روايه للكاتبه سيلا وليد

لمحة نيوز


مرضيوش يقعدوا هناك 
متقلقش عليهم 
أغلق أرسلان الهاتف ثم استدار بعينيه نحو يوسف الذي ظل جالسا في نفس المكان منذ عودته اقترب منه بخطوات هادئة وجلس إلى جواره بينما كان الأخير يحدق في الفراغ 
ما بتلعبش مع ولاد عمك ليه
مليش مزاج 
ثم تساءل دون أن يلتفت إليه
هما فعلا هيقعدوا أسبوعين 
أدرك أرسلان مايدور بخلده
إنت كبير وأكيد هتفهم معنى كلامي مامتك تعبانة ولازم تبعد عن الضغط اللي حواليها يومين ويرجعوا حبيبي 
قاطعهم دخول الخادمة تحمل أكواب اللبن للأطفال فصاح أرسلان بحنان 
ضي شمس بلال تعالوا يلا عشان تناموا 
ركضت شمس إليه بسرعة عيناها تبحثان عن ميرال
فين ماما هي مش هترجع
ضحك عليها
نامي والصبح هتلاقيها 
هتفت بعناد طفولي 
إنت ليه ياعمو بتقول كده أنا سمعت عمو بابا وهو بيقول هنقعد يوم ويوم ويوم!
ضحك عاليا يخبئ ألمه بين ضحكاته
بتقولي إيه يابت إيه عمو بابا ده
قهقه يوسف وقال
لا ومعرفتش لقب بابا الجديد 
قطب أرسلان جبينه وهو يتساءل
أبوك له لقب!! من مين
من شمس مين الشرير ياشمس
بس يايوسف ماما قالت عيب 
رن هاتف يوسف نظر إلى الشاشة وقال ضاحكا 
ماما بتتصل 
رد بسرعة
ماما 
جاءه صوتها الحنون من الطرف الآخر
حبيبي عاملين إيه وأختك عاملة إيه يوسف خلي بالك منها لسه ماأخدتش أوي على طنط غرام وعمو 
بتتصلي علشان شمس
لا ياحبيبي كنت واحشني وعايزة أسمع صوتك 
هعمل مصدقك ياماما شمس كويسة وهي قاعدة مع عمو أرسلان لو عايزة تكلميها
لا ياحبيبي أنا كنت عايزة أكلمك إنت وبعدين إنت أخوها الكبير فلازم أوصيك عليها هي لسه صغيرة بس طبعا 
قاطعها بصوت يحمل نضجا أكبر من عمره
أنا مش صغير ياماما وفاهم كويس سلميلي على بابا 
أنهى الاتصال دون انتظار ردها ثم دلف إلى الداخل متجاهلا نظرة أرسلان التي ظلت تتابعه بصمت 
تنهد أرسلان قائلا في نفسه
يا دي النيلة عليك ياإلياس هتلاقيها منين ولا منين! 
خرجت غرام من إحدى الغرف فبادرته بالسؤال
مالك ياأرسلان بتكلم نفسك! 
خلي بالك من الولاد حبيبتي رايح مشوار هغيب نص ساعة وراجع 
خلي بالك من نفسك 
في الطائرة قبل إقلاعها 
تأهبت المقاعد للاهتزاز وفاض ضوء الطائرة الباهت على ملامحها القلقة 
مال إلياس يقول بصوته الخفيض الحنون
اربطي الحزام حبيبتي الطيارة هتتحرك 
ارتجف جسدها فجأة بلا سبب واضح يدها لم تطعها وهي تحاول الإمساك بالحزام
إنتي كويسة
هزت رأسها بالنفي وأغمضت عينيها بقوة
لأ الطيارة تطير وهفرد الكرسي 
همست بصوت مرتعش أقرب للرجاء
إلياس متسبنيش 
اهدي خلاص عدى 
ليه ماجبتش علاجي ياإلياس
انطلقت عيناه تتجول في ملامحها يشغلها بالحديث يبعثر خوفها بكلماته حتى غفت 
بعد عدة ساعات في الجزيرة التي حجز بها 
هبط الليل فوق تلك البقعة المنعزلة من العالم حيث لا صوت إلا صوت البحر ولا ضوء إلا من انعكاس القمر فوق الماء 
وصلت السيارة إلى الفيلا الخاصة
تساءلت وهي تلتف بذراعيها حول نفسها من البرد
روسيا!! ليه بعيد أوي كده
ابتسم بدفء رجولي وقال وهو يفتح الباب
علشان مش عايز حد يوصلنا 
لا والله 
توقف أمامها وقال بكل يقين
وحياة ميرال عندي 
إنتي متعرفيش إنك غالية ولا إيه
نظرت إليه بارتباك وعيناها تنبض بالحيرة والرجاء
لسه غالية ياإلياس
أوي ياحبيبة إلياس 
عندك شك في حبيبك
ارتجفت عيناها تتذكر حديثه بالأمس وحديثه اليوم بين الحنين والخوف وبين الحب والخذلان 
عايز توصل لإيه ياإلياس أنا مش قد وجع من حد إنت قولت هفضل معاك علشان الولاد 
وأبو الولاد ياميرو
همست بخفوت
يعني لسه بتحبني سامحتني 
صمت مطبق حل بينهما وكأن القلب قد سبق اللسان بالكلمات وما عاد يحتاج الترجمة ثم نطق بصوت خافت يقطر خضوعا كمن يعترف للمرة الأولى بعد أعوام من الكتمان
أنا بحبك يا ميرال عارفة يعني إيه بحبككككك 
قالها والعيون تسرق تفاصيل ملامحها كمن يخشى أن تضيع منه في لحظة غفلة 
ألقى مفاتيحه أرضا بعنف مكتوم وزفر طويلا كأنه يقاوم وجعا داخليا يحفر صدره يعلم أن كلماتها صحيحة لكنه لم يعد يبحث عن منطق فدماؤها صرخت باسمه وعيناها نادته لم يعد يريد شيئا سوى أن تبقى أن تنتمي إليه أن تكون له وحده 
ميرال إحنا محتاجين بعض أنا يمكن محتاجك أكتر ما انتي محتاجاني لو سمحتي لازم نسند بعض علشان ولادنا علشان نفضل واقفين لو سمحتي انسي كل حاجة وافتكري حاجة واحدة بس إني بحبك ومش عايز منك غير إنك تحبيني 
تسارعت أنفاسها واختنقت دمعة خلف رمشها ثم همست صوتها بالكاد يسمع
وحشتني أوي 
لمعت عيناه كأن الكون كله عاد إلى مكانه الصحيح
أيوه مش عايز أسمع غير كده وحشتيني وبس أنا هربان بيكي فاهمة مش عايز من الدنيا غير كلمتين بحبك وحبيبي 
اللي هما
وانتي بقالك ساعة بتتكلمي ومش ملاحظة إننا في طريق سفر ومحتاج أنام لحد بكرة 
ضحكت بخفة طيب فين الشنط نسيتهم في العربية
اقترب منها وهمس بعينين مازحتين شنط إيه ياميرو 
أشار للأعلى اطلعي واستنيني هعمل مكالمة وأحصلك 
صعدت بصمت وهو اتصل على مالك 
ماوصلتش لرؤى 
لا ياباشا متقلقش هلاقيها ورانيا ازاي هربت مش كنت مراقب بيتها ماخرجتش غير الشغالة 
هاتلي اسمها بالكامل 
أنهى المكالمة وصعد للأعلى 
استمع إلى صوت المياه من الحمام دارت عيناه بالغرفة وقد زينت بالشموع والورود الذابلة كأنها تنتظر نفس حب يعيد لها الحياة تذكر طلبه للفيلا ابتسم بسخرية حالمة 
ناوي على ايه ياالياس 
اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك
أعترف وربي شاهد أني أحببته عدوا لسلامي وصديقا لأحزاني وأقسم أنه كان دواء لروحي وعلة لعقلي
فأي قلب هذا الذي يحب قاتله
قلب يرى في حضوره فوضى وفي غيابه فراغا قلب يشتاق حتى وهو ممتلئ ويحن حتى وهو بين يديه 
كنت أراه ويهدأ كل ضجيجي ثم يثور قلبي من شدة ما أشعر كنت أبحث عنه في الوجوه وأسمع صوته في الصمت وأتلمس وجوده في كل تفصيلة حولي كأن الحياة لا تكتمل إلا به 
كان حضوره مثل المطر لا يأتي كل حين لكنه حين يجيء يملأ الأرض خصبا والروح حياة 
ومع ذلك ظل عقلي يذكرني بأنه عاصفة بينما قلبي يصر على أنه سمائي الوحيدة 
فأخبروني كيف لقلبي أن يتوقف عن حبه وهو أول من علمه النبض
ابتعد وكأن كل خطوة يبتعد بها يخلع جزءا من قلبه التقط علبة سجائره وتحرك إلى الشرفة يصفع قلبه الضعيف 
اعتدلت تجمع خصلاتها بعصبية وعيناها تتبعه في صمت ثقيل وهي تراقب احتراق سجائره كما لو كان يحرق ما تبقى بينهما ضمت ركبتيها إلى صدرها وتراجعت تستند على ظهر الفراش وهي تدرك أن القادم معه لن يكون يسيرا وأن خطأها قد جعله يزن افعاله ألف مرة قبل أن يمنحها الغفران كانت ترى في عينيه معركة ضارية بين قلب يصرخ بها وعقل يكممه 
توقفت خلفه لحظة وكأنها تبحث عن شجاعة للمسه ثم تقدمت حتى صارت بجواره 
ما قولتش مين كان بيتصل
استدار إليها ببطء رمقها بنظرة صامتة قبل أن يعود لينفث دخان سيجارته كأنه يطرد معها مايعجز عن قوله 
أنا حاسة بيك وعارفة قد إيه بتعاني بسببي بس أنا مش هغصبك تكمل معايا لو
استدار إليها فجأة ونطق بصوت حاد و
عينيه ترتجفان
مش عايز أسمع صوتك علشان 
ماتزعليش اللي حصل حصل ولو خايفة عليا بجد بلاش كلامك اللي بيحسسني إني راجل بلا كرامة 
هزت رأسها سريعا والدموع تتسابق على وجنتيها
لا مقصدش أنا عند وعدي مستعدة أضحي بكل حاجة علشانك 
اسكتي ياميرال لأنك مابتضحيش إلا بيا أنا 
رفعت أناملها المرتجفة 
ولا عمري فكرت كده اللي عرفته إني ماكنتش حاسة بنفسي إلياس سامحني وحياة ميرال عندك وحياة الحب اللي لسه في قلبكسامحني 
أشاح بوجهه ولوح بيده وعينيه معلقتين بالفراغ أمامه
أنا بحاولمش منتظر منك تطلبي بحاول أدوس على كرامتي وأسامح بس خايف أصحى على كابوس أبشع من اللي فات 
انكسرت أمامه
خلاصاتأكدت إني من غيرك بضيع أنا من غيرك ضعت حبيبي مقدرش أعيش بعيد عنك 
تعلقت عينيها بعينيه 
لو حاسس إني بضحي بيك ومبحبكش ارميني 
أزال دموعها العالقة هناك حرب شعواء دامية يريد ولا يريد كلمات الطبيب ترنو باذنه وكرامته عقله يصفعه بها ولكن كيف للعقل التحكم في القلب افلتت شهقة باكية بعدما وجدت عيناه الباردة بالنظرات
يااللهكيف له أن يحتمل دموعها وهي تتساقط على قلبه فتحرقه 
إنتي روحيعايزة أكتر من كده
رفعت عينيها الباكيتين وابتسمت من بين دموعها
بجد !!
وهمست
وإنت حياتيوروحيوكل حاجة عند ميرال 
طيبعلى فكرة أنا جايبك شهر عسل في عروسة تبكي في شهر عسلها ومعاها راجل زيي
ضحكت بين دموعها
بحبك أوي ومهما يحصل بينا هفضل أحبك 
تفتكري مين بيحب مين أكتر ياأم يوسف 
أفلتت ضحكة من بين دموعها ثم التفت 
هتغر أوي لو أبو يوسف بيحبني أكتر 
بس أم يوسف عندها عشق كبير

أوي محوشاه بقالها سنين ونفسها تقول له
وأنا فاضي ومش ورايا حاجة عايز أسمع وبعد كدا أقيم 
تسمع إيه
قصة العشق اللي محوشاه 
بمنزل إسحاق 
دلف بخطوات هادئة إلى غرفة نجله الأكبر كأنه يخشى أن يوقظه من أحلامه اقترب من الفراش وجلس على طرفه يتأمل ملامح وجهه النائم فارتسمت على ثغره ابتسامة دافئة حين تسللت إلى ذاكرته صور طفولة أرسلان ضحكاته وعينيه حين كان يركض نحوه بأذرع صغيرة مد يده يمرر أصابعه على خصلاته بلمسة أب ثم همس قرب أذنه
حمزة قوم حبيبييلا الساعة تمانية عندك سومينج 
رفرف جفنيه ببطء فتح عينيه متثاقلا ثم اعتدل فجأة حين رأى والده
باباحضرتك اللي بتصحيني 
ابتسم إسحاق وربت على رأسه مداعبا
إيه كبرت على أبوك ومش عايزني أصحيك
هز حمزة رأسه بالنفي
أبدا حبيبيبس دي أول مرة من زمان
آسف يابابا كنت مشغوللكن طبعا أنا مخلف راجل بيعرف يحكم 
طبعا يابابا ربنا يبارك لنا في حضرتك 
نهض إسحاق وأشار له
قوم نفطر مع بعض قبل ماتنزل النادي 
استدار ليغادر لكن خطاه توقفت عند الباب فعاد بنظره إلى ابنه
حمزة إنت مواظب على صلاتك ولا لأ
خفض رأسه هامسا
بصلي يابابابس ساعات بتفوتني صلوات غصب عني 
عاد إسحاق إليه بخطوة ثابتة ووقف أمامه صامتا للحظات ثم قال بصوت هادئ لكنه نافذ
ينفع تنسى تنزل النادي أو تكلم صحابك أو تمسك تليفونك
باباأنا أصلي 
رفع إصبعه إشارة للتوقف
أنا مش هقولك غير حاجة واحدة بين المسلم والكافر الصلاة ياابن إسحاق إنت كبير وفاهم كلامي قدامك طريق للجنة وطريق للنار عقلك وقلبك هما اللي هيختاروا مش أنا ولا مامتك أنا عليا أنصحك لكن مش هضربك وأقولك صليإنت مش صغير 
نهض حمزة واقترب منه وعيناه تعكسان وعدا
وأنا بوعدك يابابا مش هقصر في ديني 
سحب رأسه 
ربنا يهديك ياحبيبي 
تحرك إسحاق للخارج فإذا بعمران يقابله
صباح الخير ياداد 
صباح الخير يا حبيبيصحيت إمتى
لسه من شوية يادوب صليت بس 
ابتسم إسحاق بفخر حاوط كتفيه وسار به نحو طاولة الطعام
تعال احكي لي عملت إيه في اليومين اللي غبت فيهم 
جلسا معا وإسحاق ينصت لكل كلمة تخرج من فم صغيره باهتمام لا يشغله عنه شيء حتى دخلت دينا وهي تقول
حبيبي هتشرب القهوة هنا ولا في المكتب
لا مش هنزل الشغل النهاردة هنزل مع الولاد النادي ونرجع على فاروق نتغدا معاه 
أومأت بتفهم وأشارت إلى الخادمة
هاتي الفطار 
ثم نظرت لزوجها
هروح النهاردة لأرسلان أقضي اليوم معاه ومع صفية 
تمام 
وضعت الطعام أمامه وأمام طفلهما ثم تمتمت وهي تتأمل ملامحه
بقولك ماتحاول تصلح علاقة فاروق بصفية صعبانة علي أوي 
رفع إسحاق نظره إلى ابنه ثم إليها وهو يقول بهدوء قاطع
حبيبتي عايزين نفطر 
أومأت وابتلعت كلماتها بصمت 
وصل حمزة إلى المائدة ألقى تحية الصباح بصوت هادئ وجلس في مكانه المعتاد رفع عينيه نحو والده وهو يتمتم
بابا حضرتك مش ناوي تركبني عربية بقى
ارتشف إسحاق من فنجان قهوته ثم وضعه على الطاولة وألقى عليه نظرة تلتقط ملامحه كما لو كان يقرأ ماوراء كلماته
لما تخلص الثانوية ياحمزة مينفعش تركب في السن ده 
اعترض حمزة بابتسامة مترددة
بس ياباباصحابي بيركبوا عربيات 
أجاب إسحاق بثبات
أنا قلت إيهإنت مش طفل علشان أقعد أقنعك لكنك برضه مش مؤهل حاليا العربية مش لعبةالأهم عندي مذاكرتك وحط في بالك أنا مش هدخلك كلية إلا لو كنت تستحقها حتى لو هي نفس الكلية اللي نفسك فيهاالأهم تكون قادر على مكانك مش بس موجود فيه تمام ياحبيبي
أومأ حمزة بخضوع
حاضر يابابابس عايزك تثق في ابنك 
ابتسم إسحاق بهدوء وهو يميل قليلا نحوه
وأنا واثق ياحمزةلكن لازم تفهم وجهة نظري 
شكرا لحضرتك 
قطع رنين الهاتف لحظة حديثهم فأشار إسحاق
كملوا فطاركم هنزل معاكم النادي 
هتف عمران ضاحكا
أيوة بقىإسحاق باشا هينور النادي 
ارتسمت ابتسامة صغيرة على ثغر اسحاق وهو ينهض مجيبا على هاتفه
أيوة
صمت يستمع للطرف الآخر ثم شدد نبرته
ساعة وأكون عندكوعايز مسح كاميرات كامل 
بفيلا السيوفي
كانت فريدة تقف بالمطبخ تشرف على إعداد الإفطار والخادمة بجوارها تتلقى الأوامر في صمت دلفت ملك بخطوات مترددة تلقي تحية الصباح بصوت بدا أضعف من المعتاد
صباح الخير ياماما فريدة 
التفتت إليها فريدة مبتسمة
صباح النور ياحبيبتي 
اقتربت ملك من الخادمة وأشارت إلى فنجان القهوة
اعملي قهوة لإسلام ياهدى 
أومأت الخادمة
عنيا يامدام ملك 
سحبتها فريدة برفق نحو طاولة المطبخ وأشارت لها بالجلوس وهي تتمعن في ملامحها المرتبكة
فيه حاجة يابنتي مالك واقفة كده ووشك مش طبيعي 
ابتلعت ملك ريقها بصعوبة وحمحمت قبل أن تنطق بصوت منخفض
ماماأنا حامل 
اتسعت عينا فريدة وارتسمت على وجهها فرحة عارمة 
ألف مبروك يابنتي طب إيه مالك خايفة كده ليه
جزت ملك على شفتيها وأطرقت رأسها خجلا
ماماأنا و إسلام كنا عايزين نأجل لحد ماأخلص الدكتوراه
فريدة تحدق في عينيها بثبات
علشان ده رزق من ربناجه في وقته ومينفعش يتأجل ياحبيبتي افرحي بالبيبي وفرحي جوزك إسلام كان خايف عليكي من التعب بس خلاص ربنا أمر يبقى نحمده ونشكره 
فركت ملك كفيها بتوتر وارتجفت شفتاها
بس أنا مش جاهزة للأطفال دلوقتي عايزة أخلص رسالتيوبعدها أفكر 
تنهدت فريدة وحاولت أن لا تدعها لضعف يهزها فأحاطت كفيها بين راحتيها
أنا فاهمة كل ده ياملكبس مش فكرتي إزاي رغم المانع ربنا أراد يكون عندك طفل
رفعت ملك عينيها بارتباك وكأنها لا تجد ردا فأكملت فريدة
اعرفي يابنتيالطفل ده قدر ومحدش يعرف الخير اللي جاي وراه احمدي ربنا عليه وادعي إنه يكملك على خير 
هزت ملك رأسها بتردد وعيناها تهربان من مواجهتها
بس أنا مش هقدر ياماماأو بمعنى أصح أنا مش في وقت يسمحلي أكون أم 
ابتسمت فريدة برفق رغم وخز القلق في قلبها
ملكده لو كان الحمل محصلش لكن دلوقتي إنتي حامليعني لازم ترضي بنصيبك وتفهمي إنه خير 
حل الصمت بالمكان حتى قطعته الخادمة بدخولها وهي تحمل فنجان القهوة
مدام ملكالقهوة جاهزة هطلعيها ولا أطلعها أنا للباشمهندس
ربتت فريدة على كتفها برفق وأشارت نحو الفنجان
طلعي قهوة جوزك
وفكري في كلاميرب الخير لا يأتي إلا بالخير 
نهضت ملك وهي تحمل الأكواب بخطوات متثاقلة شاردة الفكر ثم صعدت إلى الطابق العلوي 
في الأعلى كان إسلام يقف أمام المرآة يسرح خصلات شعره بعناية دلفت تحمل القهوة تتحرك بخطوات تحاول أن تبدو واثقة 
التفت إليها مبتسما
أنا كنت نازل حبيبتيمكنش له داعي المهم هتأخر النهاردة في الجامعة يبقى اتغدي مع ماما وبابا 
لاحظ شرودها برفق وتمعن في ملامحها
مالك ياملك سرحانة في إيه
آهلا مفيش بس افتكرت حاجة 
متفكريش غير فيا وبس ياملاكي المهم لازم أتحركعندي محاضرة بعد ساعة إلا ربع والطريق زحمة هشرب القهوة في العربية 
مد يده ليأخذ كوبه لكنه توقف حين سمعها تقول
إسلامعايزة أخرج النهاردة مشفتش بابا وتيتا من زمان آخر مرة كنت عند أرسلان وماما صفية عايزة أزور بابا 
عاد إليها
تستني لما أرجع نروح سوا ولا عايزة تروحي لوحدك
لا لا ياحبيبي متعطلش نفسكأنا هزروهم وأقضي اليوم عندهم وإنت لما تخلص تعال خدني 
تمام وقت ماتخلصي كلميني وأنا أعدي عليكي 
ثم أشا بابتسامة مشاكسة
أنا ماشيمفيش وداع
غادر بخطوات واثقة بينما جلست هي على طرف السرير عقلها يتخبط في دوامة من الأفكار ماذا سأفعل بحياتي القادمة فجأة تذكرت أمرا فهرولت إلى الأسفل لتجده واقفا يودع والدته حاولت أن تسرع قبل أن تتحدث فريدة لكن إسلام كان قد غادر بالفعل 
اقتربت من فريدة تلتقط أنفاسها
ماما فريدةإنتي قولتي حاجة لإسلام 
صمتت فريدة تراقب خوفها فهزت رأسها بالنفي دون حديث اقتربت ملك قائلة
ممكن ماتقوليش حاجة عن الحمل لحد ماأشوف هعمل إيه وبعد كده أخبر إسلام 
أومأت فريدة برأسها وطالعتها بنظرة متفهمة لكنها مشوبة بالتحذير
دي حياتك يابنتي وأنا مليش أدخل فيهاربنا يسعدكم بس وإنتي بتشوفي هتعملي إيه أوعي تفكري تغضبي ربنا ياملك افتكريفي ناس بتدفع ألوفات علشان ضفر عيل 
يابنتي 
بعد فترة وصل مصطفى إلى فريدة الشاردة اقترب منها بهدوء
صباح الخير يافريدة 
رفعت رأسها نحوه وعلى شفتيها ابتسامة واهنة 
صباح الخير يامصطفى 
جلس بجوارها يلتقط بنظراته ملامحها المرهقة وكأنه يقرأ ماتخفيه
مالك يا أم إلياسفيه حاجة ولا إيه
تراجعت قليلا وعينيها تهيمان على الحديقة الممتدة أمامهما
مفيش ياحبيبيبس قلبي مش مطمن قلقانة اوي على ميرال 
طيب اللي يفرحك ها هتعملي إيه بقى لو قلتلك خبر حلو 
رفعت رأسها نحوه بسرعة كأنها تتشبث بأي خيط أمل
كلمت إلياس 
ابتسم
أيوه لسه قافل معاه قبل ماأنزل 
اعتدلت فجأة وعينيها تبحث عن طمأنينة لقلبها فارتسمت على وجهه ضحكة دافئة ة
كله تماممتقلقيش الخطة ماشية زي مارسمنا بالضبط 
ارتجفت
شفتاها بابتسامة خافتة
يعني يعني إلياس سامحها هيرجع يعاملها زي الأول
توقفت لحظة كأن قلبها يخشى الإجابة قبل أن تكمل بصوت متهدج
ولا هيبقى زي ماهوقلبه مقفول 
فريدةإنتي مش واثقة في جوزك ولا إيه
هزت رأسها وهي تحبس شهقة
أنا مش واثقة في تقلبات ابني وعارفة كويس إنه مش هيسامح بسهولة ولا هيرجع يعاملها كزوجة تاني هو أنا اللي هقولك على شخصية إلياس 
وصوته يقطر حنانا
بس دا مش مع مصطفى أنا وعدتك زي مافرقتهم هجمعهم تاني 
أشاحت ببصرها تحاول حبس شهقاتها
خايفةخايفة يعرف يامصطفى وقتها مش هيسامحني أنا كمان 
مش قلتلك متخافيش أنا عارف بعمل إيهولسه مفكر إني ماعرفش الدكتور اللي اتعامل معاه ابنك مش عايز حد يعرف حاجة عن حالة مراته وأنا احترمت خصوصيته لكن برضه كان لازم أستعمل دوري كأب 
رمقته بعينيها المبللتين
تفتكراقتنع بكلام الدكتور
أومأ بثقة
أيوه بدليل إنه سافر بيها دلوقتي 
زفرت ببطء لكن الخوف مازال يتسلل إلى قلبها
ياربيارب مايعرف إننا السبب في سفره لو الدكتور غلط مش هيكون خير أبدا 
قهقه مصطفى بخفة يحاول انتشالها من قاع قلقها
فريدةسيبيها على الله وبطلي تشاؤم 
هزت رأسها والقلق يزحف على ملامحها ببطء يثقل كتفيها ويجعل عينيها غائرتين قطب مصطفى حاجبيه وهو يراها غارقة في مخاوفها واقترب أكثر
ليه بتحسسيني إنه هيدبحنا إحنا وبعدين تعالي هنا ابنك ممكن يعمل حاجة من غير مايكون مقتنع بيها! متخافيشالدكتور أولا كلامه في نطاق شغله وميرال فعلا محتاجة لازم الحاجز ينكسر ومكنش هيعمل دا من غير الدكتور ومحاولة إقناعه بكدا 
طالعها بعينين ثابتتين
حبيبتيمتقلقيش حتى لو عرف أنا طلبت من الدكتور كدا هو أصلا كان لازم يعمل كدا متنسيش الأهم إنه لسه بيحبها لكن زي ماقولتي كرامته مجروحة وعلشان كدا الدكتور أقنعه إنه طول ماهو بعيد عنها حالتها ممكن تسوءأو حتى تقتل نفسها أو ترجع للدوا تاني ودا اللي حاولت تعمله فعلا قريب إحنا ماعملناش حاجة من فراغ كل الموضوع إن كلام الدكتور كان أكثر إقناع مني علشان كدا ماحاولتش أدخل أو أظهر له حاجةحتى ماسألتوش ليه غير الدكتور 
سحبت نفسا عميقا وزفرته ببطء وكأن الهواء كان يخنقها قبل أن يتحرر من صدرها
دلوقتي أهم حاجة عندي ميرال حياتها في إلياس وطول ماهو بيعاملها كغريبة عنه هتتعب إنت ماشفتهاش ولا سمعتها وهي بتحكي أنا فعلا مرعوبة من فكرة إنها تئذي نفسها ميرال بنتي 
يامصطفىوماصدقت إنها رجعتلي تاني أنا متأكدة إن إلياس بيحبها وكتير كمان بس هو بيصارع نفسه وصراعه دا ممكن يقضي عليهم هما الاتنين 
أومأ مصطفى بتأكيد وعينيه تلمع بالألم
دي حقيقة للأسفبس هو معذور يافريدة 
عارفةومن حقه يطلقها كمان 
بس أنا ماأقدرش أقف وأتفرج على حياته وهي بتضيع أنا متأكدة إنه مش هيقدر يعيش بعيد عنها وممكن يحول حياتهم لجحيم بس من فكرة إنها مش ملكه لأنه مضطر لكدا 
عرفت ليه طلبت منك تساعده 
زفر مصطفى تنهيدة عميقة كأنها تحمل كل مافي قلبه من إدراك لحقيقة كلامها ثم قال
بس أنا متأكد إنه هيحميها من نفسه قبل أي حاجة الراجل لما بيحب قويممكن يدوس أي حد علشان حبيبته متخافيش أنا واثق في ابني 
همست بصوت مرتجف
يارب يامصطفىربنا يهديك يابني يارب 
نهض من مكانه وسحب كفها بحنان
تعالي نفطروبعدين نتمشى شوية في الجنينة 
بمنزل يزن
خرجت رحيل من غرفتها متجهة إلى غرفة أولادها وصوتها يعلو 
آسر يلا ياحبيبي علشان الباص هنتأخر 
تحرك آسر بتكاسل يجر قدميه ويحمل حقيبته على كتفه
يارب ياماما المدرسة تموتهي مش راضية تخلص ليه
ضحكت رحيل 
إنت لسه شوفت إيه يابتاع موت المدرسة إنتيلا علشان نفطر مع بابي قبل الباص 
تحركت إلى غرفة ابنتها طرقت الباب بخفة
رولين يلا ياقلبي أنا خلصت كل حاجة
خرجت الصغيرة وهي تجمع خصلاتها على كتفها لكن أوقفتها رحيل بنبرة حادة
وبعدين يارولا إحنا قولنا إيه ليه فردتي شعرك كده عايزة بابي يزعل على الصبح 
تأففت رولا تنفخ وجنتيها بضجر
مامي صحابي كلهم بيفردوا شعرهموبعدين مفكرين شعري وحش مع إني أحسن شعر فيهم 
ابتسمت رحيل أمسكت فيونكة الشعر تجمعه بحزم
مالناش دعوة بحدوبعدين إحنا رايحين نتعلم ياقلبي مش نعمل مزاد على الشعر أنا بحذرك لآخر مرة لو شفت شعرك كدهصدقيني هقصه ومش هيفرق معايا حتى لو باباكي زعل فهماني بابي نفسه حذرك وأنا عارفة إنكم متفقين قدامي شعرك يتفرد في حفلة أوكي في البيت أوكي إنما المدرسة لأ 
حاضر يامامي 
حملت حقيبتها وتوجهت للخارج لتجد يزن يجلس على المائدة يقرأ جريدته ويرتشف قهوته في هدوء الصباح 
ابتسم
صباح الخير ياروح بابي أميرة بابي مالها زعلانة ليه 
لم تجبه رحيل قاطعهم صوت الحارس معلنا قدوم الباص أسرع الطفلان إلى الخارج ولوحوا بأيديهم صرخ أسر قبل أن يخرج
بابا ماتنساش وعدكالنهاردة هتوديني عند عمتو وعمو معاذ 
أوكي ياحبيبييوم دراسي سعيد 
ياحبايب بابي 
وقفت رحيل تتابعهم حتى صعدوا ثم عادت تسحب مقعدها بقوة تنفخ بضيق 
مالك ياحبيبتي مين مزعلك 
يزن لو سمحت بنتك رولا مش عاجبني حالهاكل ماتكبر عايزة قراراتها هي اللي تمشي وحضرتك كل اللي يهمك زعلها وبس 
ابتسم
أقدر أقول دي غيرة من بنتك ولا إيه
يزن مش وقت هزارالبنت لازم نعلمها حاجات مفيدة 
صمت يستمع لها حتى أنهت كلامها
البنت لسه صغيرة يارحيلوبعدين أنا عارف بعمل إيه أنا مربي قبلها اتنين يعني مش هعرف أربي ولادي
تحدق في وجهه بجدية
حبيبي كل جيل وله وضعهوإنت شايف اللي بيحصل في المدارس البنت لسه ماكملتش عشر سنين يامصيبتيدا أنا ماعملتهاش وأنا كبيرة 
قهقه يزن
شوفتي أنا مظلوم إزاي
شوف أنا بقول إيه وإنت بتقول إيه! 
طيب على فكرة اللي بقوله دا في صلب الموضوعولازم أقاضيكي إزاي تضحكي عليا 
ارتبكت نظراتها
إنت بتتكلم جد! 
نهض فجأة سحب كفيها
هو فيه جد أحلى من كده يعني متحمل وساكت 
ارتفعت ضحكاته
عايز حقي اللي هدرتيه يابنت العامري
ياااهإنت مش طبيعي 
فاعتدل فجأة
أيوه ياطارق
الحق يايزنمالك اللي شغال مع إلياس وصل لرؤى 
هب واقفا وخطف مفاتيحه وانطلق إلى الخارج دون أن يلتفت ورائه 
بروسيا عند إلياس وميرال
وقفت أمام البحر تحدق في أمواجه الثائرة وكفاها كوب قهوتها الدافئ تبسمت وهي تضغط على شفتيها وقد ارتسمت الفرحة على ملامحها التي استعادت بهاءها وكأنها عادت فتاة السابعة عشرة 
أغمضت عينيها فارتسمت على وجهها ابتسامة أحيت كل مابهت فيه وخرجت من أعماقها آه دافئة كأنها نفس حب عالق منذ زمن 
بتعملي إيه
وأشارت نحو الموج
الموج بيفكرني بيك فاكر لما قلتلي إنك مابتحبش البحر علشان بيغدر 
يعني أنا بغدر زي البحر
هزت رأسها نافية وعادت تحدق في الأفق
مش قصدي كدا قصدي إنك على قد هدوءك بس وقت الغضب بتكون زي ثورة البحر 
ابتسم وقد فهم ماترمي إليه وعيونه معلقة بأمواجه 
قال وعينيه معلقة بأمواج البحر
أنا مابغضبش من الشخص اللي ماشي صحوالبحر عمره مابيغدر بالواقف على الشط 
تأملته ميرال لحظة ثم سألت بنبرة
حائرة
مش فاهمة قصدك ياإلياس إيه اللي بيحصل 
رفعت بصرها إليه تساءلت بهدوء يشوبه القلق
الدكتور قالك إيه إيه اللي خلاك تسفرني بالطريقة ديد
أومأ برأسه عدة مرات وأبعد نظره عن عينيها كان يعلم أنها ستواجهه ويعلم أنها سوف تستفسر
الدكتور قالك إيه ياإلياس وليه بتحاول تعاملني كأني طفلة لازم أقبل الأمر الواقع
إنتي مش بتقولي بتحبيني
إيه السؤال دا! 
أنا بسأل ومش عايز سؤال مقابل سؤال 
ماإحنا لسه من ساعات اتكلمنا في دا 
يبقى متسأليش تاني 
صمتت تحدق به في تشتت ثم همست باعتراض
يعني إيه مش عايزني أعرف الدكتور قالك إيه 
أيوه مالكيش حق تعرفي حاجة حقك عندي حقك أعاملك حبيبة قبل ماتكوني زوجة 
أدار عينيه نحوها واستطرد
حقك تعرفي إني لسه بحبك رغم حاجات كتير غلط عملتيها وزي ماقولتي من شوية بعمل حاجات عكس شخصيتي إنتي اللي حكمتي وعقابي لازم تستحمليه 
تمام ياإلياس انا مستعدة
اتحمل عقابك وانا اللي طلبت منك دا بس من حقي أعرف حالتي الصحية وصلت لإيه آخر مرة الدكتور قال لسه شوية وطبعا حضرتك غيرت كل دكاترتي علشان ماعرفش أوصل لحاجة 
طيب لما إنتي ذكية وبتفهمي كدا بتسألي ليه
بتحرق دمي صح 
طالعها مذهولا ثم قال
شوف البت اللي كانت بتعيط من
شوية علشان اسامحها
اعمل ايه ماهو انت صعب الواحد يتفاهم معاك
قهقه على غير عادته
مش يمكن بحب كدا أصل الهدوء دا مش لايق عليكي
لكزته وهو يضحك وضحكاته تتداخل مع صوت الموج 
أغمضت عينيها تحاول كبح غضبها وكادت أن تصفعه
إنت بتضحك على إيه فرحان أوي بعصبيتي
هتصدقي لو قلت لكوحشتني عصبيتك جدا 
شكلك اتغير أوي 
ابتسمت عيناه ونظر مباشرة في عينيها
للأحسن ولا للأوحش 
لم يكن يهمها إن تغيرت ملامحه للأفضل أو للأسوأ مادام قلبه ينبض باسمها
ومادامت عيناها تراه الرجل الأوحد في حياتها لكن شيئا ما في ملامحه كان مختلفا ربما تلك الدموع الخفية التي تختبئ خلف ابتسامته أو ذلك العمق الموجع في نظراته 
مش مهم للأحسن ولا للأوحش المهم إن قلبك بينبض باسمي وعينيا شايفاك أحسن راجل في الدنيا 
احكي لي من أول ماخرجتي من هنا 
أنا عايز أعرف كل حاجة 
رفعت رأسها إليه وعينيها خليطا من التحدي والحذر
ماأنا قلت لك كل حاجة 
عايز أعرف كل حاجة بجد ليه سافرتي إسكندرية ليه غيرتي اسم البنت إزاي اشتغلتي في مدرسة يوسف وليه كنتي بتيجي عند الشركة وأنا شوفتك أكتر من مرة 
ارتجف صدرها وهي تحاول أن تعتدل لكن الألم تسلل إلى ملامحها فأخذت نفسا عميقا قبل أن تبدأ الحكاية
كانت كلماتها تخرج ببطء تفيض بالمرارة وهي تروي له رحلتها منذ أن غادرت وحتى ولادة شمس ثم وقع الخبر الذي مزق قلبهاالصورة التي جمعته مع غادة واعتقادها بزواجه ومكالمتها مع يزن 
يعني رجعتي من إسكندرية ومكنتيش بتتكلمي! 
أومأت برأسها ونظرتها غارقة في عينيه التي تجمعت بها الدموع
مقدرتش أتحمل خبر جوازك من غادةكنت حاسة الدنيا قفلت في وشي فضلت فترة مش بنطق لحد مارحت للدكتوركام جلسة وابتديت أتكلم لكن حالتي النفسية انهارت بكلامه عنكوالباقي إنت عارفه 
ليه شكيتي في حبي وخلاكي تفكري كدا 
معرفش عقلي كان مشوش أو يمكن أنا اللي كنت عايزة أحط لك ذنب وخلاص 
طيب اهدي وانسي أي حاجة دلوقتي عايز أسألك عن حاجة 
قالها وفي عينيه قلق مشوب بالغضب
نعيمة كانت تعرف الدكتور ده منين
مكنتش تعرفهدي كانت ممرضة عند دكتورة أنا رحت لها علشان أنزل البيبي سألتها عن دكتور نفسي كويس قالتلي عليه 
مين الدكتورة دي
مش فاكرة اسمهابس كانت كويسة نصحتني أرجعلك وأحافظ على البيبي 
ارتسمت على وجهه نظرة اتهام حادة
ليه وثقتي فيها بالشكل ده
علشان كانت طيبة أويأول مادخلت بيتها شوفت بنتها حاضنة المصحف حسيت بأمان المشكلة مش في نعيمة أنا معرفش ليه الدكتور عمل كدهحتى عمو إسحاق قال هيعرف ويقول لي 
صمت لحظة ثم سأل بصوت غليظ
ليه مارجعتيش بعد ماحسيتي إنك كويسة
خفضت رأسها وهمست بتقطع
كنت ناويةلكن خوفت خوفت أووي لما تعرف تاخد ولادي وتدخلني مصحة ورؤى زودت خوفيلما قالت لي إنك اتجوزتها ويوسف أكد لي كلامها علشان كدا بعت لك الرسالة بس جالي تاني يوم وقالي إنه كذب عليا في حاجة وإنت كنت معرفه اللي يكذب بيروح النار فرحت أوي وكنت راجعة وناوية أروح جلستي وأقول للدكتور أنا خلاص مش محتاجة علاج كل اللي عايزاه أوصلك وبس وأفرحك بشمس صمتت وارتعشت أنفاسها وهي تواصل
فرحت شويةلكن وأنا راجعة شوفت رانيا مع الراجل اللي قلت لك عليه وعرضت عليا أطلع في برنامج وأقول إنك السبب في اللي حصل لي ولما رفضت هددتني بيوسفوفيك إنت 
وأكدت لي دا لما رحت لعندك الشركة علشان أحذرك من الراجل دا شوفته مرة عندك في الشركة 
بس هما حاولوا يموتوك قدامي رفعت عينيها الباكية تهز رأسها
أيوة هما اللي ضربوك لأنهم قبلها بيوم كانوا عندي وأكيد رانيا راقبتني هي حاولت تاخدني بالغصب بس أهل الحارة طردوهم بس هي حاولت تردي لي القلم ورفضي ليها 
انكسرت دموعها وانفجرت شهقاتها لكنها دفنت وجهها في كفيها
أنا كنت خفيت والله كنت خفيت بس لما شوفتك غرقان في دمك مالقيتش قدامي غير إني أرجع آخذ الدوا تاني 
نظر إليها في ذهول
جبتي الدوا منين! 
من الممرضة اللي كانت عند الدكتور 
صك بأسنانه وصوته ارتجف بالغضب
ليه عملتي كده
كنت بكره نفسيعايزة أختفي رانيا كل همها تدمرك مافكرتش فيا 
ارتعش جسدها فجأة وصوتها انخفض حتى كاد يضيع في هدير البحر
الراجل ده نظراته بتخوف قال لي كلام غريبدين راجح عند ولاده وبدأ بالبنت الطماعةبس ماكنتش أعرف إن عنده بنت حلوة بالشكل ده 
سال الدمع من عينيها كالنهر وأغمضت جفونها بقوة
رحت للدكتور بعدها وقلت لهأنا بكره راجح ورانيا وعايزة أموتهم من حياتي 
حالتي انهارت قدامه وعرف إني أخدت من الدوا تانيآه اخدته ياإلياس أخدتهواتمنيت بعدها أموت وقتها أنبني كتير وقالي كلام جارح وهددني بيك كمان قالي لو فضلتي كدا هقول لإسحاق يعرفك طريقي وتاخد مني شمس 
عدى شهر واحد بس ولقيتك قدامي علشان كدا خوفت منك فكرتك جاي تاخد مني شمس 
هزت رأسها وتابعت حديثها
إلياس شمس اتظلمت جدا دي ماتعرفش حاجة خالص تخيل ماأخدتهاش غير لما كملت تلات سنين كانت هند بتجبها وتقعد جنبي بيها وتقولها شوفتي ماما حلوة إزاي ياشموس بس أنا كنت بتخانق معاها كل كلام الدكتور عنها يخليني مش متحملة أشوفها قدامي 
ارتجف جسدها بقوة وكل ذكريات الماضي الأليم الأسود يخنقها 
بنتي قدامي مش قادرة مش قادرة أشم ريحتها تلات سنين مرار لحد ماربنا بعتلي إسحاق 
رفعت عينيها إليه 
عارف ربنا عاقبني بس والله مكنش قصدي دا كله أنا كنت عايزة أبعد عنك وعن يوسف علشان أنتوا ترتاحوا مكنتش أعرف هيقابلني ناس بالشكل دا 
اهدي خلاص كله عدى وحقك هرجعه 
الراجل دا عايز ينتقم منك معرفش ليه بس اللي فهمته أنه كان على علاقة براجح 
أومأ وحاول تغيير الحديث فوقف يمد يده بعدما شاهد قدوم اليخت 
قومي غيري هدومك هننزل البحر هشوف اليخت وراجع لك تكوني جهزتي نفسك واعملي حسابك ممكن نبات فيه 
أومأت له بعدما وقعت عيناها على اليخت وتحركت للداخل بينما هو اتجه إليه 
بمنزل أرسلان 
وقف أمام المرآة يمشط شعره دلف إليه بلال يطلق صفيرا 
شكل اللعبة نجحت يامعلم 
التفت إليه وضحك 
أيوة كلمته من تلات ساعات وشوية عياط وقالي جاي في الطريق 
دلف للداخل وعينيه على ابتسامة يوسف ثم قال 
ماهو كلم أبويا ياناصح 
توقف عما يفعله والتفت إليه سريعا
عمو قاله إيه ماهو شمس كانت تعبانة فعلا 
حك مؤخرة رأسه وقال 
زي مالدكتور قاله أكلت حاجة هي اللي عملت فيها كدا وطبعا أختك لسانها طويل قالت يوسف شربني عصير 
ألقى مابيده ثم قال
إنت قولت لي عايز تستخدم وظيفة أبوك فكرني بس أبوك كان شغال إيه 
تمرجي يابن إلياس قالها أرسلان واقترب منه وملامحه تمتزج بالغضب 
لاحظ يوسف غضب عمه فقال 
تصدق ضهري كان وجعني علشان كدا كنت بسأل بلال 
اقترب منه أرسلان وعينيه تنذر بالشر
تعال ياحبيبي أعملك مساج ولا أقولك هديلك حقنة تخليك تجري ألف عدة في الدقيقة 
حقنة حقنة إيه دي ياعمو! 
حقنة شرجية ياحبيب عمك يمكن تتلم 
جحظت عيناه يشير لنفسه
أنا حقنة شرجية!! 
لا ياروح أبوك إنت حلوف وعايز تنضرب بالجزمة إنت والحيوان اللي بيخطط معاك دا 
ثار غضبه واقترب منه ارتفع صوت أرسلان يجلجل في أرجاء المكان وعروقه بارزة في صدغيه
ممكن أعرف إيه التخلف اللي عملتوه دا! اتجننتوا! كنتوا هتضيعوا البنت 
يامتخلفين 
ارتبك يوسف يختلس نظرات حائرة نحو بلال
مش فاهم حاجةحضرتك تقصد إيه
انقض أرسلان واشتدت قبضته على ذراع يوسف حتى ابيضت مفاصله
من إمتى وإنت غبي وغير مسؤول كدا يلا
اندفعت غرام على وقع صوته الصارخ
أرسلان اهدىالبنت بقت كويسة 
أشار بيده بعصبية نحو يوسف وبلال
إنتي عارفة عملوا إيه دول كانوا هيموتوا البنت سمموها!! 
هتف بلال وجهه يشتعل دفاعا
لا والله دا بيعمل مغص بسسألنا الصيدلي وقال مفهوش سلبيات 
داس يوسف بقدمه على الأرض بعنف وهتف بصوت يعلو بغضب مكبوت
بتقول إيه يامتخلف 
ثم رفع عينيه نحو أرسلان وأردف بملامح يكسوها ارتباك متعمد
مش فاهم قصدك ياعمو 
تبدل صوت أرسلان إلى حدة باردة
بلالسبني إنت وماما مع ابن عمك شوية 
جلس يوسف أمامه رأسه منكس شعر بالاختناق وكأن هواء التنفس ثقل لوهلة ظل الصمت سيد الموقف حتى انقطع بصوت يوسف المرتجف
أنا زعلان من بابامفكرش غير في نفسه وبس إزاي يعمل كدا وهو عارف قد إيه عانيت بعد ماما! 
رفع نظره واحتبست عيناه بدموع ساخنة
عموأنا نسيت بيكون إزاي أول ماعرفت إنها عايشة كل تفكيري كان إزاي هقبل واحدة تركتني بإرادتها !
بلع ريقه وكلماته تتساقط كسكاكين
متفكرش إني طفل ومش فاهم أنا عارف كان فيه مشكلة كبيرة بينهم وهي
بعدت عنه وألفت موتها عشان ما يوصلش ليهابس مافكرتش فيا! 
كانت بتفكر إزاي توجعهمن غير 
ماتفكر في طفل كان كل
أطرق يوسف برأسه لحظة بضعف ثم تابع وصوته يختنق
متزعلش منيعارف طنط غرام 
ماقصرتش ولا تيتا ولا حتى خالتو اللي كانت واخداني سلم عشان بابا 
انحنى بجسده قليلا وارتفعت أنفاسه تتسارع محاولا أن يفرغ ماظل مخزنا خمسة أعوام من القهر والألم من يسمعه يقسم أنه ليس طفلا لم يبلغ من العمر خمسة عشر عاما 
ورغم كل الوجع مقدرتش أشوفها قدامي آه قابلتها كام يوم بطريقة وحشة بس كنت بدخل عليها بالليل أشوفها نايمة كل مرة كان نفسي أصحيها وأقولها ليه حرمتيني من أقل حقوقي 
ازدادت نبرة صوته انكسارا
شوفتها يوم ماتعبت طالعة من أوضة بابا وبتعيط
أول مرة حسيت إني عايز أصرخ في وشه وأقوله سبهالي لو إنت مش عايزها
تنهد بمرارة وابتسامة باهتة حاولت التسلل وسط الدموع
ميفكرش ابنه اللي بيزرع فيه القوة من سنين قوي لا ياعمو أنا ضعيف بس قدامه بحسسه إني قوي عشان ما يندمش ويحس بالتقصير 
خفض صوته حتى صار همسا جريحا
آههو له الفضل الأكبر في شخصية يوسفبس قبل مايبقى يوسف القوي اللي قدامككان طفل دفع طفولته تمن القوة دي ولما الأم تتخلى بيبقى لسه في حنان 
تجمد أرسلان الغضب والحزن والذهول يتصارعوا في صدره وكلماته الصغيرة تنغرس في قلبه كسهام لا تنتزع 
بل كانت كلمات
 

تم نسخ الرابط