تنكرو كا متسئولين

لمحة نيوز


لا بالكلام بل بالصبر.
في وقت لاحق حين خرج دانيال ليرمي القمامة تبعه دون إرنستو. كان الليل قد أرخى ستاره والهواء أبرد قليلا.
يا بني
التفت دانيال.
تردد الأب قبل أن يتابع. كان يبحث عن كلمات لا تخفيه خلف هيبته المعتادة.
كل ما حققتماه لم يكن محض صدفة أليس كذلك
ابتسم دانيال ابتسامة خفيفة ليست ابتسامة فخر بل اعتراف بالرحلة.
لا. كان عملا. منا نحن الاثنين.
أومأ دون إرنستو ببطء. شعر بثقل ينزاح عن صدره وثقل آخر يستقر فيه ثقل الإدراك.
نظر نحو المطبخ حيث كانت لوسيا ودونيا كارمن تغسلان الصحون معا. لم يكن المشهد مثاليا. كان بينهما تردد واضح حركات غير منسجمة بعد صمت ثقيل. لكن خلف ذلك كله كانت هناك محاولة.
أحسنت الاعتناء بها قال الأب.
هز دانيال رأسه.
لا يا أبي. نحن نعتني ببعضنا.
كانت الجملة بسيطة لكنها كسرت صورة قديمة في ذهن الرجل صورة الرجل الذي يعيل والمرأة التي تتبع. هنا كان الأمر مختلفا. كان شراكة.
شعر دون إرنستو بفخر مختلف عن سابقه.

لم يكن فخر الاسم ولا المتجر ولا المال.
بل فخر أن يكون قد ربى من أحب أفضل منه.
عادا إلى الداخل.
في تلك الليلة لم يطلب أحد فراشا فاخرا. نام الضيفان في غرفة صغيرة أعدت على عجل. لكن النوم لم يأت سريعا.
كانت دونيا كارمن مستلقية تنظر إلى السقف تتذكر كلمات قالتها في الماضي نظرات احتقار تعليقات جارحة ظنتها تربية. تساءلت كيف لم تر الألم في عيني تلك الفتاة الشابة حين كانت تسكتها أمام الآخرين.
وفي الجهة الأخرى من البيت كانت لوسيا جالسة قرب النافذة لا تبكي ولا تبتسم. كانت فقط تتنفس ببطء. لم يكن في قلبها انتقام. كان هناك تعب قديم وراحة جديدة.
في الصباح أعدت القهوة كما تفعل كل يوم. وضعت الأكواب الأربعة على الطاولة لا ثلاثة ولا اثنين.
حين خرج دون إرنستو بدا أصغر سنا أو ربما أقل صلابة.
وقبل المغادرة أمسكت دونيا كارمن بيدي لوسيا. لم تكن تمسكهما كمن يقدم نصيحة بل كمن يطلب شيئا.
لا أعلم إن كان بإمكاننا يوما محو ما فعلناه
ضغطت لوسيا أصابعها برفق.

لا يمحى. لكن يمكن كتابة شيء جديد فوقه.
كانت جملة ناضجة لا تنكر الألم ولا تبالغ في المثالية.
أخرج دون إرنستو من جيبه مفتاحا قديما. كان المفتاح ثقيلا وقديم الطراز تلمع أطرافه من كثرة الاستخدام.
المتجر لم يعد كما كان. المنافسة اشتدت والديون كثيرة. لكن إن أردتما يمكننا أن ننهض به معا. بلا فرض بلا التزامات. فقط كأسرة.
لم يكن العرض تجاريا فقط. كان دعوة لإعادة بناء ما تصدع.
نظر دانيال إلى لوسيا. لم يرد أن يتخذ القرار وحده. لم يعد ذلك الرجل الذي يرضي والديه على حساب بيته.
فكرت لوسيا في ليالي السهر في سنوات الصمت في كل تعليق أطلق عليها في كل مرة شعرت فيها أنها دخيلة. فكرت أيضا في وجه دونيا كارمن وهي تبكي وفي صوت دون إرنستو وهو يقول أخطأنا.
يمكننا أن نحاول قالت.
لم يكن نعم كاملة.
بل كان شيئا أكثر صدقا.
كان بداية.
بدأوا يتحدثون عن خطط بسيطة تحديث واجهة المتجر إدخال نظام إلكتروني جديد عرض المنتجات عبر الإنترنت كما فعلت سابقا لكن هذه المرة
باعتراف واضح بدورها.
لم يكن كل شيء سهلا. لم تختف الجراح فجأة. كانت هناك لحظات تذكير لحظات صمت ثقيل لحظات يعود فيها الماضي ليطرق الباب. لكن هذه المرة لم يكن يغلق في وجهه.
وبينما كان المسنان يبتعدان في الشارع من دون تنكر متشابكي الأذرع كما لم يفعلا منذ عقود تمتمت دونيا كارمن 
أضعنا سنوات كثيرة.
أجاب دون إرنستو بنبرة لا تخلو من حزن وامتنان 
ربما. لكننا اليوم ربحنا ابنة.
في الداخل أغلقت لوسيا الباب بهدوء ثم فتحت النوافذ ليدخل ضوء الصباح. دخل الضوء على الجدران المتواضعة على الطاولة الصغيرة على الأرضية التي لم تكن فاخرة لكنها نظيفة.
لم تفتح النوافذ لأن كل شيء قد حل.
بل لأن الهواء تغير.
جلست للحظة تنظر إلى بيتها. لم يعد ساحة اختبار. لم يعد مكانا تحتاج فيه إلى إثبات قيمتها. لم تعد الفتاة عديمة الذوق ولا الدخيلة.
كانت زوجة.
كانت شريكة.
كانت ابنة اختارت أن تبقى رغم كل شيء.
وللمرة الأولى منذ زواجها شعرت أن انتماءها لا يحتاج
إلى دفاع.
لقد أصبحت ببساطة في مكانها الصحيح.

 

تم نسخ الرابط