بعد جوازنا بشهرين

لمحة نيوز


جزء من المشكلة...
أخيرًا فهم خطأه.
بعد خروجه من المستشفى بأيام...
جمع العيلة كلها.
وأعلن قرار جديد.
قال إنه هيكتب وصية جديدة.
وصية ما فيهاش تفرقة بين حد وحد.
ولا مرتبطة بوجود ولد أو حفيد.
ولا بأي فكرة من الأفكار اللي كانت مدمرة البيت.
حماتي وقتها بكت.
لأنها بدأت تدرك إن كل السنين اللي جريت فيها وراء الوريث كانت سبب خړاب ناس كتير.
أما سامح...
فبدأ يركز في شغله وحياته بعيد عن فكرة الإنجاب.
وبدأ رحلة علاج حقيقية.
مش عشان يثبت حاجة لحد.
لكن عشان يواجه الواقع.
لأول مرة.
وفي يوم من الأيام...
لقيت رسالة منه.
كانت قصيرة جدًا.
قال فيها
لو قررتي ترجعي... هتلاقي بيت قائم على الصراحة.
ولو قررتي تمشي... هحترم قرارك.
المرة دي الاختيار ليكي بالكامل.
قفلت الموبايل.
وقعدت أفكر طويل.
لأن القرار كان صعب.
مش بين شخصين بس.
لكن بين ماضي مؤلم...
واحتمال مستقبل مختلف.
وفي الليلة دي...
وأنا قاعدة لوحدي في أوضتي...
وصلني اتصال غريب.
رقم ما أعرفوش.
رديت.
وجالي صوت ست كبيرة في السن.
قالت
إنتِ مريم؟
قلت
أيوة.
قالت
أنا عايزة أقابلك.
سألتها
حضرتك مين؟
سكتت ثواني.
ثم قالت
أنا الست اللي غيرت حياة سامح من يوم ما اتولد.
اتجمدت مكاني.
وكملت
وفي حاجة لازم تعرفيها قبل ما تاخدي قرارك النهائي.
وأقفلت الخط.
فضلت أبص للموبايل وأنا مش فاهمة.
لكن إحساسي كان بيقولي إن السر القديم لسه ما خلصش بالكامل.
وإن المقابلة دي هتكشف آخر قطعة ناقصة في الحكاية كلها.
فضلت أبص للموبايل بعد ما المكالمة انتهت.
الكلمات كانت قليلة.
لكن وقعها كان كبير.
أنا الست اللي غيرت حياة سامح من يوم ما اتولد.
مين دي؟
وإيه اللي ممكن تكون عارفاه أكتر من اللي عرفناه؟
طول الليل ما نمتش.
وفي الآخر قررت أقابلها.
تاني يوم الصبح اتفقنا على مكان هادي.
ولما وصلت لقيتها قاعدة مستنياني.
ست كبيرة في السن.
ملامحها طيبة.
لكن باين عليها تعب السنين.
أول ما قعدت قالت
أنا عارفة إنك مستغربة.
هزيت راسي.
فابتسمت وقالت
اسمي أمينة.
وبعدين سكتت شوية.
وأضافت
أنا كنت ممرضة

في المستشفى اللي سامح اتولد فيها.
استغربت.
وسألتها
وإيه اللي حصل؟
تنهدت بعمق.
وقالت
في حاجات فضلت شايلها فوق ضميري سنين طويلة.
بدأت تحكي.
وقالت إن يوم ولادة سامح كان يوم صعب جدًا.
حالة طوارئ.
وزحمة.
وحالات كتير داخلة وخارجة.
وفي وسط الفوضى دي حصلت مشكلة كبيرة.
مشكلة اتغطى عليها بسرعة.
لكن آثارها فضلت موجودة.
قلبي بدأ يدق أسرع.
سألتها
مشكلة إيه؟
قالت
كان في شك وقتها إن في خطأ حصل في تسجيل بعض البيانات.
شهقت.
لكنها رفعت إيدها بسرعة.
وقالت
اسمعيني للآخر.
كملت كلامها.
وقالت إن التحقيق وقتها أثبت إن الأطفال نفسهم ما حصلش بينهم أي تبديل.
لكن حصلت أخطاء إدارية في بعض الملفات.
والغلط ده خلق شكوك استمرت سنين.
قلت
وده علاقته بسامح؟
قالت
علاقته إن في ناس استغلت الشكوك دي بعد كده.
وسكتت شوية.
ثم قالت
أنا جيت أقولك حاجة مهمة.
إيه هي؟
بصتلي مباشرة.
وقالت
متخليش أي حد يبني حياته كلها على ورقة أو إشاعة أو خوف.
الكلام كان غريب.
لكن مع الوقت فهمت قصدها.
العيلة دي ډمرت نفسها بنفسها.
مرة بسبب فكرة الوريث.
ومرة بسبب أسرار قديمة.
ومرة بسبب الخۏف من كلام الناس.
وفي كل مرة كانت العلاقات هي اللي بتدفع الثمن.
قبل ما أمشي سألتها
إنتِ ليه كلمتيني دلوقتي؟
ابتسمت بحزن.
وقالت
عشان العمر بيجري.
وعايزة أموت وأنا مرتاحة.
ثم أضافت
وفي حاجة كمان.
إيه؟
قالت
سامح مش ملاك.
عارفة.
بس مش الشيطان اللي الناس بقت شايفاه.
رجعت البيت وأنا بفكر في كلامها.
يمكن لأول مرة من شهور أبص للصورة كاملة.
سامح غلط.
غلط جدًا.
لكن في نفس الوقت هو نفسه اتربى وسط أفكار غلط.
واتحط عليه ضغط كبير.
واتربى على أوهام معينة.
وده ما يبررش أفعاله.
لكنه بيفسر جزء منها.
بعد يومين...
طلبت أقابل سامح.
ولما قعدنا سوا كان واضح إنه متوتر.
سأل
وصلتي لقرار؟
قلت
لسه.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
وقال
حقك.
سكتنا شوية.
ثم قلت
لو رجع الزمن بيك.
بصلي.
فكملت
كنت هتتجوزني بنفس الطريقة؟
نزل بعينه للأرض.
ولأول مرة جاوب من غير تردد.
لا.
سألته
ليه؟
قال
لأني شوفت نتيجة الكدب.

كان الرد بسيط.
لكن صادق.
ويمكن لأول مرة أحس إنه بيتكلم من قلبه.
مش عشان يكسبني.
ولا عشان أقعد.
لكن لأنه فعلًا ندمان.
في نفس الأسبوع...
خلصت إجراءات طلاق هالة بهدوء.
ومن غير مشاكل.
ولما شفتها آخر
مرة قبل سفرها قالتلي
اتعلمي من غلطتي.
سألتها
إيه هي؟
قالت
ما تفضليش في علاقة لمجرد الأمل.
ولو لسه في أمل؟
ابتسمت.
وقالت
ساعتها القرار يبقى أسهل.
بعد سفر هالة...
بقى عندي سؤال واحد بس.
هل اللي اتبنى على كدب ممكن يتبني من جديد على الصدق؟
ولا بعض الحاجات لما تتكسر ما بترجعش زي الأول؟
مرت أسابيع.
وأنا بفكر.
وأراقب.
وأشوف التغيير الحقيقي.
مش الكلام.
الأفعال.
سامح بقى مختلف فعلًا.
علاقته بأهله اتغيرت.
طريقته في التفكير اتغيرت.
حتى نظرته لنفسه اتغيرت.
وأهم حاجة...
بطل يحمل أي حد مسؤولية أخطائه.
وفي يوم دعاني حمايا للعشا.
كانت أول مرة أجتمع بالعيلة كلها بعد فترة طويلة.
ولما قعدنا على السفرة...
فوجئت بحماتي وهي بتقوم من مكانها.
وبتقف قدامي.
وقالت
أنا عايزة أعتذر.
سكت البيت كله.
وأكملت
ظلمتك.
ونزلت دموعها.
وظلمت هالة قبلك.
وظلمت ابني.
وظلمت نفسي.
كان اعتراف صعب.
لكن واضح إنه طالع من قلبها.
ولأول مرة حسيت إن الست دي بدأت تشوف الحقيقة فعلًا.
بعد العشا...
خرجت أقف في الجنينة.
ولقيت سامح جاي ناحيتي.
وقف بعيد شوية.
وقال
مش هسألك عن قرارك.
بصيت له.
فكمل
بس أيًا كان... شكرًا.
شكرًا على إيه؟
ابتسم.
وقال
إنك خليتيني أواجه نفسي.
الكلام ده فضل في دماغي طول الليل.
ولما رجعت البيت...
أخيرًا حسيت إني قادرة أحدد مصيري.
قادرة أختار.
من غير ضغط.
ومن غير خوف.
ومن غير حد يقرر مكاني.
وكان القرار اللي وصلتله...
هيغير مستقبلنا كلنا.
قعدت طول الليل أفكر.
يمكن لأول مرة من يوم ما اتجوزت سامح أفكر بعيد عن الخۏف.
بعيد عن ضغط أهله.
بعيد عن صدمة الحقيقة.
وبعيد حتى عن كلام الناس.
كنت بفكر في نفسي أنا.
في البنت اللي دخلت البيت ده وهي فاكرة إنها رايحة تبني أسرة.
وفجأة اكتشفت إنها كانت جزء من خطة أكبر منها.
خطة ما حدش استأذنها
فيها.
ولا احترم حقها إنها تعرف الحقيقة.
وفي نفس الوقت...
كنت بفكر في كل اللي حصل بعد كده.
في الاعترافات.
في المواجهات.
في التغيير اللي حصل.
وفي السؤال الأصعب
هل الإنسان يستحق فرصة تانية؟
الصبح صحيت وأنا حاسة إن القرار أخيرًا وضح.
اتصلت بسامح.
وقلت له
محتاجين نتكلم.
قال بهدوء
في أي وقت.
اتقابلنا في نفس المكان اللي كنا بنتقابل فيه آخر فترة.
مكان هادي بعيد عن أي حد.
ولما قعدنا كان واضح إنه متوتر.
لكن ما سألش.
ما ضغطش.
استنى.
وده لوحده كان فرق كبير عن زمان.
بصيت له وقلت
أنا أخدت قراري.
سكت.
مستني.
فكملت
أنا مش هطلق.
رفع عينه بسرعة.
لكن قبل ما يتكلم رفعت إيدي.
وقلت
استنى.
فسكت.
قلت
رجوعي مش معناه إن اللي حصل انتهى.
هز رأسه.
عارف.
ومش معناه إن الثقة رجعت.
عارف.
ولا معناه إني نسيت.
قال بهدوء
مش متوقع تنسي.
سكتنا لحظات.
ثم قلت
لكن معناه إني شايفة إن في تغيير حقيقي.
لأول مرة ظهر شيء يشبه الراحة على وشه.
لكن ما ابتسمش.
يمكن لأنه كان فاهم إن الطريق لسه طويل.
رجعت البيت بعد أيام.
لكن البيت ما كانش نفس البيت.
ولا أنا نفس الشخص.
ولا حتى العيلة كلها.
كل واحد اتغير بطريقة أو بأخرى.
حماتي بقت مختلفة.
بطلت تسأل أي ست عن الحمل.
بطلت تقارن بين الناس.
وبطلت تتعامل مع الإنجاب كأنه معيار قيمة الإنسان.
وفي أكتر من مناسبة سمعتها بنفسها بتقول
الولد رزق... والبنت رزق... وعدم الإنجاب ابتلاء زي أي ابتلاء.
ولأول مرة حسيت إنها اتعلمت الدرس فعلًا.
أما حمايا...
فبقى أكثر هدوءًا.
وأكتر حاجة عملها أثرت في الكل إنه نفذ الوصية الجديدة فعلًا.
قسم أموره بعدل.
ومنع أي كلام عن الوريث أو اسم العيلة أو مين أولى من مين.
وكان دايمًا يقول
الأخلاق هي اللي بتكمل اسم الإنسان... مش مجرد الاسم نفسه.
أما سامح...
فكانت رحلته أصعب من الجميع.
لأنه اضطر يواجه نفسه.
ويواجه أخطاء سنين.
ويواجه حقيقة إنه ظلم ناس كانت قريبة منه.
وفي مقدمتهم هالة.
بعد شهور من سفرها...
بعت لها رسالة اعتذار طويلة.
مش عشان ترجع.
ولا عشان تسامحه.
لكن عشان
يعترف بحقها.
وهالة ردت بكلمتين بس
ربنا يوفقك.
وكان واضح إن كل واحد فيهم اختار طريقه.
من غير كراهية.
ومن غير اڼتقام.
أما أنا...
فبدأت أرجع لنفسي.
رجعت أكمل دراستي اللي كنت مأجلاها.
واشتغلت في المجال اللي كنت بحبه.
وبقيت أرفض إني أحصر حياتي كلها في دور واحد.
لأني فهمت إن الإنسان أكبر من وظيفة
واحدة.
وأكبر من توقعات الناس.
مرت سنة
 

تم نسخ الرابط