صقر الصعيد بقلم مايا خالد

لمحة نيوز

صقر الصعيد بقلم مايا خالد
الشمس كانت لسه بتبدأ تلملم خيوطها من فوق غيطان الصعيد والجو فيه ريحة طمي وزرع ترد الروح. مايا كانت ماشية بفستانها الرقيقة اللي تشبه ملمس الحرير وشعرها السايب بيلعب مع الهوا. هي جاية مع خالها الدكتور رفعت في زيارة عمل قصيرة بس فضولها خدها إنها تتمشى وتشوف الخضرة اللي عمرها ما شافتها في زحمة القاهرة.
مايا سرحت مع العصافير وصوت الساقية ومخدتش بالها إنها بدأت تدخل في ممر شجر عالي آخره بوابة حديد ضخمة كانت مواربة. دخلت بخطوات هشة وهي مبهورة بتصميم القصر اللي ظهر قدامها فجأة.. قصر مهيب يحسسك إن الزمن وقف عنده.
وهي واقفة بتتأمل نافورة مية قديمة سمعت صوت رخيم زي رعد مكتوم جاي من وراها
إنتي مين يا بت إنتي وإيه اللي جابك هنه عند أملاك الجارحي
مايا اتنفضت لدرجة إن الشنطة الصغيرة وقعت من إيدها. لفت وشافت راجل واقف زي الجبل لابس جلابية صعيدي سودة من أفخر أنواع القماش وعمامة مرسومة بالمللي وعيونه.. عيونه كانت حادة زي الصقر فعلا.
مايا بصوت بيترعش 
أنا.. أنا أسفة جدا مكنتش أعرف إن ده ملك حد أنا بس كنت بتمشى و...
صقر بخطوات واثقة قرب منها تتمشي هو إحنا في جاردن سيتي يا ست الهانم ده قصر صقر الجارحي اللي بيدخله من غير إذن مبيطلعش منه بالساهل.
مايا وشها بقى أحمر زي الفراولة من الخوف والكسوف وعيونها لمعت بالدموع أنا والله ضيعت الطريق خالي دكتور رفعت ومنتظرني..
مايا رجعت البيت عند خالها وقلبها مش راضي يسكت من كتر الدق كانت بتبص في المراية وتشوف وشها اللي لسه مخضوض بس فيه لمعة غريبة. أما صقر فدخل مكتبه ورمى شاله على الكرسي وقعد وسرح

في الفراغ. لأول مرة صقر الجارحي اللي بيحكم النجع بكلمة يشغله طيف بنت مكملتش معاه خمس دقايق. كان حاسس إن ريحة العطر بتاعتها لسه لازقة في كف إيده ريحة غريبة عن طمي الأرض وعن خشن الصعيد ريحة كانت بتقوله إن فيه دنيا تانية هو مشافهاش.
تاني يوم الصبح صقر ملقاش نفسه غير وهو بيلبس أفخم ما عنده وركب خيله العربي الأصيل واتوجه لبيت الدكتور رفعت. وصل هناك وهيبته كانت سبقااه الخفر والمساعدين وسعوا له الطريق بتبجيل. دخل الصالون وطلب يقابل الدكتور وبمجرد ما الدكتور رفعت دخل صقر قاله بلهجة واثقة بس فيها احترام يا دكتور إحنا جيران وواجب علينا نكرم ضيوفك.. أنا عازمكم النهاردة على عشا يليق بمقامكم في القصر.
الدكتور رفعت وافق وهو عارف إن عزومة الصقر مبيترفضش فيها طلب. وفي الوقت ده كانت مايا واقفة ورا الستارة مراقبة الموقف وهي حاطة إيدها على قلبها. صقر وهو خارج لمح طيفها من ورا القماش وقف مكانه لحظة وبص ناحيتها بعيون حادة وابتسامة خفيفة جدا وكأنه بيقولها أنا جيت عشانك.
لما راحت القصر بالليل مع خالها كانت لابسة فستان بسيط بلون السما وصقر كان مستنيهم عند البوابة بنفسه حاجة معملهاش مع أكابر البلد قبل كده. طول القعدة كانت عينيه مش بتنزل من عليها وكل ما كانت تتكسف وتنزل راسها كان بيزيد إعجابه برقتها. فجأة صقر وجه الكلام ليها مباشرة الزرع عجبك النهاردة يا ست البنات ولا لسه خايفة من صقر الجارحي
مايا رفعت عيونها بخجل وقالت بصوت واطي الأرض جميلة بس القوانين هنا صعبة شوية.
ضحك صقر ضحكة رجولية هزت المكان وقالها القوانين أنا اللي بحطها ولو حابة.. ممكن أغير كل القوانين عشان
خاطرك أنتي بس.
خالها بص لصقر بدهشة وصقر كمل كلامه وهو باصص لمايا بتحدي أنا مش بس هوريكي الزرع أنا هخليكي تشوفي الصعيد بعيوني أنا.. بس بشرط تفضلي هنا ومتمشيش واصل صقر دخل المكتب مع الدكتور رفعت وقفل الباب بهدوء مريب. قعد ورا مكتبه الأبنوس وطلع علبة سجائر فاخرة وبص للدكتور اللي كان بادئ يقلق من نظرات صقر.
يا دكتور رفعت إنت مقامك عالي عندي وأنا عارف إنك بتحب بنت أختك ومصلحتها تهمك. صقر قال الجملة دي وهو بينفث دخان سيجارته ببطء. الدكتور رد باستغراب طبعا يا صقر بيه مايا دي بنتي اللي مخفتهاش عشان كده لازم ترجع لمستقبلها.
صقر ابتسم ابتسامة خفيفة مهزتش شعرة من هيبته مستقبلها هنه تحت عيني. أنا قررت أفتح مستوصف كبير في النجع محتاج إدارة وتجهيز ومين أحسن من دكتور زيك يشرف عليه وبنت أختك تكون جنبك بدل ما هي لوحديها في مصر وسط الدوشة. أنا بعت للعربية اللي كانت هتنقلكم بكره وبلغتهم إن المشوار اتلغى وشنطكم هتتنقل للجناح الغربي في القصر هنه.. ضيوف عندي لحد ما نخلص أوراق المستوصف.
الدكتور رفعت انجم في مكانه مكنش عارف يعترض ولا يوافق هيبة صقر وطريقته اللي مفيهاش لو سمحت خلته يسكت. في الوقت ده كانت مايا لسه واقفة في التراس الهوا بيطير خصلات شعرها لحد ما شافت صقر خارج من المكتب ورايح ناحيتها بخطوات ثابتة بتهز الأرض.
وقف قدامها وبص في عيونها اللي لسه فيها أثر الخضة وقال بنبرة واطية بس حاسمة خالك وافق يفضل معانا والموضوع انتهى. شنطك في القصر ومن بكره فيه خيال من رجالتي هيمشي وراكي زي ضلك لو فكرتي تطلعي بره البوابة.. مش حبس بس عشان مفيش حد غريب يتجرأ يبصلك ونظرتي
تسبق سيفي عليه.
مايا وشها جاب ألوان حست إنها وقعت في شباك عنكبوت من حديد 
إنت بتتحكم فيا ليه كده أنا مش من ممتلكاتك يا صقر بيه!
صقر قرب منها لدرجة إنها حست بأنفاسه ووطى لمستواها وقال بلهجة صعيدية صرفة طالعة من قلبه إنتي من اللحظة اللي دخلتي فيها أرض الجارحي بقيتي تخصيني. والصعيدي يا بت الناس مبيسيبش اللي يخصه لغيره واصل. إنتي رقيقة زيادة عن اللزوم ومحتاجة ضهر تتسندي عليه وأنا ضهري مبيتميلش.
سابها صقر ودخل القصر وسابها واقفة تحت ضوء القمر مش عارفة هل هي في كابوس ولا في حكاية حب أسطورية بتبدأ بفرض سيطرة الصقر. مكنتش عارفة إن الصبح هيجيب مفاجأة تانية خالص لما تكتشف إن صقر جهز لها حصان أبيض مخصوص عشان يعلمها الفروسية كأن ده عذره الوحيد عشان يفضل قريب منها الشمس طلعت وخيوطها بدأت تدفي جنينة القصر الواسعة. مايا صحيت على صوت خبيط خفيف على باب جناحها فتحت لقت خادمة معاها لبس فروسية كامل ومرصوص بعناية ومعاه ورقة صغيرة مكتوب فيها بخط عريض وحاد الخوف مبيليقش بيكي.. استناكي في المربط.
نزلت مايا وهي حاسة إن رجليها مش شايلاها وصلت للمربط لقت صقر واقف لابس لبسه الصعيدي بس المرة دي كان لابس صديري فوق القميص وماسك لجام حصان أبيض زي التلج حصان هادي ورقيق يشبهها تماما. أول ما شافها عينيه لمعت بس فضل محافظ على وقاره.
صقر تأخرتي ليه الصقر مبيحبش الانتظار واصل. مايا خالد
مايا بتحاول تبان قوية أنا مقلتش إني عايزة أركب خيل أنا بخاف منهم جدا.
صقر قرب منها بخطوات هدوءها يخوف ومسك إيدها الرقيقة بين إيديه الكبيرة اللي كان ملمسها خشن من أثر الشدة وحط إيدها على راس
الحصان بالراحة.
صقر
 

تم نسخ الرابط