رواية مهمة زواج 1_21 بقلم دعاء فؤاد
يا معتصم.
أخذ معتصم يفرك وجهه بكفيه و هو يستغفر ربه بخفوت لعله يتخلص من وساوسه التي تأمره بلكمه ثم حاول التحلي بالصبر قائلا بنبرة من اللين
قولي يا حبيبي... في بنت معينة في دماغك أو بتحبها عشان كدا انت رافض!
أجابه بنبرة صادقة
لا يا معتصم مفيش... و لو في هتكون انت أول واحد عارف... أنا مش في دماغي الحب و العواطف و الكلام دا.
طاب خلاص إدي نفسك فرصة يمكن تحبها... صافية بنوتة حلوة و مؤدبة و غير كدا انت اللي هتربيها على ايدك و هتطبعها بطبعك.
لوح بيده بانفعال كما اعتاد منذ بداية الحوار و هو يقول بسخرية
حلوة ايه بس يا معتصم... هو أنا أعرف شكلها أصلا... و بعدين بعيدا عن الشكل و الأدب... مكانش دا طموحي في البنت اللي هتجوزها... أنا نفسي أتجوز بنت متعلمة تعليم عالي.. مثقفة.. متكلمة.. واحدة تربي ولادي أحسن تربية.. واحدة تليق بحمد البدري رجل الأعمال المستقبلي... مش طفلة يادوب مخلصة الإعدادية!!
قال عبارته الأخيرة بمرارة جعلت معتصم يتنهد بحيرة فماذا عساه أن يفعل..
لقد وقعوا في الفخ و قضي الأمر.
حمد... احنا قدام أمر واقع ولازم هنقبل بيه... فحاول كدا تبلع الجوازة دي بمزاجك و تقنع نفسك بيها... و بعدين جوازك من صافية مش هيعوق حياتك في حاجة.... كدا كدا هتتجوز في الدوار و هتسيبها هنا مع الحاجة و روح شوف أشغالك و انزلها البلد أجازات..
رمقه حمد بعينن حمراوتين من الڠضب فاسترسل معتصم بنفاذ صبر
يا سيدي ابقى اتجوز البنت اللي على مزاجك هناك في القاهرة و ابني معاها مستقبلك زي ما انت عايز و...
قاطعه بانفعال بالغ
أنا مش هغلط غلطتك يا معتصم...
احتقن وجه معتصم بالڠضب حين لفظ أخوه تلك الكلمات و لكن حمد لم يسكت عند هذا الحد بل استرسل بمزيد من الجلد و التأنيب
أنا مش هعمل زيك و أفضل خاېف للسر ينكشف و أعيش بشخصيتين زي ما انت بتعمل.
خرج معتصم من صمته الغاضب و اڼفجر فيه بحدة
معتصم البدري مبيخافش يا حمد...جوازي من نرمين أنا مخبيه عن أمك عشان مش هتقبل بيه.. و اذا كنت خاېف من الجوازة دي تتكشف فدا خۏفي على أمي و صحتها لو عرفت... أنما أي مخلوق تاني ميهمنيش و انت عارف.
كان يصيح حتى برزت عروق رقبته للغاية الأمر الذي أثار شفقة حمد عليه و جعله يشعر بالذنب أن استفزه لتلك الدرجة فاقترب منه يربت على كتفه بحنو مرددا باعتذار
معتصم أنا...
أوقفه بإشارة من كفه و هو يقول بحدة دون أن ينظر إليه
بس ولا كلمة... اعمل حسابك هنوصل دار عمك الليلة نطلب يد البنتة و نتفج على كل حاچة و تنزل امعاها بكرة انت و أمها تنجوا الشبكة اللي تعچبها... و حسك عينك تجول كلمة اكده ولا اكده و لا يصدر منك أي حركة ملهاش عاذة يا حمد..
هنزل دلوق أصلي العصر و تحصلني ع الغدا.
ثم تركه بصډمته و غادر الغرفة فجلس حمد على حافة فراشه منكسا رأسه بين كفيه يحاول تهدئة ذلك الغليان برأسه فيبدو أن أخيه قد أخذ القرار و لن يتراجع مهما فعل... و هو لن يستطيع أن يكسر كلمته أو بالأحرى هيبته بين أهل بلدته.
عودة للقاهرة..
أمام إحدى الكافيهات الراقية قام آسر بصف سيارته ثم ترجل منها ليفتح الباب الخلفي لخطيبته لتخرج ميريهان تلتها شقيقتها مودة فقام
آسر بغلق السيارة الكترونيا و اصطحبهما إلى الداخل..
ايه رأيكو في الترابيزة اللي هناك دي
أشار إلى إحدى الطاولات النائية التي تطل على النيل فأومأت ميريهان بحماس
حلوة يا آسر... يلا.
حين وصلوا للطاولة و جلس كل من آسر و ميري أردفت مودة ببسمة خالصة
طاب هروح أنا بقى أستناكم في الترابيزة اللي هناك دي..
أشارت ألى أخرى بعيدة في الجهة المقابلة فقال آسر بجدية
طاب اقعدي نشرب أي حاجة الأول.
ردت بمرح
لا يا عم... أنا هروح أمارس هوايتي المفضلة..
قالتها و هي ترفع أمامهما حقيبتها التي تحوي أدوات الرسم.
فأومأ آسر ببسمة ممتنة فأسرعت بالإستئذان منهما و ذهبت الى حيث أشارت.
بتحبك أوي مودة...
قالها آسر و هو يراقبها بعدما انصرفت فردت ميري بتنهيدة حزينة
بتفضلني على نفسها في كل حاجة... عايزاني أعيش اللي هي مش قادرة تعيشه... انت متعرفش أنا قلبي واجعني عليها قد إيه يا آسر..
رد بلهفة
لا يا حبيبتي سلامة قلبك... كفاية هي... ربنا يشفيها.
يا رب... نفسي تخف و تعيش حياتها زي أي بنت.. بس للأسف كفاءة القلب كل مدى بتقل لولا الأدوية اللي لو فوتت يوم و مأخدتهاش الدنيا تبوظ خالص و غالبا بتبات اليوم دا في المستشفى.
ربت على كفها المستقر على الطاولة و هو يقول بحزن
نصيبها كدا من الدنيا يا ميري...ربنا يجعل مرضها في ميزان حسناتها.
زفرت أنفاسها و هي تتمتم بالحمد لله فغير آسر مجرى الحديث
ها يا حبي... تشربي ايه!
بينما هناك على طاولة مودة بينما هي منهمكة في الرسم رن هاتفها برقم ما فنظرت للإسم و اتسعت بسمتها تباعا ثم فتحت المكالمة لترد
ألو... ماما حبيبتي وحشتيني أوي..
و انتي يا روحي وحشاني مۏت... عاملة إيه يا ميمو و ميري أخبارها إيه!
الحمد لله يا ماما احنا بخير.. انتي اللي عاملة ايه!
بخير يا حبيبتي طول ما انتو بخير... ميري صوتها وحشني أوي...مش ناوية قلبها يحن و تكلمني بقى!
ابتلعت مودة ريقها ثم قالت بحزن
متزعليش منها يا ماما... هي بتحبك بس انتي عارفة إن قلبها جامد شوية و لسة شايلة منك..
اممم... مش قادرة تسامحني و تنسى اللي فات.. أنا تعبت و مش عارفة أعملها ايه تاني عشان تسامحني.
معلش يا ماما إديها شوية وقت... ان شاء الله هتروق و هترجع المية لمجاريها.
يا رب يا مودة يا رب... وصلي سلامي ليها و لآسر..
حاضر يا حبيبتي يوصل...
مع السلامة يا روحي..
أغلقت ريهام والدة مودة الهاتف و هي تزفر بحزن فمنذ أن انفصلت عن والدها و تزوجت بآخر و سافرت معه الى الخارج و قد بنت ابنتها ميريهان سدا منيعا بينها و بين والدتها لم تتخطاه بعد رغم مرور أكثر من عشر سنوات على ذلك الأمر و رغم كل محاولات التودد من قبلها ألا أنها كلها قابلتها ميريهان بالرفض على عكس مودة تماما و التي رق قلبها لأمها على الفور و سامحتها و كأن شيئا لم يكن.
في شقة أدهم....
طرق باب غرفتها فردت عليه من خلف الباب ليقول لها
ندى أنا هستناكي في الصالون....عايز أتكلم معاكي.
أتاه صوتها من خلف الباب
حاضر ثواني و جاية.
بعد قليل أقبلت عليه مرتدية إسدال الصلاة ثم جلست بالكرسي المقابل له فأدار دفة الحديث قائلا بجدية
إن شاء الله بكرة الصبح ماما هترجع من عند روان و أنا هنزل شغلي.... و طبعا ماما هتلاحظ إن كل واحد مننا بيبات في قوضة لوحده و طبعا هتقوم الدنيا و مش هتقعدها..
ردت بتجهم
و المطلوب!
رد عليها بهدوء و ترقب
أنا فكرت في فكرة كدا مش عارف هتوافقيني عليها ولا لأ!
قول أنا سامعاك.
أخذ نفسا عميقا ثم قال و بؤبؤي عينيه يتحركان بعشوائية كناية عن توتره
عايزك
سكتت مليا تراقب توتره ثم أردفت بوجوم
و ليه أنا اللي اقترحت... ليه ميكونش انت!
تنهد بنفاذ صبر
عشان هي مش هتتقبل مني أنا الاقتراح دا... انما هتقبله منك انتي و هتحاول قدر الامكان متضايقكيش حتى لو هتيجي عليا انا.
هزت رأسها بإيجاب و ملامحها يبدو عليها الحزن العميق ثم قالت بنبرة خاوية
تمام يا أدهم ربنا يسهل.
رسم بسمة صغيرة على شفتيه ثم قال بنبرة جادة فيها شيئ من الإعجاب
بس تعرفي!.. أنا اتبسطت أوي إني اتعرفت عليكي... بجد انتي شخصية جميلة و مٹيرة و أنا متأكد إن كل ما هنقعد مع بعض هكتشف فيكي حاجات أجمل.
توردت وجنتاها من الخجل و هربت بعينيها من مرمى ناظريه حياءا ثم قالت بنبرة مهتزة من أثر الخجل
احم... و أنا.. و أنا كمان اتشرفت بمعرفتك... عن إذنك.
هبت واقفة لتسير نحو غرفتها بخطوات سريعة فلا تدري أهي غاضبة حانقة محبطة خجلى أم كل تلك المشاعر امتزجت بوجدانها.
بينما أدهم راقب طيفها بحيرة لا يدري أقرارته تلك معقولة أم أنه قد بالغ فيها... و لكنها لطالما هي من اقترحت عليه علاقة الصداقة... إذن فالأفكار متبادلة و الرأي واحد... ندى جذابة حقا و ربما تتطور العلاقة بينهما لأبعد من ذلك... ولكن في الوقت الراهن قلبه لا يميل لها و هي بالنسبة له مهمة عمل و أمانة من والدها و عليه المحافظة عليها بأقصى ما يستطيع... هذا
كل شيئ.
انتهت نزهة آسر مع ميري و مودة ثم أخذهما بسيارته عائدين إلى منرلهما حيث جلست ميري بجوار آسر في المقعد الأمامي بينما جلست مودة بالمقعد الخلفي و أثناء ذلك تحدثت مودة إلى ميريهان عبر مرآة السيارة الأمامية
صحيح يا ميري ماما كلمتني لما كنتي قاعدة مع آسر... نفسها تسمع صوتك... بتقول إنك وحشتيها أوي.
تجهم وجهها على إثر سيرة أمها و قالت ببرود
امممم.... ماشي.
رمقها آسر بنظرة من جانب عينه تنم عن عدم رضاه عن رد فعلها ثم قال بحدة طفيفة
ميري ميبقاش قلبك أسود كدا... دي مهما كانت مامتك و ربنا ميرضاش بالمعاملة اللي بتعامليها بيها دي.
رمقته بنظرة حاړقة ثم هتفت بعصبية
أنا قلبي أسود و زي الزفت... و يا ريت محدش يكلمني تاني في الموضوع دا....ممكن!.
هم آسر ليتحدث إلا أن مودة قاطعته
خلاص يا آسر سيبها براحتها.
شدد من قبضته على المقود كناية عن تعصبه و صمت بينما ميري أشاحت بناظريها بعيدا عنه تراقب الشوارع عبر النافذة بشرود و تيه... تشعر بنصال حادة تمزق قلبها... فلا هي قادرة على مسامحة أمها و لا تستطيع التخلص من إلحاح شقيقتها و خطيبها... فماذا عساها أن تفعل بنابضها الذي يأبى الغفران.
في محافظة سوهاج....
بت يا صافية... البسي الدريل البنفسچي بتاع العيد الصغير عشان تجابلي بيه حمد واد عمك.
سكتت مليا تفكر ثم ما لبثت أن قالت بتررد
بس أني كنت عايزة ألبس الدريل البني يا أمايا.
أخذت تحرك شفتيها لجانب فمها كناية عن عدم رضاها لتقول بسخرية
بني يا مايلة!!.. كانك اتچنيتي اياك!..
أني جولت تلبسي البنفسچي يا مجصوفة
الرجبة.. انتي عايزة تلبسي
غامج و تچرسينا!
زمت شفتيها بضيق ثم قالت بانصياع
حاضر يامايا بنفسچي بنفسچي..
ضيقت عيناها بمكر و هي تقول
إيوة اكده... أنا خابراكي معتچيشي غير بالعين الحمرا يا بت حمد.
ضړبت صدرها بخفة لتقول باستنكار
أني يامايا!...دا أني بالذات لو جولتيلي لجحي روحك بالجنايا هلجحها طوالي.. دا أني عمري ما كسرتلك كلمة واصل.. أني طوالي..
قاطعتها أمها بنفاذ صبر هاتفة
اتكتمي يا بت... ايه ياختي ماصدجتي تنفتحي في حديتك الماسخ ده... إنچري يلا روحي احلبي الچاموسة عشان تتشطفي و تغيري خلجاتك قبل ما عريس الغبرة ياچي..
أطرقت رأسها پانكسار و هي تردد بخنوع
حاضر يا امايا أني رايحة الزريبة أهو...
راقبتها أمها و هي تسير ناحية حظيرة الحيوانات و هي تبتسم بانتصار فها هي فتاتها المطيعة لم تخيب ظنها أبدا و أينما توجهها تذهب كيفما شائت هي... ألغت شخصيتها و محت تفكيرها و لم تسمح لها بأن تفكر أو تختار... فحتى زواجها بابن عمها لم يكن سوى إقرارا منها بالموافقة على ما تراه أمها في صالحها و حسب فصافية أيضا حالها من حال حمد لم تراه منذ سنوات و لم يخطر ببالها من الأساس أن تخطب له.
و لكن هي كل ما تعرفه أنها ترى بعين أمها و تفكر برأس أمها و تسير كما يحلو لأمها و حسب.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة التاسعة
رواية مهمة زواج
استيقظت ندى لصلاة الفجر و بعدما أدت الصلاة أنهت أذكار الصباح ثم تلت وردها القرآني و بقيت مكانها شاردة تفكر فيما أملاه عليها أدهم بالأمس تؤلمها تلك الكذبة التي افتعلها لكي يضمن تغاضي أمه عن انفصالهما في بيت الزوجية و لكنها مضطرة لمجاراته الى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.
استمرت بشرودها حتى بدأت خيوط الشمس تتسلل الى الغرفة عبر النافذة لتضيئها رويدا رويدا الى أن انتبهت لوقت الشروق فأخذت تدلك رقبتها من الألم و هي تتمتم لنفسها
ياااه أنا قعدت كل دا سرحانة...
ثم تنهدت بقلة حيلة و نهضت من مكانها لتبدل اسدال الصلاة الى فستان قطني بسيط و مريح و في ذات الوقت لا يظهر من جسدها شيئ ثم غطت رأسها بحجاب صغير و خرجت من الغرفة لتسير بإتجاه المطبخ لتعد ثمة شطيرة تسد بها جوعها.
لم تكد تصل إلى باب المطبخ حتى استمعت الى صوت جلبة آت من غرفة أدهم فأدركت أنه قد استيقظ و ربما يتجهز الآن للذهاب الى عمله فابتسمت بحالمية و هي تفكر في شيئ ما فلا ضير من إعداد مزيد من الشطائر
يتناولنها سويا.
بينما أدهم في غرفته حائر تائه بين ملابسه و أحذيته و أحزمته الميري الغرفة تعمها فوضة هائلة فقد كانت أمه من تعد له ملابس العمل و توفقها مع بعضها البعض حتى حذائه هي من تتولى أمره و تضعه بجوار بدلته الرسمية و ما عليه إلا أن يرتدي ما أعدته و حسب.
أخذ يزفر أنفاسه پعنف فقد ضاق ذرعا بهذا الأمر و نفذ صبره و لكن لا مجال الآن للحيرة فعليه أن يختار عاجلا أم آجلا...
بعد حوالي عشرون دقيقة كان أدهم يقف أمام المرآة يضع اللمسات الأخيره على مظهره بعدما مشط شعره و نثر عطره النفاذ ثم قام باحكام حزامه الميري حول خصره و غرس سلاحھ بالجيب المخصص له في الحزام و أخيرا و بعد عناء ألقى نظرة رضا على نفسه فقد انتهت المهمة بنجاح.
في تلك الأثناء كانت ندى تجلس الى الطاولة الصغيرة القريبة من غرفة أدهم حتى يرى ما أعدت له من إفطار فقد كانت تنتظره بملل الى أن خرج أخيرا و هو يعبث بهاتفه غير منتبها لها و لكنه حين أطل عليها بتلك الطلة التي تراه بها لأول مرة بحلته حالكة السواد و شارتي الشرطة ذات النسر الذهبي
على كتفيه و شعره المصفف بعناية و ذقنه الحليقة تماما و التي جعلته يبدو أصغر من عمره بكثير و ذلك الحزام الأسود حول خصره و السلاح الذي يزينه و فوق كل ذلك رائحة عطره التي تصيبها
حين رفع رأسه عن هاتفه و خطى نحوها حين انتبه لها نفضت رأسها سريعا من لحظات الإعجاب و الصدمة و تصنعت أنها مشغولة باعداد الشطائر رغم أنها جاهزة بالفعل على الأكل.
صباح الخير يا ندى..
صباح النور.
صاحية بدري كدا ليه!
عادي.. أنا بصلي الفجر و مبنامش..
هز رأسه ثم ما لبثت أن تنحنحت بخجل ثم قالت
احم.. أنا سمعت دوشة جاية من قوضتك فقولت انك أكيد بتلبس عشان تروح شغلك فعملتلك ساندويتشات معايا.
سحب الكرسي المقابل لها ثم جلس عليه و هو يقول
يا بنتي بتتعبي نفسك ليه... أنا كنت هفطر في الشغل.
هزت كتفيها لأعلى قائلة بخجل
عادي.. أنا كدا كدا كنت بعمل لنفسي فزودت ليك.
التقط إحداها ثم قضم منها قضمة و هو يقول
ماشي يا قمر تسلم ايدك.
أجابته ببسمة صغيرة ثم بدأت تأكل على استحياء و هي تستنشق رائحته المسكرة باستمتاع فبدون وعي منها سألته بتلقائية
البرفيوم بتاعك حلو أوي... هو اسمه ايه!
حانت منه ابتسامة و هو مثبت نظره على الشطائر بيده فقد فاجئته بسؤالها ثم ما لبث أن قال
دخون روز... بطلبه من دبي مخصوص اونلاين.
أومأت بحرج بعدما نهرت نفسها على سؤالها السخيف من وجهة نظرها فكثيرا ما يسبق لسانها عقلها.
عم عليما صمتا وجيزا و هما يأكلان قطعته ندى بسؤالها
أدهم بما اننا اصحاب قولي بقى.. أعجبت ببنت قبل كدا أو حبيتها!
توقف عن مضغ الطعام للحظة من أثر تفاجؤه بسؤالها الذي أربكه قليلا فهو لا يدري أمن الطبيعي أن يخبرها بأمر دارين أم ماذا!
و لكن سرعان ما محى آثار المفاجأة من على وجهه و استرسل بمراوغة
اه كنت معجب ببنت كدا و خطبتها فترة بسيطة بس محصلش نصيب..
صمتت پصدمة لوهلة ثم قالت
بجد!
اممم... ايه مالك مصډومة كدا ليه!
ابتلعت ريقها ثم قالت بنبرة جاهدت أن تبدو طبيعية
لا أبدا... أصل شكلك جد أوي و مش رومانسي و لا ليك في الحب فعشان كدا استغربت.
صدرت منه بسمة ساخرة و هو يقول
حتى انتي كمان بتقولي كدا!
دا مش رأيي أنا لوحدي بقى!
هز رأسه بإيماءة بسيطة فلم يرغب في الدخول في تفاصيل ولا الحديث عن أي شيئ يخص دارين.
و انتي!
باغتها بسؤاله فلم تحسب له حساب و لوهلة سكتت تفكر في إجابة تعفيها من الحرج فمن سواه الذي يمتلك قلبها منذ علم للحب سبيلا!.. و لكنها ابتلعت ريقها ثم قالت دون أن تنظر له متظاهرة بالانشغال بالأكل
قبل ما اسافر أمريكا مع بابا كنت معجبة بشاب جارنا... بس كنت لسة صغيرة... هبل مراهقة بقى.
و لما كبرتي!
التقت عيناها الحائرتين بعينيه المصوبة تجاهها بترقب تكاد تصرخ بعشقها له و لكن خشت أن تفضحها نظراتها فأخفضتهما سريعا ثم قالت بوجوم
خلاص بقى عقلت.
هز رأسه بإيماءة بسيطة ثم نظر في ساعة يده فوجدها قد دقت الثامنة فنهض و هو يقول بجدية
أنا كدا لازم أمشي.... شكرا يا ندى على الفطار.
نهضت تباعا لتقول بخجل
الشكر لله دا حاجة بسيطة.
أومأ بامتنان ثم قال
ماما كلها ساعة و هتوصل... مش هوصيكي بقى.
أومأت محاولة رسم الثبات على ملامحها حتى لا يلحظ حزنها الكامن بقلبها ثم قالت ببسمة محبة
لا إله إلا الله..
محمد رسول الله.
غادر من أمامها بينما بقيت هي تنظر في أثره بشرود و قد أخذ الحزن من قلبها مأخذه ثم سرعان ما عادت لواقعها لتأخذ الأطباق للمطبخ و تقوم بغسلها.
ألو... آسر.. بقولك النهاردة عيد ميلاد مودة و أنا أخدت عربية بابا و رايحة خان الخليلي أجيبلها هدية من هناك... انت عارف انها بتحب المشغولات و الأنتيكات اللي بتتباع هناك.
يا مچنونة انتي سواقتك زي الزفت... مستنتيش لما أخلص شغلي ليه و كنا روحنا سوا.
أنا لسة هستناك.!.. كدا هتأخر أوي و مش هلحق أعمل حاجة.
طيب يا ميري ربنا يستر... بس عشان خاطري سوقي ع الهادي كدا و خلي بالك من نفسك.
متقلقش يا حبيبي... صاحبتك قلبها مېت.. ههه.
ماهو انا مش مخوفني غير قلبك المېت دا.
خلاص بقى يا آسر متبقاش قلوق كدا.
ماشي يا روح آسر...اشتري هدية مني ليها على ذوقك.
تمام يا حبيبي.. باي بقى عشان أركز في الطريق..
أغلقت ميريهان الخط و هي تتنهد ببسمة عشق خالصة و لم تكد تعيد الهاتف إلى جوارها حتى انتبهت على صوت زامور عالي صم أذنيها ثم لم تشعر بشيئ بعدها.
بينما آسر على الجهة الأخرى أغلق المكالمة و هو يزفر بقلق لا يدري لما انقبض قلبه هكذا حين
أخبرته بأنها تقود سيارة والدها و لكنه نفض تلك الوساوس سريعا عن رأسه و هو يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.
انهمك آسر في أعماله فقد كان يومه حافلا بالمهام و المأموريات حتى أصابه الإرهاق فقرر أن يذهب لأدهم مكتبه يتمازحان سويا.
الباشا العريس...
هز أدهم رأسه بيأس و هو يقول پغضب
هتفضل طول عمرك طور... بتدخل من غير ما تخبط ليه يا حيوان..
لوح آسر بيده و هو يقول بسخرية
اعم انا فتحت عليك باب الحمام!
رمقه بنصف عين و هو يقول بخفوت حاد
عديم الاحساس.
ابتسم بسماجة هاتفا
حبيبي يا دومي.
هو انا بمدحك يلا!.. دا انا بوبخك..
ضړب الحبيب زي أكل الزبيب... و انا بموووت في الشتيمة.. وبخني..
أبو تقل دمك.
ها يا عريس... عامل ايه في الجواز!
رمقه أدهم بتجهم مردفا بغيظ
تعرف تنقطني بسكاتك
بادله آسر بأخرى مشمئزة هاتفا بحدة
تصدق انا غلطان اني جيت لبأف زيك... و أنا اللي كنت فاكرك هتفرفشني شوية.
رد بنبرة متهكمة
مالك يا ننوس عين ماما!
هتف به آسر بحدة
اتكلم بجد شوية بقى يا أدهم.
اعتدل أدهم في جلسته ليميل برأسه ناحية صديقه متسائلا بقلق
واد يا آسر فيك ايه!...حاسك بتحاول تتوه كدا بس شكلك مش مظبوط.
تنهد بعمق و مشاعر التيه قد احتلت ملامحه و نبرة صوته
مش عارف يا أدهم...مضايق كدا من غير سبب.. مش عارف دا من ضغط الشغل ولا ايه بالظبط.
لم يكد يرد عليه حتى رن هاتفه برقم حماه..
دا عمو محمد والد ميري...
طاب رد عليه.
فتح الخط ليأتيه صوت حماه الباكي
آسر تقدر تيجيلي دلوقتي مستشفى الدكتور رؤف!
رد بنبرة يشوبها القلق
خير يا عمي.. هي مودة تعبت تاني ولا ايه!
سكت مليا و هو يعتصر عينيه بحسرة ثم قال
تعالى بس... أنا محتاجلك جنبي دلوقتي.
حاضر يا عمي... هحاول أخد إذن و اجي لحضرتك... مع السلامة.
أغلق آسر المكالمة و هو في حالة من الحيرة و الشك ثم قال متعجبا
غريبة أوي... مودة لما بتتعب ميري هي اللي بتتصل بيا تعرفني.
رد
أدهم بتفكير
يمكن مشغولة معاها يا آسر... روح
انت بس اطمن عليهم و
أنا هنا هغطي عليك.
أومأ
فعلا... مودة حالتها متأخرة أوي اليومين دول... ميري كانت قالتلي انها في المرحلة الأخيرة من المړض و مفيش أي علاج ولا حتى عمليات هتجيب معاها نتيجة و إن هي خلاص كلها أيام و تودع الدنيا.
أغمض أدهم عينيه بتأثر متمتما بخفوت
لا حول و لا قوة إلا بالله... الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به عباده و فضلنا على كثيرا ممن خلق تفضيلا.
.... طاب روح يابني مستني ايه... أكيد محتاجينك معاهم دلوقتي.
نهض آسر و هو يقول
تمام... لو اتأخرت مش هوصيك بقى ظبط الدنيا عشان سيادة اللوا ميحسش بحاجة.
امشي يا آسر متحملش هم.
في مستشفى القلب التابعة للدكتور رؤف صديق محمد أبو مودة....
يقف محمد في حالة يرثى لها و بجواره مودة تزرف الدموع بلا انقطاع و أمامهما الدكتور رؤف يسرد لهما بأسى
للأسف يا محمد ڼزفت كتير جدا ل
شهقت مودة پذعر بينما تحشرج صوت محمد ليخرج بصعوبة
ماټت!
أردف الطبيب موضحا
لا القلب لسة بينبض و هي حاليا متوصلة بجهاز التنفس الصناعي بس خلاص مفيش أمل في رجوعها تاني للحياة... احنا في انتظار بس إن القلب يقف... شد حيلك يا محمد ربنا يصبرك.
بينما هناك آسر يسير بتؤدة حتى لمح محمد يقف أمام العناية المركزة و تقف بجواره مودة ... ماذا!.. مودة تقف على قدميها!..هي مذعورة حقا و يبدو على ملامحها الإعياء الشديد و كأنها ستسقط في أي لحظة و لكنها بالفعل واقفة... لقد توقع أن يأتي ليجدها مسجية بفراش المړض.. لماذا إذن دعاه حماه للقدوم!.. لحظة.. ميريهان!.. أين هي إذن!
حين واتته تلك الفكرة ركض إليهما و قلبه يكاد يخرج من قفصه الصدري من فرط الخۏف و القلق و ما إن وصل حتى خرت مودة فاقدة للوعي فالتقطها آسر بين ذراعيه على الفور و نزل بها على أرضية المشفى الرخامية و ذلك حين لفظ الطبيب أمر انتظاره لتوقف قلب شقيقتها.
بنتي..
صړخ بها محمد في ذهول و حاول قدر المستطاع أن يبقى واقفا على قدميه التي أصبحتا كالهلام و ألا يسقط فاقدا للوعي هو الآخر بينما انحنى الطبيب رؤف على الفور ليتحسس نبض شريانها السباتي على جانب رقبتها فلم يشعر به البتة فأسرع بدق جرس ما على الحائط و هو ېصرخ بصوت عال
code blue.. arrest... code blue
و في لحظات كان فريقا من حوالي ستة أفراد من ممرضين و أطباء قد حضروا للمكان و قاموا بنقل مودة إلى غرفة الإنعاش القلبي بينما محمد يتوسل لرؤف
مودة مالها يا رؤف!
أخذ يلهث پعنف و هو مترددا في القول فحثه محمد بتأكيد
قول يا رؤف انا راضي.
كل ذلك تحت مرئى و مسمع آسر الذي مازال لا يفهم شيئ إلى الآن بينما رد رؤف بأسف
قلبها مستحملش الصدمة و وقف..
اتسعت عيني آسر و هو يردد بذهول في نفسه
صدمة!... أي صدمة تلك!
استرسل رؤف يطمأنه
بس متقلقش يا محمد... الفريق مش هيسيبها و شغالين معاها انعاش قلبي رئوي و ان شاء الله القلب هيشتغل تاني و هتتوصل بأدوية تدعم القلب... أنا هدخل دلوقتي أشوفها و أطمنك.. عن إذنك.
لم تعد قدماه قادرتان على حمله فحبيبتيه على وشك فراقه حبتي العين و قرتي القلب و زهرتي عمره... يا الله كيف لقلبه أن يتحمل كل هذا!.. فهبط ليجلس على الأرض و نزل آسر معه يسأله بهلع
فيه ايه يا عمي فهمني!.. ايه اللي حصل أبوس ايدك!
نظر له بعينين مغشيتين بالعبرات ثم قال بصوت جريح بالكاد تخطى حنجرته
.. رؤف.. رؤف بيقول انها مېتة اكلينيكيا..
أخذ يهزه بلا وعي و هو يردد بعدم تصديق
مېتة ازاي!.. لا ميري مماتتش... ميري كويسة و هتقوم... دي كانت بتكلمني من ساعتين بتقولي انها رايحة خان الخليلي تشتر..... هي فين!... عايز
أشوفها... هي فين!
نهض و هو يبحث عنها كالمچنون و يحاول فتح باب العناية بيدين مرتعشتين و لكن بلا جدوى.
اصبر يا آسر... هتشوفها بس اصبر..
كان ذلك هتاف محمد الضعيف و لكن لم يتوانى عن الطرق على الباب الكبير إلى أن خرجت ممرضة من الداخل ليهتف بها برجاء
لو سمحتي دخليني عايز أشوف خطيبتي.
أنا آسفة جدا مش هينفع.
أرجوكي أنا مش هعمل اي حاجة... أنا هبص عليها من بعيد.
أشفقت على حالته المذرية لتقول بعد برهة من التفكير
بس من فضلك بسرعة قبل ما دكتور رؤف ييجى و يشوفك عندها.
حاضر متقلقيش..
أفسحت له الطريق فدلف مسرعا و هاله ما رأى من مشهد يخلع القلب...
ميريهان مسجية على الفراش الأبيض ترتدي عباءة طبية زرقاء و غطاء رأس طبي بشرتها شاحبة شحوب المۏتى عينيها نصف مفتوحة و لكن بؤبؤيها ثابتين تماما و أكثر ما آلم قلبه تلك الأنبوبة المغروسة بحنجرتها و الموصولة بخراطيم غليظة متصلة بجهاز التنفس الصناعي حيث الأصوات الصاخبة و العديد من الأجهزة الأخرى المتصلة بذراعيها.
تقدم منها حتى اقترب كثيرا ثم انحنى لمستوى رأسها و انفرج ثغره لينادي عليها و لكن لسانه أبى من فرط صډمته حاول كثيرا الى أن تخطى تلك الغصة الأليمة التي علقت بحلقه ثم ردد اسمها بصعوبة
م ميري... ميري هان... حبيبتي... أنا آسر يا روحي.. سامعاني!.. انتي هتقومي... هتبقي كويسة و أنا هستناكي... هستناكي العمر كله يا كل حياتي .
سكت يتأملها بصمت لعله يرى منها أي حركة أو حتى رمشة من عينيها إلا أنه لم يحدث و كأنها مېتة حقا.
انتابته حالة من الهيستيريا حين أدرك حقيقة مۏتها و فراقها الأبدي فأخذ يهزها و هو يبكي بنحيب وصل الممرضة
ميري ردي عليا... طاب ارمشي بعنيكي... اعملي أي حاجة..أي إشارة... ميري الله يخليكي يا حبيبتي ردي عليا.. ميري... ميري..
استمر في تحريكها و هو يناديها بلا كلل حتى هرولت اليه الممرضة و معها زميل آخر و أخذا يجذبانه بعيدا عنها حتى أخرجاه من الغرفة و هو في حالة من الاڼهيار التام.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحلقة العاشرة
رواية مهمة زواج
بعد نصف ساعة من الانتظار كاد محمد خلالها أن يفقد عقله خرج الدكتور رؤف يجفف حبات العرق التي أندت جبينه ثم قال و هو يتنفس باعياء
الحمدلله يا محمد مودة قلبها رجع و اضطرينا نحطها على جهاز التنفس الصناعي علشان نريح القلب لحد ما حالتها تستقر و تقدر تاخد نفسها بتلقائية.
فغر فاهه بحسرة فبنتيه راقدتان و مصيرهما مرتبط بذلك الجهاز اللعېن في آن واحد... لقد تمنى في تلك اللحظة لو يلحق بهما فلم يعد لديه ما يعيش لأجله..
أشفق رؤف عليه للغاية و بعد برهة من التفكير و هو يتأمل حالة البؤس التي أصابت صديقه ربت على كتفه و هو يقول بجدية
تعالى معايا مكتبي يا محمد... عايزك في موضوع ضروري..
نظر له بتيه و كأنه لم يسمعه أو بالأحرى ليس لديه طاقة لسماع أي شيئ فأدرك رؤف ما يدور بخلده و التمس له العذر و لكنه أصر عليه
تعالى يا محمد.. الموضوع يخص مودة... صدقني يا صاحبي دي مسألة حياة أو مۏت..
استطاع أن يجذب انتباهه على ذكر قرة عينه فانصاع محمد المكلوم لكلامه ثم تحرك بصعوبة بالغة فقام رؤف بإسناده حتى وصلا لمكتبه الكائن بنفس الطابق.
اسمعني كويس يا محمد
للأسف هتحصل أختها..
انهمرت العبرات من عيني محمد و اهتز جسده پبكاء مرير لم يستطع السيطرة عليه فنهض رؤف من مكانه ليسحب كرسي و يجلس