تنكرو كا متسئولين

لمحة نيوز


صمت تام.
تعرفت إليكما منذ أن طرقتما الباب تابعت فالأم تعرف طريقة وقوف زوجها والزوجة تعرف نظرة والد زوجها.
رفع دون إرنستو رأسه بدهشة.
إذن لماذا لم تقولي شيئا
أجابت لوسيا 
لأنني لم أرد أن تبقيا بدافع الحرج. أردت أن تبقيا لأنكما تشعران بأنكما مرحب بكما.
لم يتكلم أحد لعدة ثوان.
في الخارج كان صوت بائع تاماليس يتردد في الشارع.
في الداخل كان أمر أعظم بكثير يحدث.
أمر لا علاقة له بالمال.
ولا بالكبرياء.
بل بالإنسانية.
وعندها فقط أدرك دون إرنستو أن ذلك الاختبار لم يكن موجها إلى الأبناء.
بل إليه هو.
حل المساء ببطء على مونتيري مصبوغا بلون برتقالي على جدران البيت المتواضع. لم يكن أحد على عجلة من أمره ليتكلم. أحيانا يكون الصمت أيضا طريقة لطلب الصفح.
كان دون إرنستو يتأمل يديه هاتين اليدين اللتين شيدتا متجرا ووقعتا عقودا وأشارتا إلى الأخطاء لكنهما الآن لا تعرفان كيف تقتربان من المرأة الجالسة أمامه.
كانت لوسيا في المطبخ كما لو أن كل شيء طبيعي. تحرك القدر بهدوء تذوق الملح وترتب أرغفة التورتيا في قطعة قماش نظيفة. لم يكن في حركاتها عتاب. وذلك كان أشد إيلاما من أي صراخ.
لماذا بدأ دون إرنستو لكن صوته انكسر لماذا تفعلين هذا من أجلنا
لم تجب فورا.

أطفأت الموقد مسحت يديها ثم جلست قبالتهما.
لأنكما عائلة دانيال قالت ولأنني لا أعرف أن أعيش بطريقة أخرى.
شعرت دونيا كارمن بشيء يتحطم في داخلها.
قضت حياتها تخلط بين الكرامة والصرامة. كانت تظن أن التربية تعني التقويم الدائم وأن الاحترام ينتزع وأن المحبة تنال بإظهار التفوق.
وها هي تلك المرأة التي وصفتها مرارا بأنها غير كافية تعلمها عكس ذلك من غير أن تنطق بكلمة لوم.
أسأنا معاملتك همست دونيا كارمن كثيرا.
خفضت لوسيا نظرها لا خضوعا بل احتراما لألم ذلك الاعتراف.
نعم أجابت برفق لكنني أفهم أيضا أن الإنسان أحيانا يعطي ما تعلم أن يتلقاه.
لم تكن كلماتها اتهاما بل مرآة.
تذكر دون إرنستو والده رجلا قاسيا عاجزا عن العناق مقتنعا بأن المحبة تضعف الأبناء. كان قد وعد نفسه أن يكون مختلفا لكنه من دون أن يدري كرر القصة.
أخطأنا قال أخيرا ولا عذر يكفي.
نظرت إليه لوسيا بسكينة لم تكن لامبالاة بل أمرا أصعب بكثير شفقة.
إذن لا تبحثوا عن أعذار. ابدؤوا من جديد.
في تلك اللحظة سمع صوت الباب.
دخل دانيال متعبا وقميصه ملوث بغبار العمل. كان يفكر في العشاء وفي الاستحمام وفي الراحة. لكنه توقف فجأة حين رأى والديه جالسين إلى المائدة.
أبي أمي
نهضت لوسيا.
لدينا ضيوف قالت بابتسامة
خفيفة.
نظر إليهما دانيال بحيرة. ثم لاحظ الملابس البالية والأحذية القديمة وأدرك أن هناك أمرا غير عادي.
ماذا حدث
لم يعرف أحد كيف يشرح.
إلى أن وقف دون إرنستو.
لم يقف بالطريقة التي اعتادها طوال حياته لم يكن في وقفته صلابة صاحب القرار ولا نبرة الرجل الذي اعتاد أن يسمع ولا يراجع. كانت قامته منحنية قليلا وصوته أثقل مما ينبغي.
جئنا نطلب العون قال وانتهى بنا الأمر إلى أن وجدنا شيئا أعظم.
لم تكن الجملة طويلة لكنها حملت اعترافا لم ينطقه من قبل. اعترافا بأنه لم يكن يفهم ما يبحث عنه فعلا.
نظر دانيال إلى لوسيا. لم يتكلم. لم يحتج إلى سؤال. كانت عيناها هادئتين ثابتتين خاليتين من شماتة أو انتصار. أومأت برفق إيماءة صغيرة لكنها كانت كافية.
عندها فهم الابن كل شيء دون حاجة إلى تفاصيل. فهم أن والديه لم يأتيا ضيفين عاديين. ولم يأتيا محتاجين للطعام فقط. بل محتاجين إلى شيء أعمق بكثير.
اقترب من والديه. لا بغضب ولا بلوم بل بمزيج من الدهشة والحزن كمن يلمس هشاشة لم يكن يتخيل وجودها.
لماذا لم تتصلا
كان السؤال بسيطا لكن خلفه سنوات من الصمت من المكالمات المقتضبة من الأحاديث التي تنتهي قبل أن تبدأ.
بدأت دونيا كارمن تبكي. لم يكن بكاء عاليا. كان بكاء متقطعا كأن كل
دمعة تخرج بصعوبة بعد سنوات من الكتمان.
لأننا أردنا أن نعرف إن كان لنا مكان بعد في حياتكما.
لم يكن الخوف من الفقر. ولا من المرض. كان الخوف من أن يكونا قد صارا زائدين عن الحاجة.
تنفس دانيال بعمق. نظر إلى البيت الصغير الذي بذل فيه كل ما يملك إلى المائدة البسيطة التي جمعتهم تلك الليلة إلى المرأة التي شاركته كل تضحية وكل خطوة صعود.
كان المكان موجودا دائما قال لكن كان يجب أن تأتيا بلا كبرياء لترياه.
لم تكن الجملة قاسية. لكنها كانت صادقة.
جلسوا جميعا.
تعشوا معا تلك الليلة.
من دون رسميات.
من دون خطب.
من دون المسافة التي بدت يوما حتمية.
لم تكن هناك مائدة طويلة ولا أطباق فاخرة. كان هناك حساء دافئ وخبز بسيط وأيد تمتد بلا حرج. تحدثوا عن أمور صغيرة لكنها بدت كبيرة في تلك اللحظة عن ضغط العمل عن الأسعار التي ارتفعت عن جارة تبيع أفضل خبز محلى في الحي وعن صوت بائع التاماليس الذي يمر كل مساء في التوقيت ذاته.
وفي تلك العادية حدث أمر استثنائي.
للمرة الأولى كانوا عائلة فحسب.
لا تراتبيات.
لا أحكام.
لا اختبارات.
كانت دونيا كارمن تنظر إلى لوسيا خلسة تراقب كيف تتحرك في بيتها كيف تضحك بهدوء كيف تصلح طرف المفرش بيد واحدة وتربت على كتف زوجها بالأخرى. بدأت
ترى ما لم تشأ رؤيته لسنوات امرأة قوية لا بالصوت بل بالفعل.
 

تم نسخ الرابط