روايه للكاتبه ايسل هشام

لمحة نيوز


الفرح متصورة على حافة جبل قدام بحر أزرق صافي في اليونان.
كريم واقف ببدلة أوف وايت، وبيضحك ضحكة مشوفتهاش على وشه من سنين.
وجنبه رنا فؤاد محللة تسويق مبتدئة في شركتي أنا شخصيًا.
لابسة فستان أبيض بسيط، وإيدها محطوطة برقة على بطنها.
الكابشن كان بيقول
ابني أخيرًا لقى سعادته الحقيقية واختار المستقبل الصح.
كبرت الصورة أكتر.
أخواته موجودين.
قرايبه.
أصحابه.
كلهم بيضحكوا وبيحتفلوا
كأن عمري ما كنت موجودة في حياته.
الحقيقة كانت موجعة وبسيطة جدًا.
أنا اللي كنت بدفع قسط فيلتنا في الشيخ زايد.
أنا اللي كنت بسدد إيجار عربيته الرياضية.
أنا اللي كنت ببعت لحماتي سعاد مصروف شهري ثابت.
أنا اللي مولت الحياة اللي هما دلوقتي بيحتفلوا بيها من غيري.
وهم فاكرين إنهم كسبوا.
بس كانوا ناسيين حاجة واحدة.
إن كل ده كان بفضلي.
كلمت سعاد.
قالتلي ببرود
اقبلي الواقع. إنتي مقدرتيش تجيبي له طفل. رنا حامل. بطّلي تعيشي دور الضحية.
في اللحظة دي حاجة جوايا اتحركت.
مش وجع.
وضوح.
هما كانوا فاكرين إني هفضل أدفع كل حاجة
وأفضل ساكتة وأفضل مستحملة وأفضل أدي من غير حساب.
اللي نسوه أو يمكن ماخدوش بالهم منه أصلًا
إن في تفصيلة

صغيرة جدًا بس بتغيّر كل حاجة.
كل حاجة باسمي أنا.
الفيلا.
العربيات.
الاستثمارات.
أسهم الشركة.
حتى الحسابات الأساسية كانت بتلف حواليا أنا.
كريم عمره ما كان مالك
كان معاه صلاحية بس
صلاحية أنا اللي اديتهاله
وأنا اللي سحبتها في لحظة.
الليلة دي أنا مروحتش البيت.
ماكانش ينفع أرجع نفس المكان بنفس التفكير بنفس الضعف.
حجزت أوضة في فندق على النيل. أوضة هادية، واسعة، فيها شباك كبير بيطل على المية.
وقفت قدام الشباك وقت طويل.
مش ببص للنيل كنت ببص لنفسي.
ولأول مرة من سنين حسيت إني شايفة الحقيقة من غير تجميل.
مسكت الموبايل وكلمت المحامي.
صوتي كان هادي بطريقة غريبة حتى عليا
أنا عايزة الفيلا تتحط للبيع فورًا.
تتباع خلال ٤٨ ساعة بأي سعر مناسب.
سكت لحظة يمكن مستني إني أتراجع.
بس أنا كنت خلصت.
ابدأ الإجراءات حالًا.
قفلت.
بعدها على طول كلمت المستشار المالي.
جمّد كل الحسابات المشتركة.
اقفل كل الكروت الإضافية.
امسح أي دخول إلكتروني ليه من كل حاجة.
سألني بهدوء
تأكدي يا مدام ليلى؟
ابتسمت لأول مرة من فترة
أنا متأكدة جدًا.
في اللحظة دي
أنا ماكنتش بس بفلتر حسابات
أنا كنت بفلتر حياتي.
بعد ٣ أيام كريم ورنا
رجعوا القاهرة.
أكيد كانوا متخيلين إن كل حاجة زي ما هي.
إن الباب هيفتح
والنور هينور
والحياة هترجع تكمل كأن مفيش حاجة حصلت.
ركبوا العربية
ضحكوا
يمكن اتكلموا عن خططهم الجاية
يمكن حتى ما فكروش فيا خالص.
لحد ما وصلوا قدام الفيلا.
وقفوا.
كان في أمن على البوابة.
قال بهدوء محترف
يا فندم، العقار ده اتباع من المالك القانوني مدام ليلى المنصوري.
حضرتك مبقاش ليك دخول.
كريم ضحك الأول ضحكة خفيفة، مستفزة.
جرب المفتاح.
ولا حاجة.
مرر الكارت.
ولا حاجة.
بدأ القلق يظهر
مش خوف لسه
بس ارتباك.
رنا سابت الشنطة من إيديها بهدوء
وكأنها بدأت تفهم.
كريم رفع عينه لفوق لكاميرات المراقبة.
كان عارف كويس
مين اللي بيتفرج.
أنا كنت قاعدة شايفة كل حاجة.
مش من باب الانتقام
لكن من باب النهاية.
الغريب إني ماحسّتش بأي غضب.
ولا وجع
ولا حتى رغبة في المواجهة.
حسّيت بهدوء غريب
زي
لما صوت إنذار مزعج يفضل شغال جوا دماغك سنين
وفجأة يسكت.
سكون كامل.
تاني يوم الصبح
كنت في شقة في الزمالك.
الشقة دي اشتريتها من سنين كاستثمار
عمري ما تخيلت إنها هتبقى بداية جديدة.
دخلتها لوحدي.
مفيش صوت.
مفيش حد.
مفيش تاريخ تقيل في الحيطان.
حطيت شنطتي
على الأرض
وبصيت حواليّا.
هنا هبدأ.
ابتديت أرتب حياتي من جديد.
مش بسرعة
مش بعصبية
لكن بوعي.
الطلاق مشي في طريقه بهدوء قاتل.
الديون اللي باسمه فضلت باسمه.
وأنا لأول مرة ما حاولتش أنقذه.
أملاكي اتحمت.
وكل باب كان ممكن يدخل منه اتقفل.
مش بقسوة
لكن بعدل.
وفي يوم حد الصبح
نزلت شركتي.
لوحدي.
الاستقبال كان ساكت
الشمس داخلة من الواجهة الزجاجية
والشارع برّه شبه فاضي.
مشيت جوّه ببطء.
كل مكتب
كل كرسي
كل ملف
كان شاهد على سنين من التعب.
سنين كنت فاكرة فيها
إن كل ما أدي أكتر
كل ما أضحي أكتر
كل ما أستحمل أكتر
هييجي اليوم
ويتقال اسمي.
ويتختار اسمي.
وقفت في النص
وبدأت أطفي النور.
واحد ورا التاني.
مش عشان المكان يضلم
لكن عشان أفهم.
أنا ماكنتش محتاجة أُختار.
أنا كنت محتاجة أختار نفسي.
طلعت برّه
الهوا البارد لمس وشي.
قفل عيني لحظة
وساعتها فهمت.
بيع الفيلا ماكانش انتصار.
تجميد الحسابات ماكانش انتصار.
حتى خروجي من حياتهم
ماكانش الانتصار الحقيقي.
الانتصار الحقيقي
كان أبسط بكتير.
إني بطّلت أمول ناس
عمرهم ما قدّروني.
هما كانوا فاكرين
إنهم بيتجوزوا ثروة ملهاش آخر.
بس اللي عمرهم ما فهموه
إن أكبر أصل عندي
ماكانش
الفلوس.
ولا العقارات.
ولا الأسهم.
كان قدرتي
إني أمشي
من غير ما أبص ورايا.
وإني أبدأ من جديد
وأنا واقفة على رجلي.
ولو رجع بيا الزمن
كنت هعمل نفس الحاجة.
بس أسرع.

 

تم نسخ الرابط