حماتي واخت جوزي
المفاجأة التي لم يتوقعها أحد
ضحكت.. ضحكت بصوت عالٍ حتى دمعت عيناي. استغربوا من رد فعلي. ظنوا أنني فقدت عقلي من الصدمة.
سحبت الكرسي الخشبي الكبير وجلست بوقار "الباشمهندس رفعت" الذي أسس إمبراطورية مقاولات من الصفر.
"أقعدي يا فوزية.. أقعدي يا عبير.. وأنت يا هاني، سيب الشنط وأسمع أبوك لآخر مرة."
أخرجت الظرف من جيبي، وفتحته ببطء شديد. لم يكن إعلان وراثة، ولم يكن تنازلاً عن الشاليه.
أخرجت منه أوراقاً رسمية مختومة بختم النسر، وصوراً فوتوغرافية، وعقداً أخضر اللون.
"أنتوا فاكرين إن الـ ٤٠ سنة اللي قضيتهم في المواقع وبناء المدن، مخلونيش أعرف أقرأ الوشوش؟" بدأت كلامي وعيني في عين فوزية. "أنا عارف من شهر إن شقة القاهرة اتباعت، وعارف إن هاني ضيع شقاه وشقايا في القمار والبورصة، وعارف إنكم كنتوا بتخططوا تيجوا هنا عشان تحطوا إيدكم على الشاليه وتبيعوه هو كمان عشان تسددوا
شحب وجه عبير، وسقطت زجاجة المياه من يدها. أما فوزية فحاولت المقاومة: "أنت بتراقبنا يا رفعت؟ ده بدل ما تلمنا؟"
"أنا ملمتش غير الغاليين يا فوزية.. والظرف ده فيه حاجتين."
أمسكت الورقة الأولى: "دي شهادة باني وهبت الشاليه ده بالكامل لجمعية رعاية الأيتام، هبة (لا رجوع فيها) ومسجلة في الشهر العقاري من أسبوع. يعني الشاليه ده مابقاش ملكي ولا ملككم.. أنا بس ليا حق الانتفاع والسكن فيه لحد ما أموت، وبعدها الجمعية تستلمه."
صرخت عبير: "أنت اتجننت؟ بترمي شقانا للغرب؟"
قلت لها ببرود: "ده شقايا أنا.. مش شقاكم. أنتوا مكنتوش عاوزين الونس، أنتوا كنتوا عاوزين الحيطان."
الضربة القاضية
لكن المفاجأة الكبرى كانت في الورقة الثانية.
"أما بقى الصور دي يا فوزية.. فهي ليكي وأنتِ بتمضي هاني على تنازل عن نصيبه في أرض (سوهاج) اللي أنا كتبتها
ساد صمت مميت. هاني سقط على ركبتيه وهو يصرخ: "والله يا بابا هما اللي ضغطوا عليا.. أنا مكنتش عاوز.. أنا بحبك يا بابا."
قمت من مكاني، وتوجهت للباب، وفتحته على مصراعيه. هواء الساحل البارد دخل ليمسح رائحة الغدر التي ملأت الصالة.
"برا.."، قلتها بكلمة واحدة قاطعة.
فوزية بدأت تصوت وتولول: "هتطردنا في البرد ده؟ هنروح فين؟ ملناش مكان!"
نظرت لهاني وقلت له: "يا هاني، أنت ابني، وعشان كدة أنا اشتريت لك شقة صغيرة في منطقة شعبية في القاهرة، باسمك أنت، مش باسم حد تاني. المفتاح في الظرف ده. خد أمك وأختك وروحوا هناك. أبدأ من الصفر زي ما أنا بدأت، واتعلم تحمي نفسك من أقرب الناس ليك قبل أبعدهم."
"أما الشاليه ده.. فده
الخاتمة: الفجر الجديد
خرجوا.. خرجوا يجرون أذيال الخيبة والشنط التي كانت بالأمس تبدو كغنائم حرب، والآن أصبحت عبئاً عليهم.
ركبوا السيارة السوداء الفخمة التي لم تعد تليق بفقرهم الأخلاقي.
وقفت على الشرفة أراقب أضواء سيارتهم وهي تختفي في طريق الإسكندرية الصحراوي.
تنفس ملوحة البحر بعمق. لأول مرة منذ ٣ سنين، لم أشعر بالوحدة.
نظرت لصورة زوجتي ليلى المعلقة على الحائط، وقلت لها: "ارتاحي يا حبيبتي.. البيت بقى ملك للي يستاهلوه.. والنهارده بس، عرفت أنام وأنا مطمن إن شقا العمر راح في مكانه الصح."
أغلقت الظرف الكريمي، ووضعت غلاية القهوة على النار.
السكوت في
تمت.