شظايا القلوب الجزء الاخير بقلم سيلا وليد
المحتويات
هو صح ومقدرش ألومه نظر إلى أرسلان وتابع حديثه
إنت مبقتش صغير واللي شايفه لحياتك صح اعمله ومش لازم ترجعلنا إنت راجل وكنت شغال في مكان حساس يعني الكل يمشي يقولك آمين من غير مناقشة
ذهلت صفية من حديثه
دا اللي قدرك عليه ربنا ياإسحاق!! بدل ماتقوله ماطمرش فيك التربية!
صفية اتجننتي صاح بها فاروق ثم أشار إليها
الموضوع انتهى وخلاص وأنا مع إسحاق مادام علاقته بينا لسة موجودة خلاص
صمت فاروق بعدما استمع إلى حديث أحلام
يامربي غير ولدك قالتها أحلام مقتربة منهم ونظرة سخرية تجلت بملامحها توقفت بجوار أرسلان ترمق إسحاق باستخفاف
رمقها إسحاق بنظرة قاتلة عيناه تقدح شررا من الغضب المكبوت ثم خطا نحوها ببطء محسوب
احتراما للاسم اللي لسه مكتوب في شهادة الميلاد مش هرد عليكي
استدار ناحية فاروق وأردف بنبرة حاسمة
عايز تشوفني بيتي مفتوح غير كده البيت دا مبقاش يلزمني
التفت من جديد نحو أحلام ونطق بصوت خافت لكنه مزلزل
فيه ذكريات بتخنقني لو حكيتها موازين الدنيا هتتقلب
أنهى كلماته وسحب أرسلان من يده وغادرا معا وسط صمت مشحون
ارتفعت أنفاس أحلام بغضب ثم أشارت إلى فاروق بعينين تقدح نارا
دا اللي بتقول عليه حيحترمني دا أخوك اللي خايف على زعله!
ماما لو سمحتي أنا هتصرف مع إسحاق وهخليه ييجي يراضيكي كمان
تحركت إلى المقعد وجلست بعينين تحمل خليطا من السخرية والمرارة
يبقى قابلني دا نسخة تانية من أبوه المهم متبقاش مجنون إنت ومراتك البريئة وتسيبوا مالكم لابن دا
نهضت صفية رافعة رأسها بكبرياء
أنا طالعة أوضتي يافاروق ولما تخلص حوارات الست الوالدة عرفني يجهزوا السفرة
جحظت عينا أحلام ووقفت من مكانها كمن لسعها لهيب
إيه ياصفية! دا غيابي أثر على مخك ونسيتي نفسك!
استدارت صفية بكل عنفوانها ونظرت إلى أحلام باستخفاف قاتل
يمكن ياحماتي ما هو حضرتك كنتي في المكان الصح وأكيد عديتيني
هبت أحلام تتقدم نحوها رافعة كفها لتلطمها لكن الباب انفتح بعنف ودخل أرسلان كالإعصار
عندك
وصل إليها بخطوة واحدة عيناه تشتعل بالجنون وأشار نحوها بحدة أمام فاروق
دي أم أرسلان الجارحي ماتفكريش للحظة هسمح لحد يهينها أنا لسه بحترم وجودك علشان بابا وبس
قهقهت أحلام وصفقت ببطء تتلذذ بالاستفزاز
شوف مين اللي بيتكلم مبقاش غير ولاد اللي بيرفعوا راسهم
في لحظة احمرت عيناه كمن اشتعل داخله بركان وسط صرخات صفية وفاروق
حاولت صفية دفعه لكن فاروق صرخ بحدة ه ليسقط أرسلان مترنحا يده ترتجف على وجنته التي تلقت الصفعة وعيناه تائهة بين الوجوه
تقابلت عيناه بعيني أحلام وجد فيهما شماتة مريرة لم يقل شيئا فقط استدار وغادر
ركضت صفية خلفه تصرخ
أرسلااان!
لكنه كان قد استقل سيارته وانطلق بها كمن يهرب من جرح لا يندمل أو كمن يسرع نحو نهايته
بالجامعة
أنهى محاضرته واتجه إلى مكتبه بخطوات هادئة وماإن اقترب حتى لمحها واقفة أمام الباب تعقد ذراعيها بعتاب صامت
ابتسم واقترب منها
إزيك ياملك
ردت بوجه جامد
أهلين سيادة المعيد اللي ناسي ميعاده
نظر إلى ساعته وضرب جبينه بخفة
آسف والله نسيت كانت عندي محاضرة واتأخرت
أومأت برأسها دون أن تنبس بكلمة اقترب منها يداعب خصلاتها برفق
خلصت محاضراتي النهاردة إيه رأيك نخرج ونتغدى سوا
رفعت عينيها إليه وقالت
النهاردة صعب عندي إنترفيو في شركة أجنبية الساعة اتنين ووعدت عمو أعدي عليه
زم شفتيه باعتراض
وأنا آخر من يعلم ياملك!
ارتجفت نظراتها نحوه
إنت ماكنتش راسي على شط ياإسلام كل شوية تطلعلي بحجج فقلت أرسم خط حياتي ونشوف آخرتها إيه
ملك هو إنتي بتحبيني سألها فجأة
ترقرقت عيناها ودنت منه تمسك بذراعه
إنت لسه بتسأل ياإسلام مش عارف ولا إيه
أردف
تعالي ندخل مينفعش نوقف كده والطلبة رايحة جاية
تحركت بصمت إلى الداخل وضع أوراقه ومفاتيحه ثم التقط هاتفه وأشار إلى الخارج
يلا هوصلك في طريقي
هزت رأسها بالموافقة وتحركت بجواره حتى وصلا إلى سيارتها أشارت إلى السائق
الباشمهندس هيوصلني روح إنت
حاضر ياهانم
استدارت إلى سيارة إسلام واستقلتها ثم التفتت إليه تسأله
هتيجي معايا ولا هتوصلني وترجع
أدار السيارة بعد أن ارتدى نظارته
إنتي عايزة إيه
عايزاك دايما معايا
كلمة واحدة أحيت روحه وجعلته يتوقف لوهلة يتأملها بعينين مترعتين بالعشق فسألته بهدوء
بتبصلي كده ليه
ماكانش المفروض ده يحصل
قالها وهو يضرب المقود بقبضته رفعت كفيه بين راحتيها
إسلام إهدى إحنا مخطوبين
التفت إليها ونظراته تنطق بالألم خطوبة ياملك يعني مش مراتي مش ملكي
ألم ظهر على وجهها قائلة
بس إحنا هنتجوز مش كده ولا إيه
أرجع خصلاته للخلف بغضب ونارا تأكله من الداخل كيف سمح لنفسه ا! هو يعشقها نعم لكن عليه أن يحميها من ذنبهما قبل أن يحميها من العالم
إسلام
شغل السيارة وقال بجفاف
هوصلك ياملك وممكن ما نتكلمش في حاجة دلوقتي
هزت رأسها بعناد
لأ لازم نتكلم ليه زعلان أوي كده
تأملها بوجع وقال بصوت مخنوق
لو قلتلك المفروض مانكونش لوحدنا أصلا في العربية هتصدقي لو قلتلك حتى إمساكي بإيدك حرام حتى شعرك ده مينفعش أشوفه اتكلمنا في ده قبل كده لبستي الحجاب فترة وقلعتيه ومش عارف ليه!
سكت لحظة ثم أكمل بصوت مكسور حرام ياملك
قاطعهم الهاتف مرة أخرى نظر للشاشة وظهر اسم إلياس
إسلام لو فاضي عدي عليا في الشركة ضروري
حاضر قالها وقاد السيارة
بعد عدة أيام والحال كما هو
في فيلا السيوفي جلست فريدة وسط الحديقة بين الأزهار التي كانت ميرال تعتني بها يوما تتحسس بيديها أوراق الزهور وكأنها تبحث بين عطرها عن أنفاس الغائبة
اقتربت منها رؤى بهدوء ونادت بخفوت
ماما فريدة
رفعت عينيها الذابلتين وكأنهما فقدتا القدرة على الحياة
أيوه يابنتي
جلست رؤى إلى جوارها تطوف بنظرها على الزهور ثم قالت بنبرة حزينة
هتفضلي كده لحد إمتى بقالنا تلات شهور من بعد حادثة ميرال وحضرتك زي ماإنتي مش حابة تشوفي دكتور يساعدك
لامست فريدة بتنهيدة حارقة زهرة
ميرال كانت زي الوردة دي منطفئة بالرغم كلنا كنا حواليها
همست بها فريدة وكأنها تكلم نفسها ثم تابعت حديثها المتألم بحاول أقنع قلبي بغياب ميرال بس مش قادرة
ربتت رؤى على كفها برفق
ماما فريدة هي الحياة كده يوم ليكي ويوم عليكي
أومأت فريدة برأسها دون رد وذهبت ببصرها إلى يوسف وهو يلعب بالدراجة في طرف الحديقة فسألتها
إلياس مرجعش من الشغل لسه
هزت رؤى رأسها نافية
كلمني من شوية وقال ممكن يتأخر
استدارت فريدة بكامل جسدها نحوها تغرز عيناها في عيني رؤى ثم
سألتها بصوت يحمل مابين القلق والشك
مش ناوية ترجعي بيت أخوكي
شعرت رؤى بالحرج يتسلل إلى ملامحها فأجابت بخفوت
حضرتك زهقتي مني ولا إيه
هزت فريدة رأسها بسرعة نافية حديثها الموجع
لأ ياحبيبتي مزهقتش منك بس اللي في بالك مينفعش أختك هترجع
ارتبكت رؤى وتلعثمت
مش فاهمة قصدك ياماما
فرت دمعة ثقيلة على وجنة فريدة وقالت بصوت مخنوق
ميرال هترجع والله لو فيها نفس هترجع مش هتقدر تعيش بعيد عن جوزها وابنها
ثم نظرت إليها نظرة طويلة ثابتة
وإلياس مستحيل يدخل ست تانية حياته بعد ميرال دا فضل لحد ماعدى التلاتين علشانها تفتكري ممكن يخلي حد تاني يحل مكانها
نهضت رؤى فجأة وكأن كلمات فريدة صفعتها
إيه اللي حضرتك بتقولي ده حضرتك فاهمة غلط!
أشاحت فريدة بوجهها تهز رأسها ببطء
يمكن يمكن أكون فاهمة غلط بس كان لازم أقولك علشان ماترسميش أحلام مالهاش أساس
إلياس ابني وأنا عارفاه كويس
قاطعهم رنين هاتف رؤى
ابعتي يوسف أنا على البوابة كانت فريدة تراقب حديثهما إلى أن نطقت رؤى
حاضر يوسف
صاحت بها رؤى تشير إليه ثم التفتت إلى فريدة
هوصل يوسف لإلياس بعد إذنك
برضو مش عايز يدخل
هزت كتفها وتحركت متجهة إلى يوسف بينما ذهبت فريدة بعينيها إلى بوابة الفيلا عله يدلف ويطمئن عليها ولكن ذهبت أمنياتها بعد خروج يوسف وعودة رؤى وإغلاق البوابة كأنهم أغلقوا عليها الحياة شعرت بوقوف أحدهم خلفها رفعت عينيها الباكية إليه
الدنيا ليلت هتفضلي هنا لحد إمتى
رفعت كفيها إليه
قومني يامصطفى مبقاش فيا حيل ولادي قضوا عليا
انحنى يرفعها مع وصول رؤى التي قالت
أنا كلمت طارق وهيعدي ياخدني بعد إذنكم
رمقها مصطفى بنظرة حادة وقال
بس أنا مش عايزه يقرب من بيتي ولا من ولادي يارؤى أخوكي على عيني بس برة بيتي
انسدلت دموعها وتحدثت بأسف
آسفة ياعمو هكلمه تاني وأعتذرله
استني يارؤى هتفت بها فريدة وهي تنظر إلى مصطفى بذهول
إيه اللي بتقوله دا! عايزها تمنع أخوها يجي لها
دا اللي عندي قالها وتحرك للداخل بينما اقتربت رؤى كفيها
مش زعلانة ياماما حقه ومنقدرش نلومه متنسيش إن طارق السبب في اللي حصل
ضيقت عينيها وتساءلت
تقصدي إيه
قصت لها ماصار إلى أن انتهت قائلة
والياس طلب مننا محدش يقولك حاجة علشان متزعليش من عمو مصطفى
استدارت فريدة متحركة للداخل حتى وصلت إلى غرفة مكتبه دلفت للداخل تنظر إلى جلوسه الموجع اقتربت حتى جلست بجواره
ليه مقولتليش على موضوع غادة وطارق
رفع رأسه إليها وصمت لبعض اللحظات ثم قال
علشان الموضوع دا السبب في اللي حصل
يعني إيه أنا بقيت على الهامش يامصطفى دلوقتي بتفرق الولاد عن بعضهم
تلألأت عيناه بالسحب وهز رأسه بالنفي
عمري مافكرت في كدا بس أنا أب وخوفت على بنتي يافريدة
والياس ماكانش خايف عليها يامصطفى تفتكر إلياس لو شايف الولد وحش هيجي يقولك دا إلياس
يامصطفى وإنت عارفه أكتر منه
هنا ضعف وخارت دموعه دموع رجل قوته يهاب منها الجميع تراجع بجسده على المقعد
أنا حاسس روحي خرجت من جسمي يافريدة بعد ماهو مشي بحاول أقلم نفسي بس مش قادر
اعتدل يشير بيده على غرفة المكتب
كل ركن هنا لينا ذكريات مع بعض أشار على صدره وتابع بحديث باك
دا ابني البكري يافريدة ابني والله العظيم ابني ولا عمري في يوم فكرت في غير كدا بس لحظة شيطان وذلة لسان هدتنا كلنا
ربتت على كتفه وانهمرت دموعها بغزارة
عارفة ومتأكدة والله عارفة أنه غالي عندك وهو كمان بس كان لازم البعد دا علشان متشلوش من بعض
أنا مش شايل منه تمتم بها سريعا وشعر بانحباس أنفاسه قائلا
أنا صعبان عليا حياته اللي ادمرت بسببي مسح على وجهه بالكامل يهز رأسه بعنف
إزاي أنا هاجمته كدا!! إزاي أغلط الغلط دا! ابني أنا ومحدش يقدر يقول غير كدا بلساني أنا خرجته من حياتي
طيب ممكن تهدى أنا لو عندي شك فيك صدقني كنت همشي معاه أنا متأكدة من حبك له
وحشني أوي يافريدة أوي وعارف عمره ماهيسامحني وأنا أستاهل لأنه مغلطش بس معرفش كان مالي مجرد ماقالي بابا فيه عريس لغادة وحبيت أعرفك ولما قال طارق الشافعي اتجننت وبدأت أخبط بالكلام والله لو يزن كنت هوافق عليه المشكلة الواد سوابق ومتربي مع راجح ورانيا صعب عليا يافريدة أتقبل على بنتي حاجة زي كدا
دا قدر ومكتوب يامصطفى يعني كان حيحصل لميرال كدا من غيرك بس دي مجرد أسباب وتدابير مش أكتر
اتجه برأسه إليها ورفع رأسها ينظر ب عا
يعني مش زعلانة مني تنهدت بألم يخترق روحها قبل جوارحها ثم قالت
منكرش زعلانة منك ومصدومة فيك بس دا ميخلنيش أمسح الحلو اللي بينا نهد حياتنا علشان موقف
ربنا يبارك لي فيكي يارب
نفسي نرجع زي زمان تفتكر ميرال لسة عايشة يامصطفى
أنا مش ساكت بعت صورها سري للمستشفيات الحكومية اللي في القاهرة عن طريق حد موثوق فيه ونوهنا في الأقسام برضو والله بدور في كل مكان المشكلة مش معاها أي حاجة نعرف نوصلها بيها
نهضت بعدما شعرت بألم بصدرها
أنا هطلع أنام دايخة منمتش من إمبارح
روحي حبيبتي
تحركت وحاولت الصمود أمام آلام صدرها التي تنخرها بقوة إلى أن وصلت غرفتها ألقت بجسدها على السرير ثم مدت يدها تسحب دواءها حتى يهدأ الألم ولو قليلا
بالأسفل ظل جالسا بمكتبه لفترة عيناه مسمرتان على تلك الصورة التي تجمعه بأولاده كم كانت السعادة تلمع في عيونهم وكم بدا وجهه
وضع الصورة برفق ونهض بخطا متثاقلة مترنحة كأنه يسير فوق جمر أو يسير بروح بلا جسد خرج من بيته هائما في الشوارع دون وجهة تتقاذف أمامه مشاهد له ولإلياس ظل يجوب الشوارع لساعات حتى وقف أمام لافتة ضخمة على أحد المنازل كتب عليها إلياس الشافعي
هناك عند تلك اللافتة تهاوت كل حصونه شهق ببكاء موجع وكأنه فقد ابنه مرتين هل خرج من حياته هل أصبح غريبا عنه ذاك الطفل الذي كان يحمله على كتفيه ويغرقه بحنانه أيصبح الآن محجوبا عنه باسم جديد وهوية جديدة
هز رأسه بعنف وكأنه يطرد تلك الفكرة القاتلة مد يده المرتجفة إلى هاتفه وضغط على الرقم الذي يحفظه قلبه قبل عقله
في الداخل عند إلياس
كان يجلس في حديقة منزله يطالع السماء الملبدة بالنجوم عيناه تتنقلان بينها ببطء كأنه يعدها أو يبحث عن إجابة بين الأفق والصمت شعور بالاختناق راوده ذكريات تحاصره تداهمه بلا رحمة فتح هاتفه وقلب بين الصور هنا يضحك وهنا يبكي من أجلها وهنا يحترق بغيابها
خفض رأسه إلى الطاولة وترك دموعه تنهمر بصمت هل أصبح البكاء عادة يومية مثل الطعام مثل الهواء
هل وصل به الحال إلى هذا الضعف أين ذهب إلياس المتجمد المشاعر
أين ذهب ذلك الشخص الذي كان لا يهمه سوى كبريائه
هل عشقها حطمه بالفعل
أم محاولته بإقناع نفسه أنه ليس ذلك الشخص بل هو شخص آخر يجب عليه التأقلم رغما عنه
رن الهاتف رفع رأسه ونظر إلى الشاشة التي أنيرت برقم والده
انعقد حاجباه أجاب بصوت مبحوح
بابا في حاجة!
صمت مصطفى ولم ينبس سوى بأنفاسه لحظات حتى أعاد إلياس سؤاله
بابا حبيبي مالك!
شهقة متقطعة كأنها تخرج من صدر مثقوب بالألم ليردف بحروف متقطعة
حضرة اللواء برة هتقابله ولا أرجع
ارتجف قلبه وهب من مكانه دون أن يشعر يهرول إليه بأقدام حافية وصرخ برجال الأمن
افتحوا البوابة بسرعة
رغم نظراتهم المتفاجئة بخروجه بتلك الطريقة ولكنه لم يهتم خرج يركض بعينين دامعتين وقلب ينتفض دار بعينيه إلى أن رأى السيارة المضيئة على بعد أمتار ركض نحوها
بابا!
همسها ثم وقف أمامه رفع مصطفى عينيه الدامعتين وقال
بابا إنت شايف إني لسه أبوك
ياإلياس
تألم لرؤيته بذلك الحال فتح باب السيارة وساعده على الخروج أشار لأحد رجال الأمن
أمنوا العربية
ثم سار به وهو ذراعه حتى وصلا للداخل
نظر مصطفى إلى قدميه الحافيتين ثم رفع نظره وقال
للدرجة دي مصطفى السيوفي يهمك ياإلياس
تراجع إلياس إلى الخلف متألما من وقع الكلمات
ارتاح يابابا لو سمحت
إنت شايفني هلاقي راحتي بعد
مابعدت عني بعد ما قطعت علاقتك بيا هونت عليك شهر كامل
ياإلياس بقيت أخاف أقول ابن مصطفى
بابا لو سمحت أنا مش قادر أشيل أكتر من كدا أنا موجوع
اقترب مصطفى فجأة أمسك وجهه بقسوة
شايف مش قادر تبعد ياابن مصطفى مهما قلت إنك مش ابني بترجعلي غصب عنك لأنك مني واللي بينا مش بيتقطع إنت ابن مصطفى السيوفي يلا
بابا أرجوك كفاية أنا مش ناقص أنا محتاج حد يسندني مش يخنقني
أنا اللي بخنقك!
أنا اللي بخنقك ياإلياس!!
انهارت حصونه فبعض الكلمات أثرها يجلد الروح وتصبح كصاعق كهربائي
مبقاش ينفع صدقني مبقاش ينفع لا أنا هنسى ولا حضرتك هتنسى
هز مصطفى رأسه وانحنى بجسده يرفعه من فوق الأرض
إلياس مش متعود منك الضعف دا آسف ياحبيبي آسف علشان كسرتك بالطريقة دي
أطبق على جفنيه وتلاشى تنفسه حتى شعر بأن الغرفة تطبق على صدره ليرفع عينيه التي ضاعت منها الحياة
حضرتك مش غلطان أنا اللي ضيعت كل حاجة أنا اللي وقعت وانكسرت حطمت حياتي أنا محدش غيري
استدار يطالع البيت بعينين هائمتين
دا بيت مين فين الحياة اللي كانت فيه! أنا مش عارف أنا مين أنا مش عارف أرجع لإلياس السيوفي ولا قادر أعيش إلياس الشافعي الشخص
اللي قدامك بقايا راجل بيحاول يكمل علشان ابنه وأخواته
ثم رفع عينيه لوالده يتكلم بصوت متهدج
منكرش كلامك كسر جوايا حاجة بس الحقيقة أنا اللي كسرت نفسي بالكامل
قالها ثم انهار على ركبتيه فجأة كأن الأرض سحبت ماتبقى من تماسكه كفاه على وجهه وأردف ببكاء روح مذبوحة
مش متحمل أكون إلياس الشافعي إزاي كنت بضغط عليها أنا ضعت وضيعتها وابني هيضيع مني حياتي انهارت مبقتش قادر أعيش بالألم دا
كلمات صاعقة ارتطمت بوجدان مصطفى كالرصاص فتراجع خطوة كأنها أطاحته ثم جلس أمامه على الأرض على ركبتيه مد يديه المرتعشتين وأحاط وجهه بين كفيه
حبيبي دا قدرنا كلنا فين إيمانك بربنا إزاي واحد عارف ربنا ويتكلم بطريقتك دي!!
تعبان وعايز أرتاح يابابا بجد تعبان خدني في محتاج حد يطبطب عليا
جذبه لصدره بقوة لا كضابط لا كوالد حتى بل كرجل يتشبث ببقايا روحه وطفله الذي صار رجلا محطما
آاااه حارقة أخرجها إلياس
دلوقتي بس فهمت يعني إيه تحتاج يكون دواك
ربت مصطفى على ظهره وانسابت دموعه بصمت هنا تمنى أن تعود الأيام إلى ذلك اليوم لطلب من الله أن يخرسه ولم ينطق تلك الكلمات
ظلا على الأرض صامت تتساقط فيه الدموع دون خجل والليل يكتفي بالمراقبة من بعيد على ذلك المشهد الذي هز الوجدان
أودعت قلبي أمانة بين يديك فكيف كسرته ورحلت
لم يكن قلبي ساحة حرب بل كان مسكنك مأواك وقت العالم القاسي
فلماذا كنت أنت القسوة حين ضاقت بي الأرض
بعد فترة أغلق مصطفى الباب عليه وخرج متجها إلى غرفة يوسف دلف للداخل وقام بتعديل نومه وتخفيض درجة حرارة المكيف ثم طبع حنونة على وجهه واتجه للخارج
ارتفع رنين هاتفه بالأسفل هبط متجها إليه
أيوة يافريدة
مصطفى أخيرا رديت إنت فين الساعة تلاتة الفجر
آسف نسيت أتصل أنا عند إلياس
نهضت من فراشها مفزوعة واختنق صوتها
ماله إلياس يوسف كويس
اهدي حبيبتي إيه جيت أطمن على ابني وابنه ولا مش من حقي ياأم إلياس
هدأ قلبها الذي تقاذفت نبضاته بين الضلوع وقالت
حقك هو حد له حق غيرك يعني هو كويس
كويس ونايم هو ويوسف
نايم!
نايم إزاي وسايبك لوحدك هو الواد هيفضل بارد كدا
أفلت ضحكة متجها إلى المطبخ
نعمل إيه حظنا المهم نامي وارتاحي أنا كمان هصلي الشفع والوتر وأنام
إنت بتعمل إيه دلوقتي
دار بعينه بالمطبخ وتساءل
عايز أعمل حاجة سخنة حاسس باحتقان والكل نايم بس مطبخ ابنك مش عارف فيه حاجة
على أساس إنك عارف حاجة في مطبخنا
ضحك بصوت وقال
وأعرف ليه هو أنا مش متجوز ست الحسن والجمال
لا والله وصل إلى التوابل يقرأ مافوقها ثم أجابها
أه والله قدامي هنا كمون وفلفل أسود إيه دا فلفل أسود! ودا بيتعمل بيه إيه!
ضحكت بنعومة عليه ثم قالت
حبيبي إنت عند التوابل دي للأكل أكيد مش هتلاقي بينهم حاجة تتشرب امشي شوية كدا في الجهة التانية هتلاقي كل المشروبات ماتحاولش تسهر أكتر من كدا الفجر خلاص على وشك وكمان صحتك اللي حضرتك مش فارقة معاك نام لو سمحت
علشان حبيبي دي حاضر المهم هاتي غادة وإسلام الصبح وتعالوا نفطر مع بعض
تنهدت وهزت رأسها قائلة
إن شاءالله تصبح على خير
إنتي من أهله
بمنزل يزن وخاصة بغرفة رحيل
كانت تغط بنومها دفع الباب بقوة فهبت من نومها تتلفت حولها بخوف إلى أن وقعت عيناها على يزن الذي دلف الغرفة
إيه فيه إيه الولاد مالهم!
قطب جبينه واقترب منها
مالهم الولاد هو أنا مدخلش أوضة مراتي غير علشان الولاد
زوت مابين حاجببها تردد كلماته ثم زفرت بسأم تعدل خصلاتها المتمردة على وجهها وقالت
عايز إيه يايزن داخل بطريقة اللصوص دي ليه يابني آدم إنت وإزاي تدخل بالهمجية دي!
صوتك يامحترمة صوتك عالي ليه الساعة تلاتة الفجر
لما تسمعي قوانين يزن الشافعي وأولها بعد كدا تصحي بدري وتجهزي الفطار لجوزك ثانيا كل يوم أرجع من الشغل ألاقي الحمام جاهز ثالثا ودا المهم عندي طبعا
إن شاء الله هعمل اللي قولت عليه بالحرف الواحد بس في أحلامك
أومأ مبتسما
لا ياروحي وأنا صاحي والله ودلوقتي أول اختبار وأعلمك أصول
برقت عيناها من حديثه مما جعله اقترب
مش عارفة دي كمان دفعته بقوة وصاحت به
الغزالة رايقة
ما الناس الحلوة سايقة
يا سيدي ياجماله
ماله ضغط كتير عليه
ضربت أقدامها في الأرض وهمست
إنسان همجي لوكال توقف على همسها ثم التفت إليه
همجي ولوكال طيب ياست الفافي
تمكنت وهي تعقد ذراعيها
ليه حد قالك عاليا دادة تراجع إليها يحك ذقنه
معنى كدا انك رافضة تساعدي
كظمت غيظها وهتفت بشراسة
ابعد عني يايزن واتقي شري بلاش تخليني أخرج عفاريتي عليك
دنى منها بخطوات سلحفية واحتجزها بينه وبين الجدار
قالها واستدار متحركا فهتفت بغضب
الهي يحموك في كنكة يابعيد
تسمرت قدماه مستديرا إليها سريعا
كنكة انتي وصلتي للكنكة بنت العمري بتقول كنكة اااااه صرخت بها وهي ترفع كفوفها مع ضحكاته واتجاه للحمام بينما هي
تراجعت على الفراش وتمددت مبتسمة كلما تذكرت ماقاله هزت رأسها ووجهها أنار بضحكاتها
دا هيجننك ياراحيل صمتت لحظات واغروقت عيناها بدموع الخيبة تهمس لنفسها
بس بحبه ومش قادرة أشيله من قلبي
تنهيدة صارخة من قلبها قبل جوفها
هنفضل في العذاب دا كتير ياربي
راحيل صاح بها يزن بعدما فتح جزء من باب الحمام
اعتدلت على الفراش ولم ترد عليه
يارب صبرني أحسن ما أروح فيه في داهية قالتها ونهضت متجهة إلى غرفة أولادها دلفت للداخل وأغلقت الباب خلفها
ماأشوفك هتعمل إيه يابو ليفة قال أليفك قالتها ضاحكة وتمتمت
مجنون وبحبه جتك الهم ياراحيل عمية سبتي الرجالة كلها ومالقتيش غير دا
عند يزن
خرج من الحمام وهو يطلق صفيرا معتقدا أنها مازالت بالغرفة دارت عيناه بأركان الغرفة سريعا فخرج يبحث عنها ظنا أنها فعلت ما قالته ستتركه مثل ميرال
دار بالغرف مثل المجنون إلى أن وصل غرفة أولاده حاول فتحها ولكنها مغلقة
طرق بهدوء
راحيل إنتي جوا كانت تستند على الباب بصمت تستمع إلى صوته الخائف
ردت
هنام مع الولاد وإنت اشبع بالأوضة يايزن قالتها وتحركت إلى فراش ابنتها المستغرقة بنومها
كور قبضته على باب الغرفة ثم تراجع
ماشي
باليوم التالي بالشركة التي تعمل بها رؤى جلست في الكافيه الخاص بشركتها في وقت استراحة العمل
وصلت إحدى صديقاتها
مستنتيش ليه يابنتي قولت لك جاية
نظرت للخارج وأجابتها
قولت أستناكي هنا خلصتي الشغل اللي طلبه منك طارق
أومأت لها ونهضت قائلة
هجيب قهوة أجبلك حاجة
رفعت كوب قهوتها وردت
بشربها أهو
بعد فترة سألتها
إيه آخر الأخبار عن أختك
هزت كتفها للأعلى وقالت
مفيش جديد لسة منعرفش حاجة عنها
مطت شفتيها تلف فنجانها ثم رفعته ترتشف بعضه
مش عارفة أختك دي إزاي تفكر تعمل كدا ربنا مديلها كل حاجة
ابتسامة خفيفة شقت ثغر رؤى التي أجابتها
والله دا اللي قولته بس طبعا ميرال عند الكل حالة خاصة أنا بحسدها والله ياتقى تعرفي جوزها هيموت عليها رغم إنها اللي سبته
غبي والله من قلة البنات
ابتعدت بنظرها للخارج وهمست بصوت خافت
لا مش غبي دا علشان بيحبها ومش شايف غيرها
لا والله قالتها صديقتها التي تدعى تقى باستهزاء ثم قالت
ليه اللي خلقها مخلقش غيرها سوري يارؤى بس الرجالة كلها واحد يعني لو شافوا اهتمام من أي ست بيريلوا عليها بس هم اللي بيعملوا حزنانين
اتجهت رؤى تنظر إليها بتساؤل
مش كل الرجالة إنتي متعرفيش إلياس وميرال بيحبوا بعض قد إيه
ارتشفت تقى من بعض قهوتها تهز رأسها باستهزاء ثم أردفت
ميرال بتحبه أوي وبدليل سابته هو وابنها إنتي عبيطة يابنتي أختك أكيد زهقت ومحبتش تكمل في العلاقة علشان كدا هربت أو رمت نفسها زي ما بتقولي وماتت
قطبت رؤى جبينها رافضة حديثها
لا مش معاكي هي بقالها فترة بتتعالج بسبب ظروف إنتي متعرفهاش
اقتربت تربت على كتف رؤى باستخفاف ثم قالت
خليكي هبلة كدا أنا لو مكانك أنتهز الفرصة مش دا اللي كنتي هتتجوزيه زمان لولا اللي حصل
الموضوع انتهى وخلاص ياتقى ودلوقتي إلياس مش بيفكر غير في مراته وابنه
لكزتها
يابنتي فوقي مرات مين أختك ماتت وحتى لو عايشة مستحيل ترجع تاني هتفضلي كدا لحد مايخطفوه منك زمان كان فيه حاجز بينكم دلوقتي مفيش حاجة واللي فهمته إن الولد مرتبط بيكي ودا أهم حاجة لازم تلعبي على الحتة دي ومتنسيش إن إلياس صغير لسة على ماأظن ماوصلش الأربعين والله أنا أديله تلاتين سنة
تاهت رؤى بحديث صديقتها ثم همست
تفتكري ممكن يرجع يتجوز
متابعة القراءة