خارج الخدمه بقلم منال علي
ويوم السبت، اتجنن لأنه نسي ميعاد الدكتور بتاعه.
قلت له ببساطة: "إنت اللي بتدير حياتك دلوقتي."
على اليوم العاشر، الحشرات بدأت تظهر في المطبخ.
بدأ يستوعب حجم "النظام" اللي كنت بنيه في صمت.
لما أهله جم يزورونا فجأة، ملقوش الأوضة مترتبة، ولا الفوط نضيفة، ولا حتى فيه قهوة في البيت.
حماتي بصت لي بصة طويلة، وهي ماشية وشوشتني:
"اوعي تتراجعي يا هنا.. فيه دروس لازم توجع عشان تتفهم."
بليل انفجر فيا: "إنتي أحرجتيني قدام أهلي!"
قلت له بهدوء: "إنت اللي أحرجت نفسك، لأنك ماتعلمتش تدير بيتك."
ولأول مرة.. شفت الخوف ورا نرفزته.
بدأ يفهم إن دي مش "نوبة غضب" وهتعدي.. دي حياته "من غير مجهودي".
في الأسبوع التاني، الموضوع مابقاش مجرد مضايقات بسيطة.
بقى حقيقة بتوجع.
فاتورة غاز راحت للتحصيل لأنه نسي يدفعها — الفواتير اللي كنت بديرها بالسيستم بتاعي.
والـ "Credit Score" بتاعنا نزل 30 نقطة.
محتجتش أقول كلمة.. هو اكتشف الحقيقة بالطريقة الوحيدة اللي بتبين الشغل المستخبي:
لما يختفي.. والشبكة اللي سانداه تقع.
مش نزول النقاط في البنك هو اللي كسر هاني.. اللي حصل بعد كده هو اللي كسره.
في الأسبوع التالت، التعب بدأ يبان عليه بجد. مبقاش بيزعق، ولا بيسخر. بقى ساكت.. ومرهق بشكل
بقى يصحى بدري يغسل المواعين اللي كترت، وينسى الغسيل مكمكم في الغسالة، ويحاول يلحق شغله وهو تايـه.
في ليلة، دخل البيت متأخر، كرافتته ملووحة، وعينه حمرا.
وقف قدام أوضة الضيوف.. وخبط براحة.
مكنش "هاني" بتاع زمان.. الواثق اللي دايماً شايف نفسه صح.
قال بصوت واطي: "ممكن نتكلم؟"
قعد على طرف الكرسي كأنه ضيف في بيته.
سكت كتير قبل ما يقول: "أنا مكنتش أعرف."
مكنتش جملة دفاع.. كان اعتراف حقيقي.بقلم منال علي
كمل وهو بيمسح وشه بإيده: "كنت فاكر إن الدنيا بتمشي عشان أنا بشتغل وبتعب.. عمري ما فكرت في اللي بيخليها تمشي فعلاً."
بص لي وقال بكسرة: "البيت.. حياتي.. راحتي.. كل ده كان إنتي."
وسكت شوية وكمل: "ولما وقفتي.. حسيت إن الأرض اتشالت من تحت رجلي."
مكنتش حاسة بانتصار.. كنت حاسة بهدوء.
قلت له: "أنا مش بعاقبك يا هاني.. أنا بس كان نفسي (تشوفني)."
بلع ريقه وقال: "أنا شايفك دلوقتي.. بس خايف يكون الوقت فات."
وقفت وبصيت له.
"التقدير مش كلمة بتتقال لما نقع.. التقدير ده روح بتعيش معانا كل يوم."
قلت له بوضوح: "أنا مش عايزة نرجع زي الأول."بقلم منال علي
ملامحه اتهزت من الخوف.
"بس.. لو هنكمل، هنكمل كـ (شركاء) بجد. مفيش حد شايل حد، ومفيش
هز راسه بالموافقة فوراً، كأنه غريق لقى طوق نجاة.
ومن الليلة دي.. التغيير بدأ.
مش بالكلام.. بالأفعال.
هاني اتعلم ينظم مواعيده.. اتعلم يطبخ (حتى لو الأكل كان محروق في الأول).. واتعلم يشوف الشغل قبل ما يتحول لكارثة.
وبعد كام شهر، وإحنا قاعدين في البلكونة بليل، قال لي فجأة:
"عارفة إيه أكتر حاجة خوفتني؟"
بصيت له.
ابتسم وقال: "إني اكتشفت إني مكنتش شايلك مادياً.. ده إنتي اللي كنتِ شايلة حياتي كلها."
ابتسمت.. لأن الحقيقة أخيراً بقت "مرئية".
ولأول مرة من سنين.. مكنتش "الهوا" اللي مبيتحسش بيه.
كنت شريكة.. بتتشاف، وتتقدر، وبتتحب كل يوم من جديد.
النهاية
أنا بشتغل من البيت بدوام جزئي في تفريغ تقارير طبية، وبدخل مبلغ يدوبك.
أما هاني، فهو مهندس برمجيات، وبياخد مرتب كبير جداً.
على الورق.. كلامه يبان صح.
هو اللي بيدفع قسط الشقة، وقسط العربية، والفواتير الكبيرة.
بس اللي مكنش شايفه.. هو كل الحاجات اللي بتخلي لمرتبه ده "قيمة" أصلاً.
كمل وزعق: "إنتي بتقدمي إيه بالظبط؟ إنتي في البيت طول اليوم، والبيت مش دايماً بيلمع، والغدا ساعات مبيكونش جاهز. أنا حاسس إني بعول زميلة سكن بتعمل أقل القليل وبس."
أقل القليل.
أول رد
بس سكتّ.
لأني أدركت حاجة مفاجئة:
هو منسيش اللي أنا بعمله..
هو أصلاً "عمره ما فهمه".
كان عايش جوه راحة مجهودي زي ما الإنسان بيعيش جوه الهوا.
محدش بيشكر الهوا.. ولا حد بيلاحظه.. غير لما يختفي.
ولمدة تمانية سنين.. أنا اللي كنت بوفر الأكسجين.
بصيت له بهدوء وقلت: "تمام."
بربش بعينيه باستغراب: "تمام إيه؟"
قلت بثبات: "لو عايز تقيس المشاركة بالفلوس.. مفيش مشكلة، نقدر نعمل كده."
ضحك بسخرية كأنه انتصر: "كويس. لأني تعبت."
رديت عليه ببرود: "وأنا كمان."
بس هو مفهمش الجملة دي لسه.
دخلنا البيت. طلع وهو متنرفز ورزع باب الحمام وراه.
وقفت في المطبخ بسمع صوت المية.
وبعدين فتحت اللاب توب بتاعي.
مش عشان أثبت نفسي..
بس عشان هاني عايز أرقام.
وأنا هديله أرقام.
بس قبل ده..
هخليه يشوف الواقع.
تاني يوم الصبح، وهو في الشغل، بدأت أسجل كل حاجة بعملها يومياً بقالي تمانية سنين.
مش شكوى..
ده توثيق.
فتحت جدول "إكسيل" وسميته: (سجل العمل المنزلي لمدة شهر).
وبسرعة القائمة بدأت تطول.
ومع كل سطر جديد، اكتشفت حقيقة بتوجع:
مش أنا اللي كنت بتعالج أو بتعول.
ده أنا اللي كنت شايلة حياتنا مع بعض.. بطرق عمرها ما بتبان في مفردات
ولو هاني عايز يعرف تمن الحياة من غير دعمي..
خلاص، تمام.
هسيبه يدفع التمن.. وبالطريقة الصعبة.