روايه للكاتبه سيلا وليد
المحتويات
وهاتي حاجة للصداع.
حمحمت تفرك كفيها ثم همست بتقطع
_آسفة يا مدام مش هينفع أدخل المطبخ.
_نعم!! روحي اعملي اللي بقولك عليه دماغي مش نقصاكي إنتي كمان.
ابتلعت ريقها تشير إلى المطبخ
_والله يا مدام الدكتور خرجنا كلنا من المطبخ وممعوش غير زهرة بس جوا.
_الدكتور في المطبخ!
هزت رأسها وقالت
_هو وزهرة بقالهم أكتر من ساعة.
_لا والله..طيب روحي اعملي اللي قولت عليه.
قالتها وتحركت متجهة للمطبخ والخادمة تراقبها
_معرفش الست دي دايما بتتخانق ليه الله يكون في عونه والله الدكتور يستاهل واحدة هادية زيه توقفت بجانبها أخرى
_بتكلمي نفسك
_لا ياختي بحاول أفهم إزاي الدكتور الهادي يتجوز الست قنبلة دي.
ضحكت تجذبها
_لو سمعتك..تحركت وهي تهمهم
_وعلى إيه علشان حلوة شوية شايفة نفسها علينا.
_يابنتي اسكتي وكلي عيش دي بنت أرسلان باشا ومتعرفيش مين أرسلان باشا
طالعتها بتذمر تلوح بيدها ثم صعدت للأعلى بينما في الداخل
_كدا تمام
ضحكت الفتاة التي تبلغ من العمر عشرين عاما
_تمام أوي بس خلي بالك دي فيها دهون وحضرتك مابتحبوش.
_مش مهم هاتي واحدة علشان أدوقها وظبطي طبق حلو زي ماوصيتك عايزة سفرة حلوة وطلعيها الجنينة.
_حضرتك تؤمر أومأ لها وقال
_عارفة لو
مش عجبتها هعمل فيكي إيه
ضحكت وقالت
_إن شاء الله تعجبها أنا عارفة هي بتحبها إزاي.
أخذت قطعة ه
_دوق وقول رأيك يا دوك قالتها وهي تقرب الشوكة من فمه مع دخول ضي
_ ياماشاءالله طيب كنت عرفني وأنا أكلها لك.
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
مقدمة الفصل الخامس والثلاثون
في هذا الليل حيث تتشابك الطرق وتلتقي القلوب عند حافة الألم
أولهم يقاتل نفسه
هو معها قلبه يفيض حبا لها لكن كل خطوة تقوده إليها تثير صراعا داخليا يرهقه.
ثان جرح بكلمة كسرت رجولته قبل صوته وقلب ينهشه الندم تتشابك الدموع مع الصمت وتصرخ الأرواح بلا صوت.
وثالث يختنق بطريق فرض عليه
يمضي فيه بجسد حاضر وقلب ظل واقفا عند باب آخر يتنقل بين الواجب والرغبة بين الحلم والواقع.
كل منهم يحمل فصلا من الوجع
هذا يقاتل ليبقى وذاك يقاتل ليثبت وآخر يقاتل ليستعيد.
وهكذا يبدأ الفصل
بأرواح معلقة بين ما تشتهي وما يفرض عليها وبصمت أثقل من الكلام صمت ينتظر الانفجار ليعلن أن الليل ليس سوى بداية لكل الصراعات المكبوتة.
فتحت عيناها تبحث عنه اعتدلت جالسة تجمع خصلاتها ونزلت من فوق الفراش ظنا انه بالحمام قطبت جبينها تتسائل
_راح فين معقولة يكون زعل
اووف وبعدين بقى معنديش خلق ادلل في سيادة الدكتور قالتها بتأفف ونزلت للاسفل نادت على الخادمة
_نعم يامدام
_جهزي الحمام وظبطي الاوضة
_حاضر قالتها وتحركت ولكن اوقفتها
_استني.. اعمليلى قهوة وهاتيها الاول وهاتي حاجة للصداع
حمحمت تفرك كفيها ثم همست بتقطع
_اسفة يامدام مش هينفع ادخل المطبخ
_نعم روحي اعملي اللي بقولك عليه دماغي مش نقصاكي انتي كمان
ابتلعت ريقها تشير الى المطبخ
_والله يامدام الدكتور خرجنا كلنا من المطبخ وممعوش غير زهرة بس جوا
_الدكتور في المطبخ
هزت رأسها وقالت
_هو وزهرة بقالهم اكتر من ساعة
_لا والله.. طيب روحي اعملي اللي قولت عليه
قالتها وتحركت متجهة للمطبخ والخادمة تراقبها
_معرفش الست دي دايما بتتخانق ليه الله يكون في عونه والله الدكتور يستاهل واحدة هادية زيه توقفت بجانبها اخرى
_بتكلمي نفسك
_لا ياختي بحاول افهم ازاي الدكتور الهادي يتجوز الست قنبلة دي
ضحكت تجذبها
_لو سمعتك.. تحركت وهي تهمهم
_وعلى ايه علشان حلوة شوية شايفة نفسها علينا
_يابنتي اسكتي وكلي عيش دي بنت ارسلان باشا ومتعرفيش مين ارسلان باشا
طالعتها بتذمر تلوح بيدها ثم صعدت للاعلى بينما في الداخل
_كدا تمام
ضحكت الفتاة التي تبلغ من العمر عشرون عاما
_تمام اوي بس خلي بالك دي فيها دهون وحضرتك مبتحبوش
_مش مهم هاتي واحدة علشان ادوقها وظبطي طبق حلو زي ماوصيتك عايزة سفرة حلوة وطلعيها الجنينة
_حضرتك تؤمر اومأ لها وقال
_عارفة لو مش عجبتها هعمل فيكي ايه
ضحكت وقالت
_إن شاء الله تعجبها انا عارفة هي بتحبها ازاي
أخذت قطعة وقربتها من فمه ابتسمت بخجل خفيف وقالت
_دوق وقول رأيك يا دكتور
رفعت يدها لتقرب الشوكة منه في تلك اللحظة دخلت ضي بخطوات سريعة.
_يا ما شاء الله طيب كنت عرفتني وأنا آكلها لك يا دكتور.
قالتها وعيناها تشع شررا يكاد يلتهم كل شيئا
استدار يوسف ببطء التقت نظراته السعيدة بعيونها المشتعلة. رفع حاجبه ببرود قاتل وكأنه يتعمد سكب الزيت فوق النار ثم أشار إليها
_آه ياريت.
ثم التفت لزهرة بلهجة هادئة متعمدة
_روحي اعملي اللي قولت لك عليه.
اشتعلت ضي
_تروح فين استني هنا. مش معنى إنك متربية عندنا يبقى تتجاوزي حدودك. كلامك مع الدكتور يبقى بحدود ودلوقتي روحي شوفي ماما أكيد محتاجاكي.
تجمدت زهرة وشهقت تريد الرد لكن يوسف قطع حديثها
_اعملي زي ما ضي قالت لك يا زهرة ولو احتجتنا هنبعت لك.
_حاضر
تمتمت وخرجت مطأطئة الرأس.
حدفت ضي به بنظرة قاتلة كأنها تتهمه بالخيانة قبل أن تنطق. اقتربت خطوة بعد أن خرجت زهرة
_إيه اللي بتعمله مع البنت دي في المطبخ من امتى بتدخل المطبخ أصلا وبعدين إزاي تسمح إنها تأكلك وتقرب منك بالطريقة دي
انفجرت بها وصوتها يرتجف من الغيرة وعينان تكادان تخرجان من محجريهما.
ظل صامتا صمت يقتل.. لا تبرير لا كلمة مجرد تجاهل أشعلها أكثر.
خلع مريول المطبخ ببطء مستفز ثم خرج من دون أن يمنحها حتى نظرة.
جنت ولحقت به خطواتها تضرب الأرض بعصبية حتى وصلت الغرفة دخل الحمام فظلت تدور في الغرفة كأنها أسد محبوس أنفاسها تتسارع ووجهها محمر من الغضب.. كلما لاح ببصرها اقتراب تلك الفتاة منه
فتح باب الحمام أخيرا.
توقفت أمامه مباشرة حاجزة الطريق بجسدها عيناها تتشبثان به.
_عايزة تفسير للي شوفته يا دكتور
قالتها ببطء كأن الكلمات تنزف من بين أسنانها.
اقتربت منهما وعيناها تطلق نيران الغضب كأن شررا يتناثر بين نظراتها وصدرها المضطرب.
رفع يوسف رأسه نحوها ببطء قبل أن يقول بلهجة حادة تخلو من أي مجاملة
_صوتك يا أستاذة مش معنى إني مردتش عليكي تحت يبقى تسوقي فيها. أنا بحاول أتغاضى عن اللي عملتيه وإنك تهزي صورتي قدام ناس بتشتغل عندك.
شهقت ضي رفعت كفيها تكور قبضتها ترتعش من شدة الغيرة
_انت عايز تجنني! مشفتش البنت كانت قريبة منك إزاي إزاي تسمح لها تقرب بالشكل دا! لا وكمان بتأكلك!
توقفت لحظة لكن أنفاسها المتلاحقة كانت كافية لإشعال المكان
_البنت دي اللي كنت بتقول عليها صح بتاعة كتب الكتاب!
تجمد يوسف للحظة لم يكن يتوقع أنها ستصل إلى هذا الحد.
اقترب خطوة ثم سحبها من ذراعها بقوة جعلتها تختنق من الصدمة
_شكلك اتجننت. كلمة كمان وهقطع لسانك. أنا فهمتك قصدي امبارح الأستاذة تهدى لأ ثارت وغضبت ومش بس كده! اتهمتيني بالخيانة!
قاطع التوتر طرق على الباب.
تنفس يوسف بحدة ثم أفلتها وابتعد قليلا
_اتفضلي.
دخلت الخادمة
_كل حاجة جاهزة يا دكتور.
أشار يوسف إليها دون أن ينظر لضي
_تمام خليكي مع المدام لحد ما تفطر.
قالها ثم اتجه إلى غرفة الملابس.
_حضرتك هتشربي القهوة قبل الفطار ولا بعده
سألتها الخادمة.
ضيقت عينيها تستوعب ما سمعت
_حاجة إيه اللي بتقولي عليها
_الدكتور طلب من زهرة تعمل لحضرتك الأكل اللي بتحبيه وتطلعه في الحديقة.
كانت صفعة ليست على وجهها بل على قلبها... تذكرت كلماته مع زهرة قربها منه
_أستاذة ضي هتفطري ولا تشربي القهوة الأول
_روحي دلوقتي. شوية وهنزل.
خرجت الخادمة.
لحظات ثم دلفت إلى غرفته.
كان يقف أمام المرآة يغلق أزرار قميصه ووجهه لا يفسر
اقتربت بخطوات مترددة رفعت يدها ببطء على قميصه.
_آسفة
قالتها هامسة وهي تنظر اليه
أبعد يدها ببرود جليدي
_أسفك مش مقبول. وسعي عايز أكمل لبسي. ورايا شغل.
أمسكت طرف قميصه من جديد قبل أن يبتعد
_لأ أسفي هيتقبل علشان غصب عني لو مكاني كنت هترضى تشوف موقف زي دا
استدار نحوها ونظرة غاضبة تلمع في عينيه
_انتي مجنونة! موقف إيه دي عيلة ومتربية معانا. إيه الاتهامات الحقيرة دي
صرخت بنبرة مؤلمة
_مش اتهامات يا يوسف قد ما هي غيرة. آه غيرانة! ولو هتقولي مجنونة هقولك آه مجنونة بيك!
تقدمت نحوه بخطوات مترددة
_علشان بحبك ومش هسمح لحد يقرب منك ولا حتى يبص لك بطريقة متعجبنيش
رفعت حاجبيها في عناد موجوع
_سمعتني ولا لأ
وتابعت بصوت مختنق
_وياريت تراعي إني مراتك
تجهم وجهه رافعا يده بضجر
_إنت أكيد اتجننتي ليه دا كله البنت كانت عاملة حاجة وانتي بتقولي أدوقها!
هزت رأسها بجنون وصورهما تشتعل خلف عينيها
_غير مقبول! سمعتني يا يوسف غير مقبووول عندي
تقدمت خطوة اخرى لتقف مقابله مباشرة وقالت بنبرة ثابتة رغم ارتجافها
_لو انت قابله أنا لأ. وإياك تستضعفني. أنا حرة في حياة جوزي انت جوزي!
رفعت يدها تشير لنفسها
_ومش مسموح لأي واحدة تستهبل وتعمل نفسها ذكية!
ضغط على أسنانه محاولة أن يسيطر على غضبه لكنه لم يخف انزعاجه
_ضي دي اتهامات
لكن قلبها كان يشتعل يشتعل حد الاحتراق.
تنفس عميقا يستوعب صدق غيرتها.
ولأول مرة شعر بداخله برق من السعادة لأن قلبها يرتجف لأجله.
_ينفع كدا أنا كدا في نظرك
هزت رأسها بسرعة تتمسح بصدره كقطة ضعيفة تستجدي دفئه
_ريحني وقولي قصدت إيه بالكلام اللي قولته امبارح قلبي مولع نار.
أطبق جفنيه وسحب نفسا طويلا ثم أطلقه بهدوء
_مفيش حاجة صدقيني. كنت بهزر معاكي.
رفعت رأسها عيناها محملتان بالعتاب
_يوسف ما يقولش حاجة زي دي هزار.
مرر أنامله على خدها برفق يناقض حدة اللحظة
_وحياتك عندي مافيش حاجة. يمكن كنت عايز أشوف ردة فعلك.
ابتسم بخفوت
_بس طلعتي شرسة أوي يا بنت عمي.
انتفضت غاضبة وقالت
_أنا مش بنت عمك يا يوسف أنا مراتك وحبيبتك.
وضعت يدها على صدره تتلمس نبضه
_ودا دا بينبض علشاني لأني في حياتك.
رجفة خفيفة سرت في صدره مع كلماتها اقترب ببطء
_يوسف كله ملكك ثقي في دا. ومفيش حد يملأ روحي وقلبي غير ضي حياتي.
ابتسمت بخجل دافئ ولفت ذراعيها حول خصره كأنها تستسلم رغما عنها لدفئه الذي يربكها دائما.
_طب بعد الكلام الحلو دا خلاص هعفو عنك واسامحك.
تراجع خطوة يحدق فيها بنظرة لم تفهمها ثم قال بنبرة متعمدة الاستفزاز
_نعم يا بنت أرسلان
رفعت حاجبها بعناد محبب
_أومال إيه لولا الكلمتين الحلوين دول كنت هخاصمك وهقلب عليك يا أستاذ يا بتاع زهرة! لسه قايلة لك ياحبيبي الغلط مش مقبول خاف على نفسك مني.
اقترب منها بخطوات بطيئة متعمدة كأنه يستمتع بارتباكها تراجعت لا إراديا إلى أن اصطدم ظهرها بالجدار وهمست بتقطع
_فيه إيه مالك متفكرش إني هخاف منك ولسه عند رأيي انت جوزي يا حبيبي مش صاحبي.
_شش بترغي كتير ليه هتغنيها يعني
_وبعدين جوزك زعلان ولازم تصالحيه ولا ينزل الشغل زعلان
قطبت جبينها ترمقه بطرف عينيها
_هو مين فينا اللي زعلان يا دكتور وبعدين أنا مش هتنازل عن اعتذار منك لي.
_اعتذار مرة واحدة بس
قالها وهو يداعب خصلاتها يثير جنونها. أبعدت كفيه سريعا تحاول أن تبقى ثابتة
_أيوة مش طفلة علشان ينضحك علي بكلمتين.
عند حمزة قبل ساعات
وصل إلى منزله يكاد يختنق من سرعة أنفاسه وترجل من السيارة يشعر بأن الأرض يختل توازنها اندفع إلى الداخل يصعد السلالم بخطوات مفترسة حتى بلغ غرفته. الباب ارتطم بالحائط بعنف لحظة دخوله ثم بدأ الدوران في المكان كذئب
جريح يبحث عمن يلتهمه.
كانت كلماتها تطن في رأسه كالرصاص البارد تلسع وتوقظ وتستفز.
اشتعلت جيوش غضبه دفعة واحدة فانقض على كل ما حوله.
رمى هاتفه بعيدا أطاح بالكراسي قلب المنضدة حتى تحطمت محتويات غرفته
لم يكن يرى فقط يضرب ويهدم وداخله يصرخ.
وحين بدأ غضبه ينحدر لم يهدأ.
بل اشتعل جسده بنار أشد.
هوى على المقعد يسحب الهواء بلهاث متقطع كعداء أنهكه الماراثون وعيناه تقدحان شررا لا ينطفئ.
نهض فجأة كأن الغضب يطرده من جلوسه.
اندفع نحو حمام السباحة وألقى بنفسه في الماء بعنف جعل سطحه يرتجف.
بدأ يسبح بلا توقف
ضربات ذراعيه كأنها حرب يخوضها كل حركة تفرغ شحنة وكل غطسة محاولة للهروب من صورها براءتها ضحكتها النظرة التي كسرت شيئا فيه.
غاص لثوان طويلة طويلة جدا حتى من يراه قد يقسم أنه يبحث عن نهايته تحت المياه.
بقي هكذا إلى أن أوجعه صدره فاندفع إلى السطح يرفع رأسه والشلالات تتساقط من خصلاته المختلطة بالعرق والغضب.
لمح ظلا يقترب.. رفع رأسه وجده والده.
يقف على حافة المسبح يراقبه في صمت ثقيل صمت يحمل كل العتاب الذي لم ينطق وكل الأسئلة التي يخشى الإجابات.
التقت نظراتهما نظرة ابن مخذول وأخرى لأب تاه عن رجولته في لحظة ضعف.
اقترب إسحاق حتى صار امامه
مد حمزة يده إلى المنشفة فوق الكرسي أمسكها وهو يلهث يتهز.
تمتم بصوت خفيض كأن الكلمات تنسل من بين أنفاسه قبل أن تخرج من فمه دروس الأخلاق بدأت والله يا بابا أنا في حالة مش متحمل كلمة.
رفع اسحاق رأسه نحوه ببطء يحاول ضبط غضبه
أهلا يا باشا قولي بقى هتفضل لحد امتى كدا أنا النهاردة اتهنت بسببك إسحاق الجارحي اللي الكل بيعمله مليون حساب في آخر الزمن يتقاله معرفتش تربي!
_بابا أنا آسف.
قالها حمزة وهو يستدير للمغادرة لكن أطبقت والده على ذراعه بقوة رجل اعتاد أن يطاع. شده نحوه وحدقه بنظرة عتاب كسرت صلابة عينيه لأول مرة.
_انت مش صغير هل غلطت لما قويت شخصيتك لما علمتك ما تتهزش لحد انت بتغلط في حقنا كلنا انت ابن إسحاق الجارحي حط تحت الاسم دا مليون خط أحمر متجريش ورا حد انت مش قليل يا ابن إسحاق.
تراجع حمزة خطوة يدور بعينيه في المكان يهرب من حديث والده الذي يذبحه ثم قال بصوت متكسر للأول مرة
_ يمكن حضرتك عندك حق أنا غلطت.
اقترب اسحاق خطوة ورفع سبابته في وجهه بصرامة رجل يوقع حكما
_أنا مش هحذرك تاني فرصك كلها ضاعت عندي. بنت إلياس هتبعد عنها ودا أمر مفيش رجوع فيه.
وشغلك هترجعه أنا رفضت الاستقالة وكلمتهم واترفضت. غلط من ابن إسحاق مش مسموح يا إما
رفع حمزة رأسه بألما كمن يتلقى طعنة
_يا إما إيه يا بابا
رمقه اسحاق بنظرة موجوعة
_ يا إما هتشوف إسحاق تاني إسحاق اللي أتمنى عمرك ما تشوفه يا ابني. النهاردة انت دوست على كرامة أبوك.
شهق حمزة واغرورقت عيناه بألم لم يستطع ابتلاعه
_ لا سمح الله مستحيل أعملها.
هز اسحاق رأسه بحسرة أشد قسوة من الغضب ذاته
_ عملتها يا حمزة.
عملتها لما رحنا بيت الشافعي وصغرت أبوك وفضلت تتحايل ولغيت شخصيتك قدامهم.
عملتها لما أبوك بقى يتنازل علشانك قدام ناس كانوا زمان يتمنوا كلمة من إسحاق.
عملتها وأنا بدور لك على مبررات وأقنع اللجنة إن بنت إلياس مالهاش ذنب في حياة جدها ودا كله علشان أشوفك مبسوط!
وإنت ما شفتش غير إن عيلة رفضتك وقولت هتتجوزها بأي طريقة حتى لو على حسابنا.
تراجع اسحاق خطوة وانخفض صوته
_ حبك عماك يا ابني وبقيت شايف إن أهم حاجة في الدنيا ترضي غرورك إن عيلة رفضتك.
_بابا إيه اللي بتقوله دا
خرجت الجملة من حمزة أشبه بأنين مكظوم كأنه لأول مرة يدرك حجم الخراب الذي خلفه اندفاعه.
اقترب إسحاق من ابنه ووضع يده على كتفه بربتة بدت أكثر وجعا من أي صراخ..
_حتى لو هقول دا حب يا حمزة بس غرورك رافض يصدق إن البنت رفضتك.
رفع حمزة رأسه سريعا كأن الكلمات نخرت شيئا داخله
_ بس هي ما رفضتنيش!
انفجرت الجملة من صدره كصرخة محبوسة اهتز على اثرها جسده
تقدم إسحاق خطوة ورفع يده مشيرا إليه بحدة تشبه صفعة بلا لمس
_حمزة صوتك! انت واقف قدام أبوك.
ودلوقتي أوامري تتنفذ بالحرف.
ارتجفت عينا حمزة وقال بصوت ضائع كطفل فقد الطريق
_ أوامر!!
هز إسحاق رأسه ببطء وفي عينيه خيبة أثقل من الغضب نفسه
_ومفيش غير كده.
حاولت أوصل معاك لنقطة حاولت أفهمك بس انت قطعت كل الخطوط.
كنت فاكرك عاقل بس طلعت غلطان.
دار إسحاق بجسده وتحرك بخطوات تغادر المكان كزلزال.. كانت خطوات غاضبة حادة تهز الأرض تحت قدميه وتترك خلفه هواء مشبعا بالقهر.
أما حمزة فظل واقفا في مكانه كأن الكلمات طعنته في مقتل ولم تجهز عليه بعد.
بمنزل مالك
جلس يتناول طعامه بجوار طفليه بينما كلمات تلك الخبيثة مازالت ترن في أذنيه كصدى لا يهدأ. كانت غادة تراقبه بصمت كأنها تقرأ ما يخفيه خلف هدوئه المفتعل. حمحمت بخفوت ثم قالت
_عايزة أروح أشوف إسلام قبل ما يسافر وهبات هناك.
رفع رأسه ينظر إليها باستفهام واضح
_إسلام مسافر ليه
_قولتلك قبل كده بس إنت مكنتش مركز. ملك جالها فرصة عمل كويسة في جامعة أكسفورد والصراحة فرصة ما تتعوضش. ماما شجعتها وطلبت من إسلام يساندها. وهو من فترة بعت ال CV لكذا جامعة هناك والحمد لله اتقبل وهيشتغل كمان أستاذ هناك.
أومأ وقد تذكر حديث إلياس إليه قبل أسبوع عن دعم حماية إسلام فقال بصوت منخفض
_إلياس قالي بس أنا انشغلت بالشركة الجديدة ونسيت.
ابتسمت غادة بحنان دافئ وقالت
_ولا يهمك يا حبيبي كلنا بننشغل وبننسى.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة ثم مد يديه يسحب يديها بين كفيه ورفع إحداهما ليقبلها قبلة امتنان خافتة
_شكرا يا غادة.
هزت رأسها باستنكار لطيف
_بتشكرني على إيه يا مالك إحنا جوزين مفيش بينا شكر.
نهض وهو يسحبها معه ثم نادى على المربية
_خليكي مع الولاد لحد ما يخلصوا أكل وجهزيهم للخروج.
أومأت بينما هو أحاط غادة بذراعه يقودها للداخل. وما إن وصلا إلى غرفتهما حتى توقفت هي أمامه تحدق في ملامحه بقلق
_هتقولي مالك ولا
_محتاجك أوي يا غادة.
اتسعت عيناها بدموع حبيسة فهذه أول مرة تراه على هذا القدر من الانكسار
_للدرجة دي مأثرة فيك يا مالك
زفرة حارقة خرجت منه كأنها تحمل شيئا من روحه
_كرهتني في الحياة مش عايز أذي حد بسببها.
رفعت كفيها تحتضن وجنتيه وعيناها تعانق عينيه
_طب احكيلي إيه اللي حصل ووصلك لكده
لكنه لم يرد.. فقط دفن وجهه في عنقها لحظات صمت حاوطت جسده ليقول
_غادة أنا بحبك أوي. تأكدي من ده. هي راجعة تاني تسمم حياتي زي ما سممتها قبل كده مع أقرب أصحابي. أنا بكره نفسي علشان خلتني أشك في كل الناس.
أبعدته قليلا لترى كم الوجع في عينيه
_عملت إيه يا حبيبي
أطلق ضحكة قصيرة مكسورة
_عملت كتير سرقت طيبة
_ قصدك أمن الدولة.
هز رأسه بالايجاب حاولت غادة أن ترسم ابتسامة رغم غصة الغيرة التي لسعت قلبها
_لسه بتفكر فيها
رفع خصلاتها عن وجهها بحنان يطفئ أي شك
_أنا بحب غادة وبس.
بمنزل يزن
طرق خفيف تسلل على باب غرفته تلاه دخول أسر بخطوات مترددة.. رفع يزن رأسه ومنحه ابتسامة هادئة.
_حضرتك طلبتني
تعالى يا أسر
أشار له بالاقتراب يراقبه بنظرة اب فاحصة
اقترب أسر وجلس حاجباه معقودان بقلق
_حضرتك كويس
هز يزن رأسه مطمئنا
_أيوة يا حبيبي اقعد. عايز أتكلم معاك شوية.
جلس أسر مقابله يطالعه بقلق نطقته عيناه الى أن تسائل يزن
_عامل إيه في شغلك مش كنت بتقول هترجع القاهرة تاني
تنفس أسر بعمق ونبرة حماسة خافتة خرجت
_إن شاء الله يا بابا بس قولت أكتسب خبرة أكتر الأول. علشان ناوي أفتح مكتب هنا. خلاص جه الوقت اللي أستقيل فيه بنفسي.
انفرجت ابتسامة فخر على وجه يزن وبدت في عينيه نظرة رضا
_ربنا يوفقك يا حبيبي وقت ما تحب قولي وأنا أشوفلك مكان كويس.
ابتسم أسر وهز رأسه
_لا يا بابا إحنا خلاص اخترنا مكان كويس. وعمو إلياس قال هيظبط مع مهندس يصمملنا مبنى كبير كامل متكامل. دور ليوسف وكمان لبلال وقالي اعمل حسابك تكون معاهم. وحتى شمس وضي هيشاركوا معانا.
توقف لحظة ثم تابع
_وأنا اتكلمت مع رولا قالت هتفكر تستقيل وتشتغل لنفسها.
أومأ يزن ببطء ثم قال بنبرة أبوية هادئة
_بالنسبة لرولا ماتضغطش عليها. لو مرتاحة في شغلها خلاص.
رفع أسر يده كمن يدافع عن نفسه
_أنا عرفتها بس ما فرضتش عليها حاجة.
ساد الصمت لحظة ليقطع يزن الصمت قائلا
_يوسف وبلال كانوا عندي امبارح بعد مانمت
قطب جبينه وقال
_عادي ماهم بيجوا على طول يابابا صمت ينظر لوالده
_هو فيه حاجة
_اه.. بلال عايز يتجوز رولا
شهقة افلتها اسر رغما عنه ليقول بذهول
_ازاي بلال ورولا
تألمت اعين يزن وهو يتذكر حديث يوسف بالامس
دخل يوسف بعد تردد واضح وصوته منخفض كأنه يخشى إزعاج خاله
_خالو حضرتك فاضي عايز أتكلم معاك في موضوع.
_تعالى يا حبيبي اقعد.
جلس يوسف أمامه يحاول خلق بداية مريحة بالكلام عن صحة يزن وأحواله فقط ليبعد أي ريبة. لكن يزن لم يطل الصبر.
_كنت عايز إيه يا يوسف
ازدرد يوسف ريقه ثم قال بسرعة وكأنه يخشى أن يتراجع
_بصراحة بلال عايز يتجوز رولا. ومكسوف من حضرتك فطلب مني أتكلم معاك الأول وبعد كده هو هييجي لحضرتك وكمان يتكلم مع باباه وبابا.
سقطت نظرة يزن ببطء إلى الأرض
_رولا مش
هتتجوز دلوقتي
صمت يوسف للحظة ثم لمح الحزن ذلك الانكسار الذي لم يره يوما في خاله.
نهض يوسف فورا قلقا
_خالو ليه بتقول كده حضرتك سألتها
رفع يزن عينيه وهناك من النظرات التي تحكي مانشعر به تعب خوف حنان وشيء أقرب لكتم سر يحرقه.
_من غير ما أسألها يا حبيبي دي بنتي وأنا حافظها.
اقترب يوسف خطوة يحاول التشبث بالأمل
_طب طب إيه رأيك أتكلم أنا معاها وإن شاء الله أقنعها.
هز يزن رأسه نافيا كأن الأمر محسوم
_يوسف قلت لك مفيش نصيب يا حبيبي. بلال ابني ورولا بنتي بس بلاش.
مرر يوسف يده في خصلاته في محاولة يائسة لفتح ثغرة لاقناعه
_بس هو بيحبها وصدقني ممكن تكون هي كمان بتحبه.
بكرة ينساها قالها يزن بصوت مبحوح جعل صدر يشعر بالريبة بأن يزن على علم بما حدث فقال بهدوء
_خالو حضرتك مخبي علي حاجة
تهرب يزن بنظراته كأن الكلمة لو خرجت ستفجر شيئا لا يمكن السيطرة عليه. اكتفى بجملة قصيرة هاربة
_قوله كل شيء قسمة ونصيب.
قبل أن يرد يوسف اقتحمت الغرفة دخول رولا وهي تحمل فنجان قهوة ليوسف.
_إزيك يا جو
التفت إليها يوسف وراقبها بنظرة موجعة تتردد فيها كلمات رؤى وحديث بلال الذي شعر بأن جبل اطبق على صدرهبينما طالعها يزن بالم يخشى من القادم على ابنته.
نهض يوسف فجأة وانتزع فنجان القهوة من يدها ووضعه على الطاولة
والتفت إليها مباشرة بلا مقدمات وقذف بكلماته قبل أن تنهار أعصابه
_رولا يوسف عايز يتجوزك
انحنت رأس رولا وهزة عنيفة اجتاحت جسدها لتسعر بأن قلبها سيتوقف عن النبض. تجمدت الكلمات في صدرها كيف يحدث هذا وكيف يفكر بلال في الزواج وهو يعلم تماما ما مرت به
عم الصمت صمت ثقيل قاتل قبل أن يطرق بلال الباب عن بلال.. توقف عند العتبة وعينيه تتعلقان برولا التي تبدو كمن كشف سترها ثم قال بثبات
_عمو يزن عارف كل حاجة يا يوسف.
شهقت رولا شهقة ممزقة وهي تستدير نحو والدها. فانهمرت دموعها بلا استئذان.
_بابا والله أنا مظلومة!
دخل بلال وخلفه رحيل التي لحقت به بعد أن سمعت حديث يوسف مع يزن.
_يزن بلال ويوسف عارفين كل حاجة.
انعقدت الدهشة على وجه يزن بينما تجمد يوسف في مكانه.. هنا تيقن سبب المرض الذي نهش جسد يزن حينما علم ما حدث لابنته.
تقدم بلال خطوة توقف جانب رولا
_أنا اللي جبت رولا من الشقة اللي كانت فيها.
اهتز صدر يزن فأطرق برأسه يصارع ضيق أنفاسه. جثا يوسف أمامه على ركبتيه وقال بصوت خافت لكنه ثابت
_يزن الشافعي مايتكسرش كدا أبدا بنتك ما غلطتش. اتلعب عليها. وإحنا جه دورنا لو موقفناش معاها دلوقتي يبقى إحنا مالناش لازمة. أنا وبلال فكرنا في الموضوع وحضرتك عارف إننا كلنا عيلة.
رفع وجهه إليه وعيناه تعكسان صدقا لا يتزعزع
_والله يا خالو ماحد يعرف حاجة. لا بابا ولا عمو. بلال كلمني من يومين وواجهت خالتو رؤى.
ارتفع رأس يزن أخيرا عينيه تلمعان بدموع موجوعة. تابع يوسف
_إحنا مش هنقدر نوصل لحقها بسهولة الراجل دا محدش يعرفه ولا له أثر. ففكرنا في حل وأتمنى حضرتك توافق. رولا شايفة بلال أخ وهو كمان بيقول زيها زي ضي. فهنكتب كتابهم سنة أو حسب ما يتفقوا وبعدها كل واحد يرجع لحياته. أنا كنت هعمل كدا بس بلال رفض.
لم تحتمل رولا المزيد فانطلقت راكضة إلى خارج الغرفة وعيون بلال تتبعها حتى اختفت. تنفس بلال بعمق واقترب من يزن
_عمو يزن للأسف مفيش قدامنا غير الحل دا. خلينا نعمل زي ما يوسف قال.
زم يزن شفتيه بشيء من الألم
_عايز تتجوز بنتي باتفاقية يا بلال دا ينفع يا ابني
بادر يوسف سريعا
_ليه تقول اتفاقية يا خالو ما يمكن خلال الفترة دي ربنا يغير الحال صدقني ماتعرفش بكرة فيه ايه
هز بلال رأسه بثبات لم ينطق.
ليتابع يوسف
_المهم فكر في الحل. مفيش غيره. خصوصا إن الراجل دا ما نعرفش عنه حاجة.
أسند يزن ظهره وتعبه يثقل ملامحه
_أنا تعبان. عايز أنام. سبوني.
خرجوا واحدا تلو الآخر تاركين خلفهم أبا ينهار بصمت على قلبه
لكن يوسف لم يستطع أن يبتعد. توقف عند الباب التفت إليه للحظة طويلة ثم عاد بخطوات بطيئة وجلس بجواره. كان يزن يحاول أن يتماسك ويداه ترتجفان فوق ركبتيه.
انحنى يوسف نحوه قليلا صوته خافت لكنه محمل بثبات غير قابل للكسر
_مش عايز أشوف حضرتك كدا بس الكلام اللي سمعته من خالتو وجعني أوي يا خالو. حسيت إنها قيدتني بحبل من نار. فيها شر العالم قالت كلام كتير مجروح على الكل. أمن بنتك يا خالو. بلال راجل وسيبك من كلمة اتفاقية أو مدة. متعرفش بكرة مخبي إيه.
أشار إلى نفسه يضع يده على صدره
_أنا اتجوزت ضي غصب وحضرتك عارف دلوقتي أقدر أقول إني ماعرفتش السعادة غير لما اتجوزتها. يمكن يمكن بلال ورولا يكونوا كدا. المهم حضرتك بلاش تفكر باللي في دماغك.
رفع يزن وجهه المتجعد بالألم
_خايف في يوم يعايرها.
هز يوسف رأسه بقوة عيناه ثابتتان
_أوعدك بلال مش هيعملها. هو حضرتك متعرفوش.
تنهد يزن بمرارة ثقيلة
_يا حبيبي كل حاجة الراجل بيسامح فيها إلا دي.
ربت يوسف على كف خاله برفق
_لو فكرنا بالسلب مش هنتقدم. وهقولها تاني حتى لو بلال ورولا ما اتفقوش واتطلقوا يبقى كدا أمان ليها بعد كدا. مش هيسيب فرصة لحد يؤذيها.
أغلق يزن عينيه وكأنه يسلم أمره لله
_خلاص يا يوسف اللي ربنا يقدمه.
ابتسم يوسف ابتسامة هادئة ثم انحنى وقبل رأس خاله برفق يربت على كتفه بحنان
_عمو وبابا هيجوا لحضرتك بس مش عايز أسر يعرف.. ولا حد. والله كنا ناويين مانعرفش حد بس حضرتك فجأتنا.
ارتعشت شفتا يزن وهو يهمس
_ربنا يسعدكوا يا حبيبي.
كانت رحيل واقفة عند الباب ابتسامة باهتة تكسو ملامحها. اقتربت وربتت على كتف يوسف
_أنا واثقة فيك وفي بلال يا يوسف.
قالتها ثم خرجت بخطوات مسرعة باتجاه غرفة ابنتها..
خرج يزن من شروده وتطلع الى اسر وقال
_بيقول عايز يتجوز وشايف رولا مناسبة له
_بلال كويس اوي يابابا غير انه راجل وانا موافق والرأي في الاول والاخر لحضرتك
_انا كمان شايف كدا
توقف بنظر بساعته
_عندي جلسة على اتناشر يادوب الحق.. الطريق ساعات بيكون واقف
_ربنا يوفقك حبيبي
انحنى يقبل رأس والده وقال
_هتكلم مع رولا لما ارجع بإذن الله
بمنزل إلياس
كان يتحدث في الهاتف مع مالك حين قاطعه طرق حاد على باب مكتبه. رفع حاجبه بضيق قبل أن يسمح بالدخول. دلف بلال بخطوات مترددة فأشار له إلياس بالجلوس إلى أن ينهي مكالمته. دقائق قليلة وأغلق الخط ثم استدار إليه.
قال بابتسامة مشدودة
_عامل إيه يا حبيبي
تنفس بلال بعمق
_كويس يا عمو مش هعطل حضرتك. أنا جاي في موضوع شخصي واتكلمت مع بابا وقالي لازم
اعتدل إلياس في جلسته يستمع باهتمام. تكلم بلال بثبات
_عايز أتجوز رولا بنت عمو يزن.
رفع إلياس حاجبه بسخرية خفيفة
_تتجوز مرة واحدة مش تخطب
حمحم بلال مصححا
_قصدي أخطبها يا عمو ونعمل فرح بسيط أصل حضرتك عارف إني بحضر دكتوراه.
ضاق جبين إلياس بالشك. فانحنى قليلا فوق المكتب يغرس نظراته في بلال
_إنتوا بتخططوا لإيه يا بلال
ارتبك بلال
_مش فاهم حضرتك
نهض إلياس فجأة يدور حول مقعده ببطء ثم انحنى على مستوى عيني بلال وقال بصوته منخفض
_يوسف كان بيعمل إيه عند خالتو
رمش بلال بدهشة مصطنعة
_خالتو مين هو يوسف عنده خالة أصلا
تراجع إلياس وجلس ينفخ ضيقا.
طيب يا ابن أرسلان بما إنك بتحب رولا يبقى أكيد عارف كل حاجة عنها.
رولا راحت مرتين السجن تزور عمتها اللي إنت متعرفهاش
وتاني مرة خرجت وراحت عمارة. البواب قال إنها طالعة لدكتور.
بعدها بساعتين حضرتك روحت لعندها وقعدت فوق ربع ساعة ونزلت.
وكاميرات العمارة في اليوم دا كانت عطلانة
ورؤى اللي إنت برضو متعرفش عنها حاجة طلبت زيارة رولا بعدها.
_إيه اللي بيحصل وبتخبوا عليا إيه
ظل بلال لحظة يرمش بلا فهم ثم ابتسم ابتسامة ساخرة
_إيه يا عمو أفلام الأكشن دي شكلك كنت بتتفرج على سيلفستر كتير أنا دماغي لفت.
ارتفع صوت إياس غاضبا
_انت بتقول ايه
رفع يديه متوسلا
وحياة سيدي أبو المكارم ما أعرف أي حاجة! غير إن رولا كانت في عيد ميلاد صاحبتها وروحت جبتها. حضرتك عارف البيست فريند مكنش ينفع أسيبها ترجع لوحدها.
ضرب إلياس المكتب بكفه
_إنت بتقول إيه يا لا
تلفت بلال كأنه يبحث عن منقذ
_هو يوسف فين سايبني لقمة سايغة لحضرتك!
صرخ إلياس
اطلع برا!
نهض بلال ثم عاد يستدير عند الباب
_طب هتجوز إمتى
زمجر إلياس
_وأنا مالي! خد أبوك وروح اتجوز!
هز بلال رأسه بأسف مصطنع
_يا خسارة يا حج إلياس شكلك هيبقى وحش أوي بعد تنحيك عن عضوية كبير العيلة.
تحرك إلياس نحوه بغضب فكاد يبطش به لكن بلال قفز للخارج ضاحكا. قبل أن يغلق الباب التفت إلياس وصوته يقطر تهديدا
_عارف لو عرفت فيه حوار
تجمد وجه بلال للحظة ثم هز رأسه بالموافقة يبتلع ارتباكه خلف ابتسامة متوترة.
فقال إلياس بنبرة حاسمة
_خلاص بالليل هنروح نلبس الدبل. مش هي البيست فريند يعني مش لسه هتتعرفوا.
تسائل بتقطع
_طيب كتب الكتاب
سكت إلياس لحظات يثبت عيناه في وجهه ثم قال ببطء
_أول الشهر كتب كتاب ودخلة كمان. علشان تساعدك في الدكتوراه.
للحظة اهتز جسد بلال وكأن كلمات إلياس صفعة غير متوقعة. بلع ريقه بصعوبة وهز رأسه ثم خرج سريعا
دخلت ميرال بعده بلحظات تنظر اليه بقلق
_إلياس شمس مرحتش الجامعة. إيه رأيك آخدها ونخرج
هز رأسه رافضا وأشار لها بالاقتراب
_تعالي يا ميرال سيبك من شمس دلوقتي. فيه موضوع مهم لازم
تعرفيه.
اقتربت وجلست بجواره وضع يده على كتفها بحنان متعب
_عايزك تروحي تتكلمي مع يزن. لازم أعرف إيه اللي وصله للحالة دي وأكيد هيقولك.
تجعدت ملامحها باستفهام
_مش فاهمة يزن من فترة بيشتكي من صداع. يمكن ضغط ولا حاجة.
هز إلياس رأسه بلا اقتناع
_ميرو روحي اتكلمي معاه ولما ترجعي هقولك على حاجة.
نظرت إليه بقلق عميق
_طب شمس هتسيبها كده
تنهد إلياس بوجع أب مثقل
_شمس لازم تقوم لوحدها. مينفعش نفضل نطبطب وحمزة لازم تنساه.
تمسكت بيده ترجوه
_علشان خاطري يا إلياس
أغمض عينيه لحظة كأن كلماتها تخترق نقطة ضعفه
_حبيبتي بلاش نوجع بعض. بنتك هتعاني مش أنا اللي أقولك.
ترقرقت الدموع في حدقتيها
البنت بتحبه يا إلياس
خفض رأسه بضياع أب عاجز
_عارف والله عارف. بس عاجز. وخايف عليها.
أنا مش خايف من الولدأنا خايف من الزمن.
انسحبت ميرال بخطوات مثقلة تحمل معها غصة أم تحاول أن تنقذ ابنتها بما يؤلم قلبها
خرج إلياس إلى الحديقة يتنفس الهواء كمن خرج من غرفة ضيقة تطبق على صدره.
وقعت عيناه على أرسلان يقترب بينما بلال يقف مع يوسف في الجهة الأخرى وكأنهما يستعدان لتمارين صباحية.
هتف أرسلان بتحية دافئة
_صباح الخير يا أبو يوسف.
_صباح الخير يا حبيبي اقعد.
جلسا متقابلين. سأل إلياس مباشرة
_بلال كلمك عن رولا
_آه تطلع اليه الياس
_بس عندي إحساس إنهم بيخططوا لحاجة.
تجعد جبين أرسلان
_تقصد إيه
هز إلياس رأسه بضيق
مش عارف. اتكلم مع بلال يمكن يطلع منه حاجة.
تنهد أرسلان
_هو فجأني بموضوع رولا. بس والله فرحت. خصوصا بعد اللي عرفته عن البنت اللي كنت قولتلك عليها.
رفع إلياس حاجبه
_أنهي بنت
أشار أرسلان بيده
_فاكر الواد اللي حاول يتهجم عليه صاحب شركات النسيج.
تذكر إلياس طلب بلال عن الحراسة فتمتم
_أيوة كلمني علشان طقم حراسة لواحدة مطلقة. كانت مرات الواد دا.
زفر أرسلان
_للأسف كنت خايف يكون فيه بينهم علاقة. خصوصا إن البنت دايما عنده. وكمان عرفت إنها بتنام في مكتبه.
قطب إلياس حاجبيه تابع ارسلان وصوته انخفض
_بس ارتحت لما قالي عايز يتجوز رولا.
هز إلياس رأسه ببطء
لا ما ترتحش. وخلي بالك منه. أنا حاسس في حاجة بخصوص رولا
بس يا رب ميكنش اللي في بالي.
تراجع أرسلان
_تقصد إيه
لوح إلياس بيده
انسى المهم. عايز تروح إمتى تطلبها
ابتسم أرسلان بثقة
_بالليل إن شاء الله. وكلمت جورج على خاتم ودبلة.
ضحك إلياس بخفوت
_ياااه على الحماس بس نشوف يزن هيقول إيه الأول.
قال أرسلان بكل بساطة
_موافق. بلال قالي إنه موافق.
ساد صمت ثقيل. ونظرات إلياس ضاقت بقلق يخترق صدره. وتابع بصوت خافت لا يسمعه سواه
يا ترى بتخطط لإيه يا يوسف
وليه روحت لرؤى
بعد ساعات
كان الهدوء يخيم على منزل يزن إلا من شهقات رولا المكتومة وهي تبكي بين يدي والدتها. ارتجفت بصوت مبحوح
_مش عايزة أتجوز بلال يا ماما أنا مستحيل أتجوز بالطريقة دي.. والله انا مظلومة
قبل أن ترد عليها رحيل طرق خفيف على الباب.
_خالتو رحيل أدخل
أومأت تمسح دموع ابنتها سريعا.
_البسي حجابك يا حبيبتي ابن عمتك بره. رولا أسر ميعرفش حاجة وزمانه داخل.
التقطت رولا نفسا مرتعشا قبل أن يدخل يوسف بخطوات ثابتة ونظرة لا تقرأ.
_بعد إذن حضرتك عايز رولا نخرج مشوار مع بعض. وأنا استأذنت من خالو.
عند ضي
كانت تقف امام منزلها تتحدث في الهاتف مع ميرال
_خلاص يا خالتو هعدي على شمس يوسف خرج قالي عنده عملية وهيتأخر.
صمتت فجأة حين رأت يوسف يخرج من منزل يزن وبجواره رولا!
اتسعت عيناها وضاقت شفتيها بغضب
_رايحين فين مش المفروض هتتخطب النهارده!
رفعت الهاتف واتصلت بزوجها. التفت يوسف في المرآة ورأى ضي واقفة تراقبه كالمحقق. رد ببرود متعمد
_أيوة يا ضي
_انت فييييين
ضحك بخفة وقال بنبرة مستفزة
_غبية يا مراتي الهبلة ما أنا قدامك! خارج مشوار مع رولا وبعد كده عندي عملية وبعدها هرجع لمراتي المجنونة.
شهقت
_رايح فين مع رولا لوحدكم يا دكتور
غمز يوسف لرولا قبل أن يفتح الصوت الخارجي للهاتف
_رايح أتجوزها عليكي يا روحي جهزي أوضة لضرتك.
صرخت ضي وهي تندفع نحوه
_ااااه!!
لكنه لوح لها بيده وتحرك بالسيارة مبتعدا وهو يضحك
ماشي يا ابن إلياس والله لأطلعها على جتك!
_بتحبك على فكرة
تمتمت بها رولا
ابتسم لها وقال
_وأنا كمان بحبها واكتر حاجة بحبها فيها جنانها علشان كدا بقولك ادي نفسك فرصة يابنت خالي
نظرت للخارج واغروقت عيناها بالدموع بالصمت
بعد شهرين
جلست رولا أمام مرآتها تنهي لمسات زينتها الأخيرة. كانت عيناها لامعتين لا تدري أهو الفرح أم الاستسلام.
اندفعت ضي وشمس إلى الغرفة بحماس صاخب.
_مبروك يا مرات أخويا المستقبلية! كنتي هتبقي ضرتي يا بت
قالتها ضي بضحكة عالية بينما شمس جلست بجسد بلا روح فمنذ ابتعاد حمزة لا تعد تلك الشقية خفيفة الظل تحولت من فرلشة لظل شخص ينتظر موته
ابتسمت رولا ابتسامة باهتة وقالت بخفوت
_الله يبارك فيك.
قطبت ضي جبينها
_إيه يا بت البرود ده اللي يسمعك يقول إنك مجبورة!
لم تكمل دلفت رحيل بخطوات سريعة
_يلا يا حبيبتي المأذون جه.
رفعت رولا عينيها لوالدتها نظرة استعطاف.. اقتربت رحيل وربتت على كتفها برفق ظاهري وحزم مبطن.
_يلا يا بنتي الناس جت بره.
همست رولا بدهشة
_ناس مين مش يوسف كان بيقول إحنا بس
تنهدت رحيل وكأنها تخفي مفاجأة مدوية
_لاباباكي اصر يعمل حفلة صغيرةوعمو إسحاق وولاده الاتنين ودكتور آدم وماما فريدة وعمو مصطفى.. وصحاب بلال على الطريق
هنا رفعت شمس حاجبيها بدهشة مضاعفة
_عمو إسحاق الجارحي
أومأت رحيل بابتسامة مغلقة ثم غمزت
_والكابتن اللي زي القمر كمان ودينا.
ركضت إلى الخارج فاقدة عقلها فلقد اشتاقت اليه حد الجنون... توقفت تبحث عنه بلهفة تلتفت يمينا ويسارا وصوت أنفاسها يعلو مع خفقات قلب مذعور... وفجأة وقعت عيناها عليه.
كان جالسا مع بلال ويوسف يتحدثون يضحكون بلا أي التفاتة لها.. انهمرت دموعها بلا إرادة ثم خرجت منها شهقة حارقة أشبه بانتزاع الروح.
لأول مرة شعرت أن قلبها يكسر فعلا يتفتت كل جزء منه يسقط على الأرض أمامها..
استدارت سريعا تزيل دموعها بظهر يدها قبل أن تهرول عائدة إلى المنزلومنه إلى غرفتها
تتذكر محاولات والدتها إقناعها بارتداء فستان أنيق.
_لازم أقف من جديد لازم أظهر قوية
عند رولا
تحركت بجوار ضي ورحيل وما إن لمحها أسر حتى نهض واقترب منها بابتسامة دافئة
_إيه الجمال دا
رفعت رولا نظراتها بسرعة إلى بلال التقت عيناهما لحظة واحدة فقط لكنها كانت كافية لإرباك نبضها.
سحبها أسر برفق نحو الطاولة المعدة لعقد القران.. وقبل جلوسها تقدم بلال فجأة يمسك كفيها ويجلسها إلى جواره بثبات
راقبهما إلياس بصمت عميق ثم انحنى نحو مالك قال له بضع كلمات قبل أن يعود لمكانه يستند يراقب ينتظر صوت المأذون.
في المقابل نهض أرسلان واتجه نحو إسحاق الجارحي
_عمو إسحاق زي ما قعدت لضي هتقعد لبلال. ولادك ولازم تعدل.
ابتسم إسحاق بمحبة
متابعة القراءة