صغيرتي بقلم مايا خالد الاول
بارتفاع مرعب المسافة كانت كبيرة ومخيفة، لكن بجوار الشرفة مباشرة كانت توجد شجرة ضخمة، تمتد بعض فروعها السميكة قريبة جدًا من سور البلكونة.
ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة، وقلبها يكاد ينفجر من الخوف
ممكن... ممكن أقدر أنزل منها
وضعت قدمها فوق سور الشرفة، ورفعت الأخرى، مغمضة عينيها من شدة الرعب. وفي اللحظة التي مدت فيها يدها وأمسكت بأحد الفروع القوية...
جاءها صوته من خلفها، هادئاً، مسترخياً، لكنه حمل بروداً جعل الدم يتجمد في عروقها ويوقف أنفاسها تماماً
كملي يا ليان... أنا مستني أشوف هتقعي وتتكسري قبل ما أوصلك... ولا هالحقك أنا الأول؟
كانت أصابع ليان متشبثة بالغصن بقوة، وجسدها كله يرتجف من الخوف والبرد.
تجمدت في مكانها فور أن سمعت صوته القريب خلفها، ليأتي صوته الهادئ كالصاعقة
كملي... أنا مستني أشوف هتقعي قبل ما أوصلك... ولا هتلحقي تنزلي لوحدك.
استدارت إليه في ومضة، وعيناها مشتعلتان بالغضب والرفض القاطع
مش هفضل سجينة عندك!
رد ببرود مخيف وهو يشير بيده نحو باب الشرفة الداخلي
أنا مش همنعك... انتي اللي اخترتي الشرفة. يبقى كملي عقاب اختيارك لحد ما تهدي.
ثم غلق الباب دون أن يمنحها فرصة أخرى للرد، ودخل إلى الغرفة
ولكن.. ما إن خطا داخل الغرفة حتى أمسك بمقبض الباب الزجاجي، وأغلقه بهدوء تام. ثم أدخل المفتاح في القفل.. وأداره.
صدر صوت الطقة المعدنية واضحاً وحاداً في سكون المكان، ليعلن عن إغلاق محكم.
اندفعت ليان نحو الباب كالطير المحبوس، وضعت كفيها المرتعفتين على الزجاج وصرخت بصوت يملؤه الوجع
قاسم! افتح الباب!
رفع عينيه إليها ببطء من خلف الزجاج الداكن، وكأن بينهما عالمين لا يلتقيان
أنت اللي اخترتي الشرفة يا ليان.
يعني هتسيبني هنا في البرد ده؟!
طالما لسانك لسه بيعاند وراسه جبارة.. يبقى اهدي شوية وفكري.
ضربت الزجاج بكفيها المرتعفتين بعنف
قاسم! أنا بتكلم معاك! إياك تعمل كده!
ظل ينظر إليها للحظات طويلة دون أن يرمش، ثم استدار بكل برود واتجه نحو الأريكة الوثيرَة وسط الغرفة جلس بكل هدوء، وفتح أحد الملفات أمامه، وبدأ يقرأ بتركيز، وكأنها غير موجودة بالمرة!
مرت الدقائق بطيئة وثقيلة كأنها دهور.
كانت نسمات الليل تميل للبرود ويتحول إلى لسعات لا ترحم. ليان كانت تضرب على الزجاج مرة، وتصرخ باسمه مرة، ثم تسكت لتعود إلى البكاء بصمت.
وبعد ساعة كاملة من المحاولات
جلست على أرضية الشرفة الباردة، ودمعتين حارقتين سالتا على وجنتيها، وضمت ركبتيها إلى صدرها لتحمي نفسها من الهواء. كانت ترتجف بشدة.. ليس فقط من برودة الطقس، بل من قهر العجز المطلق الذي يلتف حول عنقها.
بينما كان هو، جالسًا في دفء الغرفة، يسمع كل شهقة بكاء وكل صوت يخرج منها.. ولا يتحرك ساكناً.
كان ينتظر شيئاً واحداً فقط.. أن ينكسر هذا العناد الصلب بنفسه دون تدخل منه.
مر أكثر من ساعة أخرى في صمت مطبق.
توقف صوت طرقها على الزجاج، وانقطع صراخها وبكاؤها تماماً.
رفع قاسم رأسه عن الملف الذي أمامه، ورمى الأوراق جانباً. وقف بخطوات هادئة ومدروسة، واتجه مباشرة نحو باب الشرفة.
أدار المفتاح ببطء شديد حتى فتح الباب، وخرج إليها بهواء الليل البارد.
كانت جالسة على الأرض المنكمشة، تضم ركبلتيها إلى صدرها، وقد غلبها النوم تماماً من شدة الإرهاق والبكاء. آثار الدموع كانت لا تزال مرسومة بوضوح على وجنتيها المحمرتين، وخصلات شعرها المبعثرة تتحرك برقة مع نسمات الليل.
وقف يتأملها طويلًا في صمت، ونظرة في عينيه تجمع بين اللوم العميق وشيء أشبه بالحنان الخفي.
تنهد بصمت ثقيل.
انحنى ببطء شديد، وحملها بين ذراعيه بحذر
لم تستيقظ من نومها العميق بسبب الإرهاق. بل تمتمت بكلمات غير مفهومة بصوت ناعس وهي نائمة بكرهك قبل أن تدفن وجهها دون وعي في صدره الدافئ، هاربة من برودة الجو الخارجي.
توقفت خطواته للحظة طويلة عند مدخل الغرفة.
نظر إليها وهي في حضنه في صمت مطبق.. ثم أكمل طريقه بخطوات بطيئة إلى السرير الكبير.
وضعها فوق الفراش برفق شديد، وسحب الغطاء الصوفي حتى كتفيها بعناية.
ظل واقفاً بجوار السرير لدقائق.
رفع يده ببطء وتردد واضح.. ثم مرر أصابعه الدافئة بين خصلات شعرها المبعثرة برفق، وكأنه يلامس أغلى وأثمن شيء امتلكه طوال حياته.
ابتسم ابتسامة باهتة وحزينة، لا يعلم سرها غير هذا الليل الصامت.
استدار مغادرًا الغرفة بخطوات صامتة.
لكن قبل أن يغلق الباب خلفه تماماً.. التفت إليها نظرة أخيرة.
كانت نائمة بسلام لأول مرة منذ أن وطأت قدماها هذا القصر.
ابتسم ابتسامة خفيفة مليئة بالشجن، ثم
أغلق الباب خلفه بهدوء تام، وظل واقفًا لثوانٍ طويلة في الممر المظلم، وعيناه معلقتان بمقبض الباب، كأنه يقاوم رغبة عارمة تدفعه للعودة إليها والاطمئنان مجددًا.
أغمض عينيه بقوة، ثم استدار واتجه
،