روايه للكاتبه سيلا وليد
برفق على المقعد
أنا معاكي..محدش دمرك ولا حاجة ميرال ركزي معايا..الماضي خلاص مات فكري فيا أنا وإنتي وولادنا..دا أهم من أي حاجة.
أغمضت عينيها ودموعها انسابت في صمت ورغم أن الدموع مياه لكنه شعر بها نارا تحرقه من الداخل..استدار خلف المقود
إيه رأيك نعدي على الدكتور الأول.
تحكي له اللي جواكي.
مش عايزة..عايزة أروح لماما فريدة.
تمام..هنروح لماما بس علشان خاطري نعدي على الدكتور الأول.
أومأت برأسها بصمت
عند غادة...
استقلت سيارة الحراسة جلس مالك خلف المقود وتحرك بها صامتا كأن الكلمات اختنقت في صدره..استندت غادة إلى النافذة نظراتها معلقة بالخارج تتأمل الشوارع التي تتلاشى خلف الزجاج بينما عيناها تحولتا إلى برك من الألم..كانت تدرك أنها أخطأت بحق الجميع لكن قلبها يأبى إلا أن يفتقده وبدأ ينزف لأجله.
أغمضت عينيها تركت دموعها تنساب في صمت ثقيل لم يكن بكاء صاخبا بل وجعا يتسلل كنيران تلتهم قلبها..
لمحها مالك عبر مرآة السيارة تردد طويلا قبل أن يبتلع كبرياءه ونطق
آسف..عارف إني اتصرفت غلط بس كان لازم أحافظ على أمانة شغلي.
فتحت عينيها ببطء نظرت إليه بنبرة مكسورة
ليه رغم إني حذرتك بس عملت اللي في دماغك.
لم يرد شد على المقود بأصابعه كأنه يحارب نفسه قبل أن يحارب كلماتها.. لحظات وتكلم بصوت منخفض لكن حاد
ماليش دعوة بتحذيراتك أهم حاجة عندي أأدي شغلي بأمانة وإخلاص..أول مرة عديت وخبرته بعد ماتركتي المكان..يعني حاولت أنصفك وأنصف شغلي.
رمقته بنظرة ممتلئة بالخذلان
إنت مالكش دعوة بحياتي تاني سمعتني إنت مين أصلا علشان تدخل في حياتي.
شد على المقود أكثر وتحدث بنبرة خرجت من بين أسنان مضغوطة
عذرا ياآنسة مش ذنبي إن حضرتك فاهمة غلط...أنا بأدي شغلي وبس..أما إنك تعملي حاجة غلط فدا مش عيبي.
صرخت بغضب مخنوق
ممكن تخرس مش عايزة أسمع نفسك خالص..
ابتسم بمرارة لم ترها
حاضر..هخرس بس مش علشان حضرتك قولتي كدا..علشان أنا أصلا مش عايز أتكلم مع شخص فقد الثقة في اللي حواليه.
جحظت عيناها من الألم نظرة نارية وجهتها إليه عبر المرآة لكنه سحب بصره سريعا للأمام يقود بصمت.. ظلت السيارة غارقة في الصمت حتى قطعه صوتها فجأة حادا متوسلا
ممكن توقف قدام النيل شوية
آسف..ماعنديش أوامر بكدا.
لو سمحت..
لكنه مضى في طريقه دون أن يلتفت إليها هنا أفلتت شهقة ببكاء خافت تحاول كتمه قدر ماتستطيع وهي تهمس بصوت مبحوح كأنها تكلم نفسها
لو روحت كدا..بابا هيشك وأنا مش هقدر أوجعه..وممكن يزعل مني.
اتجهت بنظرها إلى المرآة وعيناها تتوسلانه بصوت مكسور
مالك..لو سمحت نص ساعة بس أهدى..وبعد كدا كلم إلياس لازم أتكلم معاه.
حاضر..
نطقها مالك بنبرة خافتة ثم أوقف السيارة على جانب الطريق وترجل بخطوات بطيئة نحوها فتح الباب بهدوء فترجلت هي بعيون غائمة بالدموع وكأنها تمشي محملة بجبال من الهم..اتجهت نحو النيل وقفت صامتة تحدق بالمياه وكأنها تبحث عن شيء يطفئ حرائق صدرها.
ظل مالك يراقبها من بعيد لدقائق معدودة ثم أخرج هاتفه وأرسل رسالة قصيرة ثم بقي في مكانه يتابعها بصمت..جلست غادة على إحدى الأرائك الحجرية ومن عينيها انهمرت الدموع بغزارة بكاء مكتوم تحول إلى نحيب مرتجف وكأنها تفكك حصونها المنهارة.
اقترب مالك بخطوات هادئة مد نحوها محرمة ورقية بصمت..سحبتها منه دون أن تنظر إليه وهمست بصوت متقطع
شكرا.
لم يرد وظل كما هو بينما هي تنظر بشرود ضائع وذكريات مقابلتها بطارق وحديث إلياس كاد أن يشق صدرها..
قطع الصمت رنين هاتفه رفعه سريعا
أيوة يافندم.
تحدث إلياس بصوت حازم
خليها مع نفسها شوية متسبهاش لوحدها وبعد كده ارجع بيها البيت عندي..ماترجعش بيها عند السيوفي.
تحت أمرك.
أنهى المكالمة ثم تحرك إلى سياج النيل أخرج سيجارة أشعلها
وراح ينفث دخانها ببطء عيناه تتنقلان بين المارة ومياه النيل الساكنة ثم استدار يتأمل غادة سكونها نظراتها المعلقة في اللاشيء.
فجأة اقتربت طفلة تحمل باقة ورد صغيرة عيناها فيهما شقاوة طفولية
وردة ياباشا..خدها وصالح بيها حبيبتك بدل ماهي بتعيط.
زم شفتيه ساخرا
بكام الورد ده ياأم لسانين.
ابتسمت الفتاة بخفة كان عمرها مابين الثالثة عشر والخامسة عشر ردت بذكاء
لو هتاخده كله..يبقى بتصالح ومش زعلان..لكن لو بتسأل علشان تضحك عليا يبقى يفتح الله.
أخرج بعض النقود وضعها في كفها
شوفي دول يكفوا
قلبت النقود بين أصابعها
مش بطالين..أهم جابوا حقهم علشان أروح أذاكر.
تأمل ملامحها لحظة ثم سأل
إنتي بتدرسي.
طبعا..أنا في تالتة إعدادي وإن شاء الله هدخل ثانوي علشان أدخل كلية هندسة ياله سلام ياباشا..وصالح حبيبتك هي مش لابسة دبلة يبقى لسة حبيبتك مش خطيبتكط
تهكم على كلماتها أشار إلى الورد
خدي وردك معاكي دي مش حبيبتي.
رفعت حاجبها دارت بعينيها ولمحت غادة الغارقة في شرودها ثم نظرت له بثقة طفلة تعرف ماتقول
بس أنا شوفتها نازلة من عربيتك.
يلا يابنتي شوفي شغلك.
نظرت إلى النقود ثم إلى الورد
لو مش هتاخد الورد..يبقى خد فلوسك أنا مش شحاتة.
تنهد بضيق التقط الورد من يدها بإيماءة حادة أشار لها بالرحيل..تركته وغادرت وبقي واقفا يحدق بالورد الذي تركته معه ثم عاد بنظره إلى غادة.
اقترب منها بخطوات بطيئة انحنى قليلا وضع الورد أمامها وقال بنبرة جافة لكن فيها اعتراف خفي
اعتذار مني..مع إني مابعتذرش عن حاجة صح عملتها..بس اعتبريه اعتذار عن أسلوبي معاكي.
رفعت نظرها إليه لم تر سوى انعكاس وجهه خلف نظارته السوداء مدت يدها أخذت الورد هامسة
شكرا.
ثم نهضت فجأة وأردفت بكلمات مختصرة
روحني.
لا..هنروح عند إلياس باشا هو اللي أمر بكده.
أومأت بصمت ومشت نحو السيارة الورد في يدها وقلبها مثقلا بأسئلة لم تنطق بها.
عند طارق..
وصل طارق إلى الكمبوند كالمنهار أوقف سيارته فجأة فصرخت الفرامل بصوت مرعب..خرج يزن من منزله بسرعة ليرى ماذا حدث يظن أن الأمر متعلق برؤى لكن ملامح طارق كانت تحكي مأساة أكبر..هبط يزن الدرج بخطوات سريعة نحو طارق لكنه سبقه بانفجار ممزوج بالقهر
ذنبي إيه إني ابن راجح ذنبي إيه إني اتربيت على إيده وعملت غلط ربنا عاقبني واتجازيت..ليه دايما هدفع التمن ليه مهما أعمل الناس هتفضل تشاور عليا وتقول دا
ابن راجح.
ضاقت عينا يزن بدهشة بينما خرجت رحيل من المنزل تتفاجأ بصوت طارق المقهور وهو يكمل
هفضل أدفع التمن لحد إمتى ليه مش مكتوب عليا أتعامل إني طارق..وبس
اقترب يزن يحاول فهم مايجري
إيه اللي حصل ياطارق مالك!.
تعبان..أنا تعبان يايزن..خلاص حياتي اتدمرت..وهفضل في نظر الكل مجرم..وابن مجرم.
قالها ودموعه تنساب بلا توقف استدار مترنحا نحو منزله خطواته ثقيلة كأنها تقوده للهاوية..وقالت بقلق
روح وراه..طارق مش ضعيف علشان ينهار كدا أكيد فيه حاجة كبيرة حصلت.
أومأ يزن متفهما
طيب..خلي آسر يستناني لما أرجع.
عند أرسلان..
وصل أرسلان إلى مكتب إسحاق بعدما استدعاه..طرق الباب بخفة قبل أن يدخل
مساء الخير ياعمو.
أشار له إسحاق بالجلوس وهو مايزال منشغلا بمكالمة هاتفية..انتظر أرسلان دقائق قليلة قبل أن ينهي إسحاق حديثه ثم استدار إليه بابتسامة خافتة
عامل إيه دلوقتي
نهض إسحاق من مكانه وجلس قبالة أرسلان وقال بنبرة جدية
كويس ياحبيبي..بس اسمعني للآخر وفكر مش عايز ردك دلوقتي.
ظل أرسلان ينظر إليه في صمت حتى أكمل إسحاق
عايزك ترجع شغلك تاني ولو خايف من المساءلة أنا في ضهرك..محدش هيقدر يتكلم عمك واصل.
لم يتحرك ساكنا في وجه أرسلان حتى قال
فيه حاجة تانية حضرتك عايزني فيها
تأفف إسحاق بضيق
مش دا اللي منتظره منك ياأرسلان.
استند أرسلان على المكتب بذراعه وأردف بصوت هادئ لكنه حاد
الموضوع انتهى ياعمو..وحقيقي مش عايزك تزعل مني.
يعني إيه
زفر أرسلان بتعب
يعني خلاص أنا رسمت حياتي ومرتاح كدا..مش عايز أرجع أحارب ضد ولادي..عارف حق بلدي وفوق دماغي بس مش قادر أرجع للشغل دا تاني. عودت نفسي أبعد وأبعد ولادي عن ضغطه.
هز إسحاق رأسه بتفهم وحدجه بعينين تحملان شكا صامتا
طيب..إيه اللي قولته لفاروق وإيه الورق اللي كان معاك وخلاه من وقتها مش عايز يتكلم.
مرر أرسلان يده على وجهه كأنه يطرد ثقلا جاثما فوق صدره
حاجات تخص أحلام هانم..آسف عارف إنها والدتكم..بس اللي راحت كانت أمي.
تراجع إسحاق في مقعده ورغم ذهوله الذي يعصف به لكنه أخفى اضطرابه وتمتم بنبرة باردة
مش
________________________________________
فاهمك ياأرسلان..من إمتى بتكلمني بالألغاز
أغلق أرسلان سترته بهدوء
عمو ممكن نأجل الموضوع..فيه حاجة بعملها ومنتظر نتيجتها.
توقف إسحاق ونظراته تزداد حدة
أرسلان أنا مشغول جدا..متقلقنيش إيه اللي مخبيه علي.
اقترب أرسلان خطوة للأمام وتمتم بنبرة أكثر ثقلا
عايز أعتذرلك عن مختار العوضي..أنا اللي عملت فيه كدا متنساش إنه مدسش على رجل أرسلان الشافعي..
اقترب أرسلان أكثر والنظرات بينهما تتلاقى بثقل
عندي معلومات تدفنه في سابع أرض بس مش هعمل كدا..لأن حسابه مع أرسلان الشافعي لسه مااتقفلش.
تجمد إسحاق في مكانه يرمق أرسلان بنظرات تبحث خلف كلماته بينما قال أرسلان بنبرة حاول أن تبدو هادئة
متزعلش مني..مش قصدي أدخل في شغلك..كدا كدا إنت لقيت المعلومات اللي محتاجها..رجاء ياعمو بلاش تضغط على عيلة الشافعي في موضوع
حق الدولة بعتناه زي مالقيناه إنتوا أخدتوا حقكم..لسه الدور علينا.
تقلصت ملامح إسحاق بتوجس
أرسلان..إنت ناوي على إيه الراجل يعتبر مات خلاص مبقاش فيه حاجة تتعمل.
هز أرسلان رأسه بثبات وعيونه تلتمع بتصميم غامض
لا ياباشا..لسه كتير أوي.
أرسلان الراجل دلوقتي تحت وطأة القانون.
ابتسم أرسلان بسخرية باهتة
مابلاش الكلام دا مع أرسلان ياإسحاق باشا..متأكد هتستخدمه طعم..هو كدا كدا ميت صح ولا لأ يبقى سبني أنا كمان أستفيد بالطعم.
ارتفعت نبرة إسحاق فجأة
مستحيل لو قربت من الناس دي هيموتوك.
أجابه بهدوء كأنه يسخر من الخوف نفسه
العمر واحد والرب واحد ياعمو..المهم أسيبك علشان شغلك بقى.
أمسكه إسحاق من ذراعه فجأة عيونه تتوسل بلا كلمات
هستناك إنت والولاد يوم الجمعة..
وحشت عمك أوي..نفسي نرجع زي زمان.
توقف أرسلان التفت نحوه بنظرات مثقلة بالخذلان
ليه شرحت جثة ماما من غير
ماترجعلي.
صمت إسحاق لحظة ثم قال بصوت خافت لكنه حاد
لأنه كان واجب عليا ياأرسلان..كان لازم أعرف ماتت إزاي.
لم يعلق أرسلان فقط أومأ بصمت ثم سحب نفسه ببطء وتحرك للخارج بينما عينا إسحاق تتابعانه بتوجس يشبه الخوف..
ياترى ناوي على إيه وإيه اللي بينك وبين فاروق..
بفيلا السيوفي..
توقفت تنهي عمل القهوة وأشارت إلى أحد الخدم
طلعي القهوة دي لإسلام..قالتها وهي تحمل قهوة مصطفى وتحركت إلى مكتبه طرقت الباب ثم دلفت وجدته يتحدث بالهاتف..وضعت القهوة بصمت وجلست إلى أن أنهى حديثه التفت إليها مبتسما
تسلم إيدك ياأم إلياس.
تسلملي يامصطفى ويفضل حسك في الدنيا رفع فنجانه وارتشف بعضه وعيناه لا تفارق ارتباك جلوسها وضعه وتساءل
سامعك يافريدة.
رفعت عينيها إليه وقالت
عايزين نروح نجيب ملك عارفة إسلام واخد على خاطره بس كفاية كدا داخل على شهر أهو ومراته عند أبوها ينفع مرات إسلام السيوفي تفضل الوقت دا كله برة بيت جوزها أنا سكت عليه الفترة اللي فاتت دي قولت فرصة موت صفية والناس مش هتعيب بس المدة طولت وابنك مش في دماغه..
وإنتي شايفة اللي عملته يافريدة سهل أو ينفع نسامح عليه.
لا يامصطفى بس اللي أعرفه إننا بني أدمين ولازم نسامح ونغفر مش يمكن ربنا كان شايف حاجة إحنا مش عارفينها مش يمكن الجنين لو كمل كان لا قدر الله جه بأمراض الله يعافينا مصطفى حتى لو البنت غلطت لازم نسامح أولا سنها الصغير وقلة خبرتها ثانيا بقى هو مين فينا مش بيغلط يامصطفى.
طيب يافريدة اعملي اللي إنتي شايفاه صح أنا واثق فيكي بس اعذريني مش هقدر أروح معاكي.
نهضت سريعا وأردفت
لا..أنا هاخد إسلام ولو رفض هقول لحد من الولاد ..
ابتسم على نقاء قلبها وسعادة عيونها عميقة بمعاني كثيرة
أنا بحبك أوي يافريدة خليكي فاكرة الكلمتين دول وتأكدي إنتي أكبر نعمة لمصطفى..
تلألأت عيناها بنجومها اللامعة
ربنا يديمك في حياتنا ياأبو الياس..
ضحكة صافية ولكنها بمعاني كثيرة معنى الفخر والاعتزاز مسد على رأسها
أكيد ومقدرش أنكر دا ولا حد يقدر ينكره واللي يقول كدا مستعد أموته دا ابني حتى لو إنتي رفضتي.
أفلتت ضحكة ناعمة
إنت بتلعب بيا يامصطفى أنا اللي قولت على فكرة وبعدين إنت وابنك حرين..
قطع لحظة صفائهم طرقات على باب الغرفة ثم دلفت الخادمة
إلياس باشا ومدام ميرال برة ياهانم.
نظرت لزوجها ثم قالت
أهو جبنا في سيرة القط ياسيدي
بالمشفى عند رؤى
كانت تجلس على الفراش تضم ركبتيها إلى صدرها وعيناها شاردتان في نقطة مجهولة .. دلفت الممرضة بخطوات روتينية
ميعاد الجلسة.
رفعت رؤى رأسها ببطء نظراتها غائمة تتابع الممرضة بصمت حتى جلست قربها تجهز الأجهزة. فجأة قالت بصوت مخنوق
معايا فلوس فلوس كتير أوي. ممكن أخليها لك كلها بس ساعديني أخرج من هنا.
توقفت الممرضة تحدق بها بريبة
قصدك إيه
اعتدلت رؤى واقتربت بجسدها ووقالت بصوت يرتجف بالدموع
أنا مش مجنونة! ولا مريضة! دي مرات أخويا
أهلي ماتوا وهي بقت المتحكمة في كل حاجة. خليته يعذبني..دلوقتي عايزة تبان بريئة وبتطلب من الدكتور يزودلي جلسات الكهربا والله العظيم أنا مش مريضة دي بتمثل.
مسحت دموعها بسرعة نظرة مكر بدأت تتسلل لعينيها
شوفي الخاتم الألماس اللي كان في إيدي اول مادخلت اسألي صاحبتك عنه..خديه مبروك عليك وهديكي فلوس كمان لو ساعدتيني.
صمتت الممرضة لحظة تائهة بين الشك والطمع ثم تمتمت
طيب سبيني أفكر وأرد عليكي.
وقفت وأشارت لرؤى
قومي غيري هدومك للجلسة.
أومأت رؤى شفتيها ترتجفان بابتسامة خبيثة تهمس لنفسها بغل
هعرفكوا مين هي رؤى يا ولاد الشافعي..
في اليوم التالي .. مكان احتجاز رانيا
وصل إلياس وعيناه تقدحان شررا والغضب ينهش ملامحه كلما مرت أمامه صورة ميرال وكلمات الطبيب كاد عقله يشتعل جنونا. دفع الباب بعنف فارتد صوته في المكان الخاوي.
هتف الحارس بطاعة فيما صرخت رانيا باسم إلياس برعب
إلياس ماتعملش كده!
لكن إلياس التفت إليها بنظرة قاسية كالسكين قبل أن يدير ظهره ويغادر نحو سيارته كأن الحكم قد صدر ولا رجعة فيه..رغم صرخاتها ومحاولاتها الهروب
استقل إلياس سيارته وصرخات رانيا ما زالت تتردد في أذنيه كصدى عويل يجلد أعصابه. ضغط على دواسة الوقود بعنف يحاول الهرب من غليان داخله الذي يهدد بالانفجار. مرت دقائق طويلة والصمت يلف السيارة إلا من أنفاسه الحارقة التي تصعد من صدره كاللهيب.
رفع هاتفه بيد متشنجة واتصل بذلك الرجل بصوت بارد يخفي خلفه بركانا
حطها في القفص بس.. عايزها تعيش الرعب لحظة بلحظة وإياك تكلمها اعمل اللي بقولك عليه وبس.
تحت أمرك يا باشا.
أنهى المكالمة وأسند رأسه للحظة إلى المقود عروقه تنبض بغضب مكتوم ثم رفع الهاتف مجددا واتصل بشريف
شريف عايز منك خدمة مهمة.
استمع إليه شريف حتى انهى من حديثه ثم أجاب بحذر
تمام هشوف الملف وابعته.
لا مش عايزك تبعته عايزك توصله لراكان البنداري بمجهول الهوية.
حاضر.
أغلق الهاتف وأدار السيارة نحو منزله. وما إن وصل إلى البوابة حتى اعترضه أرسلان توقف أمام السيارة بملامح تحمل اعتذار اقترب بعد توقف إلياس
صدقني أنا مكنتش أعرف هي قالت لي عايزة تتكلم معاها وبس. ورغم كده بعت معاها جابر برضه.
ظل إلياس ينظر أمامه ولم ينبس بكلمة...انحنى ارسلان وقال
إلياس
اتجه إليه و حدق في عيني أرسلان نظرة جامدة باردة حاملة لوجعا صامت أشد قسوة من الكلام ثم تابع سيره كأنما لم يسمع شيئا تاركا خلفه نظرات ارسلان المتأسفة
مرت عدة أسابيع إلى أن استعادت ميرال صحتها مرة اخرى وعودة أرسلان إلى حياته بالتدريج.. قلت زياراته إلى قبر صفية لكن الدعاء والصدقات لم تنقطع يوما..
بمنزل ارسلان
توقف أمام المرآة يرتب هندامه بعناية سمع طرقا
خفيفا على الباب تبعه صوت طفله الخافت
حضرتك طلبتني
أشار أرسلان بالدخول فدلف بلال مترددا يراقب والده حتى انتهى من ترتيب ملابسه ثم جلس على المقعد في صمت..رفع أرسلان رأسه نحوه فجأة
سامعك.
قطب بلال جبينه بحيرة
مش فاهم حضرتك يابابا.
رفع أرسلان حاجبه بسخرية
ولا..إنت هتستهبل إيه اللي حصل في المدرسة آخر الزمن تبقى بلطجي!.
بلع بلال ريقه يحاول التبرير
لا مش بلطجي بس هو اللي ضايقني.. وقالي tall goof يرضيك ابنك يتقاله ياطويل ياأهبل
ارتفع حاجب أرسلان أكثر وهتف بصوت يشتعل غضبا
لا والله..تعمل بلطجي علشان قالك كدا
بابا لو سمحت..
اخرس آخر الزمن يجيلي استدعاء ولي أمر بسببك إنت والحلوف التاني..
ماهو كان بيدافع عني يابابا..
مش عايز أسمع صوتك برا..محروم أسبوع كامل من كل رفاهياتك.
تحت أمرك..فيه أي عقاب تاني
برا..
قالها أرسلان بعصبية بدخول غرام ونظراتها تتنقل بين زوجها الغاضب وطفلها المشاغب..خرج بلال صامتا فاقتربت من زوجها متسائلة
إيه اللي حصل
تنهد أرسلان ساحبا أنفاسه ببطء ثم مرر كفه على وجهه المرهق وقال بصوت مثقل
من إمتى الولد دا بقى عدواني كدا
ياغرام
رمقته غرام باستغراب
عدواني إيه ياأرسلان لا طبعا أكيد فاهم غلط.
المدرسة متصلة بيا عامل مشاكل في الكلاس مع صحابه وكمان مورط يوسف معاه.
أكيد فيه حاجة غلط..ممكن تهدى وتتكلم معاه بهدوء ونفهم منه اللي حصل.
تخصر أرسلان وحدق فيها بنظرات ضيقة
ولد بيقوله ياطويل ياأهبل.
ضحكت غرام بخفة واقتربت منه واردفت بنبرة دلع
طيب ماهو عنده حق إزاي يسكت.
أولا ابني مش طويل ولا أهبل ياحضرة المبجل.
زم أرسلان شفتيه ساخرا
لا والله دا الواد واخد البجاحة من أمه.
لكزته بخفة في جنبه فتراجع متألما وهو يتأفف فقالت بغضب نطقته عيناها قبل شفتيها
أنا بجحة! والله عندك حق..ماهو أنا اللي بسكت للأستاذ.
قالتها بنبرة لاذعة واستدارت للمغادرة غاضب
آسف بهزر معاكي.
حدقت في عينيه طويلا ثم قالت بصوت منخفض
بتهرب من إيه ياأرسلان فاكر إني مش حاسة بيك وبوجعك حبيبي أنا حاسة بيك..المهم ترتاح شوية وتحمد ربنا إنها ماتت موتة طبيعية..بجد لو كانت أحلام ليها يد بعد اللي حكيته..كنا هنندم العمر كله.
وقال بصوت هادئ لكنه متعب
الحمد لله..أنا هعدي على ماما فريدة شوية.
رمقته غرام بنظرة متسائلة
لسه إلياس زعلان منك
أفلت ضحكة قصيرة وأومأ
خليه مقموص شوية..بكرة أصالحه.
هزت رأسها بعبوس خفيف
حرام عليك والله كل ماأفتكر
توقف أرسلان يتأمل وجهها ورد
أنا مكنتش أعرف إن الدنيا هتولع كدا فكرتها بس هتقول شوية كلام تشفي غليلها وخلاص..ماكنتش متخيل اللي حصل.
ارتعشت ملامح غرام بالحزن
يالهوي ياأرسلان تخيل لو كانت موتت رانيا!.الحمد لله إن إلياس لحقها في الوقت المناسب.
سكنت نبرة أرسلان تساءل
هي عاملة إيه دلوقتي
تنهدت غرام براحة بسيطة
لا الحمد لله بقت أحسن بكتير..ماما فريدة مسبتهاش لحظة الست دي أنا بحبها جدا..وكمان إلياس..حرام مقدرش أنكر وقوفه جنبها.
أومأ أرسلان بتفهم وتحرك ناحية الباب وهو يتمتم
تمام ممكن أتأخر شوية..يبقى اتغدي إنتي والولاد.
بمنزل طارق
دلف يزن إلى الداخل بعد أن فتح الباب تجولت عيناه في المكان بعبوس واضح سار نحو النوافذ وفتحها ليدخل الهواء ثم تمتم بضيق
وبعد هالك ياطارق بقى
خطا نحو غرفة النوم وقعت عيناه على بقايا المشروبات الملقاة بلا نظام فاندفع بغيظ نحو طارق الذي كان غارقا في نوم ثقيل وركله بغضب
قوم ياباشا يااللي قلبت بيتك ..قوم لي كده..
تحركت جفون طارق بصعوبة واردف بصوت متحشرجا من أثر النوم
يزن سبني عايز أنام..ليه فتحت الشبابيك
لكن يزن لم يمنحه فرصة سحبه بقوة حتى أجلسه على الأريكة وأشار إلى الفوضى حوله وهو يصيح
إيه القرف ده فاكر لما تعمل كده حد هيحترمك إنت كده بتأكد للناس كل الكلام الوحش اللي بيتقال عنك يا حيوان..
رفع طارق رأسه بتعب وقال بنبرة ممزوجة باليأس
أنا مش عايز أثبت لحد حاجة.. خليهم يقولوا زي ماعايزين أنا ابن راجح وهفضل ابن راجح..مش هتغير مش هتغير يايزن.
ارتفع الغضب يغلي في صدر يزن وأنفاسه تتسارع وأردف من بين أسنانه كلمات اخترقت صدره كالرصاص
إنت فاشل يالا ومش فاشل بس عاجز متخلف ومن واجبي لازم تفوق لنفسك قبل أي حد مش معنى إنك حبيت واحدة ومفيش نصيب خلاص تبقى نهاية الدنيا!.التجارب دي ياطارق المفروض تقوي الراجل..تخليه يحارب ويثبت إنه يستاهل
اقترب أكثر وصوته يرتجف من شدة الانفعال
لكن إنت إنت اترفضت مرتين والناس كله..وإلياس لو مكانه أي راجل كان هيعمل أكتر من اللي عمله..
أشاح بيده نحو الفوضى
شوف القرف اللي انت لقيته حل اتجه إليه مرة أخرى
الفرص اللي راحت خلاص راحت الفرصة الوحيدة قدامك إنك تنتصر على نفسك تدي قيمة لطارق..مش لابن راجح..
ظل طارق صامتا عيناه معلقتان بالأرض بينما يزن التفت إلى ساعته ونهض متجها نحو الباب
رحيل بتجهز السفرة..قوم خد شاور وفوق اتغدى معنا زي الناس..وافتكر حاجة مهمة إنت عم وخاللو عايز ولاد إخواتك ينكروك كمل في الطريق ده ساعتها همسحك من حياتي فاهم
تركه يزن وغادر فيما ظل طارق وحيدا تتردد كلمات يزن كصفعة داخل رأسه.
بمنزل إلياس..
دلف إلى غرفته وجدها جالسة بالشرفة تنظر بشرود
وحشتيني.
وإنت كمان..قالتها ومازالت نظراتها كما هي..
جلس على المقعد
قاعدة لوحدك ليه أومال أبو لسانين فين..مش عادته يعني يقعد يقولك إنجازاته.
تراجعت بجسدها عليه وهمست
أنا اللي مشيته عنده test بكرة.
طيب انا جعان مفيش محشي هنا ولا هنا
رفعت عيناها إليه
ممكن أطلب منك طلب.
حبيبتي إنتي تؤمري مش تطلبي.
عايزة أروح أزور طنط نعيمة..فتح فاهه للاعتراض ولكنها قاطعته
وحياتي ياإلياس..عايزة أزورها دايما بتتصل بيا وتطمن عليا الست دي طيبة والله أوي.
وأردف
بشرط..
ضيقت عيناها تنتظر تكملة حديثه
رفعت رأسها تنظر إليه بتساؤل..
بكرة هاخدك لنعيمة ياستي بس على فكرة أنا مش ناسيها بس محبتش أتكلم في الموضوع دا.
لمعت عيناها بالسعادة وقالت
كنت عارفة إنك اللي اشترت لها محل الملابس وإنت اللي بعت لها التجار وكمان نقلت بنتها من كليتها لكلية خاصة وقولت لتفوقها ودا من الكلية..صح كدا.
مسح على خصلاتها بحنان وأردف
حبيبي معرفش بتتكلمي على إيه المهم قومي نتغدى علشان جعان.
أومأت له وأشارت إلى ثيابها
هغير هدومي وأنزل.
..بينما هي نهضت لتبديل ثيابها..
دلف غرفة طفلته وجدها تقوم بترتيب كتبها اقترب إليها بعدما وجدها منشغلة بكتبها
شمسي ..
التفتت إليه سريعا
بابي ..حضرتك دخلت امتى
اجهزي علشان نتغدى
حاضر ..خرج الياس ثم اتجهت تنهي ماتفعله استمعت إلى طرقات على باب غرفتها ثم دخول يوسف
شوشو ياله علشان نتغدى
اومأت له وقالت ببراءة
بابا جه وقالي
ضيق عيناه ينظر إليها بصمت ثم اقترب
اوعي يكون كان جاي علشان عرف درجة الامتحان
هزت رأسها بالنفي وردت
لا هو ميعرفش
ابتسم بخبث على برائتها وقال وهو يستدير
لو عرف هيرميكي في الغابة..!!
بعد دقائق اجتمع إلياس مع أطفاله على طاولة الطعام..
جلس ينظر إلى يوسف بنظرة تفحص قبل أن يسأله
عملت إيه النهاردة في المدرسة
رفع يوسف كتفيه بلا مبالاة
مفيش جديد يابابا بس حصة الساينس كانت رزلة شوية..فقولت البركة في حضرتك.
أمال إلياس رأسه ساخرا
يعني كانت رزلة وماحضرتهاش
حاجة رزلة أحضرها ليه!.مالي أنا ومال Cell Division الانقسام الخلوي
و Reproduction
و Reproduction حد قالهم هدخل طب أنا لو وصلت مدرس تاريخ يبقى يحمدوا ربنا..
توقف إلياس عن تقليب طعامه ورفع عينيه إليه بتركيز
ومين قالك إني هتنازل عن الطب
أنا بقول لحضرتك مش أنا صاحب الشأن..وبعدين حضرتك عمرك ماضغطت علي يعني حضرتك الغلطان.
أطبق إلياس شفتيه بصمت كأنه يحاول ضبط أعصابه ثم حول نظره إلى شمس
تعالي جنبي هناقاعدة هناك ليه
ترددت شمس قليلا وقالت بصوت خافت
حضرتك هتزعل مني عشان ال gradeيوسف قال إنك هترميني تاني في الغابة.
التفت إلياس بحدة إلى يوسف لكنه تظاهر بالبراءة
كذابة متصدقهاش وبعدين بابا دا أحن أب في الدنيا اسقطي وإنتي تعرفي إنه مش هيقولك حاجة.
في تلك اللحظة وصلت ميرال سحبت مقعدها وجلست بينهم
شموس حبيبة مامي عاملة إيه
أنا كويسة بس بابي زعلان من يوسف عشان بيكذب.
يافتانة مش إنتي قولتي بابا شرير قالها يوسف بحنق.
ابتسمت ميرال محاولة تهدئة الموقف لكن قاطعها إلياس
أدبا ليك هتاكل في المطبخ.
توسعت عينا ميرال بدهشة
إلياس! إيه اللي بتقوله دا
وقبل أن يجيبهم دخل أرسلان يضحك
حماتي بتحبني ولا إيه.
هنا هب يوسف مستغلا الوضع
كنت لسة بقول لبابا عمو هيجي يصالحك بس هو رافض حتى طلب مني آكل أنا وإنت في المطبخ.
ضيق أرسلان عينيه متسائلا
دا بجد ولا هزار..التفت إلى إلياس الذي يطالع ابنه بصمت مع ضحكات ميرال فقال بجدية
للدرجة دي لسة زعلان وبتطلب من ابنك كدا.
اقعد ياأرسلان..إنت صدقت.
هتفت بها ميرال ولكنه تطلع إلى إلياس
إنت قولت كدا ولا لأ.
أه..قصدي لا..
تنحنحت ميرال ثم تمتمت
دا مقالب يوسف بس..اقعد
ياأرسلان.
أشار إليه إلياس
هتصدق المتخلف دا ماإنت عندك عينة منه.
جلس أرسلان بجوار يوسف وسأله ضاحكا
عملت إيه في أبوك تاني
ولا حاجةهو بس اللي عايز يتخانق وخلاص
ارتفعت الضحكات على الطاولة حتى ميرال أشارت لأرسلان أن يتناول طعامه
استنى هجيب طبق ياأرسلان..قالتها ونهضت.
أومأ موافقا ثم التفت إلى يوسف يلاطفه
خف شوية على أبوك يا عم..
زم شفتيه وهو يبعد بنظراته عن والده
والمصحف ماعملت فيه حاجة..أنا بس طلبت منه يشرحلي
Asexual Reproduction
ومن ساعتها وهو مش على بعضه.
اتسعت عينا أرسلان بدهشة وأشار ليوسف
الواد دا بيقول إيه!
وصلت ميرال وجلست بهدوء فأشار إلياس إلى الطعام وعيناه على يوسف
عمك أرسلان شاطر في الساينس علشان كده هسيبك يومين إنت وهو تغرقوا في الساينس بتاعك.
توقف يوسف عن المضغ وحدق في والده بريبة
ليه وحضرتك هتعمل إيه
ضحك إلياس بخبث وعيناه تلتمعان بانقلاب ملامحه وقال
أجازة يومين.
التفت يوسف بسرعة نحو والدته لكن ميرال كانت منشغلة بإطعام شمس ..فاستدار لوالده بلهفة
أجازة إزاي يعني الامتحانات على الأبواب!.
وماله ياحبيبي إن شاءلله تكون على الشباك إحنا قدها.
ابتسم إلياس بانتصار على ارتباك يوسف وغمز لأرسلان
يبقى فهمه كويس بقى
Cell Division
أصله ناوي يدخل طب.
هب يوسف من مكانه ثائرا
أنا هدخل دبلوم صنايع وأكون صايع إن شاء الله..
انفجر أرسلان ضاحكا وهو يردد
ياويلي عليك ياابن إلياس.
ظل إلياس يتابعه بصمت حتى اختفى ثم التفتت ميرال إليه بعتاب
مش ملاحظ إنك بتضغط عليه
ياإلياس سيبه يختار اللي هو عايزه.
زفر بضيق وقال بصوت يحمل بعض القلق
الواد في مرحلة خطيرة ياميرال مش عايز أشد عليه زيادةبس لازم أكون قاسي شوية إنتي مش شايفة أفعاله..
تدخل أرسلان مبتسما
إلياس صح بلال برده بيضغط عليا في نفس الموضوع.
تناول الجميع طعامهم وسط أحاديث متفرقة وضحكات خافتة.
بعد قليل صعدت ميرال تحمل طبقا من الفاكهة..وجدته يؤدي تمارينه الرياضية بتركيز فجلست تنتظره حتى انتهى..مسح العرق عن جبينه واقترب منها يدقق بملامحها ثم أردف بتساؤلا
أنتوا مسافرين صحيح
هزت رأسها نافية بابتسامة خفيفة
بابا كان بيهزر معاكالمهم تعال اقعد عايزة أتكلم معاك في موضوع مهم.
باليوم التالي ظهرا..
وصلت إلى الحارة..ترجلت من السيارة وسط ترحيب الأهالي وسلاماتهم المتتالية عيونها تلمع بالسعادة من حرارة الاستقبال وكأنها عادت طفلة يعرفها الجميع.
بعد دقائق صعدت درجات
الدنيا كلها نورت النهاردة..حبيبة قلبي
حبيبتي وحشتيني أوي.
وإنتي كمان وحشتيني ياروحي قالتها قبل أن تهرع هند من الداخل تقفز كطفلة وجدت أمها بعد غياب
أبلة ميرال.
حبيبتي وحشتيني إنتي كمان.
نظرت نعيمة إلى إلياس الذي وقف على الباب وأشارت له
أهلا بيك يابني البيت نورهو مش قد المقام بس
لم يتركها تكمل صافحها باحترام ودلف إلى الداخل معها بينما ميرال تتأمل المكان بعينين ممتنتين
مبروك ياطنط
نعيمة تجديد البيت.
حبيبتي ياميرو تسلميلي..الحمد لله ليه نبخل على نفسنا يابنتي
بعد دقائق كانت نعيمة قد أعدت مائدة عامرة ونادت بحماس
يلا أنا مأكدة عليكي لازم تتغدوا معايا.
مال إلياس نحو ميرال وهمس
أنا مش هاكل خلصي عشان نمشي..ورايا شغل.
طالعته ميرال برجاء
وحياتي ياإلياس بلاش تزعلها هتفكر إنك قرفان..كل أي حاجة اجبر بخاطرها.
تنفس باستسلام واتجه للطاولة توقف أمام الأطباق بعينين متسعتين
إيه دا ياميرال
سحبت المقعد له وهي تضحك
ماتاكلش ياإلياس اشرب مية بس المهم اقعد لو سمحت..الناس دي مبتفكرش بالطريقة اللي بتفكر بيها اعتبرها حاجة علشان ترضيني.
جلس متذمرا عيناه لا تفارق الأطباق حتى جاءت نعيمة حاملة المزيد وهي تضحك
سي فود يابني أنا معرفش إنت بتحب إيه وميرال ماقالتش فعملت كل حاجة على الله تعجبك..هو إنت أي حد برضه..كفاية إنك جوز حبيبة قلبي.. على فكرة ياميرو عملت لك المحشي اللي بتحبيه..مش نسياكي لتفتكري إني اهتميت بجوزك بس.
تسلم إيدك ياحبيبتي مكنش فيه لزوم لكل التعب دا.
اسكتي إنتي ومالكيش دعوة.
وقعت عينا إلياس على الحمام فرفع حاجبيه بدهشة
حمام..معقول..دا حمام فعلا
ضحكت ميرال تهز رأسها
مش بتقولك عملالك كل الأنواع
بتهزري ياميرال!
لكن نعيمة لم تمهله فقد عادت تحمل طبقا آخر ثقيلا وضعته أمامه بابتسامة فخورة
خد يابني دي الكوارع..أصل الرجالة بتحبها.
نظر إلياس للطاولة ثم لميرال ثم تنفس بعمق وأغمض عيناه محاولا الحفاظ على التمسك بأعصابه
ميرال لازم تأكلي جوزك كوارع
هنا هب واقفا فجأة عيناه متسعتان وهو يتأمل الأطباق الكثيرة
لا كدا كتيرإيه الحاجات دي كلها!.
جذبته ميرال للجلوس بسرعة بعدما لمحت نظرة الحزن بعيني نعيمة وقالت بابتسامة
طنط نعيمة متزعليش من إلياس هو بس أول مرة يشم ريحة الأكل بالسمنة البلدي.
تسمرت نظراته نحوها بدهشة
سمن إيه
ضغطت ميرال على قدمه بخفة وهمست مبتسمة
ريحته تجنن مش كدا
أوووي..قالها بنبرة ممزوجة بالاختناق
رفعت نعيمة قطعة حمام باتجاه فمه بحماس
طيب دوق وقول رأيك.
لكن ميرال سارعت تسحب الطبق من يدها تكتم ضحكتها من تعابير وجهه
أنا هأكله ياطنط تعالي اقعدي.
جلست نعيمة ثم تذكرت فجأة
يوووه..نسيت البط.
بط!
قالها إلياس وهو يحدق بالطعام والغثيان يتسلل إلى ملامحه
ميرال هو دا حقيقي ولا عاملين فيا مقلب
أسندت ميرال ذقنها إلى كفيها تحدق فيه بحب رغم نفوره فقد أسعدها تحمله لأجلها
إلياس حبيبي مفيش حد بيموت من الأكل الدسم.
تنهد مستسلما
أيوة عندك حق.
مد يده لأحد الأطباق لكن نعيمة أسرعت تقول
لا لا دا مايتاكلش بالشوكة..لازم كدا قطعه وكله كدا.
دفعت اللقمة إلى فمه فارتفعت ضحكات ميرال
أيوة ياطنط والله مغلبني في الأكل.
جلست نعيمة بجواره تقطع الطعام أمامه ثم نظرت لميرال مبتسمة
جوزك ضعيف كدا ليه يابنتي هو إنتي مش بتأكليه
أمال إلياس رأسه ناحية ميرال وتمتم بنبرة حائرة
الست دي بتقول إيه ميرال
كبحت ميرال ضحكتها بصعوبة وهمست له
بتقول أغذيك ياحبيبي..أصلك ضعفان وصعبان عليها.
رفع حاجبيه بدهشة
صعبان عليها! هو أنا شحات!
تدخلت نعيمة وهي تلكز ميرال بنبرة عتاب
إنتي مش بتحطي أكل لجوزك ليه
يابنتي
سكبت أمامه بعض الطعام ثم أمسكت بطبق آخر لكن إلياس توقف فجأة وقال
هو فين المطبخ
تجعد جبينها مستغربة
ليه يابني..محتاج حاجة
ابتسم بمكر
لا أبدا..بفكر أروح آكل من الحلة مباشرة أصل الأطباق دي صغيرة.
قالها وهو يرمق ميرال التي انفجرت ضحكا دون أن تستطيع كتمها.
بعد عدة ساعات خرجت من الحمام تجفف خصلاتها بمنشفة صغيرة استمعت إلى طرقات على باب الغرفة
ادخل..دلفت الخادمة تحمل صندوقا ورقيا مزينا
إلياس باشا بعت لحضرتك دا.
أومأت لها فوضعته أمامها ثم خرجت بهدوء..
مدت يدها تفتحه فتحته إذ به بطاقة مزينة يدون عليها باللغة الفرنسية
Je taime أحبك
انتفض قلبها بالسعادة لتخرج ذاك الرداء الأحمر الناعم رفعته تتفحصه بعيونها اللامعة..يبدو أنه ذو ماركة عالمية..أفلتت ضحكة ناعمة
معقول يكون هو اللي اشتراه.
ارتفعت ضحكاتها تتمتم
ياترى ناوي على إيه ياحضرة الظابط.
تذكرت حديثه بالأمس..
ضربت بخفة على وجنتيها
يامصيبتي ليكون بيتكلم بجد ارتفع رنين هاتفها..سحبته وضحكت بعدما وجدت اسمه ينقش على الشاشة
ألو.
عجبك..ضحكت بخبث
إيه هو دا..
علم أنها تراوده فرد عليها بنفس أسلوبها
على الجانب الآخر..
ضحك باستمتاع ولكن قاطعه دخول أرسلان وهو متجهم
خارج رايح..معرفش المدرسة اتصلوا بيا.
التفت إليه إلياس بتساؤل
بلال!
أومأ أرسلان وهو يمسح على وجهه بتعب
آه..الواد دا مش عارف أسيطر عليه خالص.
ضحك إلياس بخفة
خليه يربيك تستاهل.
اسم الله عليك..شوف مين اللي بيتكلم..
طيب سيبك من العيال أنا عايز منك طلب.
جلس أرسلان في هدوء يستمع بانتباه حتى انتهى إلياس من كلامه ثم سأله
ودا عايزه لمين
رفع إلياس حاجبه ساخرا
ليوسف.
ضحك أرسلان بخبث
لا والله..هو الواد يوسف أول
ماشطح نطح!.
ثم مال على مكتبه ببطء ينظر لإلياس بمكر
بس ماقولتش الورد بريحة ولا ريحته تخنق يوسف خايف يموت فطيس
ضحك إلياس وهو يسحب ذراع أرسلان بقوة حتى كاد يسقط على وجهه
أيوة كده علشان تتعلم تميز ريحة الورد..وياريته بلدي أحمر كمان..وخلي بالك من الشوك..
تجمد أرسلان لبرهة وهو يحدق فيه بذهول
هو فين الحج اللي كان قاعد هنا!
التقط إلياس قلما وألقاه عليه ضاحكا
جهز اللي بقولك عليه يلا من غير فصال.
طيب ياسيدي هجهزبس مش هيكون في البيت.
لا عايزه في البيت
تمام..اديني ساعتين.. وأنا هاخد الولاد عند ماما ونبات كلنا هناك.
ياريت..كلمتها الصبح كانت زعلانة من إسلام..أهو يغير مودها شوية.
تنهد أرسلان بحزن وقال
ماتخافش عليها..وإن شاء الله هاخدها في رمضان ونعمل عمرة أنا وهي.
ربت إلياس على كتفه بابتسامة هادئة
إن شاء الله ياحبيبي..يلا أنا عندي شغل عايز أخلصه لازم أعدي على طارق يزن بيشتكي منهبقى منطوي أوي.
أومأ أرسلان وهو يتنهد
أنا مش عارف أقولك إيه بس كان الموضوع يتحل بطريقة أحسن من كده.
رفض إلياس بنبرة حاسمة
أرسلان دول كانوا بيتقابلوا ويتكلموا في التليفون..أنا وثقت فيه وهو خان الثقة..أعمل إيه وأبويا رافض هرجع أكرر المعاناة تاني كده أحسن..الكل ممكن يزعل شوية بس هيفوق.. منكرش..غادة متأثرة بس كله هيعدي..أنا كنت مراقب من فترة بس محبتش أدخل بس توصل لشقق لو حد شافهم يقول إيه.
أيوة بس دي حالات خاصة.
متقنعنيش الغلط غلط اللي هيشوفهم مش هيقول كدا أصلا كلامهم غلط.
ربت أرسلان على كتفه وقال
مش عارف أقولك إيه بس طارق صعبان عليا.
أنا مش بإيدي حاجة صدقني مش عايز نرجع لنقطة الصفر مصطفى السيوفي مش مجرد شخص رباني أكيد إنت فاهم قصدي.
خير إن شاءالله كله هيعدي.
طيب ورانيا
قضيتها عند راكان البنداري بتفرج من بعيد اشوفه هيوصل معاها لأيه وازاي بعد البلاوي دي كلها تخرج
هتاخد جزائها متخافش..قالها ارسلان وغادر ..بينما جلس إلياس يردد
هتاخده بس بطريقة إلياس ياارسلان ..
استمع الى رنين هاتفه
ايوة ياماما ..!!
ممكن تعدي عليا بعد الشغل محتاجك ضروري
نظر بساعته ثم نهض من مكانه
هعدي عليكي دلوقتي اسف بالليل مش هينفع خارج مشوار مع ميرال
تبسمت فريدة واردفت
كل سنة وانتوا مع بعض ياحبيبي ميرال لسة مكلماني وبتقولي النهاردة عيد جوازكم
ابتسم ورد
انا مقولتش حاجة شكل بنتك طمعانة في هدية ولا ايه
إنت هديتها ياالياس ..هستناك
تمام
بمنزل اسحاق
جلس على طاولة الطعام شاردا تحدث حمزة
بابا عمو هنزور عمو ارسلان امتى
لكزته دينا بعدما وجدت صمته
فيه ايه ..!!
أشارت بعينيها على نجلها وقالت
حمزة بيسأل هنروح امتى لأرسلان
بكرة ياحبيبي..قالها ونهض يسحب سجائره
خليهم يعملولي قهوتي يادينا
ماأكلتش . وقال
شبعت بالهنا انتوا التفت إلى حمزة واردف
لما تاكل حبيبي تعالى علشان تحكي لي ايه اللي حصل معاك
حاضر يابابا
بمنزل يزن
كانت ضحكات أطفاله تعبأ المكان دلفت إليهم رحيل تحمل الفواكه وضعتها على الطاولة وتسائلت
ايه الضحك دا كله
رفع أسر ذراعيه بسعادة
ماما أنا كسبت بابا ووعدني هيجيب مكنة
مكنة ..!! رددتها بدهشة
توقف يزن بعدما ترك الجهاز الالكتروني وقال
كمل مع اختك لعب عايز مامي في موضوع..قالها وهو يسحبها لخارج الغرفة إلى أن وصل غرفتها
فيه ايه بتشدني كدا ليه
إنتي ليه رحتي لرؤى المستشفى يارحيل
اتصلوا بيا يايزن بعد
ضيق عيناه وتسائل
ازاي يعني !!
أشارت إلى الهاتف وقالت
كلم الدكتور وافهم منه أنا ماليش دعوة..قالتها وخرجت
مين دي اللي طيبة يابت!.إنتي مصدقة نفسك بعد اللي عملتيه
أطلقت نظرة ماكرة
إيه رأيك مش أنفع أكون سوبر ومن
قهقه
سوبر مين ياختي! إنتي أخرك تبقي زي الست الشريرة اللي كنتي بتتابعيها وإنتي صغيرةروبنزل دلدلي شعرك.
انهالت عليه بلكمات خفيفة وهي تضحك
أنا كدا!.والله إنك ناكر الجميل.
مط شفتيه كأنه يتظاهر بالتفكير
ناكر الجميل لأ الصراحة مقدرش أقول كدا ب
طالعته بابتسامة أزاح خصلاتها عن وجهها يحدق في عينيها ب
المهممكملناش كلامنا إمبارح وحضرتك ضحكتي