روايه للكاتبه سيلا وليد
إليها اكتفى بفتح هاتفه يتصفحه ببرود..صعدت درجات المنزل وضغطت على الجرس عدة مرات حتى فتح الباب.
_ عامل إيه ياطارق بتصل بيك وتليفونك مقفول عايزة أتكلم معاك.. هستناك في العربية لازم نتكلم.
لم تكمل جملتها ليقاطعهما صوت أنثوي من الداخل
_البيتزا وصلت ياطاروقة.
_ حبيبي مش قولت دا بتاع الدليفري
شعرت غادة أن الأرض تميد تحت قدميها وأن روحها تنفصل عن جسدها..لحظة مميتة كأن صدرها ينشق بشهقات لم تخرج..تجمعت الدموع في عينيها ثم رفعت بصرها إليه بصوت مختنق
_ ليه بالسرعة دي هو أنا كنت غلط يعني كلامهم طلع صح!.
حاوطها بنظرات اشتياق تنبثق من عينيه
انتي عايزة ايه ياغادة احنا مش هننفع لبعض ودي حياتي من قبل مااعرفك حاولت اغير من نفسي بس معرفتش
هنا انهارت دموعها انسابت بغزارة حتى حجبت الرؤية عنها استدارت سريعا تخطو بخطوات واسعة متعثرة كأنها تهرب من خنجر انغرس في صدرها..وجهها غمرته الدموع ولم تعد ترى الطريق أمامها سوى بعينين غارقتين .. استقلت السيارة بجسد يرتجف بشهقاته
_ امشي يامالك بسرعة.
رفع عيناه في المرآة ينظر إليها بتفحص بعدما استمع إلى صوتها الباكي التفت إليها سريعا
فيه إيه إيه اللي حصل.
صاحت فيه بغضب بعدما رأت قدوم طارق
_ بقولك امشي مابتفهمش.
قاد السيارة بصمت..دون أن ينطق بحرف واحد.
بعد فترة توقف أمام النيل استدار برأسه نحوها بصوت منخفض
_ لو حابة تقعدي شوية هنا.
رفعت عينيها الغارقتين بالدموع تحدق فيه بصمت مثقل قبل أن تلتفت لتفتح باب السيارة بيد مرتعشة وترجلت منها..بدأت تخطو خطوات متعثرة كالتائهة وسط دوامة من الألم ثم توقفت فجأة تسمح لقلبها أن ينفجر..انفجرت بنشيج مرتفع يهز سكونها المميت حتى فقدت توازنها وسقطت على ركبتيها تبكي بلا توقف.
أغلق هاتفه سريعا بعدما أنهى حديثه مع إلياس ثم ترجل من السيارة بخطوات مسرعة بعدما وجد حالتها مشيرا لسيارة الأمن الأخرى بالابتعاد عن المكان كأنه أراد أن يترك لها مساحة للانهيار بعيدا عن العيون.. اقترب منها يساعدها على الجلوس عيناه تلتقطان كل دمعة تهوي من مقلتيها وقلبه ينفطر رغم صمته.
لم يقاطع بكاءها..ابتعد عنها بضع خطوات يتظاهر بأنه يمنحها حريتها لكن عينيه المرهقتين تتجولان بين الأفق وبين ملامحها ينظر بالأجواء بحذر رجل أمني ونظرات عاشق تتكسر روحه لرؤيتها في هذا الحال.
ظلت لفترة ليست بالقليلة تبكي حتى ضاع صوتها هنا انتصر القلب ليقترب منها جلس على الأرض قبالتها غير آبه بملابسه الرسمية .
همس بصوت مبحوح مرتجف رغم محاولته الثبات
_ لازم نرجع على البيت الوقت اتأخر..
قالها وتحرك الى السيارة ..ساعدها بالصعود ثم استدار إلى القيادة..
بعد دقائق رفع هاتفه وهاتف إلياس
_هنروح عند إلياس باشا ودا الأفضل.
لم ترد عليه ظلت تنظر للخارج بصمت موجع بعد قليل وصلت إلى منزل إلياس الذي كان بانتظارها اقترب من السيارة وساعدها بالنزول
_ مالك شوف أرسلان محتاج إيه وإن شاءلله من بكرة سلم محمود فريق الأمن وإنت ارجع الشركة وشوف المطلوب.
تحت أمرك ياباشا. واستدار مغادرا..
بمنزل يزن..
جلس بجوار نجله ينهي معه واجباته استمع الى رنين هاتفه فتح الهاتف
زيزو حبيبي.
رد على الجانب الآخر
عامل إيه ياأبيه وحشتني.
_أنا كويس حبيبي أخبارك إيه وإيمان وكريم عاملين إيه.
كلنا كويسين الحمدلله أبيه كريم اتعين بالجامعة أستاذ مساعد.
أوووه مبروك..وإيمان عاملة إيه ويزن الصغير.
حلوين كلنا الحمدلله إن شاءلله هننزل إجازة آخر العام.
ترجعوا بالسلامة سلملي على إيمان وكريم.
قالها بدخول رحيل
_ العشا جاهز..التفت إلى آسر
خلصت حبيبي.
أومأ وهو يمد يده إلى والده بدفتره
_ شوف كدا حضرتك أنا حليت زي ماحضرتك شرحت ودا تعبير عن الظلم شوفه كدا.
رفع دفتره للحظات ثم رفع عيناه إلى زوجته
_ دي ماما تشوفها بقى.
أمسكت الدفتر وبدأت تقرأ مادونه نجلها..لاحت ابتسامة على وجهها قائلة بفخر
_ ابنك مستقبله وكيل نيابة إن شاء الله..لا دا تعبيره مرافعة بامتياز لتقرأ بصوت مرتفع
قالوا قديما العدل أساس الملك فحين يغيب العدل ينهار كل شيء ولو بدا شامخا للحظة..والظلم وإن طال لا يملك الخلود..لأنه يزرع شوكا في الطريق يعود ليمزق من غرسه..
الظلم ياصديقتي هو سواد يتسرب إلى الأرواح قبل العيون يسرق منها طمأنينتها ويتركها هائمة بين أوجاع لا ترى وجراح لا تضمد..هو أن يسلب منك الحق وأنت تعلم أنك على بينة
فاعلم ياقارئي
دعوة المظلوم لا تحتاج إلى وسيط ولا حاجزا بينها وبين الله فهي تصعد مباشرة إلى السماء محمولة بدموع المقهور وأنين القلوب.
ولا تنسى ياصديقي قول الله تعالى
ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ۚ إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار
وكذلك قول سيد الخلق حين قال
اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة
ظلت عيناها تتنقل بين كلمات ابنها بعيون سعيدة إلى أن أنهت كلماته
_أحسن وكيل نيابة في الدنيا.
نهض يزن من مكانه وطالعها مقتربا منها يهمس بخفوت
_ متعلقيش الولد بحاجة مش هتحصل يارحيل..رفعت عيناها إليه بذهول
_ إيه اللي بتقوله دا!.إن شاءلله هيكون له مستقبل حلو.
لمعت عيناه بدمع عصي يتمتم بصوت مختنق
_ إن شاءلله حبيبتي..قالها ثم أشار الى الخروج وهو ينظر الى آسر
_ لم حاجاتك ياحبيبي وياله علشان نتغدى ونروح عند عمتو شوية.
أطلق صفيرا طفولي
_ أحسن أب دا ولا إيه. قائلا
_ لا ولسة في هدية حلوة على التفوق شوفت بابا كريم إزاي..قاطعهم دخول رولا
_ وأنا لأ..طيب أنا زعلانة..قالتها وهي تعقد ذراعيها وتصنعت الحزن وهي تبتعد بنظراتها عنه.
ابتسم على حركات طفلته فاقترب منها
_ مين اللي قال كدا بس طبعا أحسن هدية لحبيبة بابا بس لسة مشفتش نهاية الرسم بتاعك دا.
_ يووو يابابا ماأنا قولت لحضرتك أنا بحب الرسم أوي بدل ماتنمي موهبتي تحبطني.
استدار إلى رحيل التي تتابع حديثها بصمت ثم قال
_ دي تتفقي فيها مع ماما لو وافقت أنا معنديش مانع.
هزت ذراعيها
_ كدا عرفت مفيش رسم تاني..قالتها وتحركت للخارج بخطوات غاضبة..
اقترب يزن منها وتساءل
_إيه اللي حصل مالك ومالها.
_ مش عجباني يايزن حاسة حياتها كلها تافهة مفيش مذاكرة غير موضوع إنها بتقلد صاحبتها مفيش حاجة في دماغها لنفسها اتكلمت معاها كتير وبرضو مفيش فايدة قولت لك زمان البنت مدلعة مينفعش نسيبها لنفسها.
حاوط أكتافها والتفت لابنه
_ حبيبي ياله علشان نتعشى
_ رحيل طول ماإنتي بتغضبي عليها كدا عمرها ماهتسمع منك طيب أقولك حاجة بس متفهمنيش غلط.
غرام اتكلمت مع ضي وحاولت تبعدها عن الباليه وكلنا عارفين البنت مغرمة بكدا ورغم محاولاتها ورفض البنت مايئستش سبتها لحد ماتشوف أخرها إيه أنا متأكد الحفلة مكنتش موافقة عليها بس وافقت مجبرة علشان البنت خلاص ماينفعش تحرمها من حاجة بتحبها لازم تبعد من نفسها بعد محاولاتك بس بطريقة ذكية ياروحي.
تطلعت إليه بعدم اقتناع
_يعني أسبها لحد ماتغلط ولا لحد ماخلاص مايكونش ليا سلطة عليها!.
وعلى فكرة ضي دي رغبتها وهوايتها بس بنتك بتقلد يايزن معندهاش طموح ولا بتغير من نفسها.
_ البنت لسة صغيرة يارحيل.
يايزن مش صغيرة دي عدت عشر سنين.
قاطعهم صوت الياس بالخارج أشار إليها بالدخول بينما هو خرج إلى إلياس..
بمنزل الياس..
كانت تبكي الى أن جفت دموعها وذهبت بنومها العميق من يراها يقسم أنها لا تريد العودة للحياة مرة أخرى.
وضعت ميرال رأسها على الوسادة بهدوء ثم دثرتها وتحركت للخارج بعدما أغلقت الإضاءة..هبطت إلى الأسفل بدخول إلياس
عرفت إيه اللي حصل بينها وبين طارق.
هز رأسه بالنفي وقال
_ مكلمش يزن ولا حتى يزن شافه من يومين..اقتربت منه
_إلياس خلاص بعد حالة غادة دي الموضوع انتهى مكنش المفروض يتقابلوا
أصلا إيه اللي خلاك تطلب منها كدا.
_ كان لازم تمسح صفحته للأبد ياميرال بإيديها مكنش ينفع يفضل كل واحد منتظر التاني..
هزت رأسها باقتناع ثم قالت
_ طيب سألت مالك.
مسح على وجهه وزفر بغضب
_ أروح أقوله أختي مالها هو كلمني وقالي طلعت لطارق مكملتش دقيقتين ونزلت منهارة.
باليوم التالي بقصر الجارحي..
فتح الباب بعنف وتسارع بخطواته كمن يريد أن يحطم المكان فوق رؤوس ساكنيه..توقفت إحدى الخادمات مرتبكة
فاروق موجود.
أيوة يافندم اتفضل هديله خبر..هو لسه راجع هو والمدام.
لم يرد إسحاق فقط هز رأسه باستخفاف وعيناه تلمعان بلهيب حارق..دلف إلى الداخل وتطلع إليها بنظرات مسمومة حتى استقرت على أحلام.
ابتسمت باستهزاء
إسحاق..أخيرا افتكرتنا.
توقف يرمقها بصمت ثقيل ثم قال بصوت أجش يقطر سخرية
إنتي لسه عايشة أوبس آسف قصدي مش المريض بيكون نايم ولا حضرتك مش مريضة
تقدم منها بخطوة عيناه مغروستان في عينيها كخناجر
إزاي تفكيرك شيطاني كدا إزاي قدرتي تتحكمي في فاروق
ارتجف طرف ابتسامتها لكنها تماسكت
مش يمكن..علشان بيحب أمه ومش عايزها تغضب عليه
قهقه بمرارة وهو يضرب كفه بكفه
آه قولتيلي تغضب عليه طيب اغضبي عليا..والنبي لتغضبي عليا.
قطع سخريته مع وصول فاروق الذي قال بصوت مرتعش
إسحاق!
التفت إليه إسحاق وأفلت ضحكة مبحوحة حتى لمعت عيناه بالدموع
أهلا ياعريس..مش كنت تعزمني دا حتى إحنا أخوات
شهق فاروق
إسحاق اتجننت بتقول إيه!.
تجاهله وانقض بنظره نحو أحلام
أنا جاي أسمع أخويا الكبيرعايز أشوفه هيدافع عن نفسه قدامي.
اقترب بخطوة ثم انحنى حتى كاد أن يلتصق وجهه بوجه فاروق وعيناه تحترقان
إنت إزاي قدرت تخدعني كدا
حاول فاروق أن يسيطر على صوته
لتقف احلام بمقابلة اسحاق
_ قول لأخوك ممكن يهدى علشان نعرف نتكلم
قاطعها إسحاق يزمجر
إنتي تسكتي قولها تمشي من هنا يافاروق بدل ماأعمل حاجة تندم عليها..دي حتى ملك ماسلمتش من أذاها!
ضاقت عينا فاروق بذهول
مالها ملك
قهقه إسحاق يصفق بيديه كالمجنون
هو أنا ماقولتلكش
تجمد فاروق وشهق كأن صدره انقبض فجأة
إيه بيبي..ملك كانت حامل
ابتسم إسحاق بسخرية سوداء
آه آسفماهو إنت عريس هتفتكر إيه ولا إيه..أنا مش جاي أحاسبك دلوقتي أنا جاي أسأل سؤال واحد صفية الله يرحمها عرفت إنك اتجوزت عليها قبل ماتموت
أطرق فاروق رأسه وثقلت الكلمات على لسانه..قاطعته أحلام بصوتها المسموم تتلذذ بالطعنة
آه عرفت.
اقتربت منه بخطوات ثابتة نظراتها تلمع بشماتة
ومش بس عرفتأنا اللي جبتها هنا في بيتي علشان تعرف قيمتها..كانت مفكرة حتة الولد اللي ربته يكسر أحلام الجارحي لأ أنا اللي قهرتها..ومش كفاية كمان
ابتسمت ابتسامة بطيئة تقطر سما
عايز أكتر من كدا ياإسحاق
لحظات صمت قاتلة ورغم أنها لحظات إلا أنه شعر بأنها أعوام رفع نظره إليه وتقابلت نظراته المذهولة بأعين أخيه التي لمعت بالدموع
أنا مش مصدق حقيقي مصدوم إزاي دا كله يحصل وأنا معرفش للدرجة دي المسافة بينا كانت بعيدة!.
حاول النطق ولكن شعر بأن لسانه ثقيلا فنزل ببصره للأسفل نهض إسحاق من مكانه يترنح وكأن أحدهم طعنه دون رحمة تمتم فاروق بتقطع
إسحاق..استدار إليه سريعا
مبقاش ينفع مبقاش ينفع تقول إسحاق يافاروق..خلتني عيل صغير قدام الولد وهو مفكر إني كنت عارف..ليه عايز أعرف إيه اللي خلاك تعمل كدا!
نهض فاروق من مكانه واقترب منه
أنا مكنتش موجود ولا كنت أعرف..نظر إلى احلام
ماتقولي له الحقيقة ياماما.
ردت أحلام وهي تنظر إلى إسحاق بقوة
حقيقة إيه يافاروق..إنت راجل ومن حقك يكون عندك وريث إيه كنت هتفضل لحد إمتى تقنع نفسك إن أرسلان ابنك أهو غدر بيك ورجع لأهله ودا كله تخطيط من مراتك العقربة علشان تعرفك إنك ضعيف.
بااااااس..صوتك بيخنقني..إنتي إزاي كدا نفسي أعرف إنتي إزاي أم..إيه حكمة ربنا إنك تكوني أمي أنا حقيقي بتمنى من كل قلبي إني أكون مش ابنك.
بس إنت ابني ياإسحاق أنا قدرك الأسود وإحنا الاتنين عارفين.
امشي من هنا بدل ماأعمل حاجة تندمي عليها..خرجت بعدما رمقته بنظرة كارهة.
كلم أرسلان ياإسحاق.
اسكت..نطق بها من أسنانه يمسح على
________________________________________
خصلاته بغضب
أنا مستحيل أسامحك والله كنت شاكك كنت حاسس فيه حاجة غلط مستحيل صفية تبعد بالطريقة دي..
لكم الحائط وصاح بغضب
أنا إزاي كنت متخلف كدا إزاي مفهمتش الموضوع كبير..
آااااه صرخ بها وهو يطيح مافوق مكتبه ثم رفع رأسه وأشار إليه بعيون كادت أن تخرج من محجريها من الغضب
دلوقتي يافاروق دلوقتي لازم تفضي القصر دا إنت مبقتش المالك بتاعه الليل يجي يافاروق تسلم القصر لأصحابه.
إنت باين عليك اتجننت يابن الجارحي..
نطقتها أحلام التي تراجعت مرة أخرى..
ارتفعت ضحكات إسحاق ببرود يضرب كفيه ببعضهما
الله الله..غرس عيناه بعيني والدته
أمي العزيزة..مع إنك مش عزيزة القصر دا ملك أرسلان جمال الشافعي وإمضاء من ابنك نفسه أه لو على الورق اللي أرسلان أدهولك..
عبيطة ياأحلام هانم دا كان ظابط مخابرات خلي فاروق يعرفك معنى الكلمة إيه أنا بقول أحجز لك دار مسنين بما إن ابنك عارف هيقعد فين.
إنت أكيد مجنون هو إحنا أعداءك يابني.
اقترب يمد أذنه إليها
ياااا...إيه!.قوليها تاني كدا مابلاش الشغل الملون دا ياأحلام هانم دا أنا إسحاق الجارحي النسخة المصغرة من أبويا فاكرة أبويا.
هتفضل لحد إمتى كدا يابن الجارحي.
رفع إسحاق صوته وهو يتطلع إلى أحلام بحدة
بقولك إيه ياأحلام هانم علشان
دا أنا هعمل إعلان كمان وأتبرع بنفسي لأي حد عايز يبقى ابنك وهتنازل عن الكنية وكل حاجة..هاخد مراتي وولادي وأسيب البلد كلها إنتي إيه شيطان يسلم عليكي ويخاف على نفسه!
قالها واستدار مغادرا المكان وهو يتمتم
فاروق فضي القصر..بدل ماآجي أنا بنفسي أخرجك.
هوى فاروق على المقعد بجسد يرتجف وعيناه تتابع مغادرة إسحاق كالمشلول.
متصدقش كلامه أنا معايا الورق اللي يثبت تنازل أرسلان.
دقائق إلى أن مدت أحلام الورق إليه ببرود فالتقطه بيد مرتعشة تفحصه ثم رفع نظره نحوها مذهولا
_ تنازل باسم أرسلان فاروق الجارحي! دا مش مثبت أصلا الورق دا كله مزور..حتى الإمضاء دا خط ملك..خط ملك ياأحلام هانم..ليه عملتي كده! أوهمتيني بمرضك ودلوقتي كنتي السبب في موت مراتي! ليه ياأمي أنا قصرت معاكي في إيه
ارتفعت نبرتها مستندة إلى ستار الدين
إزاي تكون حافظ كتاب ربنا ومش عارف يعني إيه رضا الأم وغضبها
أطبق جفونه بشدة ثم صاح
كفاية بقى حياتي كلها اتدمرت بسببك فين ولادي فين مراتي! كفاية
تركها وتحرك وصدره ينهش داخله وغادر يردد بصوت مخنوق
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
بعد وقت وصل إلى المقابر..ترجل بخطوات مثقلة كأن الأرض ترفض حمله..جثا أمام قبر صفية مد يده المرتعشة يلمس قبرها ودموعه تسابق أنفاسه
وحشتيني ياصفية..عارف إنك واخدة على خاطرك مني..أنا ماحبيتش أزعلها في آخر أيامها لما جت وقالتلي عندها كانسر خوفت تموت وأشيل ذنبها.. سامحيني أنا ماعرفتش اللي هي عملته..والله ماكنت أعرف عن أرسلان وملك حاجة كنت بحاول أساعدها في العلاج لما الدكتور طلب مني كدا وهي رفضت العلاج سامحيني والله ماكنت عارف هي بتخطط لقهرك.
ارتفع صوت أرسلان من خلفه كأنه يخرج من جوف القبور
وأديك عرفت يافاروق باشا..ومنتظر حق أمي منكم.
التفت فاروق وعيناه متسعتان وقلبه يخفق بعنفوقف يتأمل أرسلان المتشح بالسواد نظر لعينيه التي شعر بأنها تقدحان بنار لا تهدأ..
نهض فاروق ببطء يهمس بصوت متكسر
وحشت أبوك ياأرسلان
اقترب أرسلان من القبر رفع كفيه بوقار قرأ الفاتحة ثم صدق على الدعاء قبل أن ينحني قليلا ويمسح التراب عن قبرها بحنان وكأنه يمسح على وجهها
اللي كان بينا تحت التراب دلوقتي ربنا يعلم إني كنت ابن بار لكن حضرتك اللي خنت العهد..قهرت أمي واتجوزت عليها بنت الراجل اللي احلام هانم كانت بتحبهقهرت قلبها مرتين
صمت طويل ثقيل حل بينهما قبل أن يرفع أرسلان رأسه بعينين دامعتين وصوت حازم
أنا عايز حق أمي يافاروق باشا.
قالها ثم استدار يصيح بحارس المقابر
اهتم بالزرع هناعايز المكان كله أخضر.
حاضر ياباشا
لمس أرسلان القبر نظرة وداع ثم همس
هرجع لك تاني ياأميعايز أحكيلك عن بلال وضي بس لما نكون لوحدنا.
رفع عينيه نحو فاروق للحظة أخيرة نظرة قاسية ممتزجة بالاشتياق والخذلانثم غادر بخطا واثقة تاركا والده وحيدا ينزف ندمه بصمت.
باليوم التالي
بمنزل إسحاق..
جالسا بحديقة فيلته ينظر الى السماء بعيون حزينة اقتربت دينا تحمل قهوته
_ عملت لك قهوة نزل برأسه وتطلع إليها بصمت سحبت المقعد وجلست بجواره
_ مش هقولك مالك بس حالتك دي بتوجعني معرفش إيه اللي حصل لدا كله إيه رأيك تاخد يومين إجازة ونسافر أي مكان.
هز رأسه بالرفض ثم انحنى يرفع قهوته ارتشف بعضا منها ثم قال
_ إيه رأيك حمزة يكمل تعليمه في أمريكا أنا مش عايزه هنا.
_ إزاي يعني ياإسحاق قصدك نسافر.
تنهد وهو يسحب نفسا وقال
_ إنتي والولاد بس أنا مينفعش إنتي ناسية أنا شغال إيه حقيقي مش عايز الولاد يكملوا تعليهم هنا.
_ بس دا مكنش رأيك في الأول.
اجابها بنبرة ثقيلة
غيرت رأيي يادينا وبنتناقش لو اقتنعتي اهتم لو مش مقتنعة يبقى انسي إني قولت لك حاجة.
تأملت ملامحه الحزينة قائلة
_ حاضر لو إنت عايز كدا أكيد مش هعترض لأنك مستحيل تختار إلا الأصلح للولاد.
أغمض عيناه يمنع دموعه رغم المكان الفسيح الذي يجلس به إلا أنه يشعر بأنه داخل قبر..أدارت وجهه
_ مش هتقولي مالك وإيه اللي حصل عند فاروق خلاك تبقى كدا.
_ مفيش أنا مخنوق شوية بفكر أختم شغلي بقى عايز أتنفس شوية.
اعتدلت تنظر إليه بذهول
_ أكيد بتهزر معقول إسحاق الجارحي اللي روحه في شغله يسيبه!.
مش هسيبه يادينا عايز أرتاح بس قاطعهم وصول عمران
_ بابي حضرتك فاضي.
اعتدل مبتعدا عن زوجته ومد يده يسحبه بجواره
_ ولو مش فاضي يابابي إيه اللي حصل.
_ أنا وحمزة زعلانين من بعض وهو مش عايز يكلمني.
استمع باهتمام إلى طفله الذي قال
_ أنا مكنش قصدي أفتن عليه لحضرتك هو بيقول عليا فتان.
مسح على رأس طفله
_ تمام حبيبي أنا هتكلم معاه وإنت بعد كدا لو سمعت حاجة أو شوفتها بلاش تقولها هو حمزة مش غبي علشان عارف أنا كدا كدا كنت هعرف
اطلع كمل مذاكرتك وشوية هعدي عليكم أنتوا الاتنين
مضت الأشهر التالية كأنها سنوات ولم يتغير شيء..سوى أن رؤى وجدت نفسها خلف القضبان بعد أن قتلت رانيا.
ذهبت ميرال بصحبة إلياس لرؤيتها..
بعد دقائق دلفت إلى القاعة المخصصة للزيارة المكان ضيق الجدران باهتة
أهلا بمرات إلياس باشا..ياترى جاية تعيطي ولا جاية تشمتي
رفعت ميرال رأسها تثبت نظراتها فيها وقالت بصوت حاد لكنه مرتجف من الداخل
لا..جاية أقولك اوقفي قدام المراية واكرهي نفسك أوي.
نهضت واقتربت منها خطوة وتمتمت بكلمات شعرت بأنها تجرح لسانها وهي تخرج
رغم عمايلك معايا كنت معاكي الأخت اللي بجد..بس للأسف دلوقتي مضطرة أعترف
ارتجف صوتها ولمعت عيناها بالدموع ثم انفجر بكل ماكتمته
أنا بكرهك بكرهك أوي أوي..ومش زعلانة على إلياس واللي عمله معاكي.. احمدي
ربنا إن ليكي إخوات زي يزن وطارق لكن ماتحمديش إن ليكي أخت زيي..لأني هدعي عليكي في كل صلاة..إن ربنا يقهرك ويوجع قلبك ويعيشك نفس اللي عشته بس الصراحة إنتي عايشة أصعب منه كفاية وجودك في المكان دا.
قالتها وخرجت بخطوات متعثرة والدموع تنحدر على وجنتيها كالسيل..
فتحت باب السيارة وجلست بجوار إلياس وارتفعت شهقاتها
ششش..اهدي دموعك غالية ومفيش حد في الدنيا يستاهلها.
مش قادرة مش قادرة أكرهها ياإلياس قلبي بيرفض..بكرهها بعقلي بس قلبي بيرفض يصدق.
عشان إنتي بريئة أوي ياحبيبتي..عايزك ترجعي تخربشي تاني ياستي على قلبي زي العسل.
أغمضت عينيها تنتحب
صعبانة عليا ياإلياس لسة صغيرة على مرمطة السجن دي..ليه تعمل كده
ميرال..فوقي من هبلك ده..دي قتلت إنسان.
شهقت وأنا..أنا كنت زيها ليه ماقولتش كده
صمت للحظة كأن الكلمات علقت في حلقه ثم تنفس بعمق وأجاب بصوت متهدج
يمكن..علشان إنتي تستاهلي تعيشي أحسن من كده يمكن علشان قوية وبتتحملي..ويمكن علشانك..الحياة اللي ما أقدرش أسمح إنها تضيع.
رفعت عيناها الباكية إليه
إنت اللي بتقول كدا دقايق وترجع تقولي غبية ومتخلفة مش كدا ياحضرة الظابط.
لا هقولك بحبك أوي..ثم تراجع وقاد سيارته
عند غادة
خرجت غادة من عملها متعبة دلفت السيارة المخصصة لحمايتها ألقت السلام فرد أحد الحراس
_ أهلا أستاذة غادة هترجعي البيت ولا فيه مشوار
ترددت للحظة ثم سألت فجأة
_ هو مالك مجاش ليه
خفض الحارس رأسه وقال بصوت حزين
والدته عملت حادثة.
تشنج جسدها كله شعرت برجفة فتمتمت بصوت مرتعش
لا حول ولا قوة إلا بالله..رجعني على البيت.
بعد فترة وصلت إلى منزلها دلفت لتجد فريدة في جلستها المعتادة أمام التلفاز بعينيها الحانيتين جالت غادة بعينيها
فين ملك
في تلك اللحظة خرجت ملك تحمل طبقا من الكيك بين يديها ضحكت وهي تقول
مفاجأة..
قالتها ورفعت الكيك أمامها بفخر طفولي.
ارتسمت ابتسامة على وجه فريدة وأشارت إليها
إيه نجحتي المرة دي
تدور من حول غادة تصفق وتردد بحماس
أحسن ماما في الدنيا..أنا عملت كيك!.
ظلت ترددها حتى امتلأ المكان بضحكات دافئةلكن سرعان ماانطفأت اللحظة حينما فتح الباب ودخل إسلام ألقى السلام..توقفت ملك فجأة عن ضحكها تجمدت كعصفور.
ردت فريدة التحية بينما هوى بجسده بجوارها قائلا بمرح مصطنع
عاملة إيه ياست الكل
أجابت بابتسامة خفيفة
_ والله ياحبيبي مش أنا اللي عاملة..دي مراتك.
رفع عينيه إلى ملك فابتلعت ريقها وتراجعت خطوة وهي ترفع الكيك أمامها
ماما هحطه في المطبخ لو حبيتي تدوقيه.
لكن أوقفها
ماما بس اللي تدوق..طيب جوزك فين ده حتى الأقربون أولى بالمعروف.
ارتعشت أصابع ملك وأخفضت رأسها كمن تلقى صفعة
قوم ياحبيبي كل الكيك مع مراتك وقولها تسلم إيدك وأنا هخلي البنات في المطبخ يعملولك قهوة ربنا يهديك.
صمت لوهلة ثم تظاهر بالرضوخ..غير أنه قال بعدها
إلياس مرجعش من عند مالك.
هنا رفعت غادة عينيها تستمع إلى باقي حديثه لا تعلم لما كل هذا الاهتمام أكملت فريدة
لا قعد مع مالك صعبان عليه..الأول أخوه ابوه ودلوقتي كان ممكن والدته..مع إنه ساب وظيفته صعبان عليه السواق اللي مات
تساءلت فريدة بصوت أقرب للهمس
هو مالك كان شغال مع إلياس ولا إيه
_ أيوه.
قصدك وكانوا عايزين يقتلوا أمه.
هز كتفيه بلامبالاة ظاهرية بينما في عينيه بريقا غامضا وهو يراقب ملك
معرفش إلياس شاكك..لأنه كان من ضمن اللي سافروا مهمة بره..إنتي عارفة ابنك مابيقولش حاجة..يمكن تكون مجرد حادثة.
ارتجف قلب فريدة من جديد شهقت دون أن تشعر وخرجت من شفتيها الكلمات محملة بالثقل كله
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
بعد فترة صعد الى غرفته
وجدها غارقة بنومها جلس على طرف الفراش يتأملها بعيون عاشقة
.
مضت شهورا أخرى إلى أن عاد مالك إلى عمله مرة أخرى بينما غادر طارق البلاد ليستقر بالخارج بعد لقائه بغادة
ليلا محملا ببرودة الطقس خرجت من عملها بعد قضاء بعض الأعمال الشاقة التي انسجمت بها بعد أن أقسمت لنفسها بعودة شخصية غادة السيوفي مرة أخرى خرجت فوجدت مالك بانتظارها أمام عملها على غير عادته صعدت الى السيارة وابتسامة أنارت وجهها ثم نظرت إليه
_أهلا بحضرة الظابط والله زمان.
نظر في المرآة ورد وهو يقوم بتشغيل السيارة
_ اهلا استاذة غادة
والدتك عاملة ايه
كويسة.. اجاب باقتضاب هزت رأسها وقالت كويس انك رجعت شغلك للحراسة الامنية تاني مش لايق عليك الصراحة غيرها
_ لا حمدان فرحه بكرة واتحرج يكلم إلياس فأنا من نفسي اتصرفت مكنش لازم أرجع لإلياس لأني متأكد إنه مش هيعمل اللي عملته.
أفلتت ضحكة تردد كلماته
_ حلو من نفسك دي وياترى إيه دا غرور دا ولا ثقة زيادة يامالك باشا.
_ ثقة والحمد لله عارف قدر نفسي ياأستاذة هعتبره سؤال.
سحب نظره بعيدا يتحرك بالسيارة وهو يقول
_ اضحكي على طول مفيش حد يستاهل إننا نزعل عليه ولا حد يخلينا نكتئب لأنه هو الخسران.
بتر ضحكتها استدارت تنظر للخارج وهي تتمتم
_ ساعات الوجع بيفقدك ثقتك بنفسك.
زم شفتيه واجابها
_ منكرش دا بس برضو ساعات بيبني منك انسان أقوى علشان على قد الوجع على قد ماتحاولي تغيري من نفسك لأنك تستاهلي تكوني أحسن وماتتوجعيش تاني.
التفتت مرة أخرى إليه وانبثق السؤال من بين شفتيها دون سيطرة
_ عمرك حبيت قبل كدا.
توقفت السيارة فجأة بصوت صرير حاد اخترق سكون الليل حتى اهتز جسدها بقوة وكادت السيارة تنقلب لولا فراغ الطريق..ارتدت للخلف مصطدمة بالمقعد وأنفاسها تعالت كأن قلبها سيقفز من بين أضلاعها.
اتجننت إيه اللي عملته دا..مش قد السواقة متسوقش!.
صرخت بها دون وعي وارتجاف صوتها فضح رعبها.
لم يلتفت فقط ضغط على المقود بعصبية حتى برزت عروق يده ثم تمتم ببرود متكلف
آسف... قالها بنبرة رسمية
وقاد السيارة من جديد لكن عينيه كانتا غائبتين وصدره يعلو ويهبط كأن الألم يعصر قلبه من الداخل..شعرت غادة بمرارة رد فعلها ابتلعت ريقها وبدا الغباء واضحا في إحساسها بالذنب.. ظلت صامتة دقائق تراقب ملامح وجهه التي تحولت إلى كتلة من الصمت الموجوع.
أخيرا حمحمت وهي تطرق بخجل
_أنا..آسفة مكنش قصدي أضايقك.
ظل صامتا لم يبد منه أي تجاوب وكأن كلماتها اصطدمت بجدار سميك لا ينكسر.
وصلت السيارة أمام منزلها..توقفت لكنها لم تتحرك..بقيت جالسة بمكانها عيناها مترددة تبحث عنه..همست بنبرة أكثر رجاء
_ مالك..أنا بجد آسفة.
التفت إليها ببطء عيناه غامقتان مليئة بالألم
_ أستاذة غادة..ماترفعيش التكليف بينا..قولي أستاذ مالك أو حضرة الظابط.
ترك مسافة متعمدة بين كل كلمة وكلمة ثم أضاف بصرامة باردة
اتفضلي انزلي..وجودك في العربية بعد ماوصلنا غلط.
تسمرت ملامحها للحظة ثم ترجلت بصمت أغلقت الباب خلفها برفق وبقي هو في مقعده عيناه معلقتان في الفراغ يضغط على أنفاسه وكأنه يخشى أن ينهار من آثار الماضي..
شهور خلف شهور إلى أن تقرب الاثنان من بعضهما ليضمد كلا منهما الآخر من آثار الماضي الكئيب..
ذات ليلة هادئة بعد اتصاله بالياس بلا إيضاح عما يريد وصل مالك إلى فيلا السيوفي..جلس إلياس مع والده يقص مادار
_ طيب..مقالش عايز مني إيه
رد عليه والده بفضول خفيف
والله يابابا معرفش..هو قال عايز ييجي لمصطفى باشا يشرب فنجان قهوة وطلب مني أكون موجود.
مرت لحظات قليلة قبل أن يفتح الباب ويطل مالك استقبل ورحب به ببروتوكول عائلي دافئ ثم حمحم وكأنه يجمع شجاعته في صدره قبل أن ينطق
سيادة اللوا..حضرتك أستاذي وقدوتي وبين العيلتين صداقة من زمان قبل وفاة والدي الله يرحمه..أنا مابعرفش أذوق الكلام ولا ألفاظ المدح بس اللي عايز أقوله أنا معجب جدا بكريمتك الأستادة غادة ومش هنكر إعجابي بيها..علشان كده أنا قدام معاليك هكون سعيد لو حضرتك قبلت أبقى زوج لبنتك..وربنا يعلم..بعد موافقتك هكون الزوج الصالح اللي يحافظ عليها السكن الهادي والروح الطيبة ومتقي ربنا.
صمت طويل تخلله زفير من أركان الغرفة..كانت نظرات مصطفى تخترق مالك كما لو كانت تقيسه ميزانا صامتا ثم انطلق صوته هادئا لكنه مباشر
_غادة تعرف
_ لا..ماتعرفش أي حاجة ولا حتى عن مشاعري.
التفت مصطفى إلى إلياس فابتسم الأخير ابتسامة فهم واطمئنان ثم عاد بنظره إلى مالك وأكمل بحزم
أنا واثق في أخلاقك ولو في يوم شكيت فيك مكنتش أمنتك على بيتنا.. بس خلينا نمشي على الأصول لازم ناخد رأيها ورأي أمها ولازم نسمع أخوها..أنا عن نفسي قدام بابا بقولك موافق.
في قلب تلك الموافقة حفظ شرط واحد احترام إرادة غادة وموافقتها
باليوم التالي..
صعدت ميرال برفقة فريدة إلى غرفة غادة بعد ابتعاد إلياس المتعمد وغضب إسلام الذي مازال يثقل الأجواء..طرقت فريدة الباب بخفة ثم دلفتا إلى الداخل بابتسامة هادئة.
الحلو صحي من النوم
قالتها ميرال وهي تقترب بخفة من السرير.
ضيقت غادة عينيها تنظر إليهما باستفهام صامت وكأنها تحاول قراءة ماوراء تلك الابتسامة..جلست ميرال بجوارها من ناحية وفريدة من الناحية الأخرى تحاوطانها بدفء الأمان.
اسمعيني ياحبيبة قلبي..ومش عايزة ردك دلوقتي خدي وقتك وفكري كويس وبعد كده ردي.
ثم بدأت تسرد عليها ماطلبه مالك بكل تفاصيله وأمانيه..ساد صمت طويل ارتعشت أنفاس غادة قليلا ثم نهضت بتثاقل وقالت بصوت خافت
تمام ياماما..سبيني أفكر وبعدها أرد عليكم.
مرت الأيام سريعا كأنها تطير حتى جاء اليوم الموعود..يوم عقد قرانها ازدانت فيلا السيوفي بأضواء لامعة كأنها نجوم هبطت من السماء والبهجة أخيرا عمت الوجوه بزواج مدللة والدها.
وبعد دقائق من إتمام العقد جذبتها ميرال بحماس نحو الاحتفال الخاص فقد أعدت فريدة حفل حنة يليق بها.. اجتمعت فيه الصديقات والأحباب تتعالى الضحكات وزينت الأيدي بالحنة ورسوماتها البديعة فيما تصاعدت زغاريد النسوة واختلط الرقص بالغناء كأن السعادة قررت أن تسكن ليلتهم تلك..
جانبا آخر من الفيلا تجمع الشباب بحلقة من المداعبة اللطيفة بالاحتفال بعريس الليلة قبل مغادرته فيلا السيوفي..بينما جلس يوسف وبلال وآسر بالحديقة يمارسون ألعابهم الرياضية المعتادة توقف يوسف عن اللعب
_ ماتيجوا نعمل أي جو أنا بحثت وعرفت الحنة دي البنات بترسم فيها ماتيجوا نغلس أنا زهقت وكمان بابا عيونه علينا.
رفع بلال زجاجة عصيره يرتشف منها وهز رأسه
_ أه قالي إياكوا تغلطوا علشان كدا قولت لك بلاش نقعد معاهم مش ناقصين خنقة.
قاطعه آسر
_ روحت فرح عند بيت بابا القديم.. شوفت ولاد كانوا في الفرح ماسكين طبلة والبنات بترقص ماتيجوا نجيب الطبلة دي.
رفع يوسف حاجبه يقلب كلماته ثم غمز إلى بلال
ماتيجي نتشاقى ياببلاوي.
جلس بلال على العشب وهو يرتشف من عصيره
_ لا كفاية شقاوة الفرح دا أبوك وأبويا لو عرفوا هينفخونا لمح يزن يتحدث بهاتفه ثم اشار إليهم
_ يابني إحنا كل يوم عندنا فرح دا مش هنشوف أفراح تاني غير لما أنا أتجوز.. ألقاه بلال بزجاجة العصير
مين دا اللي هيتجوز ناوي تسبني يامتخلف بعد عشرة السنين دي كلها.
_ ليه ياحبيبي متجوزك في السر.
ضحك آسر عليهما ثم أشار إلى نفسه
ضرب يوسف على صدره بحركة مزاحية
_ ضحك الاثنان ثم اقترب
من آسر
_ يابني إنت غلبان ابعد عن بلال دا لحمه مر.
توقف بلال وتحرك إليه بينما هو ركض إلى يزن بعدما وجده استقل سيارته للمغادرة
_ خالو رايح فين.
ضيق عيناه بتساؤل
_ عايز حاجة هطلع أول الطريق.
_عايز طبلة.
_ طبلة إيه انحنى إلى باب السيارة
_ الطبلة ياخالو اللي بيطبلوا عليها دي.
_تمام هجبلك واحدة ورقص أبوك عليها..قالها يزن ساخرا وتحرك بينما
استدار يوسف للمغادرة
_ والله لارقصك انت ياخالو لمح ضي تتحرك للداخل وتحمل شيئا ما اتجه إليها
_ ضي..توقفت مستديرة إليه
_ نعم فيه حاجة.
_مالك يابت انا جاي اشحت منك مين اللي فوق لسة فيه حد من صحبات تيتا.
_لا كلهم مشيوا..قالتها وتحركت فهمس
_بت باردة مغرورة.
_ زيك بالظبط يابن عمي مفيش واحد أبرد منك.
وصل إليها سريعا
_ مين دا يابت..
_ إنت هو فيه حد غيرك وياريت تسيب إيدي روح اتكلم مع صحباتك يابتاع القيم والأخلاق اقتربت خطوة منه
_ هعرفك يابن عمي ضي الهبلة العبيطة هتعمل إيه أول مرة سامحتك على طولة لسانك ووقاحتك ودا مش علشانك علشان خالتو ميرال وعمو..
قالتها واستدارت متحركة..بينما ظل بمكانه يعيد كلماتها
_ سمعتني أه كلامها بيقول كدا..
بعد فترة دلف الى المطبخ وجدها تضع بعض الأكواب بمكانها
_ضي..التفتت إليه ثم أكملت عملها وأشارت إلى الخادمة
_ طنط لو سمحتي اعملي قهوة لعمو إلياس وبابا وجدو ووديهم الحديقة تيتا قالت اقولك
أومأت الخادمة بطاعة فاقترب يوسف منها
_ زعلانة..أنا مش قصدي الكلام اللي وصلك هي بس كانت بتقول..قاطعته وهي تضع الطبق بقوة مصدرا صوتا
_ ميهمنيش اللي قولته أنا واثقة في نفسي اقتربت منه وابتسمت
_ متنساش يابن عمي أنا ضي أرسلان الشافعي يعني كلامك مايهمنيش.
رفع حاجبه ساخرا من حديثها
_ اممم وإيه كمان ياأستاذة ضي ياأم أرسلان الشافعي.
أفلتت ضحكة رغما عنها عما أصدره من حركات وهو يقلدها.. وتحرك إلى غرفة شمس..
تعالي لازم نتصالح ياضي ياأرسلان الشافعي...وصل إلى غرفة شمس أدخل رأسه
شموس أدخل.
تأففت الصغيرة وأشارت إليه
على أساس إنك بتستأذن.
البت دي زعلانة ياصغننة وعايز أصالحها.
يعني إيه..قالتها وهي تهز كتفها بجهل.
ضحكت ضي ولكزته
ودي هتفهم كلامك.
أغمض عينا وفتح الأخرى
إنتي بتغلطي في أخت يوسف الشافعي يابت جلس على فراش أخته وفتح كفيه
فين الحنة اللي سرقتيها من خالتو رحيل.
جحظت الصغيرة عينيها
ياغشاش كنت بتراقبني!.
هاتي الحنة بدل ماأسوح لك في الفرح.
تخصرت الصغير
لا سوحلي ياابن إلياس.
دلفت ميرال على كلمات ابنتها تضرب على صدرها
يالهوي إيه اللي بتقوليه دا الحمد لله أبوكي مسمعكيش كنا أخدنا درس في أخلاق الحارة.
قلدها يوسف وهو يضرب على صدره
يالهوي..ياماما بقيتي بتخافي من إلياس..نهض ينظر إليها
يعني كلماتها عايزة درس من إلياس ويالهوي مش عايزة دي لازم تتشطب من نقابة الكلمات الأبجدية.
رفعت عيناها إليه تضغط على أسنانها
بقيت أطول مني هقول إيه ربنا يسهلك.
ضحك بصوت مرتفع
حلوة أوي وإنتي طيبة ياميرو المهم خلي بنتك الفتانة تديني الحنة..عايز أحط لضي منها وأصالحها.
جحظت عيناها بذهول تشير إلى ابتسامة ضي..ثم ضربت كفوفها ببعض
إنتي عبيطة يابنتي يحط لك حنة هو فيه ولد بيعمل كدا..اقترب يوسف من والدته بعدما علمت بما سيفعله ثم قبل جبينها
إلياس باشا كان بيدور عليكي معرفش زرار قميصه شكله اتقطع.
دلف بلال وهو يمسك طبلة بيديه
بدور عليك يابغل من ساعتين والنانا قالت إنك هنا.
خطا إليه وأخذ الطبلة
الله الله دي شكلها هتحلو ياض يابابلو.
صرخت ميرال تضع يدها فوق رأسها
هطلق بسببكم خلاص عرفت آخرتي.
مبروك ياماما هدورلك على شقة..
قالها وهو يقرع على الطبلة..
مع صوت يزن باسم ميرال ثم دلف بعدما وجد باب غرفة شمس مفتوح
سمعت صوت هنا..دا صحيح ولا أنا عندي تهيؤات.
ألقى يوسف الطبلة على بلال
خالو حبيبي اللي بيضحك على ماما أومال مين اللي اشتراها.
لكزه بقوة
يابن ال...
خرجت ميرال تضرب كفوفها ببعضهما..ثم اصطدمت بإلياس
ميرال ماما تحت بتسأل عليكي..بتر حديثه صوت الطبلة وضحك يوسف وبلال يرددون
أغنية سطلانة.
ضيق عيناه يشير إلى غرفة شمس
إيه الصوت دا.
أمسكت ذراعيه محاولة صرف انتباهه لكن ضحكات يزن وبلال اخترقت الأجواء كسهام فاستدار بخطوات ثابتة نحو الغرفة.
دفع الباب بهدوء ليتجمد مكانه وعيناه تلتقطهم في ذهول.
بلال يجلس يدق على الطبلة بحماس بينما يزن ويوسف يتمايلان على الإيقاع بخفة صبيانية والفتيات يضحكن بلا توقف. ارتسمت ابتسامة طائشة على وجوههم لكن عيني الياس ظلت باردة تراقب بلا أي انفعال ظاهر.
قفز يوسف فجأة مقلدا حركات بهلوانية بينما يقهقه بلال يلقي بالطبلة إلى يزن
طبل يا خالو
قاطعه يوسف بانفعال
وأنا كمان! بتتهز كده مش عارف تجبلنا واحدة يا خالو هو الواحد هينحرف كل يوم ولا إيه
التفت بلال إليه مازحا
بص عند أختك الباردة دي يمكن نلاقي عندها حاجة تنفع نرقص بيها.
انفجر يزن ضاحكا بينما يوسف تخصر قائلا بجدية مصطنعة
يعني حضرتك جايب طبلة من غير بدلة رقص طب دلوقتي هحزمه إزاي
هنا قاطعهما إلياس
وماله يا حبيبي تعالى أنا أحزمكم انتوا الاتنين.
تجمدت ضحكة بلال وهو يلمح عمه ليقول.
هو حضرتك رجعت! تيتا قالت هتبات في بيتكم.
لكزه يوسف من الخلف متمتما بخوف
الحمد لله إنك جيت يا بابا علشان تعرف خالو المحترم جاب لنا إيه.
اقترب الياس بخطوات هادئة وتمتم بصوت عميق
أيوة يا حبيبي وعايز أعرف خالو المحترم جابلكوا إيه بالظبط.
ألقى بلال الطبلة إليه بارتباك
البتاعة دي.. منعرفش اسمها إيه.
ارتفع ضحك يزن أكثر بينما يوسف اختبأ خلفه محتميا من نظرات والده الثقيلة ثم همس مضطربا وهو يتجه نحو الباب
حضرتك مش محتاج احلف إني بريء.. أنا متربي على القيم والأخلاق.
حضرتك اللي مربيني هتشك في تربيتك
اقترب بلال من الياس يضع ذراعه على كتفه مصطنعا المرح
بتكدب ليه دا حتى عمو عسل ومش قصده حاجة. كدبت ليه يا غبي دا هو هيطبلنا دلوقتي ويرقص معانا.. مش كده يا عمو يا حباب
صمت الياس و عينيه تتقلبان ببطء بين شمس وضي الجالستين في صمت متوتر. أخيرا نطق بصوت خافت حاسم
حبيباتي.. انزلوا لماما تحت.
هنا ركض يوسف وبلال هاربين من الغرفة تاركين خلفهم نظرات غضب إلى يزن
بعد يومين وهو اليوم المقرر للزفاف
دلف مصطفى عيناه تتفقدان صغيرته التي
بابا قالتها بصوت مرتجف
ربنا يسعدك يا حبيبة بابا.
التفتت غادة خلفه لتجد اسلام يقف مستندا إلى الجدار عينيه تلمعان بالحب والوجع معا. اقتربت منه ببطء توقفت أمامه بصمت فابتسم واقترب هو الآخر
بس بقى.. بطلي عياط مفيش عروسة بتعيط.
تمتمت بخفوت
لسة زعلان مني
ربنا يسعدك يا حبيبتي.. يلا اجهزي عريسك تحت مستعجل.
رفعت عينيها حول الغرفة تبحث عنه
فين إلياس مش المفروض ييجي
ابتسم إسلام وأشار إلى نفسه مازحا
وأنا ما ينفعش
هزت رأسها بالرفض وشعرت بقبضة قوية تعتصر