رواية مهمة زواج 1_21 بقلم دعاء فؤاد 

لمحة نيوز


الله الرحمن الرحيم 
الحلقة الرابعة عشر
رواية مهمة زواج 
بينما كانت ندى تجالس السيدة تيسير يتمازحان و يضحكان على مواقف من الطفولة حين كانت ندى طفلة صغيرة تعيش بينهم قبل اغتيال والدتها و انتقالها مع أبيها الى الولايات المتحدة تفاجئا بأدهم يخرج من غرفته ركضا مرتديا بنطال چينز أسود و قميص أسود ينتعل حذائه فركضت اليه ندى تسأله بقلق 
أدهم انت بتجري كدا ليه!.. ايه اللي حصل و رايح فين! 
أجابها باستعجال و هو يعقد رباط حذائه 
لسة مكلم آسر دلوقتي بعد ما جاتلي رسالة انه تليفونه متاح.. و قالي ان خطيبته عملت حاډثة و في المستشفى بين الحيا و المۏت. 
شهقت السيدة تيسير حين استمعت لذلك و أخذت تردد 
لا حول و لا قوة الا بالله... حبيبي يا آسر... ربنا ينجيهاله يابني.. خلي بالك من نفسك يا أدهم و انت سايق عشان خاطري.. و ابقى طمنى يابني. 
أومأ عدة مرات ثم فتح باب الشقة سريعا و هبط الدرج ركضا ثم استقل سيارته متجها الى مشفى الدكتور رؤف...
بعد حوالي نصف ساعة وصل أدهم الى طابق العناية المركزة ليلفت انتباهة تلك المشاجرة القائمة بين آسر و حماه في ركن ما بالطابق.. 
يا عمي قولتلك سيب ميريهان هنا و أنا هفضل جنبها مس هسيبها... 
صاح بها آسر بانفعال بالغ و هو يلوح بيده و يبدو أن الشجار قائم منذ فترة و قد احتدم بينهما للغاية فمن ثم رد محمد بانفعال أشد 
دول بناتي أنا.. و انت مالكش الحق تقرر عني.. أنا هاخد بناتي الاتنين و هسافر شئت أو أبيت.. و رأيك ميهمنيش و مش مستني اخد الاذن منك. 
استنفرت عروق آسر پغضب جامح ليصيح بصوت حاد 
أنا مش هسيبها.. انت عارف ان بينها و بين المۏت شعرة... ليه تبهدلها في السفر.. سيبها ټموت هنا قدام عيني. 
أخذ محمد يلوح بيده موجها حديثه لوالد آسر 
ما تلم ابنك يا سعيد... أنا حر في بناتي أنا الوحيد اللي هنا صاحب القرار... هو مالهوش أي صفة.. خطيبته خلاص ماټت... خوده بقى و امشو من هنا.. 
التمس سعيد العذر لمحمد و لم يعاتبه أو ينجرح من كلماته اللاذعة فجرحه غائر و يبدو من مظهره الغاضب أنه ېموت في اللحظة ألف مرة فأي شخص في مكانه لما تحمل ما يتحمله الآن... 
بينما كان أدهم يتابع المشاجرة بذهول... فهل حقا ميريهان ماټت! 
نفض رأسه سريعا ثم تدخل ليجذب آسر من ذراعه بعيدا عن حماه فلا الوقت ولا المكان مناسبان لتلك المهزلة.. 
آسر ميصحش تزعق قصاد حماك بالطريقة دي... 
أوشك آسر على البكاء ليقول بمرارة 
ميريهان خلاص مخها ماټ و كلها ساعات و القلب يقف و السر الالهي يطلع...ياخودها يعالجها برا ليه يا أدهم و العقل بيقول ان حالتها مالهاش علاج. 
ربت أدهم على كتفه بمواساة و هو بالكاد يسيطر على حزنه الذي أثاره صديقه بداخله ليقول بجدية و هدوء في ذات الوقت 
الله يكون في عونه يا آسر... محدش حاسس باللي هو فيه... سيبه يعمل اللي يريضيه طالما كدا هيكون مرتاح.. مش كفاية الابتلاء اللي هو فيه! 
رد عليه بنبرة قاطعة 
مش هقدر اسيبها...سفرها ألمانيا مالوش أي لازمة.. ليه عايز يبعدها عني الشوية اللي فاضلين في عمرها!! 
أقبل عليهما سعيد والد آسر ليقول موضحا 
اللي
انت متعرفهوش يا أدهم ان مودة هي كمان حالتها خطېرة و محتاجة تدخل جراحي في اقرب وقت و محمد هيسفرها المانيا و هياخد ميري نفس المستشفى... أب و عايز بناته معاه أيا كانت حالتهم ايه.. مالناش أي حق اننا نعترض على قراره. 
هز أدهم رأسه عدة مرات ثم تطلع لآسر بعتاب 
لا يا آسر مالكش حق في وقفتك و اعتراضك.. الراجل في البلاء الشديد دا و انت عمال تقاوح معاه!... يا أخي سيبه يعمل اللي في مصلحة بناته.. دا بدل ما تقوله اللي تشوفه يا عمي انا معاك فيه! 
أطرق رأسه بحزن و ضيق و هو يكاد يختنق من فرط الضغط سواء من أدهم أو من أبيه ليقول بأسى 
محدش حاسس بيا...ميري واخدة روحي معاها.. مش هقدر أسيبها... مش قادر. 
جذبه أدهم الى ليربت على ظهره يواسيه فأطلق آسر لعينيه العنان ليفرغ ما بقلبه من حزن.. أسى... انكسار.. علاوة على ذلك الخواء الذي خلفته تلك المسكينة في قلبه ليهتز جسده من شدة البكاء. 
اصبر يا آسر... أومال ابوها يعمل ايه... هو دا عمرها.. محدش بياخد ساعة زيادة عن عمره اللي ربنا كاتبهوله... ان شاء الله يا حبيبي تقابلها في الجنة. 
بدأ يهدأ رويدا رويدا إثر كلمات أدهم التي نزلت على قلبه كالماء البارد فاستخرج منديل من جيبه أعطاه له فأخذه آسر منه و أخذ يجفف عينيه و هو يردد بصوت متحشرج من أثر البكاء 
إنا لله وإنا إليه راجعون... 
ادخل ودعها و بص عليها للمرة الأخيرة قبل ما الاسعاف ياخدها. 
أومأ بخضوع ثم ابتعد عن صديقه ليسير بلا روح الى العناية المركزة يستأذن الطبيب ليودعها الوداع الأخير في حين كان محمد ينهي اجراءات سفره بابنتيه.
صدح أذان الفجر في سماء القاهرة حين أقلعت الطائرة المجهزة بوحدة عناية مركزة متحركة تقل مودة و ميريهان و والدهما و الدكتور رؤف و معهما فريق طبي لاحتمالية حدوث أي أمر غير مرغوب فيه أثناء نقل المريضتين. 
و بمجرد أن أقلعت الطائرة نزل آسر على ركبتيه على أرضية المطار و بكى و كأن روحه تصعد في السماء... لا يصدق أن هذا نهاية طريقة مع من استحوذت على قلبه و ملكته بلا منازع. 
نزل أدهم الى مستواه ليحيط كتفيه بذراعه و تركه يفرغ ما بنابضه... فقد امتلئ القلب حتى فاض بالحزن.
بينما ندى لم تنم ليلتها قلقا على أدهم فقد أدت صلاة الفجر و قرأت وردها و ها هي الشمس قد أوشكت على الشروق و لم يعد بعد. 
خرجت لتجلس في صالة الاستقبال المقابلة للباب حتى تراه حين يعود لعل قلبها يطمئن. 
غفت على الأريكة دون أن تشعر و قد كانت لازالت بملابس الصلاة و في تلك الأثناء عاد أدهم و علامات الارهاق متجلية على ملامحه ليقابل ندى و هي غافية على الأريكة. 
ندى.. ندى. 
فتحت عينيها بصعوبة لتقول بصوت ناعس 
أخيرا رجعت يا أدهم! 
انتي ايه اللي منيمك هنا! 
اعتدلت لتأخذ وضع الجلوس ثم أجابته بصوت متحشرج من أثر النوم 
قلقت عليك لما اتأخرت... فصليت الفجر و قعدت أستناك هنا. 
حانت منه ابتسامة باهتة ثم انحنى ليجذبها من يدها لتقف قبالته ثم قال
طاب ادخلي نامي بقى... انا قدامك اهو كويس. 
هزت رأسها ثم سحبت يدها من يده و من ثم سارت باتجاه غرفتها و حين تبين له ذلك سار خلفها ليستوقفها بقبضة يده على يدها و هو يقول 
انتي رايحة فين! 
أجابته ببراءة 
رايحة أنام في قوضتي.. 
أدارها لتقف في مواجهته ثم رفع يديه لمستوى رأسها ليقوم بفك حجابها و هو يقول 
احنا مش اتفقنا اننا هننام في قوضة واحدة!.. و شعرك دا ميتغطاش قدامي! 
أطرقت

رأسها بخجل 
انت مقولتش اننا هننام في قوضة واحدة. 
صدرت منه ضحكة بسيطة ثم قال بمكر 
أومال احنا هنتجوز ازاي!.. هنتجوز عن بعد مثلا! 
احمرت وجنتيها خجلا و هي تنظر له بجحوظ ثم تهربت بعينيها من النظر بعينيه فازدادت ضحكاته أكثر من ذي قبل ثم رأف بحالة التوتر التي أصابتها بالتزامن مع خجلها الزائد و أخذها من يدها و سارا سويا باتجاه غرفته و قد سارت معه بلا اعتراض. 
أنا هدخل الحمام أخد شاور و اتوضى عشان أصلي وانتي خودي راحتك.. اعتبري نفسك لوحدك في القوضة. 
أومأت بصمت و بمجرد أن اختفى عن ناظريها خلعت اسدالها لتظهر تلك البيچامة البيضاء من الستان التي أظهرت ذراعيها ثم تمددت على أقصى طرف الفراش و تدثرت جيدا بالغطاء الخفيف بعدما ضبطت درجة حرارة المكيف على البارد و دون أن تشعر هوت في سبات عميق... فأحداث اليوم لم تكن بالقليلة ما جعلها تهرب من تلك البداية الجديدة بالنوم.
بعد عدة دقائق خرج أدهم من المرحاض مرتديا ملابس النوم فتفاجئ بها نائمة بأقصى الفراش و كأنها على حافة السقوط ليضحك بسخرية
و هو يهز رأسه بيأس ثم
قام بفرد سجادة الصلاة ليؤدي صلاته و بعدما انتهى تمدد بجوارها ثم أخذ يتأملها قليلا
و صديقه آسر و فقدانه لحبيبته مازال يحتل تفكيره واتته مشاعر غريبة لم يختبرها من قبل حين تخيل أنه يمكن أن يفقدها شعر بأن قلبه يكاد ينخلع من موضعه ان حدث معه ذلك... فأغمض عينيه يستعيذ بالله من تلك الوساوس.. و دعى ربه بألا يذيقه مرارة الفقد... فمذاقها أمر من الحنظل. 
مسد على شعرها الذي لم يعشق منها سواه حتى الآن ثم انحنى ليزيح تلك الغرة الكثيفة التي غطت جبينها حتى حاجبيها ليظهر له ذلك الچرح الصغير ثم لثم جبينها ببطئ وأخذ يتمتم بهمس و هو مازال يمسد على شعرها 
ربنا يخليكي ليا يا ندى.. 
ترك شعرها ثم عاد لينام بالطرف الآخر تاركا بينهما مسافة مناسبة احتراما لرغبتها... أو يمكننا القول رأفة بخجلها... فهو يدرك جيدا مدى حيائها و أنها لم تعتاده بعد.
انقضى يوما حافلا بالأحداث المصيرية ليأتي يوما جديدا ينتظر أبطالنا ربما تنقلب به الموازين...
في محافظة سوهاج.... 
استيقظ معتصم بعد ليلة قضاها في نوم متقطع لا يشبع ولا يسمن من جوع فقد سيطرت ريم على تفكيره و احتلت كيانه بالكامل... رغما عنه كان يتذكر أحداث تلك الليلة حين كانت بين ذراعيه و حين نزل على ركبتيه أمامها.. شخصيته الصارمة التي تحولت إلى شخص آخر لا يعرفه.. لا يدري متى ظهر ذلك الجانب الحنون منه.. و لما ظهر لها هي بالذات!.. لم تكن الأولى بحياته... فقد مررن به الكثيرات و من هن أشد منها جمالا... فحتى زوجته رغم جمالها الفتاك و قوامها لم تحرك فيه ما حركته تلك القطة المتمردة...ماذا فعلت به و من أين ألقاها عليه القدر... 
كنتي مستخبيالي فين يا ريم.... أنا كنت عايش و مزاجي حلو ولا كان في دماغي حب و لا شوق ...جيتي قلبتيلي كياني كله.... يا ريتني ما شوفتك ولا عرفتك.
و كانت تلك آخر فكرة واتته ثم بعدها غفى حتى أشرقت الشمس و تسلل نورها عبر ستائر غرفته لتداعب جفنيه اللذان استجابا سريعا لها و استيقظ و كأنه لم ينم قط.
بعد حوالي نصف ساعة كان معتصم يجلس بجوار أمه بأريكتها المفضلة يقص عليها ما حدث ليلا أثناء نومها و بالطبع أخبرها بوجود ريم و مارتينا بالمضيفة.. 
أباااه يا ولدي... كيف جلبهم طاوعهم يسرجوا ضيوف الكبير...كانهم مفكرين راح ينفدوا بعملتهم الواعرة.. 
ربت معتصم على فخذها و هو يقول 
باينهم أغراب يامايا...ماهو محدش من البلد يتچرأ يعمل العملة دي...بس أني هعرف كيف أتوبهم. 
قاطع مجلسهم الخفير سمعان مقبلا عليهما و هو يلهث و بيده حقيبة سوداء ثم قال بنبرة مفتخرة 
ربطهم في مزرعة المواشي مع البهايم كيف ما أمرت يا كبير. 
حانت من معتصم ابتسامة واثقة ثم هتف بقوة 
و فين اللي سرجوه! 
ركض سمعان اليه واضعا تلك الحقيبة على الطاولة الرخامية أمام كبيره 
دياتي يا كبير... الدهبات و الفلوسات و حتى التلفونات... كله رچعته يا كبير. 
أومأ معتصم بفخر 
عفارم عليك يا سمعان... انت اكده صوح دراعي اليمين... عدي ع المزرعة انت و الرچالة اللي كانو امعاك و كل واحد فيكم يختارلو نعچة على كيفه.. و خود الفلوسات دي فرجوها علي بعضيكم.. 
قالها و هو يستخرج رزمة من المال من جيب جلبابه فأخذها سمعان و هو يقبل يد معتصم فسحبها سريعا و هو يقول 
استغفر الله.. دي حجك انت و الرچالة اللي تعبت.. يلا روح و متنساش تسيب
حد عينه على الكلبين دول.. و فيشي أكل ولا شرب لحد ما افكر هعمل ايه وياهم.
أومأ سمعان و هو يكاد يطير من الفرح بتلك الغنيمة التي حصل عليها بينما السيدة ام معتصم أخذت تتطلع الى ولدها بفخر و اعجاب ثم ما لبثت أن قالت بتأثر 
كاني شايفة الحاچ حمدان البدري الله يرحمه هو اللي جاعد جدامي دلوق... مخابش ظن ابوك يوم ما جالي انك خليفته من بعده في البلد دي. 
ابتسم معتصم تأثرا بإطراء أمه ثم انحنى يقبل ظهر كفها و هو يقول 
ربنا يخليكي ليا يامايا...أني دايما أجولك هذا الشبل من ذاك الأسد.. و بعدين أني من غير وچودك چاري مسواش حاچة.. 
مسدت على شعره بحنو ثم أخذت تدعو له بدعواتها التي تدمع العين من شدة اخلاصها و خشوعها و هو يؤمن خلفها. 
عم عليهما صمتا وجيزا قطعه معتصم بقوله 
بجولك يا امايا... يعني لما الضاكتورة ريم تصحى واچب تجعدي وياها و تعزميها هي و زميلتها على شبكة حمد و صافية الليلة طالما هيشرفونا في الدوار اليامين دول. 
ابتسمت السيدة بمغذى فهي قد لمست اعجابه بها رغم عدم اظهاره لذلك ثم قالت بجدية 
من غير ما تجول يا ولدي.. اني كنت ناوية على اكده.. زي ما جولت ده واچب.. و احنا الواچب ميفوتناش واصل. 
تنهد بارتياح ثم استل هاتفه لكي يوقظ شقيقه... فاليوم حافل و لا بد من تجهيز الدوار استعدادا لتلك المناسبة الهامة. 
بدأت ملامح والدته بالعبوس و كأنها تذكرت شيئا سيئا ليهتف بها معتصم بقلق بعدما استشعر حزنها المفاجئ 
مالك يامايا!... انتي شربتي دوا الضغط النهاردة! 
أومأت و هي تقول بملامح واجمة 
مټخافيش يا ولدي... أني زينة. 
لاه يامايا... شكلك ميطمنش واصل. 
تطلعت إليه و قد غشت الدموع عينيها الأمر الذي جعل قلبه يكاد ينخلع من موضعه ثم قالت بصوت متحشرج 
كان بدي الخطوبة دي تكون خطوبتك انت... انت ولدي البكري و أول فرحتي.. كيف يعني الصغير يتچوز جبل الكبير.. اني مخبراش راسك اللي كيف الحديد دي عتلين ميتى يا معتصم. 
أغمض عينيه يهدئ من ضربات قلبه التي تسارعت من فرط القلق ثم أخذ نفسا عميقا بعدما رسم بسمة مصطنعة على شفاه ثم قال بمزاح 
يا ولية وجعتي جلبي في رچليا.. بس اكده!... بجى هو ده اللي
خلى الهم يغير ملامحك الزينة دي! 
تطلعت إليه بحنق فهو دائما ما يقلل من
أهمية ذلك الأمر فضحك اثر تلك النظرة المغتاظة ثم حاوط كتفيها بذراعه و هو يقول بنبرة مقنعة 
ياما انتي خابرة إني مفاضيشي للچواز و مسؤلياته... أني ملاحجش على المزارع و الاراضي و مشاكلها اهنيه دا غير مشاكل أهل البلد و الجعدات العرفية اللي كل يوم و التاني بنعملوها في المضيفة.. غير بجى شركتي و مصنعي اللي ف بحري... مين اللي هتحمل دي كله يامايا...
همت لتقاطعه بينما هو سبقها ليقول 
اني خابر ان دي مش حچة.. بس على الأجل استني هبابة يكون حمد اتچوز و اهو بدأ يشيل عني كتير في الشغل اهناك... يعني خلاص هانت يامايا. 
جففت عينيها ثم تحدثت بنبرة جاهدت أن تبدو صارمة 
هستنى هبابة يا معتصم... بس مش راح استنى كتير... نفسي أشيل ولدك جبل ما أجابل وچه كريم.. 
احتضنها بحب و هو يردد 
بعيد الشړ عنيكي يامايا.. و الله جريبقريب... جريب جوي يا تاچ راسي. 
وعدها و حينها تمثلت أمام عينيه صورة ريم و كأنها أتت لتقول له أنا قدرك فابتسم بحالمية شاردا بها و مازال يسند رأس أمه الى صدره.
بعد قليل ترك أمه و ذهب الى المزرعة حيث اللصان اللذان احتجزهما هناك... 
قام بجلدهما حتى أخذا يعتذران منه بتوسل و لكنه أبى أن يطلق سراحهما ثم تركهما مربوطي الأيدي و عاد مرة أخرى إلى الدوار ليجد ريم تجلس بمكانه بجوار أمه و مارتينا تجلس بكرسي قريب منهما. 
أقبل عليهم محاولا الحفاظ على صرامته أمامها فيبدو أنه قد فقد الكثير من هيبته أمامها بالأمس الأمر الذي أثار ضيقه البالغ.. 
بمجرد أن اقترب منهم هبت ريم واقفة لتقول برقة قبل أن يتفوه بأي شيئ 
معتصم بيه أنا متشكرة أوي على ضيافتك لينا و انك رجعتلنا الحاجات اللي اتسرقت مننا... بس بعد اذنك عايزة الموبايل بتاعي عشان أكلم أدهم عشان أعرفه اني راجعة القاهرة النهاردة. 
قطب جبينه باستنكار ثم سألها بثبات 
و مين جال انك هتعاودي القاهرة النهاردة! 
بدأت أعصابها تثور فيبدو أنه سيعاندها أو سيجبرها على أمرا لا تريده ثم صاحت بحدة طفيفة 
أنا اللي قولت..و افتكر قولتك امبارح اني مش هقعد في البلد دي تاني..
رد عليها بنفس نبرة صوتها 
و انا مجولتش انك هترچعي القاهرة... أنا استجبلتك اهنيه في الدوار لحد ما أرچعلك حجك.. و شغلك في الوحدة هتكمليه. 
مش من حقك تقرر اذا كنت أكمل شغلي ولا لأ. 
لا من حجي... أني كبير البلد دي.. و مفيش حاچة بتتم من غير موافجتي..
أنا لا يمكن ادخل المكان دا تاني...بعد اللي حصل مستحيل. 
معناته ايه الكلام ده!..مفيش مخلوج في البلد عرف باللي حوصل... و مش هسمحلك تشوهي شكلي وسط ناسي... انتي لو سيبتي الوحدة الكلام هيكتر في البلد.. عايزة تچرسيني وسطيهم!.. عايزاهم يجولو الكبير مجادرش يحمي ضيوفه!
ربعت ذراعيها أمام صدرها لتقول بنبرة ذات مغذى 
آاااه قول كدا بقى... انت كل اللي هامك شكلك و منظرك في البلد.. انما أنا عايزة ايه أو هكمل شغل ازاي في مكان مش حاسة فيه بالأمان دي مش مشكلتك... مش كدا! 
سكت معتصم يريد أن ينفي ما تقوله.. يريد أن يقر لها بأنه يخشى فقدانها... أنه سيفتقدها بعدما امتلكت قلبه... أنه سيشتاق لها ان ابتعدت عنه.... و لكن نهوض أمه من مكانها أنقذه.. فقد قامت تربت على كتف ريم تهدئها و هي تقول 
يا بتي احنا اتعودنا عليكي و فراجك يعز علينا.. و بعدين لو على الأمان معتصم هيأمن الوحدة و هيدج حديد على الشبابيك و الابواب و هيسيبلك هناك غفر يحرسوها كمان بالليل و بالنهار. 
همت لتعترض لكن مارتينا لم تعطيها الفرصة فقد أحبت وجودها معها في الوحدة لتقول باستعطاف 
خلاص بقى يا ريم... أنا واثقة و متأكدة ان اللي حصل دا مش هيتكرر تاني.. معتصم بيه قد الدنيا و استحالة يسمح بحاجة زي دي تتكرر... و بعدين انتي عايزة تمشي و تسيبي اختك الغلبانة لوحدها!
عبست ملامحها بضيق لتقول
مارتينا أدهم لو عرف اللي حصل استحالة يوافق اني أكمل هنا...هو أصلا من الأول مكانش راضي أستلم شغلي في الصعيد و كان بمعارفه قادر ينقلني في أي مكان أختاره بس أنا اللي أصريت أخوض التجربة...و يا ريتني كنت سمعت كلامه من الأول.
ضړبت ام معتصم على صدرها بخفة لتقول بعتاب
باه يا ضاكتورة...و هو احنا جصرنا وياكي يا بتي!..دا احنا الود ودنا نشولوكي فوج راسنا.
عادت لتقول باعتذار
لا طبعا يا حاجة انتو مقصرتوش أبدا..أنا بس خاېفة أخويا ياخد مني موقف لو عرف.
تدخل معتصم ليقول بنبرة قاطعة
مالكيشي صالح بخيك.. أني هكلمه اعتذرله عن اللي حوصل وياكي ليلة امبارح و متحمليشي هم حاچة واصل.
تنهدت ريم بقلة حيلة لتهز رأسها بإيماءة بسيطة كناية عن استسلامها لكلامهم فاتسعت
بسمة الحاجة ام معتصم و كاد معتصم
أن يبتسم فرحا بذلك و لكنه جاهد نفسه لاخفائها و تنهد بارتياح كبير و كأنه أنجز
أحد أصعب مهماته... تلك العنيدة المتمردة يبدو أنها ستذيقه الويلات حتى يخضعها له.
بسم الله الرحمن الرحيم 
الحلقة الخامسة عشر
رغم نومه عند شروق الشمس الا أنه استيقظ باكرا في موعده المعتاد للذهاب الى مقر عمله بالعمليات الخاصة فحتما آسر لن يستطيع الحضور بعد تلك الليلة العسيرة التي مرت عليه أمس و بذلك فهو لا يتثنى له التغيب عن العمل.
استطاع أن يعد ملابسه الميري بصعوبة ثم ارتداها و هو يتحرك في الغرفة بهدوء حتى لا تستيقظ ندى فهي ايضا قد قضت ليلتها مستيقظة في انتظاره.
انتهى من تلك المهمة الشاقة ثم وقف أمام المرآة يمشط شعره و ينثر عطره النفاذ عليه بغزارة ثم تمم على سلاحھ و من ثم تحرك بخطى بطيئة ناحية حافة الفراش التي تنام عليها ثم برك على ركبتيه ليكون رأسه بمستوى رأسها و أخذ يمسد على شعرها و هو يتأملها بحالمية...  ذلك الوضع ثوان قليلة ثم سرعان ما سكنت ندى تماما 
لم يتحرك أدهم ايضا و ظل متسمرا هكذا يحاول السيطرة على ضربات قلبه المتسارعة اثر فعلتها المباغتة فاغمض عينيه يلملم شتات نفسه ثم تنهد بعمق .. لم يرد بخياله أنه سيقع أسيرا لها بتلك السرعة.. لقد انقلب كيانه بالكامل منذ أعلنها لنفسه زوجة و كأن قلبه كان رهن اشارة منه ليقع بحبها... أحبها!... هل حقا هذا ما يسمونه الحب! 
لا يدري ماهية هذه المشاعر و كيف يكون الحب... حقا لا يدري.. 
انتعل حذائه الميري ثم خرج من الغرفة و بداخله ثورة من المشاعر و هو لا يريد أن ينجرف نحوها..
داخل مبنى العمليات الخاصة... 
دلف مكتبه لتقابله سحابة من الدخان ليتفاجأ بوجود آسر يجلس بالكرسي المقابل للمكتب بملامح بائسة و ېدخن ..
انت ايه اللي جابك يا آسر!..
وقف أمامه تماما ثم استرسل كلامه بحدة
انت رجعت تاني للهباب دا! 
نظر له بخواء ثم عاد يستكمل تدخين السېجارة فسحبها منه أدهم بحدة ثم ألقاها على الأرض
ليطفئها بحذائه بينما آسر كان يتابعه بلامبالاة و كأنه مغيب أو بعالم آخر... 
جلس أدهم في الكرسي المقابل له ثم قال بعتاب 
بقى هو دا الدعاء اللي بتدعيهولها...فاكر ان السجاير هي اللي هتهون عليك فراقها!.. مالك يا آسر فوق كدا و سيبك من شغل الصياعة دا..
صاح بعبارته الأخيرة بحدة بالغة أجفل منها آسر ثم نهض بعصبية و هو يصيح بانفعال 
أصلك متحرقتش من الڼار اللي حرقتني.... أنا سايبهالك و ماشي يا عم الحكيم...
ثم غادر آسر تاركا صديقه ينظر في أثره بذهول... هل قسى عليه الى هذا الحد!.. هل حقا لا يشعر بالنيران المستعرة بصدره!..
تنهد أدهم بضيق ثم استغفر ربه و دعى لصديقه بالصبر فحتما مصابه جلل و يهذي بما لا يعي من فرط غرقه في دوامة الحزن.
بعدما قام بالإطلاع على بعض تقارير المأموريات الخاصة بعمله و بينما هو في خضم انشغاله أتاه اتصال هاتفي من شقيقته ريم و رغم كل ما به من زحام ابتسم بسعادة من مجرد رؤية اسمها يزين شاشة هاتفه.. 
ألو... حبيبي اللي واحشني و مش سائل فيا.. 
ضحكت ريم بملئ فمها و كانت آن ذاك تجلس الي جوار مارتينا بالمضيفة ثم قالت بدلال 
و مين اللي يسأل على التاني يا سعادة الباشا. 
الناس اللي رايقة زيك تسأل على الناس اللي محتاسة زيي.
ضحكت مرة أخرى ثم قالت بسخرية
اه رايقة اوي... ما انت لو تعرف اللي حصلي امبارح مكنتش قولت كدا.
سألها بقلق أثاره عبارتها 
خير يا بنتي ايه اللي حصل.. 
ابتلعت ريقها بصعوبة لتسرد له بنبرة متوترة ما حدث لها من سړقة باختصار شديد حتى لا تثير قلقه ثم أشادت له بموقف معتصم و ما فعله باللصوص و اعادته لمتعلقاتهم المسروقة و في النهاية قالت بنبرة يشوبها الحماس
بس يا سيدي...بس بصراحة معتصم بيه راجل ذوق اوي و استضافنا في المضيفة بتاعته و محافظ علينا و مصمم أكمل شغل في الوحدة كأن مفيش حاجة حصلت. 
سكت مليا يفكر بموقف ذلك الرجل ثم اردف بجدية 
أنا من الأول قايلك بلاش تبعدي عننا انتي اللي صممتي على رأيك... وادي النتيجة. 
ردت عليه باستعطاف 
دي مجرد حاډثة كانت ممكن تحصل في اي مكان يا دومي. 
طيب و ناوية على ايه! 
هكمل بقى و خلاص... معتصم بيه عين حراسة ع الوحدة.. يعني الدنيا بقت أمان.. هو بس كان عايز يكلمك يطمنك يعني ان مفيش حاجه هتحصل تاني. 
هز أدهم رأسه بملامح متجهمة ثم أضمر في نفسه أمرا ثم قال 
ماشي ابقي اديله رقمي.. 
اجابته ببسمة واسعة 
تمام يا حبيبي.. هسيبك بقى تكمل شغلك عشان معطلكش. 
تمام مع السلامة.. 
أغلق الهاتف و هو يتأفف بضيق ثم جلس مستندا بظهره الى ظهر الكرسي ممسكا بأحد أقلامه يطرق بها على سطح مكتبه و هو يفكر بشرود فيما قالته ريم ليحدث نفسه بخفوت 
معتصم بيه!... يا ترى حكايتك ايه و بتعمل كدا معاها ليه!.. مش مرتاحلك يا سي معتصم... بس هجيب قرارك.
أغلقت ريم المكالمة ثم خرجت تبحث عن معتصم لتطلب منه محادثة أخيها يستأذنه لبقائها بالبلدة فدلتها نعمة الخادمة على مكانه حيث استطبل الجياد في الجهة الخلفية للدوار.. 
في تلك الأثناء كان معتصم يقف بجوار مهرة صغيرة جذابة
للغاية في مظهرها فقد فضل أن يختلي بنفسه بعيدا عن ضجيج الاحتفال بالدوار و عن أعين الناس بملابسه البيتية التي يفضلها دائما حيث كان يرتدي بنطال قطني أسود يأخذ شكل الساقين و يعلوه تيشيرت أسود أيضا و ينتعل حذاء رياضي من اللون الاسود فكان مظهره جذاب للغاية... من يراه لا يصدق أن هذا هو معتصم بيه كبير البلدة.. 
و كان يتمم على إجراءات خطبة أخيه عبر الهاتف أنهى لتوه مكالمة مع حمد يخبره فيها أنه قد اشترى الذهب و بصحبته شقيقته عائشة او عيشة كما يدعونها و زوجها هشام...
تنهد بتعب من كثرة المكالمات الهاتفية ثم أدار كامل انتباهه الي تلك المهرة الرقيقة التي تذكره في رقتها ب ريم..
أخذ يمسد على شعرها الناعم و هو يحدثها و كأنها تفهمه
قوليلي أسميكي ايه!..بجد محتار...الود ودي أسميكي على اسمها..ما انتي اصلك جميلة زيها بالظبط...بس خاېف اتفضح...
قال تلك الكلمة ثم ضحك و كأن تلك المهرة تضحك معه.....
في تلك الأثناء وجدته ريم لتراه من بعيد يقف أمام تلك المهرة الجميلة و لكن استرعى انتباهها تلك
الملابس التي تراه بها لأول مرة لدرجة أنها قد ظنت أنه ليس هو.. لولا أنها انهت مكالمة لتوها مع شقيقها لظنته هو أدهم شقيقها..أخذت تخطو نحوه بهدوء و كأنها تريد أن تستكشفه حتى سمعته يتحدث بلكنتها مثلها تماما...بحق الله هل هذا معتصم!
أقولك أنا تسميها ايه! 
الټفت على ذلك الصوت الذي يعرفه تمام المعرفة ليتطلع اليها بذهول...ترى منذ متى و هي واقفة هنا! 
أومأ دون ان يتحدث فقد اصبح في حيرة من أمره... أيحدثها بلكنته الصعيدية أم أنها سمعت لكنته القاهروية و انكشف الأمر.. 
اقتربت لتقف قبالته ثم أخذت تمسد على شعر المهرة و هي تقول بابتسامة جميلة 
سميها ريمان...انا بحب الاسم دا اوي.. 
رمقها بشبه ابتسامة و أيضا لم يتحدث فسألته بترقب 
ايه رأيك في الاسم دا! 
سكت مليا يفكر بأي طريقة سيتحدث معها و لكنه قال أخيرا 
جميل...عشان مشتق من اسمك. 
انفرج ثغرها بابتسامة واسعة لتقول بذهول 
أنا كنت عارفة انك بتتكلم زيي بس مكنتش متأكدة..كنت مفكرة اني كان بيتهيألي من حالة الصدمة اللي كنت فيها ساعة حاډثة السړقة..بس دلوقتي اتأكدت و على فكرة بقى سمعتك و انت بتكلم المهرة من شوية.
هز رأسه بايجاب و هو يتأملها بوله...كل مرة يراها فيها يتأكد أنه قد وقع بحبها..أن حبه لها يتحول الى عشق أو ربما هيام لا يدري..و لكنه حقا لا يريدها أن تتوقف عن الحديث...يستمتع كثيرا بسماع صوتها..طريقتها في الكلام..نبرتها الحماسية و انفعالها احيانا..
حين اومأ لها مؤكدا ظنونها سألته بحماستها المعتادة
طاب قولي بقى...ازاي بتتكلم بطريقتين..و ليه مخبي عن الناس شكلك و كلامك دا..
رد و هو مازال يتأملها بابتسامة
دي حكاية طويلة أوي.
احكي..انت وراك حاجة!
لأ..
و أنا كمان موارييش حاجة..
صدرت منه ضحكة بسيطة ثم بدأ الحديث عائدا بذاكرته للخلف
أبويا الله يرحمه كان عايز يعلمني أحسن تعليم...لأن ناس البلد و البلاد اللي حوالينا بيعملو الف حساب لأصحاب الشهادات و المناصب و النفوذ و هو كان عايزني أكون كبير البلد من بعده...عمتي كانت متجوزة راجل غني اوي في القاهرة بس مخلفتش منه...كانت عايشة معاه في فيلا طويلة عريضة لوحدهم...أبويا بعتني ليها لما تميت ٦ سنين عشان تقدملي عندهم في مدرسة خاصة و هي طبعا رحبت جدا و كانت طايرة بيا من الفرحة...المهم علمتني اللهجة بتاعت الناس اللي هناك عشان محدش يتنمر عليا من زمايلي...ماهي مدرسة انترناشونال بقى و كل اللي داخلينها ولاد ذوات و رجال اعمال و سياسيين و ناس تقيلة اوي..بصراحة تعبت
معايا لحد ما نستني لهجة الصعيد.... و اللي ابويا عمله معايا عمله مع حمد...بس حمد بقى محاولش يغير كلامه..بس بيعاني طبعا و هو بيتكلم قدام امي عشان متزعلش...
ضحكت ريم و هي تقول
اه أخدت بالي...اممم كمل.
و كملت بقى مع عمتي لحد ما
 

تم نسخ الرابط