حدود العشم بقلم منال علي
— يا نادية ما تبقيش بخيلة كده ومحبوكة! إحنا أهل يا حبيبتي، والبيت بيت أخويا بقلم منال علي
لما مشيت، دخلت المطبخ أراجع الخساير.. اكتشفت اختفاء برطمان الزيتون الكلاماتا، وقالب الجبنة الفلمنك اللي طارق كان جايبه من السوق الحرة، وحتى مربى الفراولة البيتي اللي مامتي كانت عملاهالي مخصوص اختفت!
بالليل، قعدت مع طارق وكنت جايبة آخري:
— طارق، أختك كده بتستعبط وتجاوزت كل الحدود! دي بتتعامل مع خزين بيتي وتلاجتي كأنه ميراثها الشرعي!
اتنهد وقال لي بنبرة استعطاف مصرية أصيلة:
— معلش يا نادية، استحمليها.. إنتي عارفة ظروفها صعبة ومطلقة وبتربي يتيم لوحدها.
صرخت فيه:
— ظروف إيه اللي صعبة؟! دي مديرة حسابات في شركة استيراد وتصدير وبتقبض قد مرتبي مرتين! دي بتنزل من عربيتها أحدث موديل تيجي تلم طلبات من تلاجتي!
حضنني وقال:
— دي حتة جبنة وشوية زيتون.. هنستخسر في لحمنا الأكل يا نادية؟ عيب في حقنا.
لكن «حتة الجبنة» دي اتراكمت. بقت تزورنا 3 أو 4 مرات في الأسبوع. بقيت أنزل أشتري طلبات البيت
اللي خلاني أجيب آخري بجد، كان اختفاء شريحة «السلمون المدخن» الغالية جداً اللي كنت جايباها مخصوص عشان أعمل بيها مقبلات في عيد ميلاد ماما. ولما اتصلت أسألها لو كانت أخدتها بالغلط مع الحاجات اللي بتسحبها، ردت عليا بمنتهى البرود:
— اه يا حبيبتي أخدتها امبارح. مروان شافها ونفسه راحت لها، ما هانش عليا أكسر بخاطره.
أما «القشة اللي قطمت ظهر البعير»، فكانت لما دخلت الحمام مالقيتش سيروم البشرة المستورد بتاعي، وكريم الليل الغالي اللي كنت لسه فاتحاه.
لما اشتكيت لطارق المرة دي، اتعصب هو كمان بس قال لي:
— خلاص يا ستي حقك عليا، دي شوية كريمات.. بكرة أنزل أشتريلك غيرهم وأقفل لك على الموضوع ده.
طارق ما كانش فاهم.. الوجع ما كانش في السلمون ولا في حق الكريمات. الوجع كان في كرامتي، وفي خصوصية بيتي اللي بتتنتهك كل يوم، وفي إحساسي إني مش صاحبة مكان في شقتي، وإن احترامي لنفسي بيقل في كل مرة بشوفها بتفتح تلاجتي من غير حتى ما تبص لي.
عشان كده، قررت آخد
صباح يوم السبت، لبست ونزلت من بدري ورحت على شقتها. خبطت، فتحت لي الباب وهي لابسة الروب ومخضوضة:
— نادية؟ خير في حاجة؟ طارق كويس؟
ابتسمت ابتسامة هادية جداً وقلت لها:
— مفيش حاجة يا حبيبتي، كنت معدية بالصدفة فقلت أطلع أشرب معاكي القهوة.
دخلت، وما قعدتش في الصالة.. اتجهت على مطبخها فوراً، وفتحت تلاجتها. التلاجة كانت مليانة خير من كل صنف ولون؛ أجبان مستوردة، فاكهة طازة، ولحوم متكيسة.
طلعت من شنطتي أكياس بلاستيك كبيرة، وبدأت أسحب الجبنة الرومي، وعلب التونة، والفواكه، وأرصهم في الأكياس قدام عينيها.
شهقت بصوت عالي وصرخت:
— نادية!! إنتي بتعملي إيه اتجننتي؟!
بصيت لها ببرود قاتل، وقفلت باب التلاجة وقلت لها:
— أبدأ يا ستي.. قررت أفتش في تلاجتك أنا كمان، وأشوف إيه اللي ناقصني في بيتي واخده.. طالما إنتي واخدة راحتك أوي في تلاجتي بقالك شهور.
وشها جاب ألوان؛ شحب في الأول وبعدين احمر من الغضب والإحراج. وهنا بدأت المواجهة اللي كنت مأجلاها. فتحت لها الدفاتر القديمة، وواجهتها
في النهاية، ما أخدتش حاجة من أكلها. طلعت الحاجات من الأكياس ورجعتها مكانها على الرخامة، وبصيت في عينيها مباشرة وقلت لها:
— أنا مش محتاجة أكلك، أنا بس حبيت أدوقك نفس الكاس، وأخليكي تحسي بالإحساس السخيف اللي كنتي بتعيشهولي كل يوم في بيتي.
أخدت شنطتي ومشيت.
بعدها بكام أسبوع، سماح طلبت تقابلني، واعتذرت بصدق، واعترفت إنها فعلاً ساقت فيها وإن طارق دلعها بزيادة لحد ما نسيت إن لبيوت الناس حرمة. ومن يومها، كل حاجة اتغيرت.. رجعت لي مفتاح الشقة، وبقت زياراتها بحساب، وبمكالمة تليفون قبلها، وبقى أساس العلاقة هو «الاحترام».
التجربة دي علمتني درس عمري ما هنساه:
في ناس في حياتنا عمرهم ما بيفهموا «الحدود» بالكلام والذوق، لازم تحطهم قدام مراية عشان يشوفوا انعكاس أفعالهم. وحماية حدودك الشخصية، ومملكتك، مش أنانية ولا قلة أصل.. دي ضرورة عشان تحافظ على صحتك النفسية، وعلى علاقاتك باللي حواليك من غير ما تكرههم.
لأن العشم الحقيقي،