شظايا القلوب الجزء الثاني بقلم سيلا وليد

لمحة نيوز

بين الأرصفة وكأنها غريبة عن هذا العالم 
دموعها تسيل في صمت لكن بداخلها كانت عاصفة لا تهدأ 
لا ترى لا تسمع لا تشعر بشيء سوى وجع ينهش قلبها بلا رحمة 
ثم دوى صوت مصطفى كعويل يخرق جدران قلبها قبل أذنها 
توقفت فجأة وصرخت صرخة بكل ماتشعر به من آلام اختل توازنها وترنح جسدها فاتجه إلى الرصيف 
وجلست عليه تبكي بكت حتى اختفى صوتها وشعرت بألم حنجرتها و كأن الحزن أصبح ملاذها 
ارتفع رنين هاتفها مرارا نظرت إليه لتجد رقمه مع صورته تنير عتمة قلبها قبل شاشة هاتفها تلمسته ثم تمتمت
آه ياقلبي وروحي  
صمتت ثم نظرت أمامها تهمس لنفسها بشرود
بس هو ذنبه إيه
أنا اللي غلطت لما فكرت في سعادتي ونسيت إنها مش مكتوبالي هتهربي لحد إمتى ياميرال أقرب الناس مش قادرين ينسوا يبقى الغرب هيعملوا إيه
نهضت من مكانها واتجهت إلى سيارتها صعدتها وانطلقت كالمجنونة لا ترى أمامها ولا تسمع سوى ظلال كلمات مصطفى وهي تتراقص في أذنيها كناقوس يدق بالخطر تلك الكلمات سلبت روحها واقتلعت ما تبقى من أمان كانت تتشبث به كالغريق 
كم حاولت أن تبني عالما نظيفا لميرال عالما خاليا من السموم كما وعدت زوجها لكنها فشلت مازال الماضي يخنقها يلتف حول رقبتها كالأفعى ويعيدها قسرا إلى نقطة الصفرإلى تلك النقطة التي طالما تمنت أن تسحب روحها فيها وينتهي كل شيء 
تأججت الذكريات تصفعها وتخنق أنفاسها لا
بد أن تقتل الألم أن تقتلع جذوره فإما حياة كريمة أو غرقا نهائيا في وحل لا قاع له 
أصبحت قيادتها جنونية يصاحبها عنف حتى كادت السيارة تنقلب بها مما جعلها تقف على الطريق لدقائق تأخد أنفاسها التي شعرت بانسحابها نظرت إلى الطريق المؤدي إلى السجن ليطوف أمامها ظل وجه رانيا كحرباء سامة تنفث سمها بلا حياء تحركت بالسيارة إلى أن وصلت إلى بوابة السجن رفضوا طلبها بادئ الأمر فقد انقضى موعد الزيارة لكن حين نطقت باسمها الكامل أنا ميرال السيوفي والست اللي جوا تقربلي أنا مرات الرائد إلياس السيوفي تراجع العسكري وهو يحدق بها بذعر
حضرتك مرات إلياس السيوفي
أيوه نطقتها بخفوت حتى
سمحوا لها بالدخول وجلست تنتظر رانيا بعد دقائق جلبت السجانة رانيا دخلت بخطا حذرة ملامحها شاحبة وجهها فقد حيويته ظنت أن من يريدها أحد الرجال من كانت تعمل لديهم لكن حين وقعت عيناها على ميرال تجمدت لحظة ثم لهثت بنداء مرتجف 
مروة بنتي حبيبتي
رفعت ميرال كفيها فجأة تأمرها بالصمت والابتعاد ثم وقفت بثبات رغم انتفاخ عيناها بالبكاء ومازالت لم تكف عن النزف ثم قالت بنبرة قاسية
أنا جاية النهاردة علشان أقولك إن أكتر اتنين كرهتهم في حياتيإنتي وجوزك 
اقتربت خطوة وغرست عينيها داخل عينا رانيا حتى كادت تقتلها بنظراتها ثم انفجرت صارخة
أنا بكرهكبكرهكبكرهك 
ونفسي الأمهات اللي زيك
يتحرموا من ولادهم 
نفسي ربنا ياخدني دلوقتي ولا أكون بنتك
أنا بكره كل حاجة فيا علشان حاسة إن فيها شبهك فيها من ريحتك إنتي لعنة حياتي يارانيا لكزتها وتابعت مشمئزة
عمري ماهسامحك إنتي دمرتيني كسرتيني قدام نفسي خلتيني أكره حياتي 
تعثرت رانيا بخطوة إلى الأمام محاولة الاقتراب لكنها انتفضت كمن لسع بنار 
ابعدي إنتي إيه ياشيخة إياكي تقربي 
قالتها بانهيار وجسدها يرتجف بالكامل ودموعها تتساقط كالسيل 
ثم هدأت قليلا لتكمل بصوت متهدج يختنق بالغصة
ربنا وصانا عليكمقال وبالوالدين إحسانا بس أنتوا مش والدين أبدا فين رحمة الأب والأم فيكم! 
أشارت على قلبها وهتفت بقلب يئن متألما
أعمل إيه وأنا قلبي مش قادر يبر
أعمل إيه وأنا مش قادرة أعترف بيكم مش قادرة أشوفكم غير لعنة!
صرخت تدفع رانيا كالتي فقدت عقلها
ليه عملتوا فينا كده! ليه خليتونا نكره أجمل نعم ربنا!
نفسي أعرف إيه الحكمة في إنك تكوني أمي! ليه ربنا ماحرمكيش من الأمومة 
ضربت على صدرها وصرخت بانهيار وجسدها يرتجف
أنا ذنبي إيه! قولي ليه أنا اللي طلعت من بين إخواتي بيكم حتى رؤىأمها ست نضيفة وشريفة ليه أنا اللي كان لازم أتحمل حقارتكم!
أدارت ظهرها ثم صرخت أخيرا قبل أن تختفي
أنا بكرهك يارانيا وبكره راجح وبكره حياتي كلها بسببكمربنا يخلصني من الدنيا دي 
قالتها واختفت خلف الباب وتركت رانيا كتمثال محطم يهوي على المقعد تمسح عرقها بأنامل مرتجفة والذهول يغمر ملامحها تتمتم لنفسها كأنها تستعيد الوعي
عملت إيه في البنت يابن فريدة إيه اللي وصلها لكده!
سمعت همسات السجانة تلوح لها وتهمس بإلحاح
يلا يارانيا قبل ما حد من الضباط يشوفك وتبقى كارثة 
رفعت عينيها إليها قالت بصوت مبحوح
عايزة تليفون ضروري وصدقيني هديكي قد اللي فاتبس لازم أعمل مكالمة دلوقتي 
نظرت السجانة حولها ثم أشارت لها
طيب روحي الحمام وأنا وراكي 
بعد دقائق فتحت باب الحمام وراقبت المكان ثم سلمتها الهاتف بهمس
بسرعة لو حد شافك تبقى مصيبة 
هزت رانيا رأسها ثم رفعت الهاتف وأدخلت رقما حفظته عن ظهر قلب رقما نزعته من بين أوراق قديمة ككنز مخفي 
قربت الهاتف من أذنها ثم همست
مختار باشا
عند ميرال خرجت بجسد يترنح تستند على الجدران إلى أن وصلت سيارتها توقفت متجمدة تشعر بأن الدماء تجمدت بعروقها
بعدما سمعت صوت المسؤل عن السجن وهو يركض خلفها
مدام بلغي سلامي للباشا الكبير مصطفى باشا السيوفي أنا حاولت أكلمه دلوقتي علشان أعرفه لكن ماليش الشرف أسمع صوته هنا فقدت الاحساس بالحياة توقفت صامتة جامدة وكأنها على حواف الانهيار كل مافعلته هزت رأسها محاولة كبح دموعها أمام الرجل لكن داخلها يصرخ ويصرخ ودت لو تصرخ وتملأ الدنيا بصراخها على ما تشعر به استدارت إلى سيارتها وهي تعاني بارتجاف كامل بجسدها
امشي
من هنا بسرعة امشي ياميرال مابقاش ليكي حياة معاهم قالتها وصعدت سيارتها وقادتها تسير بها بين الطرقات والأمكنة حتى توقفت أمام النيل لدقائق تنظر إليه بصمت ثم ترجلت تسحب وشاحها خلفها كأنها تجر ثقل حياتها المكسورة 
وقفت على الضفة تحدق في المياه بعينين زائغتين
هينفع أرمي نفسي وأرتاح
ولا أعيش عاهة في حياة جوزي وابني
وضعت كفيها على بطنها بعدما تذكرت طفلها وجنينها وقالت من بين شهقاتها
عارفة يايوسف إنت ملكش ذنب وأنا والله يابني ماكان ليا ذنب 
بس محدش بيختار قدره كله قدر ومكتوب متأكدة إن ماما فريدة هتربيك كويس وباباك كمان دموع فقط تنساب على وجنتيها وهي تتخيل حياتهم دونها 
نظرت إلى صورتها المنعكسة في الماء ثم التفتت إلى سيارتها 
لحظات وعادت إليها أدارت المحرك 
ثم رن الهاتف مرة أخرى 
بسطت كفها المرتجفة وضغطت للرد  
لتستمع إلى صوت متيمها يبدو أنه يعاني مثلها أغمضت عينيها ودموعها تعلم مجراها وهي تستمع إلى نبرته الضعيفة
حبيبتي إنتي فين
أنا بحبك أوي ياإلياس همست بها بضعف ثم تابعت صدقني إنت أكتر حد حبيته في حياتي 
ولو بتحب ميرال لازم تسامحها 
يوسف ابني خليه في حمايتك 
قالتها ثم شهقت شهقة من أعماق وجعها 
متزعلوش مني حافظ عليه 
لو بتحب ميرال بجد متئذيش الولد 
هنا شعر وكأن أحدهم يطوقه بطوق من النيران ليهتف بتقطع غير مستوعبا مانطقته
ميرال حبيبتي أنا جايلك دقيقتين وهكون عندك 
إنتي فين أرجوكي حبيبتي قولي إنتي فين
مبقاش ينفع يابن عمي مش إنت ابن عمي ياالياس تنهدت بغصتها التي تلتهم داخلها وتابعت حديثها 
على قد ماكنت أسعد واحدة إنك قريبي على قد ماكرهت القرابة دي إلياس أنا ماليش ذنب 
ميراااال صرخ بها يهتف بقلق 
حبيبتي إنتي فين! نطقها بعجز وأنفاس مرتفعة ناهيك عن قلبه الذي يرتجف من الرعب عليها 
افتح الكاميرا ممكن  
لم يدعها تكمل حديثها ليفتح كاميرا هاتفه اتسعت حدقتاه بفزع حقيقي وهنا انهارت كل الحواجز وهو يراها بتلك الهيئة وكأنها لوحة مرسومة من الألم ياالله ماهذا الذي اراه ربي لقد نخر عظامي بقسوة مارأيت هل هذه زوجتي خصلاتها التي تطير بفعل الرياح بشكل عشوائي على وجهها عيناها المنتفخة من البكاء وأنفها الذي أصابه الاحمرار كالذي يعاني من حمى شديدة وملابسها الرثة التي أظهرت بعض جسدها وهي غير واعية بما يدور حولها
طالعته بنظرات فقط كأنها تحفظ كل انش به وراحت عيناها تطوف عليه رغم الألم الذي انبثق منها إلا أن الهدوء الذي تملكها جعل اضطرابها النفسي يزداد دقيقة وهي تنظر إليه بصمت تنظر إليه وهو يتحدث
حبيبتي متخوفنيش عليكي
ابتسامة حزينة بعيون لامعة بالدموع لتتقابل الأعين في ألم استوطن قلوبهم قبل ملامحهم لتقول
ميرال خلاص مالهاش مكان في حياتك
ياالياس أنا كنت عارفة السعادة مش ليا كنت حاسة علشان كدا عيش وأنا مسامحاك 
ميرال متعمليش فيا كده يا روحي مش أنا حبيبك
في حد بيعذب حبيبه بالشكل ده!
إنت بتحبني بجد ياإلياس
قالتها وعيناها تعانق عيناه المذعورة عليها
صرخ صرخة مزقت سكون الليل واخترقت قلبها
أنا بعشقك وحياة ربنا بعشقك!
أغمضت عينيها مبتسمة وهمست بنبرة مغموسة بالألم
وأنا كمان بحبك سامحني 
ياحبيبي 
قالتها وأغلقت الخط ثم ضغطت على دواسة الوقود ليتوقف نبض قلبه عما يدور بعقله التقط شاطئ النيل من خلال الفيديو ولكن أين شعر بالعجز بكل شعور القهر الذي أفقده القدرة على التماسك ضرب على المقود والعجز بداخله محا الأبجدية داخله فبدا كمرجل يغلي من نيران الفقد الذي رسمه عقله من خلال كلماتها هنا صرخ كالذي فقد كل مايملك وقاد السيارة بسرعة جنونية رغم أنه لا يعلم أين وجهته ولكن تحرك بالسيارة دون هدى 
دوى رنين هاتفه ليشق الصمت 
إلياس عرفت مكان ميرال وأنا رايح لها هبعت لك اللكويشين 
أرسلان ميرال هتموت نفسها كلمتني الحقها دي مش حاسة بتعمل إيه 
حاضر أنا خلاص قدامي عشر دقايق 
بعد فترة وصل أرسلان إلى الموقع الذي دلت عليه إشارة هاتفها ترجل من سيارته بارتباك يدور حول نفسه يبحث بعينيه ثم رفع هاتفه إلى أذنه
شوفلي التليفون اللي عندك على الجهاز فين مكانه
لم تمر سوى لحظات حتى جاءه الرد
في نفس المكان يافندم 
تقدم بخطا متوجسة نحو الشاطئ يبحث بعينيه بقلق متصاعد وفجأة توقف وتسمرت عيناه على آثار عجلات واضحة في الطين تتبع الخطا ببصره حتى رأى ماجمد الدم في عروقه سيارة تسقط من فوق الضفة وهنا صدمة كادت أن تزهق روحه وهو يرى أن السيارة لم يظهر منها سوى جزء قليل بالكاد يرى وتبدأ بالاختفاء الكامل تدريجيا 
تصلب في مكانه كأن كل شيء حوله قد توقف وانحبست أنفاسه وعقله يرفض التصديق 
هل يعقل! 
هل هذه سيارة ميرال!
هز رأسه بعنف
لا مستحيل مش ممكن أكيد مش هي 
قالها مع وصول إلياس الذي ترجل من السيارة يركض نحوه وقلبه يرتجف من الخوف بشعور غامض مرعب وما إن وقعت عيناه على أرسلان الواقف كالتمثال حتى انكمش قلبه ليهمس
أرسلان!
همس بها بصوت أثقل من أنفاس صدره وعيناه تتنقل بين أرسلان وبين المياه 
استدار إليه أرسلان ببطء ينظر إليه بعينين متسعتين تطل منهما دموعا على وشك الانفجار لم يتكلم لكنه رفع هاتفه مجددا وضغط الرقم
عايز فريق إنقاذ نهري فورا العنوان 
في تلك اللحظة التفت إلياس سريعا ينظر إلى المياه 
هل شعر أحدكم من قبل بخنجر بارد يغرز في منتصف الصدر
لا يخترق بسرعة بل يتحرك ببطء يمزق الأعصاب تمزيقا
بل اقسم لك عزيزي القارئ إن هذا المشهد اصعب من أن يتخيله عقل أنه نزيف روح وانسحاب انفاسا ببطء كالذي يرتقي إلى ربه وأعماله اسوء
مايكون
هذا ما شعر به إلياس حين سمع كلمات أرسلان وهو ينظر إلى الماء يرى اخر جزء من السيارة بإختفائها كاملا
شهق شهقة مبحوحة
تم نسخ الرابط