صغيرتي بقلم مايا خالد الاول

لمحة نيوز

اتملت بالدموع بس حبستها بغرور، وهي عارفة إن الجاي أكيد أسوأ. 
دخلت ليان القصر وهي رافعة رأسها بعناد، تحاول أن تخفي ارتجافها خلف قناع من القوة. كانت تعرف هذا المكان جيدًا... ليس لأنها عاشت فيه، بل لأن ذاكرتها احتفظت بأول مرة رأت فيها صاحبه.
مرت الدقائق ثقيلة عليها، وكأنها تنتظر حكمًا لا تعرف نهايته.
جلست على طرف السرير في الجناح الواسع، تضم يديها إلى بعضهما، وتحاول بكل ما تملك أن تسيطر على ارتجافها.
وما إن انفتح الباب حتى دخل قاسم.
كان هادئًا على نحوٍ يثير القلق.
خلع ساعته ووضعها فوق الطاولة، ثم اتجه إليها بخطوات بطيئة، وقال بصوت منخفض
صغيرتي...
رفعت رأسها إليه بسرعة، وهتفت بحدة
ماتقولش صغيرتي... أنا كبيرة بما فيه الكفاية.
اشتدت ملامحه في لحظة، وبرزت عروق عنقه من شدة الغضب.
اقترب منها حتى أصبحت محاصرة بينه وبين الحائط، وقال بصوت خافت لكنه حاد
ليان... صوتك مايعلاش عليا... وطريقتك مع كريم... وتحديك لكل كلمة بقولها... كل ده ليه حساب.
رغم الدموع التي امتلأت بها عيناها، ابتسمت بسخرية، وقالت بصوت مرتبك من شدة قربه وأنفاسه الساخنة التي لامست وجهها
يعني أنت كنت مستني أي غلطة عشان تحبسني هنا؟
ثبت نظره داخل عينيها، ثم قال بهدوءٍ أخطر من الصراخ
أنا مش بحاول أكسرك يا ليان... أنا بحاول أخليكِ تفهمي إن فيه حدود.
هزت رأسها بعنف.
حدودك
أنت؟! أنت فاكرني إيه؟... حاجة اشتريتها؟
ساد صمت قصير...
وتوقفت عيناه عند وجهها، وكأن كلماتها أصابته في مكانٍ لم يتوقعه.
لكنه أخفى ذلك سريعًا، وعاد الجمود يكسو ملامحه.
من النهارده... مفيش جامعة.
اتسعت عيناها بصدمة.
إيه؟
لحد ما تتعلمي حدودك.
ثم أكمل بنبرة ثابتة
ولسه أول يوم ليكي هناك ماكملش كام ساعة... وقدرتي تعملي كل اللي حذرتك منه.
شهقت وهي تهز رأسها برفض.
لا... الجامعة لأ يا قاسم... أرجوك.
نظر إليها دون أن يلين.
لما تهدي... وتبطلي تحاربي كل حاجة حواليكي... هترجعي.
صرخت بانفعال
دي حياتي!
أجابها بهدوءٍ مؤلم
وأنا المسؤول عنها.
استدار وغادر الجناح، ثم أُغلق الباب خلفه بهدوء...
لكن ذلك الصوت كان أقسى عليها من أي صراخ.
ظلت تنظر إلى الباب لثوانٍ طويلة، قبل أن تنهار جالسة على الأرض.
مسحت دموعها بعنف وهمست
أنا مش سلعة... ومش هكون ملك لحد.
مر اليوم عليها وكأنه عامٌ كامل.
لم تغادر الجناح.
جلست أمام النافذة الزجاجية الواسعة، تحدق في الحديقة الممتدة أسفل القصر، بينما راحت الذكريات تنتزعها رغماً عنها...
إلى ذلك اليوم...
اليوم الذي انتهت فيه حياتها القديمة.
كانت تنزل درجات السلم في منزلها بهدوء بعدما سمعت أصوات رجال في الأسفل.
توقفت قبل أن يراها أحد، واختبأت خلف العمود المطل على الصالة.
وهناك...
رأته لأول مرة.
كان قاسم يقف بكامل هيبته، يرتدي
بذلة سوداء، بينما وقف والدها أمامه شاحب الوجه، وكأنه يحمل هموم الدنيا فوق كتفيه.
لم تسمع بداية الحديث...
لكنها رأت قاسم يفتح حقيبة سوداء ويضعها فوق الطاولة.
فتحها بهدوء...
فلمعت رزم الأموال داخلها.
تسمرت في مكانها.
مد والدها يده إلى الحقيبة، بينما قال قاسم بصوت بارد لا يحمل أي انفعال
الاتفاق انتهى... ومن اللحظة دي ليان مسؤوليتي.
أغلق الحقيبة، ودفعها باتجاه والدها.
نظر الأب إلى الأموال لثوانٍ، ثم أمسكها...
دون أن يتردد.
في تلك اللحظة...
شعرت ليان أن قلبها توقف عن النبض.
لم تصرخ...
ولم تبكِ...
اكتفت بالنظر إلى المشهد، وكأنها ترى والدها يبيعها بيديه.
تراجعت خطوة إلى الخلف وهي تضع يدها فوق فمها حتى لا يسمع أحد شهقتها.
ومنذ ذلك اليوم...
اختفى والدها.
وفي صباح اليوم التالي، أخبرها الجميع أنه سافر إلى الخارج.
رحل...
وأخذ معه المال...
وتركها وحدها تواجه المصير الذي رسمه لها.
عادت ليان من ذكرياتها على صوت شهقة خرجت منها دون إرادة.
انسابت دموعها على وجنتيها وهي تهمس بمرارة
حتى أنت يا بابا... بعتني... ومشيت.
ثم نظرت نحو الباب المغلق، واشتعل الغضب في عينيها.
يمكن دفعت تمني... لكن عمرك ما هتقدر تخليني أكون ملكك... يا قاسم.
مساءً طرقت إحدى الخادمات الباب بخفة
دخلت وهي تحمل صينية الطعام
اتفضلي يا هانم... لازم تاكلي حاجة.
لم تلتفت إليها ليان،
وبصوت مبحوح من البكاء قالت
خديها.
يا هانم... لو عرف الباشا إن حضرتك ماكلتيش...
التفتت إليها ليان بعينين حمراوين يملؤهما التحدي
قولي للباشا... إنه ياكله هو، مش عايزة.
ارتبكت الخادمة، ثم حملت الصينية وخرجت مسرعة بخطوات مرتبكة.
في الطابق السفلي...
كان قاسم يجلس في مكتبه الفخم، يراجع بعض الملفات المهمة على مكتبه الخشبي.
طرق محمود باب المكتب بخفة.
ادخل.
اقترب الرجل في حذر، وبصوت متردد قال
الباشا... الهانم رفضت الفطار... والغدا... ولسه الخادمة راجعة بصينية العشا كمان.
لم يرفع قاسم رأسه من الأوراق، وقال ببرود شديد لا يعكس ما يدور بداخله
سيبوها.
أخفض محمود رأسه بسرعة وغادر فورًا.
عاد الصمت الثقيل إلى المكتب.
ظل قاسم يقلب أوراقه لدقائق طويلة، لكنه وجد نفسه يقرأ السطر نفسه للمرة الخامسة دون وعي. أغلق الملف بعصبية لم يعتدها من نفسه. وقف ببطء واتجه نحو النافذة الواسعة، لتستقر عيناه مباشرة على شرفة الجناح الشرقي.
جناح ليان.
همس لنفسه بصوت منخفض وخشن
عنادك هيكسرك يا ليان... مش أنا.
في الوقت نفسه.. كانت ليان تمسح دموعها بعنف شديد، كأنها تحارب ضعفها، ثم وقفت فجأة على أقدام مرتعشة.
لا... أنا لو فضلت قاعدة هنا هموت بالحيا.
بدأت تنظر حولها بعينين متوترتين تبحث عن مخرج. باب الغرفة مقفول بإحكام من الخارج، لكن الأمل لمع في عينيها حين وقعت نظرتها
على شيء آخر.
اتجهت إليها بسرعة، فتحت الباب الزجاجي وخرجت إلى الهواء الطل
وقفت على حافة السور وهي تنظر لأسفل
تم نسخ الرابط