مالك الارض

لمحة نيوز


ومعرفة يقينية بأن الفقر، مهما كان قاسيًا، أرحم بكثير من الثمن الذي يطلبه ماركوس.
وقعت على ركبها قدام باب البيت الخشب القديم، بتنهج وتاخد أنفاسها بصعوبة، كأنها كانت بتسابق الموت نفسه. الشمس كانت بدأت تطلع وتفرش نورها على القرية، لكن النور ده ما كنش قادر يمسح الضلمة والرعب اللي حفروا مكانهم في قلبها.
خبطت على الباب بإيديها المجروحة وهي بتعيط وتصرخ يا ماما.. افتحي.. افتحي يا ماما!
الباب اتفتح ببطء، لكن الصدمة خلتها تتسمر في مكانها. اللي فتح الباب ما كانتش أمها المريضة.. كان أبوها!
أبوها اللي المفروض إنه في السجن!
حضنها بلهفة وهو مصدوم من منظرها فستان الفرح الأبيض متقطع ومليان طين، رجليها حافية وبتنزف، ووشها شاحب زي الأموات.
بنتي! إيه اللي جابك هنا؟ وإيه المنظر ده؟ أنا لسه خارج من السجن الفجر، الحراس قالولي إن ديوننا كلها اتسددت وإنك اتجوزتي ماركوس بيه.. إيه اللي حصل يا بنتي؟!
دخلت البيت وهي بترتعش، لقت أمها قاعدة على السرير بتبكي من الفرحة برجوع جوزها، لكن فرحتها اتحولت لرعب لما شافت بنتها.
بصوت متقطع ومخنوق بالدموع، حكتلهم كل حاجة. حكتلهم عن القصر الضلمة، عن الصمت المميت، والأهم.. حكتلهم عن اللحظة اللي جوزها ماركوس اتحول فيها لمسخ. عن الجلد اللي

بيتقشر، القشور السودا، وعينيه اللي قلبت لكتلة من الضلمة، والجملة المرعبة اللي قالها الطفل.. أحتاج الطفل.. ليعيش الجسد..
الأب وشه جاب ألوان، فهم اللعبة المرعبة. ماركوس ما كنش مريض مرض عادي هيموته بعد 6 شهور.. ماركوس كان عليه لعنة، أو يمكن كان كيان شيطاني متجسد في بني آدم، والكيان ده جسمه البشري بيموت وبيتحلل، وكان محتاج يتجوز بنت شابة فقيرة عشان تخلفله طفل يكون هو الوعاء الجديد اللي تتنقل ليه روحه الملعونة عشان يعيش عمر جديد! ثروته كلها كانت مجرد فخ بيصطاد بيه ضحاياه.
الأب قام وقف، ووشه مليان غضب وتصميم قومي يا بنتي.. لمي هدومك إنتي وأمك. إحنا هنسيب القرية دي فورًا. فلوسه الملعونة دي إحنا مش عايزينها، الفقر والجوع أرحم من إننا نبيع لحمنا ودمنا لشيطان.
لكن قبل ما يلحقوا يتحركوا خطوة واحدة.. سمعوا صوت فرامل عربيات ضخمة بتقف قدام البيت.
القرية كلها سكتت، والطيور اللي كانت بتصوصو طارت من الرعب.
الباب اتخبط بقوة كأنه هيتكسر. الأب مسك فأس قديمة كانت في ركن الأوضة وراح يفتح الباب.
كان ماركوس واقف بره.
كان لابس بدلة سودا كاملة، ولابس نظارة شمس مدارية عينيه تمامًا، وكان ساند على عكاز وماسك فيه بقوة كأنه مش قادر يصلب طوله. كان شكله بشري، لكنه كان شاحب جدًا،
وريحة العفونة اللي الفتاة شمتها بالليل كانت فايحة منه رغم كل العطر اللي راشه. وراه كان واقف حارسين ضخام.
ماركوس اتكلم بصوت أجش، كأن الكلام بيجرح حنجرته
مراتي فين؟ العقد اتكتب، والتمن اندفع.. أبوكِ خرج من السجن بفلوسي، وعلاج أمك بفلوسي. إنتي ملكي، والطفل اللي هنجيبه ملكي.
الأب رفع الفأس في وشه وصرخ مش هتاخد بنتي يا ملعون! فلوسك هترجعلك قرش بقرش، حتى لو هشتغل عبد طول عمري عشان أسددها. بنتي مش للبيع!
ماركوس ابتسم ابتسامة مرعبة كشفت عن أسنان مسننة مش طبيعية، وشاور لحراسه هاتوها.
في اللحظة دي، الفتاة طلعت من ورا أبوها. ما كانتش بترتعش، الخوف اللي كان مالي قلبها اتحول لغضب وشجاعة بنت بتدافع عن روحها وعيلتها. كانت ماسكة في إيديها لمبة الجاز الفانوس اللي كانت بتنورلهم بيتهم الضلمة سنين، وإزازة صغيرة فيها بقية الجاز اللي حيلتهم.
بصت في وش ماركوس وقالت بصوت عالي سمعه كل الجيران اللي كانوا بيتفرجوا من ورا الشبابيك
إنت مفكر إن الفلوس بتشتري الأرواح؟ إنت جسمك بيموت ومحتاج طفل تسرق روحه عشان تعيش.. بس أنا مش هكون الجسر اللي هتعبر عليه.
وقبل ما الحراس يقربوا منها، فتحت إزازة الجاز ورمتها بكل قوتها على ماركوس. الجاز غرق بدلته ووشه.
ماركوس صرخ بخوف حقيقي، وحاول
يرجع لورا، لكنها كانت أسرع.
رمت لمبة الجاز المولعة عليه.
في ثانية واحدة، النار مسكت فيه. بس دي ما كانتش نار عادية، النار كأنها لقت بنزين روحي تتغذى عليه. ماركوس صرخ بصوت مش بشري، صوت خلا الحراس بتوعه يرموا سلاحهم ويجروا زي الفيران من الرعب.
وقع ماركوس على الأرض، والنار كشفت حقيقته للقرية كلها. نظارته وقعت، وعينيه السودا ظهرت، والقشور اللي تحت جلده بانت وهي بتتحرق وبتطلع دخان أسود ريحته لا تطاق. كان بيتلوى وبيصرخ لحد ما صوته اختفى تمامًا، وما فضلش منه غير كومة رماد أسود بتطير مع هوا الصبح.
القرية كلها كانت في حالة ذهول. محدش نطق كلمة.
البنت رمت نفسها في حضن أبوها وأمها، ودموع الراحة نزلت من عينيها.
الديون اللي كانت عليهم، وممتلكات ماركوس، وكل حاجة تخصه اختفت أو اتحرقت في نفس اليوم، كأن اللعنة اتفكت بموته.
رجعوا فقرا زي ما كانوا، بياكلوا عيش ناشف ولبن، وبيشتغلوا في الأرض من الفجر لليل. الأب رجع يزرع، والبنت رجعت تحلب البقر. إيديها لسه ريحتها قش ولبن، وجزمتها لسه عليها طين.
لكن لأول مرة من سنين... وهم قاعدين بالليل بياكلوا لقمة بسيطة على ضوء شمعة، كانوا بيضحكوا من قلبهم.
الفقر كان لسه موجود، لكنهم كانوا أحرار، أرواحهم ملكهم، وناموا ليلتها وأبوابهم
مفتوحة، من غير خوف.
النهاية.

 

تم نسخ الرابط