روايه للكاتبه سيلا وليد
أول مرة تبقى رخم إنت على طول كده المهم ماما بتنادي وأنا مش فاضية
ثم تجاوزته ومضت تاركة إياه يلاحقها بنظراته حتى وصلت شمس وهي تضحك
بابا الشرير صحي من النوم
قهقه يوسف
آه وهاخدك أرميكي في الغابة
انفجرت بالصراخ والضحك وهي تلوح بقدميها
بس يابت ليفتكروا إني خاطفك ويحسبوكي عليا عيلة صح
ركلته بقدميها الصغيرة ثم ركضت نحو الداخل تصرخ باسم والدتها تاركة خلفها ابتسامة يوسف العريضة
بعد عدة أيام استيقظ أرسلان على رنين هاتفه يخترق سكون الغرفة مد يده بتثاقل ورفع الهاتف إلى أذنه وهو بين النوم واليقظة
أيوة
لم يستغرق صوت المتحدث على الجانب الآخر أكثر من دقيقة لكنها كانت كفيلة بتهشيم كل ما بناه في سنوات عمره وإسقاطه في هاوية لا قرار لها جحظت عيناه وانتصب جالسا دفعة واحدة قلبه يخبط في صدره بعنف والدموع تفر من عينيه دون استئذان بينما يكرر في صمت الكلمات التي وقعت على أذنه كلمات لن تمحى أبدا
أمام منزل في أحد الأحياء الراقية
فتحت الباب بخطوات متسارعة متجهة إلى الخارج لكن قدميها تجمدتا وجسدها ارتجف برعب حين وقع بصرها عليه كان واقفا يمسك نظارته بيده يستند إلى الجدار وكأنه يعلم خروجها
همست بشفاه مرتجفة بالكاد تسمع نفسها
إل إلياس
في مكان آخر
دوى جرس الباب في أرجاء الشقة فقطع سكونها المترنح نهضت من على الأريكة ببطء تتعثر في خطواتها تحت ثقل الخمور التي ملأت جسدها خمولا وتعبا تحركت مترنحة نحو الباب فتحت نصف فتحة وما إن رأت من يقف أمامها حتى اتسعت عيناها بالذهول
ميرال
ابتسمت القادمة ابتسامة يختلط فيها الألم بالمرارة عيناها تلمعان بدموع مشعة
ماما حبيبتي وحشتيني
دفعتها ودلفت للداخل تنظر إلى المكان الذي تمكث به ثم قالت
شفتي بنتك لفت لفت ورجعتلك إزاي
اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك
ها أنا أكتب لك رثائي
وأنا أدرك أن الكلمات مهما انسابت على الورق
كيف للروح أن تهدأ وقد رحلت سكينتها الأولى
كنت وطنا يا أمي لم يكن له حدود ولم يعرف جفاء
رحلت فصار الليل أطول والنهار أبكم
صارت ضحكتي يتيمة وفرحتي مبتورة
كنت الأمان حين يخذلني العالم واليقين حين يشتد التيه
أمي
إن كان للرحمة أبواب فأنت سيدة أبوابها
وإن كان للجنة معنى فهو ابتسامتك التي سكنت قلبي للأبد
سلام عليك في الغياب وسلام على روحك النقية
سلام على كل دعوة تركتها تحرس طريقي
وحيدك الذي ماتت روحه بعد فراقك
ارسلان الشافعي
بعد أسبوع كامل في تركيا انتهت الرحلة التي أقرها إلياس علها تخفف عن آلامها النفسية عاد برفقتها ورفقة أطفاله إلى القاهرة وكذلك أرسلان
باليوم التالي جلس الجميع في حديقة منزل إلياس نسيم المساء يداعب ملامحهم وضحكات الأطفال تبعث شيئا من السكينة يلهون بالأحاديث وضحكات أرسلان ضجت بالمكان فجأة دام صمت للحظات
لتتوقف ميرال عن الشرود الذي كانت غارقة به ونظرات فريدة تحاصرها بحنو نهضت وقالت بصوت هادئ
هعمل قهوة الكل هيشرب
رفع مصطفى عينيه إليها وطالعها
بنظرات مترددة ثم تمتم
ممكن فنجان ياعمو
أومأت ميرال برأسها دون أن تنظر إليه كأنها تقطع الحديث بينهم عمدا وردت باقتضاب وهي تتحرك مبتعدة
حاضر
ثم التفتت إلى فريدة التي كانت تتابعها بعينين حانيتين
ماما أعملك قهوتك
ابتسمت فريدة بخفة
أنا هقوم أساعدك قالتها بوصول يزن
الذي ألقى تحية المساء فبادلته العيون ابتسامات متفاوتة لم يمهل أحدا ليرد
عاملة إيه حبيبتي
تبسمت وتمتمت
الحمد لله
دايما يارب قالها وهو يوجه بصره نحو إلياس
إلياس عايز أتكلم معاك شوية
نهض إلياس من مكانه بتثاقل ملامحه توحي بأنه كان يتوقع تلك المواجهة ثم أشار بيده نحو الداخل قائلا بنبرة ثابتة
تعال ندخل جوا قالها ورفع عينيه إلى ميرال
القهوة سادة
تجمدت ميرال لحظة كأنها تحاول استجماع أنفاسها ثم أومأت صامتة وتحركت خلف فريدة نحو المطبخ
دلفت للداخل وجدت فريدة تصدر تعليماتها للخدم بترتيب بعض الأطباق وتجهيز الحلويات
اقتربت ميرال بخطوات مثقلة وأردفت بصوت متهدج
ماما
استدارت فريدة إليها بابتسامة دافئة
فيه حاجة ياحبيبتي
قالتها وهي تتحرك بخفة نحو موقد الغاز لتبدأ في إعداد القهوة تحركت ميرال خلفها راقبتها بنظرات مشوشة وحركات مضطربة
ترددت لحظة ثم تساءلت
رؤى فين
توقفت فريدة وتجمدت يدها عما تفعله لحظة وكأنها لا تدرك مغزى السؤال ثم هزت كتفيها بلا مبالاة مصطنعة
معرفش مش المفروض تكون مع طارق
ارتعشت شفتا ميرال وعلمت من ردة فعلها أن فريدة لا تعرف شيئا تنهدت بعمق تراجعت خطوة إلى الوراء وأسندت جسدها المرهق على حافة الطاولة
________________________________________
الخشبية ثم همست بصوت مثقل
معرفش بس أكيد إلياس عمل فيها حاجة لأنها كانت عارفة إني موجودة من يوم ماولدت شمس
دوت كلماتها كصفعة على أذن فريدة فاتسعت عينيها بذهول وارتفع صوتها غاضبا وممتعضا
إنتي بتقصدي إيه وإزاي عرفتي الكلام ده!
انحنت كأنها تستنجد بها وروت لها ماجرى كل ماحدث
كانت فريدة تستمع إليها بإنصات ووجهها يعلو بمزيج من الغضب والذهول انتهت ميرال لينفجر صوت فريدة بعدم تصديق
إنتي بتقولي إيه ياميرال إزاي تعمل كده!
اقتربت ميرال أكثر عيناها دامعتان تمسك كف أمها برجاء
ماما أنا رؤى متهمنيش عشان هي غدرت بيا من الأول اللي مخليني مش مرتاحة إن إلياس ممكن يعمل فيها حاجة ويضيع نفسه معاها
أخذت فريدة نفسا حادا كأنها تحاول السيطرة على زلزال يجتاح صدرها عادت إلى القهوة سكبتها في الفناجين بيد مرتعشة لكن عقلها لم يكن مع القهوة بل يصفعها بصور متلاحقة مشاهد عابرة من الماضي مع كلمات لرؤى خيوطا غامضة تتشابك أمامها حتى كادت أن تطيح بتوازنها
حملت ميرال القهوة وقالت
أنا هودي دي وحضرتك خرجي دي برة أو خلي أي واحدة من البنات تطلعها
رفضت فريدة حملت الأكواب التي جاءت بها على صينية وغادرت بخطوات متثاقلة بينما تحركت ميرال إلى مكتب إلياس
داخل المكتب قبل قليل
جلس إلياس صامتا ينصت لكلمات يزن حتى أنهى حديثه ثم ألقى بجملة كالخنجر
آخد حقي منها وبعد كده يارب تموتها
ارتفع حاجبا يزن بصدمة
إلياس أنا عايز أحجزها في مستشفى البنت مش طبيعية
نهض إلياس وسحب مقعدا جلس في مواجهة يزن بنظرات نارية
اسمعني كويس علشان أنا مابحبش أعيد كلامي البت دي لازم أربيها وبعد كده فيها لو عايز أما حكاية مستشفى المجانين دي أنا مابصدقهاش حتى مع ميرال في الأول مكنتش مقتنع بس ميرال ماأذتش حد ماحاولتش تكذب ولا تحور إنما أختك دي أنا اللي المفروض أحاسبها الأول لأني اتساهلت معاها زمان
وقف يزن غاضبا بملامح مشدودة
إنت عندك مراتك تحكم عليها زي
ماتحب لكن رؤى فعلا لازم تتعالج
قهقه إلياس بصوت صاخب يزلزل الجدران
إيه العيلة اللي كلها مجانين دي والله يايزن البت صدقني مش هرحمها وانسى حكاية الجنون والمرض النفسي اللي بتحاول تقنعني بيه البت دي هموتها حتى لو اتحبست بسببها كفاية اللي ميرال عملته هفضل أدفع تمن الأغلاط وأسامح بس علشان تقولولي مريضة
كانت ميرال تقف عند الباب تستمع إلى كلماته التي اخترقت قلبها كالسهم المسموم اهتزت ركبتيها وتجمد الدم في عروقها كأن القدر يعيد لها ذات الكأس لتتجرعه مرة أخرى
سحبت نفسا بهدوء رغم أنفاسها المرتجفة وصدرها الذي ينغزها كالسكاكين ومدت يدها لتفتح الباب دلفت بخطوات متزنة إلى حد ما إلى أن وصلت إلى المكتب ووضعت القهوة دون أن تنظر إلى إلياس وأردفت
عملت قهوتك ثم اتجهت إلى يزن
وعملت قهوتك على الريحة زي مابتحبها ولا إنت كمان غيرتها
ابتسم ونهض من مكانه مقتربا منها
حتى لو غيرتها لازم أشرب بتاعة ميرو حبيبة أخوها
رسمت ابتسامة وأومأت له
حبيبي ربنا يسعدك قالتها واستدارت للمغادرة دون أن تضيف شيئا آخر حاولت أن تهرب فتحركت بسيقان مرتجفة تحاول كبح دموعها حتى لا تسقط أمام أحد بينما كان يراقب تحركها وداخله يطعن بقوة من فكرة أنها استمعت إلى حديثه
تنهد بتثاقل وتراجع على المقعد يغمض عينيه من صراعه الذي يدق كجرس حرب
جلس يزن مرة أخرى
مالك في حاجة
هز رأسه بالنفي وأمال يسحب قهوته وقال
عايز تساعدها ساعدها بس مش هنا ولا ألمحها لحد ماأشوف هعمل فيها إيه
لسة مصر ياإلياس
يزن إنت حقيقي هتعدي اللي عملته!
نهض يزن واستدار للمغادرة دون الإجابة
بعد فترة
في منزل أرسلان
جلس وسط أطفاله يشاركهم بعض الألعاب الإلكترونية ضحكاتهم تتعالى كأنها موسيقى
يلا ياحبايبي بقالنا أسبوع أجازة من المدرسة لازم ننام بدري علشان نرجع لنظامنا تاني
رفعت ضي رأسها بعيون متوسلة
مامي بكرة السبت وأجازة لو سمحتي خلينا نلعب شوية كمان مع بابي
ألقى أرسلان نظرة جانبية نحو غرام لتتركهم وضعت الأكواب بهدوء وجلست بجوارهم
طيب النهارده بس بعد كده مش عايزة أسمع كلمة لا
قفزت ضي
أحسن مامي في الدنيا وعد الليلة بس وبكرة هنام بدري
ابتسمت غرام
حبيبة مامي اللي بتسمع الكلام مش زي أخوكي
كان بلال منشغلا بالجهاز تمتم دون أن يرفع عينيه
هصالحك بعدين يامامي بس دلوقتي لازم أفوز على بابي
ضحك أرسلان وأشاح برأسه متصنعا الغضب
تفوز على مين يلا
قطع حديثهم رنين هاتفه التقطه نظر للشاشة وقطب حاجبيه
ملك بتتصل دلوقتي ليه خير!
فتح الخط
ألو
جاءه صوتها بتقطع وأنين مكتوم يختبئ خلف دموعها
عايزة أشوفك دلوقتي
قالتها بصوت باكي واهن فهب واقفا
مسافة السكة هكون عندك
أغلق الهاتف سريعا وهو يشير إلى غرام
كملي مع الولاد هشوف ملك وراجع
تحرك مسرعا نحو الباب نهضت غرام خلفه بقوة وهي تحدق فيه بقلق
أرسلان خير فيه حاجة!
هز كتفه بارتباك
ماعرفش يمكن بس محتاجة تتكلم
حرر نفسه بخفة وسحب معطفه وبعد دقائق كان يقود سيارته يبتلع الطريق إليها
وصل إليها خلال دقائق معدودة فتحت بوابة السيوفي أمامه كأنهم على علم بذهابه ترجل من سيارته سريعا وتحرك نحو الداخل ولكنه توقف بعدما وجدها تنتظره بالحديقة استدار متجها إليها بعد ندائها ركضت إليه كالطفلة التي وجدت والدها بعد سنين من الغياب
وحشتني أوي كدا تسافر من غير ماتقولي
خلاص اهدي أنا هنا أهو
الدموع دي علشان سافرت ووحشتك ولا فيه سبب تاني
تجول بعينيه بالحديقة حتى وقع نظره على جلوس إسلام بالشرفة وكأنه لا يهمه شيئا مما يدور حوله
اتجه إلى المقاعد
مالك حبيبتي إيه اللي حصل
خايف إسلام يشوفني ينزل يموتني
اعتدلت تنظر إلى عينيه وهمست بنبرة حزينة
ليه مش إحنا إخوات أنا قولت لك قبل كدا أنا ماليش دعوة بشوية ورق واعترافات كل اللي أعرفه وعيشت عليه إنك أخويا وسندي في الدنيا دي
مش عايزة أحس إني وحيدة وضعيفة ومكسورة ياأرسلان أنا مش معترفة بحاجة من الهبل اللي حصل إنت أخويا وهتفضل أخويا اللي بتحامى فيه وقت مالدنيا توجعني
كان يستمع إليها بأنين صامت وأنفاس مرتفعة صمت للحظات
هتصدقيني لو قولت لك أنا كمان مش لاقي نفسي غير أرسلان الجارحي رغم السنين اللي عدت دي بس حاسس إني لابس هدوم مش بتاعتي بحاول أضغط وأعدي بس كل خطوة بحس إني بدوس على جمر
صمت بعدما ارتفعت دقات قلبه بجنون وتابع حديثه
حاولت أتأقلم وبدعي إني تقبلت بس كلها أوهام أه ممكن قبلت فكرة إلياس أخويا وفريدة مامتي بس مش قادر أتقبل إن ماما صفية مش أمي وإنتي مش أختي
رفع عينيه التي تجرعت دموعا صامتة
إنتي عرفتي اللي ميرال مرات إلياس مرت بيه تعرفي البنت دي من وجهة نظري بطلة
اختنق صوته وتابع حديثه
إذا أنا الراجل مش قادر أتحمل فكرة حياة غير حياتي رغم حياتي سوية هي قدرت تتحمل حياة مفروضة عليها حياة كلها مآسي وذنوب
زفرات مختنقة ثم حاول أن يغير الحديث فقال بنبرة مازحة
بت أنا بقيت شاعري وبعيط كدا ليه إنتي جيباني علشان تقوليلي كلامك العبيط دا
صمتت تطالعه بدموع عينيها
إيه اللي حصل معاكي
قصت له ماجرى وهي ترتجف الكلمات تخرج من فمها مقطعة بالدموع وماإن أنهت كلامها حتى هب أرسلان واقفا يدور حولها كالمختل كمن يبحث عن هواء يتنفسه وسط دخان كثيف خانق
صرخ بعينين داميتين
إزاي قدرتي تعملي كده ياملك!
انكمشت بين ذراعيها تبكي بنشيج متقطع جسدها كله يهتز من ثقل الذنب
أنا حكيت لتيتا ظروفي هي اللي طلبت مني ماقولش لإسلام هي اللي خوفتني
ضرب الهواء بكفه وصوته يجلجل بالحديقة
والله لو من جوزك كنت طلقتك ورميتك من غير ماأبص ورايا دي حياتك إنتي وجوزك محدش ليه حق ياخد قرار فيها غيركم!! إزاي إزاي توافقي تموتي روح بريئة! إنتي مجنونة يابت! وبعدين ليه ليه تسألي أحلام هانم ليه ماجريتيش على ماما!
أرسلان ماهي جدتي برضو!
التفت إليها بعينين مشتعلة
طيب اشربي بقى قرارات جدتك إنتي جيباني هنا دلوقتي عايزة إيه مطلوب مني إيه بالظبط
نهضت ملك تتشبث بذراعه كالغريق الذي يتشبث بخشبة نجاة
كلمه كلم إسلام خليه يسامحني من يوم اللي حصل وهو مش عايز يسمع صوتي
احمدي ربنا إنه وقف على كده! إسلام لو كان خد بخاطره كان ممكن يرميكي في الشارع أنا مش فاهم عقلك كان فين!
انفجرت دموعها بغزارة واردفت بصوت يتقطع
ندمت والله ندمت ياأرسلان بس أنا كنت خايفة وتيتا خوفتني أكتر قالت لسة صغيرة ومينفعش أشيل هم ولاد دلوقتي
أطبق على أسنانه كأنه يمنع نفسه من أن يصفعها
يبقى ماكنتيش تتجوزي ياأستاذة
الجواز مسؤولية مش لعبة
شهقت وهي تتوسل
دا اللي ربنا قدرك عليه أنا في مشكلة ومن حقي ألاقيك جنبي وقت ماأحتاجك
اقترب منها خطوة وهمس بصوت خافت لكنه يقطر مرارة
تلاقيني! طيب ليه ليه يوم مااحتجتي مشورتي ماجتيش لي! ليه تروحي لغيري وتخبي عني
ثم أشاح بوجهه يزفر بغضب وصوته ينفجر مرة أخرى
آسف مقدرش مقدرش أروح لإسلام وأقوله سامح مراتك
انهارت ملك جاثية على ركبتيها وانسابت دموعها بينما أشاح أرسلان بوجهه عنها عاجزا عن أن يخفف وعاجزا عن أن يزيد
صباح اليوم التالي نهضت ميرال من فراشها على وقع صوت تحركاته كان يقف أمام المرآة ينهي ارتداء ثيابه اقتربت بخطوات مترددة ووقفت خلفه تهمس بخفوت
صباح الخير
استدار نحوها رسم ابتسامة دافئة
صباح الخير حبيبتي عاملة إيه دلوقتي لسه في صداع
هزت رأسها نافية رفعت عينيها إليه بتردد أومأ مشجعا لها على الحديث همست وكأن الكلمات تثقل لسانها
عايزة أتكلم معاك في موضوع مهم
رفع ساعته ليلبسها وتعلقت عينيه بها
أنا سامعك
عملت إيه مع رؤى
تجمد لحظة ثم رد وهو يسحب زجاجة عطره ويرش منها قليلا ونظر إليها عبر انعكاس المرآة
سؤالك مش مفهوم ياميرال عايزة تطمني عليها ولا تعرفي أنا عملت فيها إيه
اقتربت أكثر حتى وقفت أمامه مباشرة حدقت به طويلا دون أن تنطق ثم بحركة مترددة
لا مش عايزة أطمن عليها عايزة أعرف
ورغم أن حديثها لم يقنعه تماما إلا أنه قال بصوت حاسم وهادئ في آن
كل واحد فرقنا هياخد جزاته
ابتسم ببرود وهو يضيف
وإنتي أولهم ياحبيبتي متفكريش إن عقابك هيفوت أنا بس مستنيكي تخفي
ابتسمت رغما عنها حتى انفلتت منها ضحكة صغيرة حاولت بها أن تخفي ارتجافها ورغم ذلك ارتفعت ضحكاتها واختلطت بدموع غلبتها
دا قانون ولازم منه ياإلياس
صمت للحظات وطافت عينيه على ملامحها التي بدأت تستعيد بريقها من جديد قلبه يمزق بين نقيضين هل يعود كما كان حبيبا غامرا بحنانه أم يظل ذاك القاسي الذي خط بينهم جدارا من الألم حرب شعواء تضج بداخله تغلبه حينا ويغلبها حينا ومع ذلك كان هناك مايخنقه كلما تذكر حجم الأذى الذي عانته بسببه
تراجعت ميرال خطوة للخلف بعدما قرأت صراعه في صمته وملامح وجهه التي أظهرت ذلك الصراع رفعت عينيها نحوه وهمست بثبات
منتظرة وأنا مش معترضة على فكرة خلي كل اللي جواك يطلع
طالعها بعدما شعر بأن كلمتها أشعلت ناره
أنا بحبك وإنتي عارفة حبي قد إيه مش عايزك تزعلي مني أكيد عارفة أنا بمر بإيه
أومأت برأسها في صمت رفعت عينيها التي تلألأت عبراتها بالألم
وأنا كمان بحبك يمكن أضعاف حبك ثم ببطء فكت حصاره واستدارت متجهة إلى الحمام توقفت فجأة وعيناه تراقب تحركها
ارتجف بوقفته بعدما صدمته كلماتها كصفعة لم تتوقف على ذلك ولكنها تابعت حديثها المميت لقلبه
بس وإنت بتفكر في عقابك يبقى عاقب نفسك الأول لأنك إنت السبب في كل اللي حصلي آه أنا غلطت ومعترفة بس ماغلطتش من الهوا إنتوا اللي وصلتوني لكدا
توسعت عيناه مندهشا واقترب منها خطوة وهو يحدق بها
إيه إيه اللي بتقوليه دا ياميرال إنتي إنتي بتتهميني أنا يعني أنا السبب وتكسريه قدام الناس! أنا بحاول ألملم اللي عملتيه مش معنى كنتي كبش فدى لكن بإيدك إنتي إنتي اللي عملتي كدا وأنا لو بحاول أساعدك فعلشان إنتي بنت عمي للأسف ومراتي وأم ولادي أمال ينظر بعينيها التي انسابت دموعها
أنا بعاني أكتر منك واتألمت أكتر منك متحاوليش ترمي غلطك عليا فكري بس في صحتك علشان ترجعي تليقي بنفسك ولو قبلت بيكي تاني فدا علشان لسة باقي عليكي وعلشان ولادنا لكن أقسم بالله لو مافوقتيش وخرجتي من دور الضحية
تدفقت كلماته كطوفان لا يرحم صرخة روح مشتعلة بالألم كل جملة تلقتها كانت كحجر يهدم جدارا في داخلها حدقت فيه بعينين دامعتين وكأنها تنتقم من سنوات الألم التي دفعتها كضحية
أنا مهربتش منك! ليه مش عايز تقتنع! أنا كنت عايزة أموت أموت وأختفي من الدنيا دي كلها أنا اللي اتولدت عشان أتحاسب بذنوب مالهاش علاقة بيا
عيناها تغرز في أعماقه كسكين
وصرخت بجنون يكاد يفتك بحنجرتها
بس رغم كل دا فضلت ميرال واقفة متماسكة علشان تعيش جنب الراجل اللي حبته وتحمي ابنها من غدر الزمن بس التماسك كان وهم وهم وقوفي ومصابرتي فوق رمال واهية قدام بشر مابيرحمش والكل بيبص على ميرال
شهقت تتقطع أنفاسها أشارت لنفسها بأصابع مرتجفة
منكرش إنك وقفت معايا بس كنت عارفة إنك مش بتساعدني علشاني لأ كنت بتساعدني علشان صورة إلياس السيوفي المثالية تفضل قدام الكل
ارتعشت شفتيها وأصبح صوتها مخنوقا تشعر بوجع يفتك بها
أنا وقعت وقعت ومقدرتش أقوم حتى الموت رفضني أعمل أكتر من كدا إيه ماليش نصيب أرتاح
هزت رأسها بيأس لوحت بيدها وكأنها تدفعه بعيدا
خد عقابك زي ماإنت عايز بس ولادي ولادي لأ لكن تبعد ولادي عني لأ يابن السيوفي
رفعت عينيها له بتحد جريح
عارفة إن إلياس السيوفي لازم ياخد حقه بس خليك فاكر إلياس الشافعي عمره مايركب عليك لو ركب هتبقى نسخة من راجح المجرم انسى الشافعي دا قبل ماتوصل لنفس مصيره
توسعت عينيه من وقع كلماتها كأنها أطلقت سهما اخترق كبرياءه قبل قلبه انعقدت أنفاسه في صدره يتأرجح مابين الصدمة والبركان الذي يتأهب للانفجار كيف تجرؤ على إلقاء اللوم عليه و هو الذي مزق نفسه ليعيد لها أنفاسها لتقوم الآن وتضع سكين الاتهام في خاصرته!
ارتجف فكه وهو يضغط أسنانه حتى برزت عروقه قبضته انغلقت بجانبه حد الألم جسده اشتعل بنيران الغضب لا يجد لها مخرجا كان يشعر أن الأرض تهتز تحت قدميه أن كل مابناه بكفاح وقسوة يتهاوى بجملة منها لم يكن مجرد غضب بل جرحا في كبريائه في صورته التي أراد أن يظل قائما بها أمامها
ورغم عاصفته الداخلية لم ينطق فقط طافت عينيه عليها بجمود قاتل كأن النظرات وحدها تحمل لهيبا يفوق الكلام
تحركت نحو الحمام بخطوات مرتبكة لكن دوى صوته خلفها كالرعد حتى شعرت باهتزاز جدران المكان فتصلبت في مكانها ترتجف
وصل إليها في لحظة
إيه اللي قولتيه
ارتعشت وهي تهمس برجاء منكسر
ماقولتش حاجة اعتبرني مجنونة ماتخدش على كلامها
تحجرت دموعها خلف جفونها بينما هو يختنق بألم داخلي يفتك بفؤاده وهو يراها هكذا لحظات من الصمت حرب عيون دامية لا صوت سوى صرخات القلوب المحترقة تركها فجأة حين انسابت دموعها كسكاكين تمزق صدره فتراجعت مبتعدة عنه بخطوات متعثرة وهرعت إلى الحمام تغلق الباب خلفها بقوة تكتم شهقاتها بين يديها
تجمد مكانه كأن الأرض سلبت من تحت قدميه حديثها مازال يجلجل في أذنه كطعنة غادرة نزع جاكيته بعنف وانطلق نحو الباب طرقه بجنون ارتجف صوته بفزع مروع
افتحي ياميرال
أما هي فانهارت أرضا ركبتيها بكل ماتبقى من قوة دفنت رأسها كي لا يسمع بكاءها لكن كيف يخفى البكاء على قلب أحب حتى الفناء
ميرال افتحي الباب
نهضت متعثرة تمسح دموعها بيدين مرتجفتين وردت بصوت باك متقطع
هكسر الباب لو مافتحتيش
إلياس عايزة بس شاور بقولك
دفع الباب بقدمه بقوة حتى ارتجفت وهي ترى الزجاج يكاد يتحطم هرعت لتفتحه قبل أن ينهار عليها وماإن أدارت المفتاح
ارتفع بكاءها ندما وحيرة لا تدري لأي سبب تبكي ألكلماتها الجارحة أم لأنها أدركت أن قلبها مازال متعلقا به رغم كل شيء
لم تريد تفسير الأمر منذ عودتها وهذا الشعور القاسي
يخنقها رغم أن الإجازة كان يفترض أن تعيد لها الحياة
آسف همس بها وعيناه تخترقها
احنا مش اتعاتبنا ليه راجعة تاني تفتحي الجروج دا امبارح بس اللي عدى علينا
وأردفت بصوت مشبع بالدموع
أنا اللي آسفة ماعرفش قلت كده ليه ما تزعلش مني إلياس والله ماعارفة ايه اللي بيحصلي دماغي هتتفجر مني
أنا مش زعلان منك أنا زعلان من الدنيا واللي بيحصل حوالينا
ميرال عايزك تواظبي على صلاتك واذكارك صدقيني هترتاحي ابعدي عن وساوس الشيطان الحمدلله انتي بقيتي احسن وجسمك بقى كويس عايز بس شوية صبر علشان ترجعي توقفي تاني ميرال علشان خاطري استعيني بالله كل ما تحسي انك مخنوقة ودماغك بتوجعك ارجعي لكتاب الله
مش قادرة اعمل حاجة صدقني انا بحاول بس بقع
طيب ايه رأيك نجرب حاجة وصدقيني هتفرق معاكي اوي
انصتت إليه بقلب ينبض بعنف من نظراته الخائفة عليها تعلقت عيناه بها وادرك من نظراتها بما تشعر
كل يوم اقرأي سورة البقرة مش عايز منك غير انك تقرأي سورة البقرة وبس يوميا بعد الفجر اقعدي شوية اذكري ربنا رددي بينك وبين نفسك دعاء سيدنا يونس كل ما تحسي بخنقة أو أي حاجة بتذكرك بالي مريتي بيه قول دعاء سيدنا يونس هو هيكون فيه اكتر من ابتلاء سيدنا يونس ياميرو
تفتكر هقدر ارجع تاني ياالياس بعد مااتحطمت من جوا
إنتي ماتحطمتيش انتي لسة زي ماانتي كل الحكاية ربنا أختبرنا ولازم ننجى بأيمانا ايه رأيك ياحبيبي كل ما تحسي بكدا رددي بس
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
رددتها خلفه مرة بعد مرة
آسف اسف على كل وجع سببته عارف انك اتأذيتي كتير سواء بسببي أو بسبب تهورك بس متأكد كله هيتظبط بس زي ماقولت لك اهم حاجة واظبي لفترة على سورة البقرة
ليه سورة البقرة بالذات دي طويلة اوي معقول اقدر اقرأها كل يوم
فاكرة وأنا صغير كنت بروح مع بابا مصطفى المسجد في صلاة الجمعة قبل ما اعمل عملية نقل الكلية بابا كان زعلان عليا اوي راح لشيخ المسجد وحكى له أنه مش قادر يتحمل فكرة الفشل الكلوي وحاسس أنه هيموت من الزعل وقتها الشيخ قاله حاجتين
طلع صدقة عن قول الرسول داوو مرضاكم بالصدقة وقاله التزم بسورة البقرة يوميا هتحس انك مرتاح انا وقتها سألته ليه سورة البقرة ياعمو الشيخ كنت عارف القراءن كبير ليه السورة دي بالذات رد عليا
سورة البقرة ليست مجرد كلمات تتلى بل هي حصن منيع لمن عرف قيمتها أتدري ياصبي ما قال عنها نبينا ﷺ قال اقرؤوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة
سألته بفضول يعني إيه يا شيخنا بركة
ابتسم الشيخ ورد عليا البركة يا بني هي الخير الواسع اللي ربنا يزرعه في حياتك في بيتك في صحتك في رزقك لما تقرأ سورة البقرة كأنك بتفتح أبواب الرحمة والخير لنفسك ولبيتك
بابا وقتها قال كمان بتطرد الشياطين
أومأ الشيخ برأسه مؤكدا أيوه النبي ﷺ قال إن الشيطان يفر من البيت اللي تقرأ فيه سورة البقرة يعني بيتك يبقى أمان مفيش مكان للشرور والوساوس فيه
ولما توصل لآية الكرسي دي بقى حصن لوحدها اللي يقراها قبل ما ينام ربنا يبعث له ملك يحرسه والشيطان ما يقدرش يقربه لحد الصبح
انا وقتها كنت مبهور ايه دا كله ايه دا دي حماية عظيمة يعني ممكن لما اقرأها يابابا الألم يروح
اه ياحبيبي بابا قالي كدا وعيونه كلها وجع عليا
ابتسم الشيخ ليا وقال وكمان في آخر السورة آيتين عظيمتين لو قريتهم بالليل كفاك الله كل هم وشر كأنك سلمت نفسك بين إيديه سبحانه وهو ما يردش عبده خايب أبدا
وكمان هتيجي يوم القيامة تشفع لقارئها تحاج عنك عند ربك تقول يا رب هذا عبدك ما تركني فلا تتركه في هذا اليوم العصيب
قالها وهو ينظر بعينها
ايه رأيك تجربي حبيبتي مش هتخسري حاجة بالعكس حاسس ربنا هيخرجك من اللي انتي فيه
ساد الصمت بينهما والقلوب امتلأت شوقا لتلاوتها والعمل بها
ايه ياميرو هتقرأيها
إن شاءالله حبيبي
لازم ياميرو علشان نخرج من اللي بيحصل
عارف زعلتك كتير وكمان بضغط عليكي
خلاص انسى هعمل زي ماقولت وواثقة في ربنا أنا لازم امسح الماضي كله وأبدأ من جديد لازم أبدأ من جديد
ابتسم
أيوة وأنا عايز كدا مش علشاني علشانك إنتي
وعلشان ولادي ياإلياس المهم بقى اطلع وخد قميصك
بمنزل أرسلان
تململ بنومه على رنين هاتفه المتواصل فتحت غرام عينيها واعتدلت تنظر في الساعة تستغفر ربها سحبت هاتف زوجها وجدت اسم ملك ينير الشاشة
همست لنفسها
هو فيه إيه امبارح اتصلت ونزل زي المجنون ومن وقت ماجه مش عايز يكلم حد ياترى ياملك عملتي إيه أو قولتي إيه
تأففت مع انفصال الرنين
فتح عينيه بتململ
صباح الخير حبيبتي
قوم كدا وفوق ياروح حبيبتك هو فيه إيه بالظبط
اعتدلت صاحت به
إيه موضوع الست ملك بقى إمبارح تلات ساعات عندها ودلوقتي من الفجر بترن عليك
أشار بكفه اليها بالصمت وعقله ذهب إلى خناقها مع إسلام
استني معقول
سحب الهاتف مع نظرات غرام وتكرارها لحديثه متسائلة
ليه هو فيه مشكلة
رد على ملك
صباح الخير حبيبتي استمع الى بكائها وشهقاتها وكل هذا يظن أنها تبكي بسبب إسلام ولكن توقف على همساتها المتقطعة
ماما صفية ماتت ياأرسلان
لم يستغرق صوت
ملك وبكاءها أكثر من دقيقة لكنها كانت كفيلة بتهشيم كل مابناه في سنوات عمره وإسقاطه في هاوية لا قرار لها جحظت عيناه وانتصب جالسا دفعة واحدة وقلبه يخبط في صدره بعنف والدموع تفر من عينيه دون استئذان بينما يكرر في صمت الكلمات التي وقعت على أذنه كلمات لن تمحى أبدا
ملك إنتي بتقولي إيه إنتي حلمتي بكابوس ولا إيه أيوة كابوس ياروحي قومي استغفري وصلي وإن شاء الله
صرخت وصرخت حتى انهارت ليسحب إسلام الهاتف
أرسلان البقاء لله شد حيلك طنط صفية تعيش إنت
كلمات ماهي سوى كلمات ولكنها كانت كفيلة لارتقاء روحه
كأن الوقت توقف كأن الأرض انشقت وابتلعته دفعة واحدة
ارتجف قلبه ثم تجمد
ارتفع صدره كمن يبتلع آخر جرعة هواء في حياته وعيناه اتسعت وكأنها تبحث عن أي شيء ينقذ ماتبقى من روحه
سقط الهاتف من يده وانطفأت معه كل الأصوات من حوله كأن العالم توقف عن التنفس
حبيبي في إيه
حاول النهوض لكن الأرض بدت أثقل من أن تحمله
رفع يده المرتجفة يشير إلى الباب وأردف بصوت ممزق يتكسر مع كل حرف
كلميهم يجهزوا العربية
استند إلى الجدار ساقاه تجر جسده بخطوات واهنة كأنه يمشي فوق رماد ساخن لا يرى أمامه سوى ضباب كثيف يلتهم الرؤية والعقل معا
ركضت غرام خلفه
أرسلان استنى في إيه
لكنه يشعر بأنه بعيد أبعد مما يتخيل كان في مكان آخر تماما حيث سقطت روحه في هوة بلا قرار
أمسكت بذراعه شدته كالغريق الذي يحاول التمسك بخشبة نجاة التفت إليها أخيرا عيناه أصبحت زجاجيتين كأنها لا تحمل سوى الموت والذهول ثم خرج صوته خافتا مهزوما محطما
أمي ماتت!
كلمة واحدة لكنها كفيلة بأن تخلع قلبه من مكانه أن تحرق رجولته أن تجرده من كل صلابته في لحظة واحدة
قالها بشهقة مريرة شقت صدره نصفين شهقة رجل لم يشعر بنيران دموع تسقط يوما بتلك الحرقة حتى جاء الفقد فهزمه بلا رحمة
شهقت بعيون جاحظة تهز رأسها برفض الخبر
تحرك أرسلان إلى الخارج بلاروح
بينما أمسكت غرام هاتفها تزيل دموعها
بمنزل إلياس
خرجت من الحمام تجفف خصلاتها مع ارتفاع رنين هاتفه اتجهت إلى الهاتف وهي تهتف
إلياس تليفونك بيرن لكنها توقفت بعدما وجدت اسم غرام رفعته سريعا
غرام فيه إيه على الصبح
ماما صفية ماتت ياميرال تمتمت بها بصوت باك لتشهق ميرال مرددة
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
ثم تذكرت أرسلان لأنها تعلم مدى تعلقه بها
أرسلان فين
مشي خلي إلياس يلحقه لما أجهز نفسي أنا خايفة عليه حالته صعبة رجاء عرفي إلياس
حاضر حاضر هعرفه وأنا كمان هجهز وأنزل معاكي قالتها وأغلقت الهاتف وهي مازالت بحالة صدمة مؤلمة وحال لسانها
لا حول ولاقوة إلا بالله قالتها مع خروج
اجهزي علشان هاخدك مشوار لكنها كانت غارقة بكلمات غرام اقترب منها
ميرال التفتت إليه
أه طالعها بتساؤل
مالك واقفة كدا ليه البسي هدومك واجهزي ورانا مشوار وأنا هكلم مالك هتأخر شوية
لا أجل كل حاجة طنط صفية تعيش إنت
طنط صفية مين قالها وصمت للحظات ثم قال
أوعي تكون صفية الجارحي!
للأسف هي وحالة أرسلان صعبة غرام كلمتني دلوقتي
تمام تمام هو مشي ولا لسة
مشي الحقه ياإلياس أنا خايفة عليه إنت متعرفش متعلق بيها إزاي
خلاص هلبس وألحقه وإنتي اجهزي بسرعة
وصل أرسلان إلى قصر الجارحي توقف أمامه لحظات قليلة عينيه معلقتان بذلك البناء الضخم الذي شعر بأنه سجنه من الآن و داخله عاصفة من نيران متأججة يريد أن يحرق العالم بأسره فقط ليطفئ مايشتعل في صدره
ترجل من السيارة بخطوات مبعثرة ساقاه بالكاد تحمله يشعر بثقل العالم فوقه ولكنه ليس جسديا بل ثقل قلب مثقوب من الداخل دفع باب القصر بكلتي ذراعيه بعنف أفزع الخدم الذين ظهروا بملابسهم السوداء هنا شعر بأن الظلام استوطن المكان دونها
تجولت عيناه بجنون بين الجدران والوجوه يبحث عن ظلها عن دفء وجودها ثم خرج صوته فجأة بصرخة زلزلت جدران القصر وقلوب من فيه
ماماااا!!
ركضت ملك على صوته بوجه شاحب كالأكفان لكنه كان واقفا كجبل لا يريد سوى أن يراها
أرسلان
توقف جسده للحظة يده ترتجف على كتفيها ثم قال بصوت محطم متكسر
أمي فين ودتوها فييييين
خرج اسحاق من إحدى الغرف وجهه متماسك ظاهريا لكن عينيه كانت بئرا من الأسى رفع أرسلان رأسه إليه ونطق بعينين تفضح ألمه وسأل بصوت لا يشبهه
أمي فين
اقترب منه أبعد ملك حدق في عينيه هنا شعر بمدن من الخراب تسكن داخله همس بصوت مرتعش رغم محاولته الصمود
حبيبي إنت مؤمن أوعى تنهار أوعى ياأرسلان
لكنه لم يسمع أو ربما لم يفهم كان كالتائه في صحراء قاحلة يلف بعينيه المكان يبحث عن أم لم يبق منها
أمي فين!
خرجت الكلمات كأنها نزيف من صدره كأن قلبه نفسه يصيح يطلب أمه
أشار إسحاق إلى الغرفة التي توضع بها صفية قبل أن تلقى ربها تحرك
بخطوات مهزوزة وجسد منتفض إلى أن توقف ينظر لذاك النعش يهز رأسه بهوس مجنون رفع عينيه سريعا إلى أحلام التي خرجت من غرفة أخرى تطالعه بشماتة هنا تسارعت الأحداث داخل عقله وماكان عليه إلا أن يجن من نظراتها ليصل إليها بخطوة واحدة بالمكان
أرسلان قالها فاروق وهو يدفعه بغضب اعتدل بعدما بصق عليها واتجه إلى فاروق يصرخ بوجهه لأول مرة
قالها ودفع فاروق بغضب جحيمي
أشار إليه اسحاق
فاروق هو مش حاسس بنفسه اياك تقرب منه دي أمه غصب عن اي حد في الدنيا واللي يقرب منه حتى لو انت مش هرحمه وهو الوحيد اللي له الحق بيها دلوقتي انت كنت رميها عنده وصدقني اعدي العزا وبعد كدا نتحاسب يابن ابويا قالها وهو يرمق احلام باتهام علني بينما عند ارسلان دفع باب غرفتها هنا تجمدت كل خلاياه يفقد الشعور بما يدور حوله وهو يرى جسدها المغطى كل شيء بها لم يعد موجود سحب أقدامه بصعوبة وارتفعت شهقاته وهو يهمس
ماما ابنك جالك ياله قومي وليته لم يسحبه ليته ظل يراها من بعيد ارتجف جسده بالكامل ولكن اليوم لم يشعر سوى بالبرودة برودة بكل شيء وآااااااه خرجت من قلبه قبل فمه حتى استمع إليه الجميع بالخارج مع دموعهم التي انسابت بصمت
في تلك اللحظة لم يبق من أرسلان سوى بقايا رجل مكسور يقف على أطلال قلبه يتعلم للمرة الأولى أن هناك أوجاعا لا يشفى منها أبدا
جثة رددها بينه وبين نفسه وكم من آهاااات تحرق قلبه وصدره قبل جوفه
يااااارب يااااارب قالها بدخول إلياس يطرق على باب الغرفة وقف مذهولا وهو يراه لأول مرة بتلك الحالة
رفع عينيه لأخيه
أمي ماتت ياإلياس تمتم بها بظهور فريدة خلف إلياس
شعور لعين كأن أحدا مزق صدرها بيديه نزع قلبها وقذفها في الظلام
الدموع لم تنتظر إذنها انهمرت حارقة كأنها تنتقم لروحها التي لم تنج ابنها من كم الألم رفعت عينيها إليه تحركت إليه وركبتاها ترتعش جلست على حافة السرير تنظر إلى ابنها الذي لا يشعر بشيء كمن فقد البصر كمن ضل طريقه للحياة
أرسلان حبيبي مينفعش الموت علينا حق ياله حبيبي مينفعش اللي بتعمله أكرمها هي دلوقتي عند ربها أكرم مثواها
أكرم مثواها! جملة تتردد في رأسه بلا توقف
كأنها تسقط كل الذكريات دفعة واحدة
رفع رأسه للسماء شهقة مفترسة خرجت منه كأنها آخر ماتبقى من روحه قبل أن تنهار
لم يعد أرسلان القوي تلاشت الضحكة التي ملأت قلبه ولا الرجل الذي تحدى الدنيا سنين
في لحظة واحدة صار طفلا ضائعا
الفصل الخامس عشر
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
كم هو موجع أن يقف المرء أمام من رباه قلبا قبل اليد فيراه يتصدع بين حقيقة تثقل صدره وأم أخرى تناظر المشهد بصمت يخنق الكلام
كأن الأرواح جميعها تساق إلى محكمة بلا قاض والدمع هو الشاهد الوحيد على ما ضاع وما لم يقل
وحين يرحل الجسد عن الدنيا لا يفكر القلب في الدم ولا في الأسماء بل يتذكر الحنان الذي أسنده واليد التي مسحت دمعه
فالموت يجردنا من المقارنات ويتركنا نتشبث فقط بما أبقى الأثر في الروح وإن جاء الفقد فلن يسأل المرء أهذه أمي أم تلك
في اليوم التالي لوفاة صفية كان جالسا في ركن الغرفة وبين يديه مصحفه الذي لم يفارقه منذ أن أسلمت الروح الطاهرة إلى بارئها يقرأ بعينين تسبح بين آياته وصدره يعلو ويهبط بأنفاس متقطعة من الحزن وكأن كل حرف يذكره بها أكثر لم يعد
دلفت غرام بخطوات مترددة وجلست بجواره وأردفت بصوت متهدج
أرسلان
أغلق مصحفه ببطء وصدق نظر إليها بصمت ثقيل كصخرة جاثمة على صدره
حبيبي أخرج برة شوية الولاد مش مبطلين عياط
أطرق رأسه وتحدث بصوت خرج مبحوحا
غرام مش قادر أتكلم ولا ليا نفس أعمل أي حاجة
طالعته بعينين تتوسله
إيه رأيك نخرج نروح أي مكان تيجي نروح الحسين
هز رأسه