روايه للكاتبه سيلا وليد

لمحة نيوز


اختاري من اللي قدامك
_انا بحب الدهب اكتر
اوما بنفاذ صبر قائلا
_ذوقك ممتاز يا آنسة.
التفتت تبحث عنه بعينيها فوجدته بالخارج يقف ويدخن سيجارة.
تجمدت للحظة الدهشة تعصر صدرها يوسف بيدخن وهي لا تعلم!
استدار هو نحوها التقت عيناه بعينيها خلف الزجاج فقرأ فيهما ما يكفي ليطفئ السيجارة على عجل ويتجه إليها.
همست للرجل بصوت مختنق
_جهزلي دي.
ثم استدارت تبتعد بخطوات متعثرة وجلست على المقعد القريب.
اقترب منها يوسف عينيه تبحثان في وجهها
_اخترتي حاجة
ابتلعت ريقها وشعرت بالمرارة وهي تومئ دون أن ترد.
أخذ الدبلة من يد البائع يقلبها بين أنامله ثم رفع نظره نحوها
_دي اللي عجبتك من دول
قالت بفتور وهي مازالت تنظر بعيدا
_أي حاجة مش فارقة.
ظل يتأملها ثم مد يده يشير إلى خاتم آخر مرفق مع إحدى الدبل وقال بحسم رجولي معتاد
_هناخد دا بلاش دي مش عجباني.
واكتب عليها الأسماء بتاعتنا
ضي ويوسف.
هز الرجل رأسه بإعجاب وقال
_اختيار موفق يا دكتور حاجة شيك جدا.. 
_هاتلي دبلة كمان..
ابتسم بخفة وقال ممازحا
_بس خليها حاجة تقيلة يا عم جورج عايزها أحسن من بتاعة بابا كمان.
ضحك الرجل وهو يرد
_عيوني لدكتورنا الغالي.
جلس بجوارها بعدما انتهى الحديث تطلع إليها وهي تتظاهر بالانشغال في الهاتف فابتسم بمكر خافت
_رايحة تختاري دبلة دهب يا ضي للدرجة دي الموضوع مش فارقلك
رفعت رأسها نحوه بعناد طفولي وقالت
_زي ما هو مش فارقلك. وماله الدهب أي حاجة تثبت إني مخطوبة وخلاص حتى لو فضة الحاجات دي متهمنيش فيه حاجات أهم يا دكتور.
وقبل أن يعلق تابعت بحدة مفاجئة
_روح كمل سجايرك اللي مخبيها علينا برة.
بتشرب سجاير يا يوسف لدرجة دي أنا مغشوشة فيك!
ضحك ساخرا وهز رأسه
_مالك يا بت
ثم اقترب منها بخفة وقال بصوت انخفض
_يبقى سوحي يا ضلمة علشان أخليها كحل عليكي.
فابتعدت قليلا وقد اختلط الغضب بالارتباك في ملامحها.
وقعت عيناه على حجابها وقد انزاح قليلا يتمتم بجدية مخلوطة بالجدية
في تلك اللحظة وصل صاحب المحل يمد يده بالعلبة قائلا بابتسامة عريضة
_اتفضل يا دكتور ألف مبروك مقدما.
باليوم التالي
استيقظت على رنين هاتفها الذي مزق سكون الغرفة مدت يدها تتلمس الهاتف بعينين نصف مغلقتين وردت بصوتها المبحوح بالنوم
_ أيوه
على الطرف الآخر كان يقف أمام المرآة يهم بإغلاق أزرار قميصه رفع ساعته ليضعها في معصمه فهز رأسه سريعا يطرد ما خطر له وقال بنبرة متعمدة الهدوء
_ نايمة وأنا اللي مفكرك مانمتيش علشان توصليني المطار.
اعتدلت في جلستها وقد اخترق صوته أذنها لتخفق نبضاتها بلا إذن لكنها تداركت نفسها وردت بمراوغة نصف ناعسة
_ وأوصلك ليه كل مرة بلال أو السواق بيودوك إشمعنا المرة دي أنا اللي هوصلك
تصلب فكه وغضب خفيف سرى في صوته وهو يقول دون وعي
_ علشان دلوقتي انتي مراتي.
تسللت إلى شفتيها ابتسامة ماكرة وردت بخفة أنثى تعرف تماما كيف تمسك الخيط بين الدلال والاستفزاز
_ مراتك لما أكون في بيتك يا حبيبي دلوقتي أنا في بيت بابا ويلا سلام عايزة أكمل نومي قلقت منامي.
قالتهاوأغلقت الخط بسرعة قبل أن تلين اليه بقلبها الضعيف
سقط الهاتف من يدها على الوسادة وتنهدت عاشقة وهي تتذكر كلماته
_ لو كنت فكرت بالجواز انتي أول واحدة.
مدت يدها نحو الدبلة نظرت إليها 
نظر للهاتف للحظات وشعر بالغضب تنهد واكمل مايفعله 
_تمام ياست ضلمة
مضى أسبوع
هدوء يخيم على الجميع بآل الشافعي ولكن الوضع مختلف عند اسحاق فكانت الخلافات المتكررة بين حمزة ووالده بسبب إصراره العنيد على شمس.
في غرفة حمزة كان يغط في نوم عميق يغرق في أحلام لا يملك منها فرارا.
رأى نفسه برفقة والده يتجهان نحو منزل إلياس الشوق يسبق خطواته والحنين يعصف بقلبه بعد أيام من مراقبتها عن بعد كأن رؤيتها صارت له هواء لا يستغنى عنه.
دلف إلى مكتب إلياس بعد أن أبلغ الأخير بقدومهما. دقائق معدودة مضت في أحاديث عابرة إلى ان اردف والده بصوته الحازم
_ إلياس مش هلف وادور حمزة معجب بشمس وعايز يتقدملها لكن أنا مش موافق.
التفت إلياس نحوه وصمته أثقل من الكلمات تأمله للحظة ثم قال بهدوء قاطع
_ ولا أنا.
ثم وجه نظره نحو حمزة وأضاف بنبرة حاسمة
_ أي بنت ممكن تستاهلك بس مش شمس.
كأن السهم اخترق صدره شهق يستيقظ من نومه فزعا كمن خرج من معركة خاسرة أنفاسه متلاحقة وعيناه تجولان في الغرفة
مسح عرقه براحة كفه تراجع قليلا على الفراش يحاول استعادة أنفاسه ثم نهض ببطء كأن الأرض تثقل خطواته.
بعد قليل
هبط إلى المائدة ألقى تحية الصباح
_ صباح الخير على الجميع.
رفع عمران رأسه مبتسما
_ أهلا يا حموزي أخيرا شفناك يا راجل!
جلس
في مكانه نظر إلى والده الذي كان يتناول إفطاره بصمت وعيناه على الجريدة ثم التفت إلى والدته بنبرة مترددة
_ ماما عملتوا إيه في موضوعي
طوى إسحاق الجريدة ببطء ونهض من مقعده قائلا بصوت لا يخلو من التحذير
_ أبوها مسافر ولما يرجع هنشوف الموضوع ده بس قبل أي خطوة يا حمزة انسى الوظيفة دي.
ثم أردف وهو ينظر إليه نظرة طويلة
_ وأكيد عمك ومامتك فهموك السبب.
ظل حمزة يحدق في الفراغ يتذكر الكلمات التي سبب الرفض ترن في أذنه كأنها صفعة 
_ولو يابابا سيب كل حاجة زي ماهي
انحنى اسحاق مستندا على الطاولة
_هتتخلى عن حلمك 
_بحبها.. هكذا نطقها بصوت مبحوح خافت
صمت اسحاق يزفر بحزن على حالة نجله ثم تراجع للخلف وغادر المنزل دون رد
بعد ساعات طويلة
وقف أمام المقهى الذي اعتادت أن تأتي إليه برفقة صديقاتها. ظل يراقبها من بعيد يتتبع ضحكاتها نظراتها وبراءتها التي تسلب اللب دون استئذان.
أسند ظهره إلى سيارته للحظات ثم قرر الدخول. دلف إلى الداخل بخطوات واثقة وتوجه إلى طاولتها جلس على مقعد مقابل لها متعمدا تجاهل وجودها وكأنه لم يرها.
كانت تتحدث بعفوية مع إحدى صديقاتها تلوح بيديها وتضحك وعيناها تجولان في المكان حتى اصطدمتا به.
ضيقت عينيها هامسة لنفسها
_أيوه هو متأكدة.
التفتت صديقتها تتبع نظراتها ثم شهقت مازحة
_أوووه! يخربيتك يا شمس
رمقتها شمس بنظرة سريعة وهزت رأسها نافية
_لأ أنا أعرفه أو يمكن شبهه بس حاسة إنه هو.
_تعرفيه طيب مين القمر ده
قالتها صديقتها الأخرى وهي تبتسم بمكر واضح.
زفرت شمس قائلة
_ده ابن صاحب بابا.
قهقهت إحداهن
آه يعني من العيلة الكبيرة اللي عندهم شركات وكده!
لكن الأخرى قاطعتها بحماس
_بس بقى الواد قمر أوي وشكله جامد فعلا
حدجتهن بنظرة حادة وهي تلتقط حقيبتها
_خلاص أنا غلطانة يمكن مش هو أصلا. يلا نمشي اتأخرنا ومامي ممكن تقلق.
تأففت إحداهن
كالعادة الأستاذة شمس لازم تنكد علينا وجو مامي وبابي!
التفتت شمس إليهن بجدية هادئة
أنا قلتها قبل كده مبحبش أروح مكان من غير ما ماما تبقى عارفة. ممكن تشوفوها طفولة بس أنا بشوفها احترام لقلقهم عليا. مادام خلصنا اللي جينا عشانه يبقى نمشي.
كان يستمع إلى حديثها وكل كلمة منها كانت تتسلل إلى قلبه برقة موجعة تحرك فيه نبضه بعنف
رفع عينيه مصادفا التفاتها نحو الباب فتقابلت النظرات
نهض من مكانه بخطوات وئيدة واقترب منهن وصوته يخرج كهمسة مبحوحة
_شمس...
توقفت صديقاتها في ذهول تتبادل نظرات الدهشة وهي تتابع اقترابه الواثق نحوهن.
ابتسمت بخفوت مرتبك قائلة
_أهلا أستاذ حمزة كنت بشبه عليك بس الصراحة مكنتش متأكدة.
ارتسم الألم في عينيه دون أن ينطق فحديثها البريء كان كطعنة مغلفة بالود.
_كيف تنكرينني يا طفلتي.. والقلب يتمزق من اجلك فقط فانتي من كانت نوره واحتراقه في آن
ورغم وجعه رسم على شفتيه ابتسامة هادئة ومد يده نحوها قائلا بنبرة خفيفة
_بلاش أستاذ دي حمزة أو يا ستي كابتن حمزة زي ضي
نظرت إلى كفه الممدود بتردد ثم صافحته..
ناداها قبل أن تبتعد بنبرة تحمل دفئا
_لو عايزة أوصلك.
توقفت لثانية ثم التفتت بنصف جسدها وعيناها تتجنب عينيه
السواق بره شكرا لحضرتك.
قالتها ومضت سريعا وغادرت بخطوات سريعة بينما تركت خلفها رجلا واقفا بين الناس بجسد ثابتوقلبا ينتفض بروح تنزف بصمت موجع
بمنزل يزن
جلست أمام والدها تتقلب نظراتها بين وجهه الجاد وفنجان القهوة أمامه تحاول أن تخفي ارتباكها خلف صمته المتوتر.. رفع رأسه وقال بصوت حاسم لا يحتمل نقاشا
السواق هيوصلك ويجيبك ومفيش خروج لأي مكان بعد كليتك. سنة وتخلص مش عايز أزعلك يارولا
رفعت عينيها إليه بانفعال مكبوت
_يعني إيه السواق يوصلني يا بابا هو أنا لسه صغيرة أنا في بكالوريوس على فكرة مش في إعدادي!
لم يتحرك في ملامحه سوى صرامة جليدية أزاح نظره عنها قائلا بحدة قاطعة
مش هكرر كلامي ويلا بدون نقاش... السواق هيوصلك.
بس اسمعني يا بابا...
قطع صوتها بإشارة غاضبة من كفه وصاح وهو يلتفت نحو الباب
أسر! وصل أختك للعربية وخلي أحمد معاها لحد ما تخلص... فهمت
قالها ونهض من مكانه يخفي خلف صلابته خوفا لم يعرف كيف يعبر عنه
بينما جلست هي مكانها تحدق في الأرض تحاول أن تبتلع غصتها رفعت نظرها الى اخيها
_شوفت ماما عملت ايه يعني بعد اسبوع خصام ومنعي من الكلية
_رولا ماتتماديش ماما متعرفش حاجة وسألت مليون مرة ايه اللي حصل يعني لو هي مكنتش سالت حتى ولو هي دي ماما ازاي تقولي عليها
_ماما مابتحبنيش يااسر.. 
قالتها ونزعت حقيبتها وتحركت للخارج وقعت عيناها على خروج بلال متجها الى سيارته 
_بلال.. 
التفت اليها فاقتربت منه 
_

توصلني معاك الكلية
التفت الى اسر وتسائل 
_وعربيتك 
اقتربت منه مردفة 
_السواق اخدها بابا عايزه يوصلني 
صمت باقتراب اسر 
_رولا ياله عندي مقابلة شغل
التفتت اليه وقالت 
_هروح الجامعة مع بلال وارجع معاه
تفاجأ بلال بحديثها ورغم ذلك اومأ لاسر
_خلاص هاخدها معايا ربنا يوفقك في مقابلة الشغل متقلقش عليها 
اتجه بنظره الى اخته التي ترجته بعيناها ثم اومأ فتحت باب سيارة بلال تتنهد بهدوء
_اخيرا.. مكنش ناقصني الا السواق كمان
استقل بلال السيارة بجوارها ثم التفت اليها 
_ايه موضوع السواق دا ليه عمو يزن قرر فجأة
_اتأخرت على المحاضرة سوق واحكي لك في الطريق
صمت للحظة ثم قال 
_بس كدا عمو يزن ممكن يزعل لازم اعرف الاول
_بلال.. هتمشي ولا انزل اخد تاكسي 
تحرك بالسيارة دون حديث
مر أسبوع آخر إلى أن عاد إلياس ويوسف من الخارج ترافقهما فريدة ومصطفى... الذي باغت الجميع بخبر مرضه سرطان بالكبد.
خرجت ضي من عملها تتثاقل خطاها من الإرهاق ليقطع رنين الهاتف صمتها
_أيوه يا ماما
جاءها صوت والدتها مفعما بالحنين
_حبيبتي ما تتأخريش النهارده خطيبك رجع وعمو كمان.
توقفت مكانها وتعثرت أنفاسها قالت بعد لحظة صمت دامية
_رجع...
سحبت نفسا مرتجفا وأغلقته بزفرة ثقيلة قبل أن تقاطعها غرام بصوت متوتر
_ضي... أبوكي بيقول إن يوسف استلم الجنسية.
ارتجف جسدها كأن صاعقة مرت بعروقها تزلزلت دمعة على وجنتها وهي تهمس بصوت مخنوق
_هو... في البيت
_في بيت جده كلهم رجعوا.
لم تجب فقط أغلقت الهاتف ببطء حدقت في الفراغ لبرهة طويلة ..تشعر وكأنه عاد شخص جديد اسبوعان لم يهاتفها متعللا برسائله بانشغاله
بعد دقائق وصلت الى فيلا السيوفي قابلتها ملك على الباب الرئيسي
_اهلا ضي الف مبروك ياروحي 
_الله يبارك فيكي ياطنط ملك هو يوسف فين 
تلفتت ملك واشارت إلى الحديقة الخلفية 
_على مااظن كان هنا وتليفونه رن ممكن يكون عند البسين شوفيه كدا 
متشكرة لحضرتك
قالتها وانسحبت سريعا بدقات عنيفة إليه وجدته يتحدث بهاتفه.. 
_حاضر يومين ارتب اموري إن شاءلله الاسبوع الجاي هانت خلاص 
صمت يتابع حديث الاخر 
_شكرا لحضرتك على كل حاجة لولا حضرتك معرفش كنت عملت ايه وخصوصا شروطهم في القبول 
انتهت المكالمة اغلق الهاتف ووضعه بجيبه ونظر للامام بشرود يفكر بخطواته القادمة وكيف سيتقبلها الجميع خاصة والدته.. 
ظلت واقفة خلفه بهدوء تحاول ان تنظم أنفاسها المرتجفة داخل صدرها تتذكر كلمات ميرال عمك حاطط فيكي أمل انك تمنعيه من الهجرة انا مش عارفة اقولك اعملي ايه بس عندي يقين انه بيحبك ومش عايز يعترف او ممكن يحبك معرفش يابنتي المهم انا بتكلم معاكي كأم حاولي تضغطي عليه انتي ذكية وهتعرفي تفكري اكتر مني انا كل اللي يهمني مايبعدش حتى لو عايز يروح أي مكان في مصر أنا موافقة المهم مايبعدش عن مصر خايفة لو اخد الجنسية يمسحنا كلنا..خرجت من واقع كلمات ميرال ثم همست بصوت خافت متشبع بالشوق
_وحشتني أوي...
استدار إليها ببطء يتأمل ملامحها التي أرهقته شوقا طوال الايام الماضية.
_وانتي كمان وحشتيني.
رفعت عينيها نحوه بعتاب يقطر دفئا
نفسي أعرف دماغك دي فيها إيه
ابتسم وهو يرد بهدوء فيه غموض
_من الأحسن تعرفي قلبي فيه إيه... مش دماغي.
_تؤه... قلبك أنا عارفاه بس عقلك ده اللي محدش عارف له طريق.
ابتسم رغما عنه 
طيب احكيلي بقى... قلبي فيه إيه يا ذكية
_أنا طبعا.
ضحك بصوت خرج منه رغما عنه ضحكة صافية بعثرت المسافة بينهما.
رفعت حاجبها باستفزاز محبب
_متحاولش تشككني في نفسي... أنا متأكدة إني مؤثرة جدا.
_يا ولاااا... على المؤثرة! 
ارتجف قلبها ورغم ذلك رفعت عينيها
قهقه بخفة رغم انزعاجه من طريقتها لكنها استطاعت أن تنزع ارهاقه
_بتعملي كدا علشان أحبك يعني
_وعلى أساس إنك مش بتحبني مش قولت لو فكرت في الجواز هيكون انا يبقى حبي مدفون من زمان
_يمكن.
هو فيه راجل محترم يتجوز واحدة مبيحبهاش
_بس دا مش جواز وانتي عارفة 
رغم قهرها الا انها قالت 
_وليكن هنقول كتب كتاب... هو فيه راجل يرضى يلبس دبلة مكتوب عليها اسم واحدة مش حبيبته لبست دبلتي باسمي ليه
نظر إلى دبلته ثم إليها.
_ومين قالك إن اسمك اللي عليها
اقتربت منه بخطوة واثقة
_متأكدة... نسيت كنا مع بعض واحنا بنشتريها ودا يأكدلي مش بس الدبلة
نظر إليها بعينين يغمرهما الوله والاشتياق اليها فقال بارتجاف 
_حلوة الثقة... وبحبها جدا.
ابتسمت وهمست
وأنا بحبك أكتر من ثقتي بنفسي...
شفت بقى مكانتك فين
كانت نظرة وحدها كفيلة بقتله من أنثى هدرت كرامتها انحنت تلتقط حقيبتها وتراجعت بخطوات مضطربة نحو سيارتها والدموع تنهمر على وجنتيها كصراخ مكتوم يمزق صدرها.
راقبها بعينين متألمتين ويعتذر عنها وعن نفسه لكن كيف
كيف وهو يعلم أنها حطمت بخطوتها تلك كل ما خطط له وكل ما حاول بناءه
الآن لا يقوى على البعد أسبوعان فقط وشعر أنه تحطم في غيابها.
دار بعينيه حوله كمن يبحث عن هواء يتنفسه ولم يجد سوى صدى قلب ينهار بداخله... 
همس لنفسه وهو يتنهد بحرقة سوداء
_وبعدين يا يوسف.. أبوك فعلا نجح ضغط عليك من الحتة الضعيفة فيك.
حبتها ولا هي اللي أشعلت فيك نيران كنت فاكرها مش موجودة
مرر كفه على وجهه المرهق مع اقتراب إسلام منه التفت ببطء.
_بتعمل إيه يا جو لوحدك وفين ضي كنت شايفها جاية لك.
_مشيت... بابا فوق ولا مشي
_لا فوق.
_تمام... أنا هرجع البيت.
_عرفه اني رجعت عندي شوية حاجات عايز اعملها يلا سلام.
أومأ له إسلام وهو يتابعه بعين قلقة بينما ظل يوسف يسير بخطوات أثقل من قلبه نفسه.
وصل بعد قليل.. اتجه الى منزل عمه يسأل عنها ولكنها امتنعت بحجة نومها ثلاث أيام يحاول الوصول إليها ولكنها رافضة رفضا قاطع وحديثها مع والدها بعدم اكمال الخطبة 
ذهب الياس اليها بعد شكوى ارسلان من منعها الذهاب لعملها والحديث مع احدا رغم محاولات بلال إلا انها ظلت كما هي.. في خلوتها الوحيدة ورفضها القاطع لمقابلته لابد أن تستعيد كرامتها التي اهدرها دون رحمة
جلس إلياس معها بعض الوقت وكل حديثها 
_ماليش نفس اتكلم مع حد وعايزة افكر كويس لو سمحت ياعمو مش عايزة ضغط من اي حد فيكم وارجوك متزعلش مني بحاول اضغط على نفسي بس تعبت 
طالعها بأنين يصرخ بداخله اتجه بنظره الى ارسلان وربت على كتفيها
_ولا يهمك حبيبة عمو كله قسمة ونصيب 
قاطعهم رنين هاتف إلياس..نهض معتذرا وهو ينظر إلى أرسلان 
_ بعد إذنكم..قالها وغادر يرد على هاتفه..
_أيوة ياماما.
_إلياس..إنت فين
توقف بعدما استمع إلى صوت بكائها 
_في البيت فيه إيه
_تعال أبوك عايز يشوفك ضروري. 
_بابا..همس بها بخفوت وتحرك وهو يتحدث بهاتفه
_مسافة السكة حبيبتي.
بعد فترة قليلة...
وصل إلى فيلا السيوفي وصوت
محرك سيارته يخترق المكان..لمح الطبيب يخرج من الداخل فتوقف بعنف حتى صرخت الإطارات على الأرض وترجل كطفل يركض نحو أمل يوشك أن يسلب منه.
اقترب منه بأنفاس متلاحقة وأردف بصوت متوتر
_إيه يادكتور...طمني
توقف الطبيب أمامه ونظراته انخفضت بثقل قبل أن يهز رأسه بأسى
_الوضع زي ماهو للأسف..المرض تمكن منه بنسبة كبيرة اللي بنعمله دلوقتي مجرد مهدئات مش أكتر.
ارتجف لسان إلياس وارتعشت أنامله وهو يتمسك بذراعه كمن يخشى أن ينهار..وقال بصوت خرج مبحوحا يخنقه الذهول
_حتى لو تدخل جراحي
أجابه بصوت خافت كسكين يقطع ماتبقى من أمل
_للأسف ياإلياس..مبقاش ينفع.. بس هنحاول كان الافضل يفضل في ألمانيا
_هو اللي طلب يرجع هنا.. 
_ربنا يقدم اللي فيه الخير هنشوف العملية.. 
ظل صامتا يختنق بصمته كأن الحديث أشواكا تجرحه رحل الطبيب بينما هو لم يتحرك..دار حول نفسه
وعينيه تجولان في المكان كمن يبحث عن دفء ضاع.
هنا كان أمانه هنا ضحكته الأولى وصرخته الأولى هنا من رباه وجعل منه رجلا تهابه الرجال.
ارتعشت أنفاسه لدقائق ثم رفع هاتفه بصعوبة كأن الجهاز صار أثقل مما استمع إليه وضغط على الرقم
_تعال على بيت جدك حالا.
_حاضر..
قالها يوسف بصوت خافت وأغلق الخط بينما توقف إلياس ودموعه قد خذلته أخيرا لتتساقط بصمت على وجنتيه قبل أن يمسحها بيده كمن يخجل من ضعفه..ظل واقفا لا يسمع سوى أنين قلبه الذي كان يوما صلبا كالصخر وها هو الآن ينهار بصمت كجدار شاخت عليه الذكريات.
عند يوسف تحرك الى سيارته قاطعه رنين هاتفه برقم بلال أجاب بنبرة جافة
_أيوه يابلال.
_إنت فين يايوسف
سحب يوسف نفسا وأدار السيارة
_رايح لجدو..في إيه
_لازم نتكلم بعد ماتخلص كلمني.
_بخصوص إيه لو الموضوع مش مهم أجله ماليش مزاج أتكلم مع حد.
_ضي مالها يايوسف
توقف يوسف بسيارته فجأة وأجابه بصوت مختنق ماذا يجيبههل يعترف بأنه حطم غرورها دام صمتا ثقيلا الى أن قال
_ هشوف جدو واعدي عليها بقالي كام يوم مشفتهاش قولها تجهزلي عشا لما ارجع.. حاول ان تكون نبرته متوازنة ولكن شعر بلال بثقل انفاسه علم انه ليس بخيرا
بغرفتها دلف اليها ارسلان ينظر الى عيناها التي ذبلت اقترب مقهورا منها
_حبيبتي قومي جهزي نفسك..هنروح فيلا السيوفي
رفعت رأسها بذهول
_فيلا السيوفي!
جاء صوت غرام من خلفها حائرا
_فيه إيه
أجاب أرسلان وهو يحاول تمالك نفسه
_عمو مصطفى تعبان جدا وإلياس
وكلهم نقلوا هناك..وأنا مش هسيب ماما في الظروف دي.
اتجه بخطوات نحو الباب ثم أضاف بنبرة هادئة
_جهزوا نفسكم هنقعد هناك كام يوم لحد ماحالته تتحسن.
عند إلياس 
وصل إلياس إلى غرفة مصطفى سحب نفسا طويلا وطرده ببطء كمن يلفظ وجعه قبل الدخول. طرق الباب طرقات خافتة ثم دلف إلى الداخل.
كانت فريدة جالسة بجانب السرير كأنها تحمي آخر ما تبقى من دفء عمرها معه. التفتت نحوه حين فتح الباب واهتزت دموعها في عينيها حين رأته يخطو بخطوات ثقيلة عيناه لا تفارقان ملامح والده الشاحبة.
اقترب منه انحنى برفق
_بابا...
همس بها كمن يستدعيه من غيبوبة ففتح مصطفى عينيه الذابلتين بصعوبة.
_الي... اس...
نطقها متقطعا
_ألف سلامة عليك يا بابا... كده هونت عليك متعرفنيش مرضك بنفسك.
حرك مصطفى رأسه بصعوبة نحو فريدة.
_فريدة... فين إسلام
_لسه ماشي من خمس دقايق ابنه تعبان هيكشف عليه ويرجع لك على طول
أزاح مصطفى جهاز التنفس محاولا الحديث لكن إلياس أسرع يمسك بيده
_بابا... ما تتكلمش دلوقتي.
أشار له مصطفى أن يجلس قربه فجلس إلياس صامتا يحدق بوجهه المتعب وقلبه يئن من الوجع. أمسك كفيه من جديد رسم على شفتيه ابتسامة شاحبة وقال بصوت مختنق
_عايز تعرف إنك غالي ولا إيه يا مصطفى باشا
ابتسم مصطفى ابتسامة واهنة تلمع دمعة على طرف عينه تهتز بين السقوط والبقاء.
_عارف يا ابن مصطفى... إني غالي.
قالها بصوت متقطع كأن كل حرف يخرج من أعماق عمر أنهكه الوجع.
اقترب منه إلياس أكثر انحنى حتى لامس جبينه كتف والده ونزع عنه ما تبقى من قناع القوة الذي اعتاد ارتداءه أمام الجميع إلا أمام هذا الرجل.
همس بصوت مبحوح يشبه نحيبا مكتوما
_والله... أغلى من روحي يا بابا.
ظل صوته عالقا بين أنفاس مصطفى كأن الهمس وعد أبدي
رفع مصطفى كفيه المرتجفتين وضعهما على وجه إلياس الذي تهاوت كل صلابته وهو يسند رأسه على كتف والده.
_عمري في يوم ما شكيت إنك ابني... حتى بعد ما غيرت اسمك وبعد هروب ميرال بسببي...
توقف للحظة كأن الذكرى تختنق في صدره ثم تابع بصوت مبحوح
_آه يا إلياس... كنت بشوف الحزن في عينيك بس عمرك ما آذيت أبوك بنظرة... ولا كسرتني بكلمة.
شد إلياس على كفيه المرتجفتين وارتجف صوته وهو يهمس برجاء مختنق
_لو سمحت... علشان خاطري متتكلمش دلوقتي يا بابا.
لكن الألم تسلل جسد مصطفى بلا رحمة.
ابتعدت فريدة إلى النافذة تمنع شهقاتها ..
هل سيبكيها القدر مرة أخرى
سؤال واحد تردد في ذهنها وهي تراه كمن يحميه من الموت نفسه.
احتوى إلياس جسده المنهك وأعاد جهاز التنفس إلى مكانه بحذر وهو يهمس له بحنان مبحوح
_خلاص يا بابا... خد نفسك أنا هنا ماتخافش.
ضغط مصطفى على كفه حاول أن يبتسم رغم أنفاسه المتقطعة
_أنا كويس...
قالها بصوت مرتفع الأنفاس كأنه يقنع نفسه قبل أن يطمئن ابنه.
يحيطه بذراعه ك طفلا بين يديه يهمس مبتسما رغم الدموع التي تتلألأ على وجنتيه
_عارف إنك كويس... وإن شاء الله هتبقى كويس...
أومال مين هيجوز يوسف وشمس
ارتسمت على ملامح مصطفى ابتسامة باهتة قبل أن يغفو بسلام تحت تأثير المهدئات.
ظل إلياس كأن ذراعيه صارتا وطنا يمنع الفقد من الاقتراب حتى وهو يعلم أن فقدانه اصبح قريبا
دقائق ودلف يوسف نظر لجلوس والده بتلك الطريقة ويضع رأسه فوق رأس مصطفى يسبح ببحور من الدموع بلا توقف 
دنا منه يوسف وشعر بأن قلبه يحترق لأول مرة يرى والده بتلك الطريقة 
_بابا... همس بها يوسف 
ازال دموعه ووضع والده بهدوء مكسور على الفراش تمنى لو اخفاه داخل صدره تمنى لو ازال الامه.. تمنى وتمنى ولكن قدر الله
خليك جنب جدك.. 
قالها واتجه إلى الشرفة التي تجلس بها فريدة.. جلست على المقعد تنظر بشرود كأنها تودع الحياة للمرة التي لا تعلم عدد
جلس بجوارها بصمت هنا انفجر صوتها بالبكاء بكت وبكت حتى شعرت بانقطاع احبالها الصوتية.. كيف يواسيها وهو يريد من يواسيه دقائق صمت قاتلة كأن الحروف اصبحت اشواكا تجرحه 
_ماما... تمتم بها بلسان ثقيل 
_ابوك هيموت ياالياس صح الدكتور قالك كدا 
قاطعهم دخول غادة 
_ماله بابا بابا ماله انتوا مش كنتوا بتحجوا بابا حبيبي انا جيت 
قالتها غادة وهي تجثو أمام فراشها 
واردف 
_عمتو جدو كويس هو نايم بس لو سمحت بلاش تزعجيه 
دلف الياس بعدما استمع صوتها رفعت عيناها اليه 
_بابا ماله ياالياس ومن امتى تعبان 
انحنى يرفعها من الأرض 
_غادة بابا كويس انتي مش صغيرة علشان كدا 
فين ماما ياالياس
تسائلت بها غادة..اشار الى الشرفة..ثم تقدم من يوسف الذي توقف يتابع مؤشرات مصطفى رفع نظره الى والده
_المستشفى افضل من البيت يابابا
قال
_هو رافض المستشفى المهم كلم الدكتور بتاعك يستعجل الدكتور الخاص بالعمليات دي 
_حاضر..هكلمه حالا توقف عندما تذكر شيئا فقال 
_حاضر 
بعد ساعات 
خرج من غرفة مصطفى بخطوات مرهقة فقابله أرسلان على الدرج.
_باباك فين
هز كتفه بجهل
_معرفش.. كان مع تيتا فوق يمكن نزل معاها أنا خلاص مش شايف قدامي من التعب. خليك عند جدو لما بابا يرجع 
_ماشي يا حبيبي اطلع ارتاح.
_أنا هنام حتى لو على السلم بجد مش قادر.
اتجه الى غرفة والدته يطرق باباها حتى يجلب ثيابه دلف بعدما لم يستمع ردا
اتجه إلى الخزانة ولكنه توقف بعدما استمع الى خطوات.. ظن والدته فقال دون أن يلتفت 
_ماما أنا هنا جيت اخد ترنج دولابي فاضي ليه.. استدار بعدما لم يستمع ردا
كانت قد خرجت من الحمام
_يوسف!.. إنت بتعمل ايه هنا
لم يجب.
تقول 
_طنط ميرال مش هنا 
_تعرفي المفروض اعمل فيكي ايه مبترديش على اتصالاتي ليه
رفعت عيناها التي امتزجت بخليط من الألم والحزن
_انا طلبت من عمو ننفصل انت غالي عندي ومش حابة انك تضغط على نفسك وصدقني مش زعلانة منك حق كل واحد مننا الاختيار
رغم احتراق الحروف على شفتيه الا ان عيناه كانت تنفجر بما لم تنطقه لم يفكر كثيرا 
_اضغط على نفسي زي مابضغط على نفسي بقالي يومين علشان مكسرش دماغك..
لا إله إلا انت سبحانك إني كنت من الظالمين 
لم أعرف أن الحنين قد يغرق المرء في سكون عميق كهذا
ولا أن قلبي الذي عاش غريبا عن العاطفة سيجد نفسه يوما أسيرا لوجه واحد.
كل ما كنت أظنه صدفة صار قدرا يلاحق أنفاسي.
كنت أعيش ساكنا لا أعرف للقلوب طريقا
حتى جئت فأفسدت صمتي وعلمتني كيف يحب الإنسان حتى الوجع.
منذ أن مررت في حياتي تغير كل شيء
كأنني كنت أعيش على هامش الوجود
ثم جئت أنت لتذكريني بأن للروح وطنا
وبأن النور قد يأتي أحيانا متأخرا...
لكنه حين يأتي يبكينا من شدة الجمال.
تجمعت دموعها في عينيها وهمست بانكسار متقطع
_اعمل اللي إنت عايزهأنا مبقاش فارق معايا حاجة.
_يعني إيه مش فاهم كلامك
لم يكد ينهي جملته حتى انفتح الباب بعنف ليظهر إلياس واقفا أمامهما ملامحه مزيجا من ذهول وشرر متطاير من عينيه..استدار يوسف سريعا تجمد جسده للحظة وهو يرى والده يقتحم المكان بتلك الهيئة ألتفت سريعا نحو ضي التي شهقت ونزلت دموعها على وجنتيها من رؤية عمها ويوسف الذي كاد يجن من رؤية والده لهيأتها تلك.
تراجع بجسده خطوة أمامها يحاول حمايتها من نظرات والده ثم واجه والده بنبرة حاول جاهدا أن يخفي ارتجافها
_إيه يا بابا اللي حضرتك عملته دا إزاي تدخل علينا كده مش المفروض تخبط الأول!
لم يكترث لحديثه بداية الأمر بل ظلت عيناه معلقتين على ضي نظراته تشتعل غضبا كلما لاح له ارتباكها واحمرار وجهها وهناك هواجس تضرب عقله هدأ قليلا وفاق على حركات يوسف الجنونية وهو يقف أمامها كدرع بشري يحاول أن يحجبها عن أعين أبيه.
لاح الخبث بعقل الياس بعدما واجه غيرة ابنه الجنونية فاقترب منهما خطوة لكن يوسف تراجع فورا يرفع يده بتحذير غاضب
_بابا..لو سمحت.
زم إلياس شفتيه وانحنى قليلا برأسه وهو يزفر أكثر عندا ثم قال بصوت أجش يقطر سخرية
_ده إنت بجح يا وادعايزني أخبط على أوضتي وأنا داخلها!
في تلك اللحظة دخلت ميرال بخطوات متوترة محاولة أن تسيطر على غضب إلياس تنقلت عيناها بينهما بخوف واضح..
ابتلع يوسف لعابه بصعوبة محاولا السيطرة على صوته المرتعش
_بابا..مش قصدي والله بس ممكن تخرج دلوقتي نتكلم بعدين برة
رفع إلياس حاجبه بسخرية باردة ثم نظر إلى ضي التي مازالت تختبئ خلف يوسف وهمس بنبرة حادة عنيدة
_ضي
صمت لحظة ثم أردف بصوت قاطع
_اطلعي من ورا الحلوف دا وقوليلي كنتوا بتعملوا إيه في أوضتي.
شهقت وارتعدت أوصالها مما ازداد غضب يوسف الذي كور قبضته سحبته ميرال للخارج
_إلياس..تعال نشوف بابا مصطفى ياله حبيبي.. 
لكنه لم يتحرك إنشا واحدا وظل واقفا بمقابلة ابنه 
_هطلع لو خرجت ومكنتش ورايا هدخل وأطلعها برة كدا ويبقى وريني هتعمل إيه ثم رفع نظره إليها
_بتتخبي من عمك وراه يا بنت أرسلان. 
سحبته ميرال تكتم ضحكاتها..تدفعه بخفة للخارج.. 
خرج يمسح على خصلاته وابتسامة أنارت وجهه بعد حزنه على مصطفى.. _بتضحكي على إيه إنتي كمان 
لكزته تضحك 
_ بس بقى كسفت العيال إنت فظيع والله.. 
رفع حاجبه ساخرا
_الواد بيقولي مابتخبطش ليه شوفتي بجاحة الحلوف.
_جايبه من بعيد نسيت نفسك ولا إيه
_ياريت يا ميرال هانم تعرفيه أنا متأكد إنه كان عارف إننا جوا بس لو معملش شو مايبقاش إلياس باشا.
. قالها يوسف الذي خرج على كلمات والدته ينظر وقال
_مش هتكلم..قالها وغادر من أمامهما بينما ظل إلياس يتابع تحركه الغاضب استدار إلى ميرال 
_ادخلي شوفي ضي زمانها منهارة عرفيها كنت بعانده مش أكتر أنا واثق فيها.
أومأت وتحركت للداخل بينما ظل مكانه للحظات ثم اتجه إلى غرفة مصطفى.
بغرفة يوسف
دلف إلى الداخل كوحش جريح يتخبط في قفص ضاق على أنفاسه..يثور كمن فقد عقله يركل مايعترض طريقه كأن في داخله إعصارا يبحث عن مخرج.
توقف أخيرا يلهث تتناثر أنفاسه الغاضبة بكبت جحيمي إلى أن سقط على المقعد يمرر كفه في شعره بعنف كاد يقتلع معه روحه.
أغمض عينيه للحظة لكن ملامحها اندفعت إلى ذاكرته كطعنة فهب واقفا ينزع قميصه بعنف حتى تناثرت أزراره على الأرض كدموع مبعثرة..
_فاضي نتكلم
أومأ بصمت وهو يجفف خصلاته اقترب منه ودارت عيناه بالغرفة ثم قال 
_ انت مبهدل الدنيا ليه كدا
لم يجبه فسحب نفسا قائلا
_إيه رأيك نرجع بيتنا نبات ونيجي كل يوم بعد مانخلص شوية ونرجع تاني حاسس إني مخنوق ومش عارف أتعايش. 
استدار اليه يوسف بعدما ألقى منشفته واتجه إلى أحد الأدراج ينزع سجائره مع اقتراب بلال يسحبها بعنف
_أنا بكلمك على فكرة ولما سألتك قولت لي هي مرة حد عزم عليك وماحبتش تكسفه.
تابعه برفعة حاجب وصمت ثم تراجع إلى المقعد وجلس قائلا
_بلال دماغي وجعاني ومش ناقصك إنت كمان. 
اقترب منه وعيناه تحاوط اضطرابه 
_مالك يايوسف وإيه اللي حصل بينك وبين ضي سمعتها بتكلم باباك عايزة تفسخ الخطوبة. 
سحب المقعد وجلس بمقابلته يتعمق بملامحه وقال بنبرة متزنة 
_يوسف إنت عارف غلاوتك عندي ربنا أعلم إنت بالنسبالي مش مجرد ابن عم وبس وهي كمان دي روحي.. مضحكش عليك أنا كنت رافض ارتباطكم ببعض مش عيب فيك والله بس أنا عارف أختي وعارفك إنت مش بتاع قصص الحب اللي ضي بترسمها من خلال قرائتها للروايات وطبعا فاكر كل إجازتك كانت قفشات بينكم بس بعد الخطوبة معرفش حسيت إنك واحد جديد بيحاول يبني عالم تاني غير اللي متعوده منك أه عارف موضوع كتب الكتب جه بدون علمك بس منكرش اليوم دا شوفت حاجة فيك مختلفة وخصوصا لما رجعتوا بالدبل.
كان يستمع إليه بصمت موجع..اقترب بلال بجسده يربت على ساقيه
_يوسف إنت عايز تكمل مع ضي فعلا ولا ناوي على إيه ولسة موضوع الهجرة دا في دماغك طيب لو هتهاجر هي هيكون مستقبلها إيه معاك..
أنا حاولت أفهم من بابا بس كل اللي قاله سيب الدنيا ماشية زي ماهي.. 
زفرة حارقة أخرجها من لهيب أعماقه بعدما أنهى بلال كلماته ثم قال 
_أنا استلمت الجنسية من أسبوع يابلال وبابا عرف كل حاجة علشان كدا جوزوني ضي على أساس تضغط عليا ومسافرش.
أومأ بلال منتظرا بقية حديثه تراجع بجسده بعدما سحب سجائره من كفه وقال 
_مناقشة الرسالة الأسبوع الجاي بعدها هقرر أنا كدا كدا لازم أسافر علشان أكتسب خبرات أكتر. 
_طيب وضي يايوسف مصيرها إيه.
نفث دخانه ينظر إليه ثم قال
_هاخدها معايا.
ضيق عيناه بتساؤل 
_يعني إيه مش فاهم هتاخدها إزاي 
_هنتجوز.. مش هما عايزين كدا. 
توقف بلال يهز رأسه بالرفض
_ومين هيسمح لك بكدا لا ماما ولا بابا.
وإيه اللي يخليهم يرفضو..مش هنتجوز.
_يوسف إنت عايز إيه بالظبط
قالها بلال بصوت خافت لكنه مشحون بالتعب
_مش عارف...
تمتم بها يوسف وهو يزفر تنهيدة طويلة كأنها خرجت من عمق صدره لا من فمه.
ثم مال برأسه للخلف قائلا
_عايز أنام يا بلال..قوم روح أوضتك ونكمل كلامنا بعدين.
نهض بلال بتردد يحدق فيه لحظة ثم قال بنبرة غلبها العتاب
_يعني مش راجعين البيت
رد يوسف دون أن يلتفت
_أرجع إزاي وأسيب جدو تعبان روح إنت لو عايز.
استدار بلال متجها للباب وقال قبل أن يخرج
_هشوف ضي أخدها معايا.
لكن يوسف انتفض سريعا من مكانه
_لأ..
اقترب منه خطوة ونبرته أكثر حدة مما
_سيبها...أنا هاوصلها تدريبها الصبح 
عايز أتكلم معاها في موضوع مهم.
تأمله بلال للحظة بعين تبحث عن مايخفيه ثم أومأ في صمت وانسحب للخارج دون كلمة أخرى.
أغلق الباب خلفه وأسند ظهره إليه أغمض عينيه وصراع مرير يعصف بداخله كعاصفة لا تهدأ.
أخرج هاتفه واتصل بأمه
_ماما ماعنديش لبس في الدولاب.
جاءه صوتها الدافئ من الطرف الآخر
_نسيت يا حبيبي هكلمهم يطلعوا هدومك.
صمت لحظة ثم سأل بصوت خافت كأنه يخشى الإجابة
_وضي لسه عندك
ردت بعد تنهيدة مسموعة
_عيطت كتير لحد مانامت...احمد ربنا إن مرات عمك ماجتش وشافتها بالحالة دي.
سكتت ثواني ثم أضافت بصوت حذر
_يوسف..أنا واثقة فيك وعارفة إنك مستحيل تغلط..
ضي بتعيط 
كلماتها اخترقت صدره كسهام مشتعلة اشتعل وجهه خجلا وغضبا من نفسه وصمته كان أبلغ من أي اعتراف.
ارتفع صوت ميرال بتوتر يخالطه الخوف
_يوسف...إنت عملت في البنت إيه
أغلق عينيه وزفر بحرارة وقال ببرود مصطنع يخفي اضطرابه
_أنا تعبان يا ماما عايز أنام..
هتبعتي الهدوم ولا أنام
ثم أنهى المكالمة ألقى الهاتف بعنف على الفراش وأسند كفيه إلى وجهه يلهث كمن يحاول الهروب من نفسه..
ألهذا الحد صار ضعيفا
لم يقدر حتى ولا على مواجهة حقيقة يخشاها أكثر من ذنبه.
ظل صامتا دقائق تتردد أنفاسه المتقطعة قبل أن ينهض متجها نحو الشرفة يبحث عن نسمة تعينه على التنفس بعدما خنقته جدران الغرفة وكأنها تضيق عليه عمدا.
وقف هناك يحدق في العتمة وصدره يعلو ويهبط بانفعال مكتوم.
طرق خفيف على الباب أيقظه من دوامة أفكاره التفت ليراها العاملة تدخل بهدوء وضعت ثيابه في الخزانة بنظام ثم قامت بترتيب الغرفة وانسحبت دون كلمة..
ظل مكانه عيناه تتعلقان بالفراغ كأن داخله يساق إلى هوة بلا قرار.
همس لنفسه بصوت أجش
_هتعيد معاناة إلياس يا يوسف 
ولا ضي هتحبك أكتر من حب أمك لأبوك
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة أشبه بغصة
_مصدق نفسك..معقول هتحبك زي حب أمك لأبوك
طيب..وإنت هتحبها زي حب أبوك
ضحك بمرارة وصوته اختنق في حلقه
_دول ماتوا في حب بعض..وفي الآخر دبحوا بعض..
تفتكر عندك القدرة تكون قوي زيه 
تقدر تواجه..
ولا هتكسرك العيون اللي هتحاكمك..
ولو جالك ابن...هيعاني هيتعاير 
هتغير هويتك...ولا هتعيش بهوية مجهولة النسب زيك
انحنى على السور ضغط بيده على صدره وكأنه يمنع انفجاره وزفرة حارقة خرجت منه كأنها جمرة تسكن أعماقه
_آه...
آه لو خرجت كانت تزهق أرواحا كثيرة.
رمق السماء بعينين مثقلتين ثم همس بصوت واهن كاعتراف أخير
_حبتها اوي حتى ذبت عشقا لعينيها...
نظر إلى ساعته ثم تحرك بخطوات نحو الطابق الأعلى حيث غرفة مصطفى. 
طرق الباب بهدوء ودلف فوجد إلياس يجلس إلى جوار مصطفى الغافي بينما أرسلان يتابع صامتا.
اقترب يوسف بخطوات حذرة مد يده ليتفحص المؤشرات على الجهاز فبادره إلياس قائلا بنبرة مطمئنة
_بلال لسه كان هنا وقال إن كل حاجة تمام.
أومأ يوسف برأسه دون رد ثم رفع نظره نحو مصطفى وعاد بنظره الى والده وقال بصوت خافت
_بابا مفيش علاج ينفع من غير أكل.
ثم التفت يبحث بعينيه عن فريدة وتساءل
_ فين تيتا
توقف إلياس ونظر إليه بقلق
_فيه حاجة يا يوسف
هز رأسه نافيا ثم قال 
_أنا بس عايز أقلل المحاليل..لازم ننشط الجهاز الهضمي والقلب كمان مايتعبش من كتر
السوايل.
اقترب أكثر وقال بنبرة لينة وهو يشرح
_جسمه دلوقتي مش قادر يستقبل سوايل كتير..نبض القلب بيضعف ومش عايزين نوصل لمرحلة الخطر..
الكبد مرهق جدا ولو زودنا المحاليل السوائل هتتجمع في بطنه وصدره وهيتعب أكتر..
أنا مش بمنعها خالص بس نقللها ونبدأ نرجع الأكل الطبيعي بالتدريج.
قطع حديثهم دخول ميرال تقدمت بخوف واضح في عينيها
_فيه إيه ماله بابا مصطفى
التفت إليها يوسف بدخول فريدة بخطوات متوترة فبادرها قائلا
_عايز نبدأ نأكله كل ساعتين أو تلاتة حاجة بسيطة.
رفعت فريدة حاجبيها اعتراضا
_بس الدكتور مقالش كده يا حبيبي!
ابتسم يوسف نصف ابتسامة وقال بلطف
_تيتا الدكتور بيتكلم عن علاج الكبد... وأنا بتكلم عن القلب مش عايز عضلة القلب تضعف فهنقلل المحاليل مش هنمنعها ونعتمد على الأكل الخفيف..
مش محشي ولا لحمة أنا قصدي عصير زبادي تفاحة مبشورة... الحاجات دي اللي تقويه وأنا هكتب لك لستة بالأكلات اللي تنفعه.
في تلك اللحظة فتح مصطفى عينيه بتعب فاقترب يوسف مبتسما رغم توتره
_عامل إيه يا درش شايف الكل ملموم حواليك ازاي
ارتسمت ابتسامة باهتة على وجه مصطفى وهمس بصوت واهن مفعم بالحنان
_ربنا يبارك فيكم يا حبيبي...
انحنى يوسف نحوه ونظر إلى عينيه بعزم حنون
_يلا لازم تفوق..شايف الكل خايف عليك قد إيه
ضحك مصطفى بخفوت رفع كفه المرتجف ثم همس
_إن شاء الله هتعمل العملية وهترجع أحسن من الأول..
لقيت متبرع وخلال أيام هينزل مصر والدكتور اللي هيمسك العملية من أحسن الناس في المجال ده..
منقدرش على بعدك يادرش.
ساد الصمت لحظة لم يسمع فيها سوى أنين الأجهزة وارتجاف النفس بين الرجاء والخوف
بين حفيد يمسك بالأمل كأنه وعد حياة وجد يبتسم وهو يودع بعينيه الحنون
انسابت دموع مصطفى وهو يحدق في عيني يوسف وخرج صوته متهدجا كأن كل نفس يقتطع من روحه
_عايز أحضر فرح يوسف يا إلياس... ممكن تحقق لأبوك الأمنية دي
تجمد يوسف في مكانه ورفع نظراته التائهة بين وجه والده وملامح جده. اعتدل إلياس على مقعده بينما اقترب أرسلان بخطوات هادئة وقال بابتسامة
واهنة
_إن شاء الله يا عمو..تقوم بالسلامة وهنعملهم أحلى فرح.
لكن مصطفى تمتم بصوت بالكاد سمع
_قبل العملية...
هزة عنيفة اجتاحت جسد يوسف كأن الكلمة صفعة أيقظت بداخله كل خوف دفين تراجع خطوتين للخلف وهو يرسم ابتسامة مرتجفة
_هروح أنام..تعبت تصبحوا على خير.
تبعته نظرات أرسلان بقلق صامت بينما رمقت ميرال إلياس بنظرة غامرة بالحزن ثم جلست جوار مصطفى على طرف الفراش وقالت بصوت رقيق
_حبيبي المهم صحتك دلوقتي..إزاي هنعمل فرح وإنت لسه تعبان
أومأت فريدة تؤكد حديثها تبتلع غصة في حلقها
_خف يا مصطفى وكل اللي نفسك فيه هيتحقق.
صمت ثقيل كأن انفاسها اختنقت بوجعها..اكتفى أرسلان
 

تم نسخ الرابط