حماتي
ده من فلوسك يا كريم؟ كل ده بتدفعه وأنا مش عارف إنك بتتعب كتير عشاننا؟.
وقبل ما كريم يفتح بقه يرد، تكلمت أنا بهدوء تام وكل كلمة مسموعة لا يا سامي.. مش من فلوسه لوحده.. ده كله من حسابنا المشترك اللي بنحط فيه راتبينا كل شهر، المبلغ اللي بيتصرف منه على طعامنا وشرابنا وفواتيرنا واحتياجات بيتنا كلها. أنا كنت فاكرة إن كريم بيصرف منه على حاجاتنا الضرورية، بس اكتشفت إن نص فلوسنا وأكتر رايحين لغيرنا، واحنا هنا نعيش بأقل القليل ونتحمل العيوب في كل حاجة عندنا. حماتي قامت من مكانها وقفت بعصبية شديدة وصوتها علا وقالت دي بتوقع بين الإخوات.. دي عاوزة تفرقنا وتخلي العداوة بينكم.. إيه يا بنتي حرام عليكي، دول أهله، من حقه يساعدهم!.
ابتسمت لها ببرود وقولت لسه ما وقعتش بين حد يا ماما.. لأن لسه ما وريتش الكل آخر ورقة في نهاية الملف. كريم اتجمد مكانه، ووجهه صار زي الطباشير، وبدأت يده ترتجف جامد وقال بسرعة وبصوت منخفض رجاء لا يا رنا.. الورقة دي بلاش.. أرجوكي بلاش، كفاية اللي حصل. بصيتله بعين مليانة ألم وغضب وقولت تقصد الورقة اللي فيها توقيعك بنفسك، وإقرار البنك الرسمي بتاريخ 15 مارس، إنك سحبت مبلغ سبعين ألف جنيه من حسابنا المشترك، وكتبت في بيان سبب السحب مساعدة مالية لأخي سامي وزوجته.. وكل ده من غير ما تعرفني ولا تكلمني ولا حتى تقوليلي كلمة واحدة؟.
الفصل الثالث.. الحقيقة تظهر وكل حاجة تتغير
الصدمة كانت واضحة على وشوش كل واحد موجود، الكل بص لكريم بدهشة واستغراب، وسامي لما سمع المبلغ صرخ بصوت عالي سبعين ألف؟! يا رب.. أنا ما أخذتش منك المبلغ ده كله يا كريم.. أنت عطيتني عشرين ألف بس عشان أشتري أثاث للشقة، والباقي فين؟ قوليلي فين الفلوس دي يا كريم؟. حماتي وقعت على الكرسي اللي وراها، وبدأت تدمع وتقول
كريم كان واقف ومش عارف يقول إيه، حاول يتكلم بس الكلام كان بيخرج متقطع أنا.. أنا كنت فاكر إنها مش هتعرف.. كنت خايفة من رد فعلك يا رنا.. كنت عاوز أساعد أخوي وخلاص، وما حبش أزعجك ولا أضغط عليكي.. الفلوس الباقية.. أنا.. أنا دفعت بيها ديون كانت على أمي من فترة طويلة، وما حبش حد يعرف عشان ما يقولوش عليها حاجة وحشة. بصيت له وقلبي كان بيتقطع من الألم وقلت له يعني كنت شايف إنني أقل أمانة من أي حد تاني؟ كنت شايف إنني هرفض أساعد أمك وأخوك لو كلمتني باحترام وقلتلي الحقيقة؟ يعني كل السنين دي وأنت بتعتبرني غريبة عنك، ومش من حقى أعرف أي تفاصيل تخص فلوسنا ولا حياتنا المشتركة؟.
بدأت أتكلم بكل جراحي اللي كنت مخبيها جوايا كنت بتقولي لي أنت أغلى ما عندي.. أين كان الغلا لما كنت بنام وأسناني بتوجعني ومش عارفة أعرف علاج؟ أين كان لما كنت بقلق من تلف الأكل في الثلاجة المعطلة ومش عاوز تغيرها؟ أين كان لما جيت أطلبك تذكار بسيط في يوم عيد ميلادي ورفضت، وفي نفس الوقت تجيب هدية غالية لغيري؟ كنت أتحمل وأقول معليش، ده واجب العائلة، ده حقهم عليه، بس الحق له حدود يا كريم.. الحق ما يأكل حق حد تاني، ولا يجي على حساب راحته وصحته وكرامته.
سكتت شوية عشان أستجمع نفسي وكملت أنا ما كنتش عاوزة فضيحة ولا مشاكل، كل اللي كنت عاوزاه إنكم تعرفوا الحقيقة، وتعرفوا إنني ما كنتش نكدية ولا طماعية زي ما كانوا بيوصفوني، وإن كل طلباتي كانت مشروعة وحقيقية ومش مبالغ فيها أبداً. الحساب كان لازم يتقام، والحق كان لازم يظهر، عشان كل واحد يعرف مكانته وحقه وواجباته تجاه التاني.
سامي كان متأثر جداً،
حماتي كانت تبكي بحرقة، قامت وجت نحوي ومسكت إيدي وقالت سامحيني يا بنتي.. سامحيني لو كنت قاسية معاكي، لو كنت باخد جانبهم دايماً وكنت مش شايفة تعبك وحقك.. الحق معاكي في كل كلمة قلتيها، وأنا اللي غلطانة غلطان كبير، ما كانش ينفع أجعل ولدي يظلمك ويخبي عليكي الحقيقة، كنت غبية ومش عارفة أقدر الناس صح. وسمية جت وقفت جنبها وقالت بصوت منخفض خجلاً أنا كمان آسفة جداً يا رنا.. ما كانش ينفع أطلب من كريم حاجات كتير وأنا مش عارفة ظروفكم، كنت طماعية شوية ومش شايفة غير نفسي، حقك عليا.
الفصل الرابع.. النهاية وبداية جديدة
كريم كان واقف وحيد، وجهه
مليان الندم والخجل، قرب مني شوية وبصلي وعيونه مليانة دموع وقال أنا آسف جداً يا رنا.. آسف من كل قلبي، عرفت غلطتي الكبيرة دلوقتي، عرفت إنني خسرت أغلى ما أملك بسبب غبائي وعدم تقديري لقيمتك ولحقك.. عملت كل ده وأنا فاكر إني بعمل صالح لأهلي، بس طلع عملت إثم وظلمتك أنت اللي كنت تقف جنبي في كل الظروف وما خليتنيش في وقت ضيق أبداً. مش عارف أقولك إيه غير إنني نادم جداً، وأرجوكي سامحيني.. هعوضك عن كل اللي فات، هصير كل حاجة بيننا بالاتفاق والثقة، هعطيك حقك وأكتر، وهحاول أكون الزوج اللي تستحقيه حقاً.
بصيت له طويلاً.
في الأيام اللي جت، كل حاجة اتغيرت للأحسن.. كريم بدأ يرجع كل الحقوق، غيرنا الثلاجة وعملت علاج أسنانى واشترى لي الخاتم اللي كنت طلبته وأحلى منه، وبدأ يتكلم معايا في كل كبيرة وصغيرة وما بيعملش حاجة من غير ما نتفق عليها. حماتي صارت تعاملني بكل احترام ومحبة، وتحس بيا وتقف جنبي في كل حاجة، وسمية صارت صديقة لي وبقت تعرف حدودها ومش تطلب حاجة إلا لو كانت ضرورية جداً وبعد ما تتأكد إن ظروفنا تسمح. سامي كان بيحاول يسدد الفلوس اللي أخذها بالتقسيط، وكان دايماً يقول لكرم النعمة في البيت بتضيع لو ضاعت الثقة والعدل، فاحافظ عليها.
وعرفت وقتها إن الصبر لازم يكون له حدود، وإن السكوت على الظلم ما بيجيبش غير مزيد من الظلم، وإن الحق مهما طال الزمان ومهما حاول الناس يخبيوه، لازم يظهر في يوم من الأيام ويعلو ويبقى واضح زي الشمس. العيلة الحقيقية مش اللي بتأخذ منك حقك وتقولك ده واجب، لا.. العيلة اللي بتقف جنب بعض وتقدر ظروف بعض، وتعرف إن العدل أساس كل بيت سعيد وعلاقة طيبة تدوم طويلاً. وكل واحد فينا لازم يعرف قيمته وحقه، وما يقبلش يتنازل عن كرامته ولا حقه مهما كانت الأسباب ومهما كان الأشخاص، لأن اللي بيقبل الظلم مرة، بيتعرض له ألف مرة.. والحق بيظهر دايماً مهما