يكفي إنك أمنتها مش هكمل لأنك عارف معنى كلامي هي ملهاش ذنب واللي هتعمله أختك هتلاقيه..عيش حياتك يا يوسف وزي ماقلتلكلو عايز تسافر سافر بس متنساش أبوك
وأمك.
ثم أشار إلى صدره بابتسامة واهنة
وقبل ماتقول ردك..اسأل قلبك شوف هيقدر يتحمل البعد ولا لأ أكيد إنت أكتر واحد عارف تعب القلب يا دكتور القلب.
قالها ومضى بخطوات بطيئة نحو الخارج. 
ظل يوسف مكانه نظراته معلقة بالباب وكلمات والده تتردد داخله 
مد يده إلى صدره يتحسس موضع النبض كأنه يختبر قلبه الذي صار شاهدا على كل وجع مضى
ثم أغمض عينيه وهمس لنفسه
_للأسف يا بابا عرفت تضغط على ابنك في المكان اللي بيوجعه.
بقصر الجارحي 
كان جالسا بشرفته كعادته ينظر بسماء العشق خاصته دلفت والدته تحمل فنجانين من القهوة 
_تسمح لي أشرب فنجان قهوة معاك
اعتدل يشير إليها بعدما توقف يتناول منها القهوة وقال
_تسلم إيدك حبيبتي. 
جلست بمقابلته مبتسمة وأردفت 
_عامل إيه في شغلك اللوا بيشكر فيك أوي بيقول إنك ذكي وبتتعلم بسرعة. 
_سامعك ياماما. 
استندت على كفيها وقالت
_وبعدهالك ياحبيبي..بترجع من شغلك وتقفل على نفسك حتى الأكل دايما شبعان.
_ماما أنا تعبان بابا هيروح إمتى لعمو إلياس.
_للدرجة دي حبيبي بتحبها 
_أوي ياماما وحاسس هيحصلي حاجة لو ماحصلش نصيب. 
شعرت بالألم وصرخ قلبها على مااستمعت إليه فقالت 
_طيب إنت هتقدر تبعد عن وظيفتك 
استند على الطاولة ونظر داخل أعين والدته
_ماما مش عمو الياس أخو عمو أرسلان إزاي كنتوا موافقين على ضي وشمس لأ.
تنهدت تسحب نفسا ثم زفرته بهدوء وقالت
_أولا السن بينكم حبيبي ثانيا عمو أرسلان مراته أبوها مش إرهابي ولا له أخت مسجونة وأخين ليهم ملفات في الأمن الوطني ولا جدتها ربنا يسهلها بلاويها كتير.
قاطعها حمزة وقال
_بس عم إلياس هو عم أرسلان. 
_بص يا حبيبي..أبوك مكنش موافق على ضي من الأول بس سمع عمك أرسلان بيتكلم مع عمو فاروق عن حياتهم اللي ادمرت وقاله حياة ولاده ادمرت..وخايف على مستقبل ولاده بابا حب يخفف عنه علشان كدا سألك البنت لو عجبتك هيقدم تاريخها اللي يثبت إن راجح مات يعني عم باباها ومراته ويثبت إن أرسلان مالوش علاقة وإنه متربي تحت رعاية إسحاق وفاروق ودا بما إنك دلوقتي شغال يعني مش لسة هتتقدم للكلية فدا بحد ذاته كويس إنما شمس أهلها كلهم حبيبي فهمت
طيب مايحاول يا ماما مع شمس زي ماكان هيعمل مع ضي
ابتسمت بحنان وهي تهز رأسها تربت على كفه قائلة برفق
_حاضر هكلمه..بس خليك متأكد يا حمزة شمس مع شغلك صعب زي ماقولتلك قبل كده شمس غير ضي.. رؤى خالتها لسه عايشة ومحبوسة وطارق غير اللي مات في السجن..إنما ضي كان مجرد عم أبوها ومات يعني الماضي خلص.
تنهدت قليلا ثم تابعت
وبابا كان شايف ثغرة إن أرسلان مش متربي معاهم وده اللي كان هيخليه يقدم كل الإثباتات عشان يسهل الأمور
قاطعها رنين الهاتف فجأة فتوقفت ونظرت للشاشة
هرد على تليفوني يا حبيبي.
أومأ بصمت وهو يشيعها بنظرة شاردة ثم انخفض بوجهه يتمتم بحزن مكتوم
_يارب..لو فيها خير اجمعني بيها.
سحب هاتفه ببطء تطلع إلى اسمها المحفوظ تحت مسمى الحياة ابتسم بحنين واشتياق موجع ثم تردد للحظة قبل أن يضغط زر الاتصال.
عند شمس..كانت مندمجة في مذاكرتها دوى رنين الهاتف 
نظرت للشاشة عبست ثم تمتمت
السلام عليكم
صمت جعل قلبها يضطرب دون سبب وكأن صدى أنفاسه وصل قبل صوته.
مين معايا
لم يرد
تكررت النغمة فرفعت الهاتف ثانية بنفاد صبر
_مين معايا
وأخيرا جاء صوته دافئا خافتا كأنه سر خرج رغما عنه
_أنايا شمس.
تجمدت ملامحها وعبست وقالت بحدة
_إنت مين
ابتسم على الطرف الآخر ابتسامة شفت جرح لا يشفى ورد بصوت يخفي وجعه تحت نبرة مزاح
زوج المستقبل.
قالها ثم أغلق المكالمة وأسند ظهره إلى المقعد يتراجع بجسده وزفرة حارقة تخترق صدره يدفع خصلات شعره للخلف بعصبية يتأمل الفراغ أمامه وكأنها تقف فيه
مظهرها الطفولي يراوده وابتسامتها تومض بين عينيه كذكرى عصية على النسيان.
نظرت إلى الهاتف المغلق رفعته تبحث عن الرقم وخطر على ذهنها اسمه 
_مين حمزة معقول يكون هو! أيوة صوته..تأففت تجمع خصلاتها التي تناثرت بعشوائية لحظات ودلفت ضي 
رفعت عيناها إليها..هبت من مكانها بعدما وجدت عيناها المتورمة يبدو أنها كانت تبكي 
_ضي مالك حبيبتي بتعيطي ليه! 
أشارت إلى الفراش وقالت
_عايزة أنام نمت في أوضة باباكي محستش بنفسي. 
ساعدتها بنومها وجلست بجوارها تمسد على خصلاتها 
_إيه اللي حصل كنتي بتعيطي
هزت رأسها بالنفي وهمست بتقطع 
_عايزة أنام يا شمس لو سمحتي.
قاطعهم طرق على باب الغرفة يتابعه صوت أرسلان..أمسكت يدها وقالت بهمس
_مش عايزة بابا يشوفني كدا اطلعي قولي له نايمة. 
أومأت ونهضت متجهة تفتح الباب وابتسامتها البريئة تزين وجهها
_اتفضل حضرتك يا عمو.
_مساء الورد على حبيبة عمو عاملة إيه يا روحي
قالها أرسلان
قالت بمرح
_كويسة الحمدلله بس ناقصني حكاوي حضرتك بقالنا زمان ماحكناش حدوتة. 
قهقه عليها وهتف 
_قريب إن شاءالله خلصي امتحانات والإجازة جاية أكيد هنقعد مع بعض.. 
ضي صاحية ولا نايمة
_لأ نامت من شوية..لو محتاجها ضروري أصحيها. 
_لأ حبيبتي..كنت عايز أطمن عليها بس من وقت ماجينا هنا مشفتهاش. 
ابتسمت بحنان وقالت
_هنا بردو بيتها يعني هتكون كويسة طنط غرام جت قعدت معانا شوية بعد ماوصلنا وبعدها هي خرجت مع مامي وأنا نمت.
_تمام حبيبتي..تصبحي على خير.
قالها أرسلان وهبط للأسفل بصعود إسلام 
_ابنك عامل إيه 
_الحمدلله دور برد هو نايم دلوقتي بابا صاحي ولا نايم 
_لأ صاحي والكل عنده تصبح على خير حبيبي. 
_وحضرتك من أهل الخير. 
صعد إسلام إلى غرفة والده بخروج فريدة وميرال..
سحبته فريدة وهي تهمس
_بابا نام حبيبي..ابنك عامل إيه 
_كويس يا ماما ملك تحت نام وقولت لها تخليها جنبه.
روقالت
_طيب انزل خليك مع ابنك بابا نام وإلياس هيبات جنبه الليلة رفض ممرضة تكون معاه وأنتوا موجودين. 
أومأ لها بإرهاق وقال
_هبص عليه وهنزل أنا فعلا هلكان هنام ساعتين وأطلع علشان الياس يرتاح. 
قاطعته بعاطفة أمومية قائلة
_لا حبيبي..خليك جنب ابنك وكلنا هنا حواليه متخليش مراتك لوحدها السن دا بقى مقرف ومتنساش إنها حامل وأنا الصبح هاخده منها. 
قائلا
_ربنا يخليكي لينا ياست الكل حاضر هشوف بابا وأطمن عليه وهنزل علشان غادة كمان تحت مع ملك عايزة تطلع لبابا. 
أومأت له فتحرك بينما ظلت عيناها تتابعه إلى أن أغلق الباب 
_ماما هتفضلي صاحية ارتاحي حبيبتي شوية وزي ماقولتي إلياس هيطلع. 
صمتت تنظر إلى ميرال بعيون حزينة تهمس بخفوت قاطع
_خايفة أخسره يا ميرال متعرفيش مصطفى بالنسبالي إيه الأيام 
_حبيبتي إن شاءلله يخف يوسف بيقول عمليات النقل دي بقت سهلة وإن شاءلله العملية تنجح ويرجع لنا.
إن شاء الله حبيبتي..تذكرت يوسف فقالت
_يوسف رافض يعمل الفرح ليه يا ميرال 
تنهدت بتألم وقصت لها كيف تم عقد قرانه على ابنة عمه..تطلعت إليها بذهول 
_بتجوزوا الولد غصب عنه إلياس اتجنن يا بنتي! 
هزت رأسها بالنفي وقالت
_ يوسف كان عايز يهاجر يا ماما وميرجعش أبدا هنا كان لازم إلياس يعمل حاجة يربطه بيها.
_يعني إيه يهاجر دي هو اتجنن الواد دا ولا إيه..قالتها وتحركت إلى غرفته حاولت ميرال منعها ولكنها شعرت بنيران تغلي بصدر ابنها دقيقة واحدة إلى أن اقتحمت غرفته دون استئذان..
نهض من نومه 
_فيه إيه! 
قوم لي كدا يا عريس. 
اعتدل بفم مزموم 
_آااه عريس مادام فيه عريس لازم أصحصح 
لكزته فريدة تضحك 
_أومال ليه بيقولوا إنك مغصوب يابن إلياس 
_كذابين ماتصدقهمش يا تيتا دول أعداء النجاح..وقعت عيناه على ميرال المتوقفة على باب الغرفة أشار إليها 
_ادخلي يا أم العريس ولا مكسوفة هو أنتوا خلاص أخلاقكم ضاعت في زمن الفتن. 
توسعت أعين فريدة تلكمه بقوة حتى سقط على الفراش يضحك 
_والله ظلماني يا تيتا أنا قصدي جدو مصطفى تعبان وعايزني أتجوز طيب ينفع افرضي يعني جيت يوم الفرح وجدو وحشني يرضيكم أزعل العروسة
قهقهت فريدة على كلماته
_حبيبي إنت صحيح رافض بنت عمك 
هز رأسه سريعا واعتدل بجلوسه رفع عيناه إلى والدته التي مازالت بمكانها بملامح حزينة
_مين قال إني رافض بنت عمي بالعكس يا تيتا مش هلاقي أحسن منها بس أنا كنت رافض
الجواز في الظروف دي.
_حبيبي إنت حقيقي عايز تسافر نهون عليك يا بني 
مسح على وجهه بعنف وتراجع بجسده على الفراش 
_ممكن تسيبوني آخد قرار بنفسي بلاش تضغطوا عليا أنا لسة قايل الكلام دا لبابا...
_طيب حبيبي مش المفروض دا يكون قبل ماتكتبوا كتابكم 
رفع عيناه لوالدته ورد بهدوء
_خلاص يا تيتا نطمن على جدو وبعد كدا نشوف إيه اللي حيحصل.
_يعني إيه يا يوسف 
_تيتا عايز أنام عندي شغل بكرة كتير وكمان مناقشة الدكتوراه كله فوق دماغي وجاي تسألوني في إيه. 
خرجت ميرال بعدما وجدت إصراره بالرفض في موضوع الزواج..بينما ظلت فريدة معه بعض الوقت.
بغرفة
تم نسخ الرابط