رواية مهمة زواج 1_21 بقلم دعاء فؤاد
لعلها تستطيع النهوض
ندى.. قومي معايا.. ساعديني عشان أقدر أسندك و أقومك من ع الأرض...
و لكنها من فرط خجلها استجابت لتلك الغيمة التي داهمتها لعلها تنقذها من ذلك الموقف الذي أخذاها لدرجة فاقت احتمالها..
ندى.. ندى..
زفر پعنف حين أدرك أنها فقدت وعيها فقام بلف ذراعه حول كتفها و الآخر أسفل ركبتيها ليحملها بسهولة و كأنها لا تزن شيئا و قد استقرت رأسها على صدره و سالت دماء جبهتها على بدلته البيضاء و لكنه لم يهتم فأكثر ما يهمه الآن أن تكون بخير.
بينما هي داعبت رائحة عطره التي تعشقها أنفها لتئن بخفوت مستمتعة بذلك الحلم الذي راودها بمجرد أن فقدت وعيها بين ذراعيه.
وضعها برفق على الفراش ثم أخذ يتأمل أنوثتها الطاغية و كأنه مسحور أين كانت تواري كل هذا الجمال و لكنه عاد ليغمض عينيه و يستغفر ربه بخفوت فحتما لو كانت واعية لما مررتها له هكذا.
ابتسم باستهزاء من حاله ثم نهض بسرعة ليحضر شرشف خفيف من الخزانة ثم دثرها جيدا بحيث لا يظهر منها سوى رأسها حتى ما ان استيقظت لا تشعر بالخذي أو الخجل.
حين أتت أمه بعلبة الاسعافات الأولية التقطها منها ليبدأ في تجفيف الډم ثم تبين له أنه چرح صغير لا يحتاج لغرز فقام بتطهيره و وضع لاصق طبي عليه.
هي أغمى عليها ولا ايه يا أدهم!
أومأ و هو يقوم بوضع اللاصق ثم قال
أيوة يا ماما... شكلها مرهق أوي.. أنا بقول نسيبها تنام و ترتاح بلاش نفوقها.
في تلك اللحظة دلفت وفاء حاملة كوب من العصير الطازج كانت قد أمرتها تيسير باعداده لندى و قد سمعت عبارة أدهم الأخيرة لتقول و هي تدخل
اه و الله يا أدهم بيه... ندى هانم تعبت النهاردة في تنضيف قوض النوم و مأكلتش أي حاجة عشان تلحق تخلص قبل ما ترجعوا.
انكمشت ملامحه بڠصب ليصيح بها
و ندى هانم تنضف ليه!.. و انتى كان لازمتك ايه!
تجعدت ملامحها پبكاء ثم قالت
و الله يا بيه هي اللي صممت تنضفهم و قولتلها عنك يا ست ندى هكمل انا مرضييتش أبدا و قالتلي نضفي انتي الصالون و....
صاح أدهم بحدة
خلاااص... و اللي حصل النهاردة ميتكررش تاني.. حطي العصير هنا و اتفضلي انتي..
وضعت العصير على اقرب طاولة ثم فرت من أمامه على عجل بينما تيسير قد داهمها الشعور بالذنب فهي من أخبرت ندى بأن تنظف غرفة نومها... و لكنها لم تطلب منها تنظيف غرف النوم الأربعة بالشقة.
حانت منها التفاتة ناحيتها لينمو بداخلها احترام أعظم من ذي قبل لتلك النائمة في سلام.
تنهدت تيسير بحزن ثم نهضت و هي تقول
طاب انا هقوم يا حبيبي أغير هدومي و انت كمان غير و ارتاحلك شوية على ما العشا يجهز.
هز رأسه عدة مرات لتنهض تيسير خارجة من الغرفة ثم أغلقت الباب خلفها.
أعاد رأسه للخلف مستندا الى الوسادة من خلفه ثم ظل محدقا في سقف الغرفة بشرود يفكر في ندى... تلك الفتاة الرقيقة ذات القلب الصافي النقي... التقية العفيفة.. كيف فضل عليها دارين صاحبة المظاهر و الطبقية...هو يدرك جيدا أن الحب لم يطرق له باب و لم يعلم له سبيل بعد... و لكنه لا يدري لما يشتاق لدارين حين تكون بعيدة عنه و ما ان يراها تصبح مثلها كأي فتاة بالنسبة له...حاول كثيرا تفسير تلك الظاهرة و لكنه لم يجد لها تفسيرا.
تنهد بحيرة ثم أدار رأسه ناحيتها ينظر اليها بتمعن.. ذاك الملاك النائم ذات الشعر الأسود القصير و غرة كبيرة غطت حاجبيها رموش كثيفة و طويلة بشړة خمرية ناعمة نعومة الأطفال و حين أخفض ناظريه ناحية قوامها الأنثوي المغطى بالشرشف الخفيف عاد سريعا ينظر أمامه و كأنها تشعر به... فهو لن يترك لنفسه العنان لتأمل ما حجبته عنه من جسدها مستغلا نومتها و عدم وعيها.
نظر لتلك البقعة الحمراء على كتفه متنهدا بعمق ثم
نهض أخيرا من الفراش ثم التقط ملابس بيتية من الخزانة و أخذها الى الحمام الصغير الملحق بغرفته.
بعد قليل خرج مرتديا بنطال قطني و تيشيرت أبيض ثم قام بأداء صلاة المغرب و بعدما انتهى تمدد بحوارها بالفراش محافظا على مسافة كبيرة بينهما.
التقط هاتفه ليتصل بآسر للمرة العاشرة و لكن مازال هاتفه مغلق الأمر الذي أثار قلقه البالغ أخذ يدعو الله أن تكون الأمور على ما يرام ثم غفى سريعا من فرط ارهاقه بالعمل.
دقت الثامنة مساءا و بدأت ندى تتململ بابتسامة مرتسمة على ثغرها فلازالت تغوص داخل ذلك الحلم الذي جمعها بأدهم و هي تنعم بقربه و تتنفس عطره و يدنو منها يلقي عليها من كلمات العشق و الهيام ثم بدأت تفتح عينيها ببطئ مستغربة تلك الحوائط رمادية اللون حاولت أن تتذكر آخر ما حدث و لكن مازالت الذاكرة مشوشة.
لفت نظرها ذلك الغطاء الذي يغطي جسدها لتواتيها الأحداث و
تتوالى على رأسها
خاصة حين
قبض أدهم على كتفيها
شهقت شهقة عميقة حين نظرت الى نفسها ثم الى أدهم الراقد بجوارها رغم تلك المسافة الجيدة بينهما فاستيقظ من غفوته على شهقتها العالية ليقول بصوت متحشرج
مالك يا ندى.. بقيتي كويسة!
سحبت الغطاء على نفسها حتى رقبتها ثم قالت و عينيها متسعتين و مغشيتين بالدموع
كويسة!.. كويسة ايه و زفت ايه...أنا ايه اللي جابني هنا!.. و ازاي تنيمني على سريرك!.. و ازاي ت..
قاطعها بحدة مزمجرا
و الله الأسئلة دي تسأليها لنفسك... انتي ايه اللي جابك قوضتي !
سكتت تناظره و الدموع تسيل من عينيها فأشفق عليها ليقول بحنو
انتي بټعيطي ليه دلوقتي!
ردت بصوت متحشرج من أثر البكاء
لو سمحت قوم هاتلي الاسدال بتاعي من قوضتي...
زفر پعنف ثم نهض من الفراش بتثاقل فاسترسلت كلامها
لما تخرج من القوضة انا هدخل الحمام استناك لحد ما تجيبه.
أومأ دون أن يتحدث ثم خرج من الغرفة و اغلق الباب خلفه و لكنه لسوء حظه قابل أمه في طريقه للغرفة..
مساء الخير يا حبيبي... ندى عاملة ايه دلوقتي.
ابتلع ريقه ليقول
كويسة يا ماما.
هي صاحية!
احم.. ايوة صاحية.
طاب انا هدخل أشوفها..
حاول أن يستوقفها بأي حجة و لكنها كانت قد فرت من أمامه قبل أن يقول أي شيئ و لكنه اكمل طريقه لغرفتها ليأتي لها بالاسدال.
طرقت الباب عدة طرقات ثم فتحت الباب و دخلت مباشرة لتجد الفراش خالي..
ندى... ندى..
أتى صوتها من المرحاض
أيوة يا ماما..
انتي كويسة يا حبيبتي!
اه كويسة.
طاب أجيلك أسندك.
لا لا أنا هاخرج اهو... اومال فين أدهم!
ابتسمت السيدة ظنا منها أنها قد اشتاقت اليه و أن الأمور بينهما على خير ما يرام ثم قالت
كنت شايفاه رايح ناحية قوضة المكتب... تقريبا عنده شغل مستعجل هيخلصه.
زفرت باحباط و انتظرت قليلا لعل تيسير تغادر الغرفة و لكن يبدو أنها لن تفعل فاضطرت للخروج لعلها تطمئن عليها ثم تخرج قبل ان يأتي أدهم.
خرجت ندى من المرحاض بذات الملابس لتقابلها تيسير بإبتسامة واسعة حين رأتها بحالة جيدة فاحتضنتها بحب ثم أخذتها من يدها و أجلستها بطرف الفراش و جلست بجوارها و هي تربت على كتفها
ألف سلامة عليكي يا حبيبتي.. ايه اللي حصل!
معرفش انا اتزحلقت ازاي و راسي اتخبطت في حافة الدولاب و اتعورت.
مسدت على شعرها و هي تناظره باعجاب واضح ثم قالت
الحمد لله جات سليمة.. بس تعرفي تسريحة شعرك جميلة أوي و لايقة اوي على وشك.. و احسن حاجة بقى ان القصة الحلوة دي مغطية على الچرح اللي في جبينك.
أطرقت ندى رأسها بخجل لينسدل شعرها القصير مع غرتها الغزيرة لتغطي وجهها تماما في تلك اللحظة دلف أدهم و في يده الاسدال ليتفاجئ بجلوس ندى بذات الملابس الشبه مولية ظهرها له و أمه في مواجهته..
ادخل يا أدهم..
التفتت ندى ناحية الباب لتجده واقفا على الباب فانتفض جسدها لتنهض و كانت على وشك الركض من أمامه و لكنه كان أسرع منها حين وصل اليها قبل أن تتحرك ليترك الاسدال
انت قليل الأدب..
اهدي بقى... انتي مراتي.. فاهمة!
صاحت پغضب و هي تبكي
لا... انت اللي مش عايز تفهم.. مش كل شوية هقولك مينفعش.
و أنا غيرت رأيي.
تجلت ملامح الصدمة على ملامحها الباكية لبرهة ثم سألته بعدم استيعاب
قصدك ايه!
أجابها بتلقائية و بدون تردد
قصدي مفيش شروط في جوازنا... انتي مراتي لحد ما ربنا يأمر بحاجة تانية.
ضيقت عينيها بشك
بس دا مكانش اتفاقنا امبارح.
رد بجدية تامة
انسي أي اتفاق قلناه امبارح أو قبل كدا.
و ايه اللي غير رأيك!.
سكتت لحظة ثم قالت و كأنها قد استوعبت شيئا ما لتوها
اه عشان ماما تيسير رجعت و انت مقدرتش تكمل على اتفاقنا عشان خاېف من رد فعلها... مش كدا!
هز رأسه بنفي
لأ مش كدا.
قطبت جبينها باستغراب ليسترسل بجدية
أنا غيرت رأيي لأني اقتنعت اني مش هلاقي زوجة أحسن منك تشيل اسمي و أبني معاها حياة.
سكتت تحاول استيعاب كلماته و هي تنظر لصدق عينيه فابتلعت ريقها بصعوبة من فرط توترها اثر تلك المفاجأة ثم سألته بتوجس
أحسن مني من حيث ايه يعني!
مط شفتيه ليقول بنبرة جادة و مازال محتجزها بين ذراعيه المرتكزين على الخزانة
يعني.. بنوتة حلوة...مؤدبة.. متدينة.. خلوقة.. دكتورة... هعوز ايه تاني أكتر من كدا!.. اظفر بذات الدين تربت يداك.
تهدل كتفاها باحباط تسأله باستنكار
بس كدا!
هز كتفيه لأعلى ليقول بتعجب
انتي اكيد فيكي حاجات حلوة كتير.. بس دا اللي حاضرني دلوقتي.
أطبقت جفنيها لوهلة پألم ثم فتحتهما لتنظر إليه بملامح خاوية تلك النظرة أثارت قلقه ليسألها بتوجس
ايه يا ندى!... مش عايزاني!
تنهدت بحزن حاولت اخفاءه ثم قالت بنبرة جاهدت أن تبدو طبيعية
لا ازاي تقول كدا... انت كمان فيك صفات حلوة أي بنت مكاني تتمناها..
زي!
احساس المرارة يكاد ېقتلها و البكاء يكاد يغلب على نبرتها و لكنها جاهدت لتبقي على نبرتها عادية و أجابته دون أن تنظر اليه تعدد مميزاته
ظابط وسيم... هيبة... هيئة جميلة.. شخصية قوية.. انسان جد اوي مالكش في اللف و الدوران..
حانت
منه شبه ابتسامة ليفك حصارها أخيرا ثم قال بجدية و هو يمسد على قصة شعرها التي أعجبته كثيرا
تمام كدا نبقى متفقين... الشعر الجميل دا ميتغطاش قدامي تاني.. و عايزك تاخدي راحتك في اللبس.. متكتفيش نفسك بالاسدال طول اليوم... زي ما انتي شايفة محدش في البيت غيري انا و انتي و ماما.
أومأت بصمت و هي تكاد تفقد وعيها من لمسته التي خدرتها لا تدري أمن المفترض أن تفرح لكسر ذلك الحاجز المنيع الذي أقامه بينهما من أول ليلة لهما... أم تبكي لعدم شعوره ناحيتها بشطر ما تكنه له من عشق... أي عشق هذا... لا لا... بل انها متيمة به و هو لا يدري.
تمنت لو كانت أسبابه متعلقه بوقوعه في حبها و لكنه خذلها و حطم أمالها بسرده أسباب لا تكفيها البتة.. و لكن يكفي قلبها ذلك القرب الذي تمنته كثيرا في أحلامها.
غيري هدومك دي يلا عشان نتعشى سوا.
طاب هات الاسدال... انا مش هخرج من القوضة كدا..
أخذ يحك ذقنه بحيرة
و بعدين!!.. انتي لو خرجتي غيرتي في قوضتك ماما هتاخد بالها.
هو دا كل اللي يهمك يعني!
أنا بس مش عايز نفتح في حوارات ملهاش لازمة بعد ما خلاص
اتفقنا نكون مع بعض دايما.
هزت ساقها بعصبية و هي تهتف بانفعال
و انا مش هقعد باللبس دا.
طيب خلاص انا هخرج اقعد مع ماما لحد ما تخلصي و تعاليلنا قوضة السفرة.
أومأت و هي تهز رأسها ثم تركها و خرج من الغرفة و بمجرد أن سمعت صوت انغلاق الباب هوت بجسدها على الفراش و هي ممسكة بموضع قلبها الذي ينبض پعنف... لقد وعدها للتو ببقاءه معها لآخر العمر.. لا تصدق... سيصاب قلبها بالاڼهيار من فرط المشاعر المتضاربة التي توالت عليها... فرح.. بكاء... اثارة...
لا تدري ماذا يتعين عليها أن تفعل الان...
بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة الثالثة عشر
في محافظة سوهاج..
كان معتصم قد أرسل سابقا خفيره سمعان الى ريم بالوحدة الصحية يطلب منها رقم هاتفها حتى اذا ما مرضت أمه أو حدث جديد بحالتها الصحية اتصل بها لعلها ترشده الى ما عليه فعله و قد رحبت لذلك و لم تمانع حبا لتلك السيدة فقامت بتدوينه على ورقة و كتبت أعلى الرقم دريم الكيلاني و قد قام معتصم بتسجيله بهاتفه ثم أرسل لها رسالة عبر الواتساب يخبرها برقمه لكي تحفظه لديها و قد فعلت.
و في المساء كانت الفتاتان جالستان بالسكن الخاص بهما الملحق بمبنى الوحدة الصحية بالطابق العلوي لها...
و هو عبارة عن غرفة نوم بها تختان و خزانة ملابس و طاولة الزينة و صالة بها طاولة طعام مستديرة و أريكتان و مطبخ صغير بالكاد يتسع للموقد و حوض غسل الأطباق و أيضا مرحاض صغير.
لا لا انا مش معاكي خالص يا مارتينا.... أنا شايفة ان حمد احسن من معتصم... تحسيه ذوق كدا و بيفهم.. مش زي اخوه الإتم دا.
قالتها ريم و هي تحتسي الشاي مع صديقتها لترد مارتينا بسخرية
انتي طلعتي غبية و مبتفهميش.
أشاحت بيدها و هي تقول بنزق
يابنتي انتي باصة للجسم و الهيئة.. أي نعم حمد مش زي معتصم .. بس مازلت عند رأيي ان حمد چان أكتر... و بعدين يا ستي بقى بلا معتصم بلا حمد.. سيبك انتي... و خليني اتمزج بكوباية الشاي بالنعناع دي.
ضحكت مارتينا بقهقهة على كلمات صديقتها ثم صبت جل تركيزها في كوبها أيضا.
بينما في ذلك الحين تماما كان الليل قد أسدل ستائره و حركة الأقدام قد قلت بل تكاد تكون اختفت من المنطقة المحيطة بمبنى الوحدة الذي تحفه الأراضي الزراعية من جهتين و الثالثة محفوف بالمنازل و الطريق من أمامه فتلك عادة أهل البلدة اغلاق منازلهم و الخلود الى النوم مبكرا للغاية.
كان هناك بالأسفل رجلان ملثمان كان لتوهما قد تسلقا السور العالي للوحدة قافزين إلى الداخل تقدم أحدهما إلى تلك النافذة المطلة على الحديقة بالطابق الأرضي و التي كان من السهل الوصول اليها و قد قام بخفة بفصل الحاجز الحديدي
تسللا بخفة الى الطابق العلوي حيث سكن الأطباء المغتربين.
أحدث أحدهما جلبة خارج السكن لكي تنتبه إحداهما و تقوم بفتح الباب و من ثم يقتحمان السكن.
و بالفعل شعرت مارتينا بصوت غريب بالخارج فتركت الكوب من يدها لتتجه ناحية باب السكن بينما ظلت ريم منشغلة بتفقد هاتفها و تصفح الفيسبوك و لم تنتبه لذلك الصوت الغريب.
سمعت ريم صوت صړخة مكتومة فأصابها الفزع و ركضت باتجاه الباب لتلمح جلباب أحد الملثمين فاتسعت عينيها پذعر و التقطت حجابها سريعا تضعه على رأسها ثم خرجت بهدوء تختبئ بالمطبخ و مازالت ممسكة بهاتفها.
لمحت جسد مارتينا مسجي على الأرض
بجوار باب السكن المفتوح
و يبدو أنها فاقدة للوعي فازداد ذعرها أكثر و رفعت هاتفها أمام عينيها
المذعورتين و أول من أتى بخاطرها هو معتصم.
بيدين مرتعشتين قامت بالاتصال به و قد علت دقات قلبها بطريقة چنونية من فرط الخۏف و بعد ثواني أتاها صوته المتعجب لتقول بنبرة مهزوزة مړتعبة
م معتصم..
و قبل أن يجيبها كان قد رآها أحد الرجلين ليسقط الهاتف من يدها و هي تصرخ بملئ فمها بينما على الجهة الأخرى انتفض معتصم من فراشه حين أتاه صړاخها و انقطع الاتصال بعدها.
أعاد الاتصال بها عدة مرات و لكن الهاتف مغلق..
ازدادات دقات قلبه من فرط القلق و في غضون ثواني كان قد ارتدى جلبابه و اتجه سريعا نحو غرفة شقيقه و قام بايقاظه
حمد.. حمد.. قوم معايا بسرعة.. في مصېبة حصلت لريم..
رد بصوت ناعس
ريم مين!
اصحى و ركز معايا كدا... الدكتورة ريم اللي كانت عندنا النهاردة.
هب حمد من الفراش واقفا و هو يهتف بقلق
ايه اللي حصل!
جذبه من ذراعه و سار به الى خزانة ملابسه و هو يصيح بقلق بالغ
انت لسة هتسأل يا حمد... البس و اخلص.. انا هنزل اصحي الغفر على ما تلبس و هات سلاحک معاك.. بسرعة.
أومأ حمد و شرع في تبديل ملابسه و في غضون دقائف قليلة كان معتصم يسير مهرولا الى الوحدة بجواره حمد و خلفه ثلاثة من الخفر بينهم سمعان و بحوذتهم أسلحتهم الخاصة بخلاف العصى الغليظة الشوم.
لم ېكذب حدس معتصم فبعدما فتح سمعان البوابة الحديدية بالمفتاح الاحتياطي الذي بحوذته و دلفوا الى الداخل تبين له النافذة المکسورة و التي عبروا خلالها و هو يركض بعدما أصابته حالة من الهيستريا فقد هوى قلبه بين قدميه حين تخيل أن مكروها قد أصاب ريم..
صاح بڠصب مزمجرا كالأسد الجريح و عند مقدمة الدرج
سمعااان خود الرچالة و اجلبلي الارض عاليها واطيها لحد ما تلاجي الكلاب اللي عملوا اكده... و رب العزة ان عاودت من غيرهم لأكون امعلج رجبتك على باب البلد...هم بسرعة.
ثم أخذ الدرج في خطوتين و ركض خلفه حمد يلحق به.
تفاجئ بجسد مارتينا المسجي على الارض بجوار الباب ليصيح بحمد
حمد بسرعة شيل مارتينا ډخلها جوا و حاول تفوقها.
أومأ حمد و انحنى لمستواها ليبدأ ما أمره به معتصم..
بينما معتصم ركض الى غرفة النوم فلم يجدها فخرج سريعا ليأتيه صوت شهقاتها العالية من المطبخ فركض نحوها بسرعة يتفقدها فوجدها منكمشة على نفسها على أرضية المطبخ مرتدية بيچامة النوم و الحجاب بالكاد يغطي نصف شعرها و ... تتنفس بصعوبة و كأنها ټصارع للبقاء على قيد الحياة و عينيها بالكاد تفتحها و كانت بعالم آخر كأنها لا تشعر به.... فقد أصابتها نوبة هلع.
قبض معتصم على كتفيها برفق يهزها و هو بالكاد يسيطر على انفلات اعصابه ثم ناداها بهدوء عكس ما يختلج بكيانه كله
ريم.. اهدي.. اهدي يا ريم... اتنفسي براحة.. خودي نفسك براحة..
و لكنها لم تستجب له بل علت وتيرة تنفسها أكثر و الدموع أغرقت وجنتيها فلم يجد بدا من فهو يدرك جيدا أنها قد أصيبت بنوبة هلع و لن يجدي معها نفعا سوى تلك الطريقة..
جذبها ليشعر بتلك النبضات العڼيفة التي ټضرب صدرها بضراوة حتى أن صداها تردد بصدره فأخذ يمسد على رأسها تارة و يربت على ظهرها تارة أخرى و هو يردد بعض الكلمات المهدئة بجوار أذنها بنبرة حنونة للغاية
ريم خلاص انتي في أمان... اهدي.. اتنفسي براحة يا ريم... خلاص مشيوا.. اهدي.. خودي نفسك براحة خالص..
بدأت تستجيب له بعدما تسلل اليها ذلك الشعور بالأمان علاوة على الدفئ النابع من احاطته لها و بدأت شهقاتها تقل رويدا رويدا و نبضات قلبها بدأت في الانتظام بالتزامن مع انتظام وتيرة تنفسها حتى انغلق جفنيها و استسلم جسدها للنوم بعدما أنهكته تلك الحالة المرعبة فشعر بثقل رأسها على صدره ليتنهد بقليل من الارتياح و لكنه أبقاها برهة بعدما غزى قلبه نحوها ذلك الشعور الغريب بالتملك و كأنها تخصه...و كأنها ملكا له.
تجاهل تلك المشاعر التي تملكته فهذا ليس وقتا مناسبا لاستكشاف المشاعر و من ثم قام بحملها برفق شديد حتى أدخلها غرفة النوم و وضعها على الفراش و دثرها جيدا ثم ألقى عليها نظرة أخيرة و خرج مغادرا الغرفة.
خرج ليجد حمد قد وضع مارتينا على الأريكة الكائنة بالصالة و يحاول افاقتها حتى بدأت تتململ و تفتح جفنيها بصعوبة الى ان استعادت وعيها كاملا لتنهض من نومتها و هي تبكي بشدة ثم أخذت تدير ناظريها بين حمد و معتصم الذين جلسا على الأريكة المقابلة ينظرون نحوها على استحياء لتهتف باستغراب بنبرتها الباكية
معتصم بيه!...انت جيت هنا امتى!.. و عرفت منين!
أقبل عليها و هو يغض نظره عنها ثم قال بجدية
مش مهم عرفت ازاي... المهم احكيلي اللي حصل بالظبط.
بدأت شهقاتها تعلو ثم ما لبثت أن تذكرت صديقتها لتصيح بهلع
ريم... ريم فين!... عملوا فيها ايه!...
مټخافيش يا مارتينا ريم بخير..
كان ذلك رد حمد لها فهتف معتصم بنفاذ صبر
ريم نايمة جوا... قوليلنا بقى ايه اللي حصل!
حاولت السيطرة على أعصابها التالفة ثم بدأت في سرد ما حدث أمامها
أنا و ريم كنا سهرانين و بنشرب شاي.. و فجأة سمعت صوت برا باب السكن فافتكرتها قطة قولت اشوفها يمكن تكون عطشانة... بس ريم مكنتش واخدة بالها.. خرجت و بمجرد ما فتحت الباب لقيت قدامي اتنين متلتمين مش باين منهم غير عيونهم.. واحد منهم خبطني على دماغي و محستش بحاجة بعدها.
انخرطت في البكاء مرة أخرى ثم ما لبثت أن صړخت عاليا حين نظرت ليديها
يا نهار اسود... دهبي.. سرقوا دهبي..
تحسست رقبتها لتتفقد سلسالها الذهبي و لكن أيضا لم تجده فازداد نواحها أكثر بينما معتصم أخذ يطمئنها و هو يغلي من الڠضب
اهدي يا مارتينا... هرجعلك كل اللي
سرقوه متقلقيش...أنا عايزك تقومي دلوقتي تلمي كل هدومك و متعلقاتك و ريم كمان صحيها و قوليلها تلم حاجتها كلها عشان هاخدكو معايا الدوار...
نظر لحمد ليقول بنبرة آمرة
و انت يا حمد قوم اوصل الدوار هتلاقي مفاتيح عربيتي في درج الكومود بتاعي خودهم و هات العربية و ارجعلي على هنا.
أومأ حمد ثم نهض متجها إلى حيث أمره أخوه.
بينما
ها يا سمعان وصلت لايه!...
قطرناهم يا كبير بس بيهربوا منا وسط الاراضي.. بس و الله ماهنسيبهم لو هيچرونا وراهم البلد كلاتها..
اضرب عليهم ڼار ان لزم الامر يا سمعان..
أوامرك يا كبير..
أغلق الهاتف ثم أخذ يدور في غرف الوحدة و يتفقدها بحرص و بعد عدة دقائق هبطت اليه مارتينا تناديه و يبدو عليها الانزعاج الشديد
معتصم بيه... ريم مڼهارة و مصممة ترجع القاهرة دلوقتي.
لم ينطق بحرف بل صعد اليها مرة أخرى على عجل ثم طرق الغرفة المفتوحة بابها ليأتيه صوت شهقاتها العالية فتقدمت مارتينا من الخارج
اتفضل ادخل يا معتصم بيه.. ريم لابسة حجابها.
دلف اليها ليجدها تجلس على حافة الفراش مرتدية ملابسها المعتادة من قميص نسائي طويل أسود اللون و بنطال چينز ضيق و حذاء رياضي أسود و حجابها أيضا من اللون الأسود و بكائها عبارة عن شهقات فقط و وجهها محمر من شدة الانفعال.
دكتورة ريم اتفضلي معايا ف..
قاطعته بصړاخ
انا مش رايحة في مكان... انا هرجع بيتي في القاهرة... و دلوقتي.
كانت تتحدث و عينيها زائغة في مكان آخر و يبدو أنها على حافة الاڼهيار العصبي..
فاقترب منها واقفا يحدثها برفق
هتروحي القاهرة ازاي دلوقتي!.. انتي عارفة الساعة كام!
ردت بذات الانفعال
همشي يعني همشي.. مش قاعدة دقيقة واحدة في البلد دي... انا عايزة اروح بيتي..
أخذت تردد العبارة الأخيرة و هي تشهق بأنفاسها التي بدأت تضيق و تزداد فخشي أن تأتيها نوبة الهلع من جديد و أدرك أنها ليست في وعيها الكامل.
ريم اهدي بقى عشان نعرف نتفاهم.
و لكن كان ازدياد شهقاتها هو ردها عليه لينظر الى مارتينا و هو يقول بنبرة ذات مغذى
لو سمحتي يا مارتينا هاتيلها كوباية مية يمكن تهدى شوية.
أدركت مارتينا أنه يريد الانفراد بها لعله يقنعها بالعودة معه الى الدوار فأومأت له و خرجت من الغرفة.
تقدم منها حتى نزل على ركبتيه على الأرض ليكون رأسه في مستوى رأسها و دون أن يلمسها أخذ يتحدث اليها بهمس حاني
ريم اهدي بقى... اتنفسي براحة..
نظرت له بعينين محمرتين من فرط البكاء ثم قالت بعدوانية
مش ههدى غير لما ارجع بيتي.
أشاح برأسه للجهة الأخرى متنفسا بعمق ثم نظر لها مرة أخرى ليقول بذات النبرة الحانية
طاب بطلي عياط و أنا هعملك اللي انتي عايزاه.
أيضا لم تهدأ شهقاتها و لو مقدار شهقة واحدة بل شفتيها ترتجفان بالتزامن مع ارتجاف يديها و اهتزاز جسدها بالكامل من فرط الانفعال فنظر لعينيها بعمق ثم قال و هو يتلاعب بها بمكر
الظاهر كدا عجبك..
اتسعت عينيها پصدمة و توقفت حركة جسدها تماما فابتسم بانتصار و استرسل بمزيد من المكر و بهمس
ماهو أصل هو اللي بيهديكي.
بدأت تواتيها ذكرى الأحداث الماضية حين قام باحتضانها حتى هدأت أثناء نوبة الهلع لتحمر وجنتيها خجلا و تهب واقفة من الفراش مولية ظهرها له ليقف هو الآخر ليقول بجدية
أخيرا هديتي!... ريم خلينا نتكلم بالعقل شوية.
استدارت له لتتحدث بحدة و هي تنظر أرضا
أنا حقيقي مش هقدر أكمل هنا تاني... أنا هعمل محضر و هقدم على طلب نقل للقاهرة.
حين أدرك أنها تذكرت ما حدث و عادت لوعيها عاد أيضا لغلظته التي عاهدته عليها فرد بنبرة قاطعة و بحدة بالغة
مفيش محاضر هتتعمل... حجك انا هعرف اچيبهولك و كل اللي اتسرج منيكم هيرچع.. ماهو مبجاش كبير البلد دي لما شوية اكلاب يغفلوا ضيوفي و يسرجوهم.. كانهم مفكريني طرطور وسطيهم.
ابتلعت ريقها بصعوبة من رهبتها و هتفت به بنبرة مهتزة
انت بتزعقلي كدا ليه!
و ان ما نزلتي امعايا دلوق هتشوفي اللي مش عتحبي تشوفيه واصل يا ست الضاكتورة.
ردت پخوف نوعا ما
انت من شوية كنت كيوت... انت بتقلب مرة واحدة كدا ليه!
كتم ضحكته بصعوبة بالغة محافظا على وجهه الصارم و نبرته الغليظة متجاهلا رأيها به
همي يلا لمي هدوماتك... حمد مستنينا تحت.
لكنها حاولت أن تتحلى بالشجاعة لتقول بنبرة قاطعة
أنا مش هتحرك من هنا و اروح أبات في بيت واحد غريب عني بدون علم أهلي...
رغم شعوره بالاعجاب و الاحترام الشديد لتقريرها بذلك الا أنه تأفف بنفاذ صبر
معناته ايه كلامك!
انكمشت ملامحها و كأنها ستعود من جديد للبكاء حين
تذكرت حاميها و
سندها في الحياة فهي الآن
في أشد الاحتياج إليه و لكلماته المطمئنه والآمن الذي تلجأ اليه حين
تضيق بها الضوائق...لتقول بنبرة طفولية أوشكت على البكاء
أنا عايزة أدهم... أنا عايزة أكلمه... أنا هقوله ييجي ياخدني من هنا...
ثم أخذت تدور حول نفسها و كأنها تبحث عن شيئ ما فاستنفرت عروق رقبته پغضب بالغ حين ذكرت ذلك المجهول بالنسبة له و لكنه حاول أن يتحلى بالهدوء ليسألها بجدية
انتي بتدوري على ايه..
بدور على تليفوني عشان أكلم أدهم..
جذبها من ذراعها و هي منحنية تبحث عن الهاتف لتعتدل أمامه ليصيح بها بعدم وعي منه
أدهم مين اللي عايزة تكلميه دا!.. يبقالك ايه!
نزعت ذراعها منه پغضب جامح لتصرخ بانفعال
متلمسنيش تاني... انت فاهم!.
أخذ نفسا عميقا يحاول به تهدئة نفسه ثم زفره على مهل ليقول بهدوء نوعا ما
يا بت الناس اعجلي اكده و خلونا نخفى من اهنيه و بعدين كلمي اللي تكلميه..
ثم ما لبث أن تذكر شيئا ما و هي مازالت تبحث
و بعدين الحرامي سرج كل حاچة مخلاشي حاچة واصل.. حتى دهبات زميلتك سرجها... يعني لا حيلتك افلوسات و لا تلفونات و لا أيتها حاچة واصل.
اتسعت عيني ريم پصدمة لتقول بملامح مشدوهة
يعني ايه!.. يعني مش هعرف أكلم أدهم!
رد و هو يكظم غيظه بصعوبة
لو حافظة رقمه خودي تلفوني كلميه.
لا مش حافظاه... مسيفاه على الموبايل... مش حافظة أي ارقام خالص.
طاب خلاص اكده مفيش جدامك غير انك تاچي امعايا.. و مټخافيش.. هتباتي في المضيفة اللي چار الدوار يعني بعيد عن اللي بايتين في الدار.. و في غفر بيحرسوا المضيفة لما بيكون عندينا فيها ضيوف.. يعني انتي امعايا في أمان و محدش يجدر يدوسلك على طرف طول مانتي في حماية الكبير.
تهدل كتفاها باحباط لتهز رأسها بإيماءة بسيطة كناية عن قلة حيلتها و موافقتها على عرضه فما لبث أن زفر بقوة ثم قال
أخيرا راسك اللي كيف الحچر الصوان دي لانت.. دا انتي طلعتي واعرة جوي.
رمقته بنظرة متحدية
و الله لولا الظروف اللي زي الزفت دي و الدنيا اللي متقفلة في وشي دي ما كنت وافقت أبدا على كلامك.
حانت منه شبه ابتسامة ليقول بنبرة متهكمة
معلهش.. ما يوجع الا الشاطر... بس... احم... ألا مين أدهم اللي عايزة تكلميه!
أدهم أخويا الكبير... مبعرفش أعمل أي حاجة
قطب جبينه باستنكار
باه.. باينه واعر جوي و بتهابيه.
هزت رأسها بنفي
لا لا مش زي ما انت فاكر... بالعكس دا من حبي و احترامي ليه... أدهم دا مفيش أحن منه.
أومأ عدة مرات و هو يقول
ربنا يباركلك فيه... بينا يلا ننزلو لحمد.
بقلم دعاء فؤاد
بسم