الفخر الحقيقي
بن الذي أسقط مفاتيحه بصوت خافت كأن الصوت نفسه اعتراف.
واحدا تلو الآخر تراكمت المفاتيح فوق الخشب العتيق واختفى بريق المعدن أمام ثقل اللحظة.
انهار ريكي باكيا.
لم تكن دموعه دموع ضعف بل دموع انكسار غرور طال أمده.
قال بصوت مخنوق وهو يحدق في الأرض
لا أريد الملايين لا أريد شركات ولا مناصب.
أريد أخي الأخ الذي خسرته حين ظننت أن النجاح يجعلني أفضل منه.
مدت شيلا يدها تمسح دموعها لكن صوتها خرج مرتجفا صادقا لأول مرة منذ سنوات
علمني كيف أزرع علمني كيف أبدأ من جديد بلا ألقاب بلا أقنعة.
أريد أن أتعلم كيف تثمر الأرض لا كيف يصفق الناس.
أما بن فقد ظل صامتا طويلا ثم رفع رأسه بصعوبة وقال بصوت متهدج
العائلة أغلى من المال وأغلى من أي لقب أو منصب.
ما قيمة الأرقام إن فقدنا بعضنا
بدأ الشهر التالي مختلفا عن كل ما عرفوه.
مر شهر كامل لكنه بدا كأنه عمر آخر.
شهر من شمس حارقة لا ترحم تستقبلهم مع أول الفجر
ومن طين يلتصق بالأقدام والملابس
ومن عمل متواصل لا يعرف ساعات الدوام ولا عطلات نهاية الأسبوع.
انحنت ظهورهم تحت ثقل السلال
وتشققت أيديهم حتى سال منها الدم
وتقرحت أقدامهم
وسقطت الأقنعة واحدا تلو الآخر.
تعلموا الصبر حين لا خيار سوى الاستمرار حين لا ينفع التذمر ولا يفيد الهروب وحين يصبح الصبر فعلا يوميا لا شعارا يقال.
وتعلموا معنى التعب الشريف ذلك التعب
وتعلموا أن النوم على جسد متعب تفوح منه رائحة العرق والتراب أصدق وأعمق راحة من النوم على وسادة ناعمة محشوة بالأوهام والمظاهر.
شيئا فشيئا تغيرت نظراتهم إلى أنفسهم وإلى العالم من حولهم.
لم يعودوا ينظرون إلى الأرض باعتبارها عارا يخفى بل مصدر حياة يفتخر به.
لم يعودوا يرون الطين كشيء يغسل بسرعة بل كعلامة شرف على من عمل وكافح.
ولم يعودوا ينظرون إلى الفلاحين كطبقة أدنى بل كعمود صامت يحمل الجميع دون أن يطلب تصفيقا أو اعترافا.
بدأوا يفهمون أن المدن لا تقوم وحدها
وأن المستشفيات لا تبنى من فراغ
وأن الجامعات لا تقف إلا على أكتاف من زرعوا القمح قبل أن يزرع الحجر.
وفي اليوم الأخير من ذلك الشهر الطويل وقبل أن تشرق الشمس تماما حين كان الضباب لا يزال ينساب ببطء فوق أطراف الحقول كستار أبيض يلف الأرض في صمت مهيب أخذهم كاردينغ إلى مكان لم يعرفوه من قبل.
لم يخبرهم إلى أين هم ذاهبون ولم يشرح بل اكتفى بأن يمشي أمامهم بثبات كعادته واثق الخطى مطمئن الوجه.
ساروا خلفه بصمت تتبعهم خطواتهم الثقيلة التي اعتادت الطين والوعورة لا تشبه تلك الخطوات المترددة التي جاءوا بها في أول يوم.
كان في صمتهم هذه المرة شيء من الترقب وشيء من الامتنان وشيء من الاستعداد لرؤية ثمرة
وبينما كانت الشمس تستعد لشق طريقها من خلف الأفق انفتح أمامهم مشهد لم يتوقعوه مشهد جعلهم يتوقفون تلقائيا كأنهم أمام لوحة أكبر من الكلمات.
مبنى ضخم قيد الإنشاء ترتكز أساساته عميقا في الأرض صلبة كالإرادة التي بني بها.
جدرانه ترتفع بثبات لا استعجال فيها ولا تردد تحيط به الحقول الخضراء من كل جانب تمتد حتى الأفق كأن الأرض نفسها التفت حوله لتحميه وتمنحه شرعية الوجود.
وقفوا مذهولين تتشابك في صدورهم الدهشة بالفخر وشعور غامض بالانتماء لم يعرفوه من قبل.
لم يكن المكان فاخرا ولا صاخبا لكنه كان صادقا نابعا من الأرض متسقا مع كل ما عاشوه خلال ذلك الشهر.
سأل بن بدهشة حقيقية وقد تغيرت نبرة صوته عن السابق خالية من التعالي ممتلئة بالفضول الصادق
هل هو مركز تجاري جديد
ابتسم كاردينغ ابتسامة هادئة ابتسامة رجل يعرف طريقه ويثق بخياراته رجل لم يعد بحاجة إلى إثبات شيء لأحد وقال ببساطة
لا.
ثم تابع بهدوء وكأن الكلمات خرجت من عمق قناعته
إنه المركز الزراعي والطبي لعائلة ريس.
سكت لحظة كأنه يمنح الكلمات وقتها لتستقر في القلوب قبل العقول ثم أضاف بصوت يحمل رؤية بعيدة وأملا صادقا
أنتم من سيديره.
ليكون في خدمة أهل القرية وفي خدمة الفلاحين الذين طالما تجاهلهم الجميع.
مكان يعالج فيه الجسد حين ينهكه العمل الطويل
وتحترم فيه الأرض التي تمنح الحياة دون
ويعاد فيه الاعتبار لمن زرعوا بأيديهم وصبروا بصمت وبنوا مستقبل غيرهم دون أن تذكر أسماؤهم.
شعر الإخوة الثلاثة بثقل المسؤولية لكنه لم يكن ثقلا مخيفا بل ثقلا شريفا يشبه ثقل السلال التي حملوها في الحقول ثقلا يعطي للإنسان معنى.
وفي تلك الليلة احتفل أهل القرية جميعا بموسم الحصاد.
أوقدت النيران في الساحات الواسعة وتعالت الضحكات واختلطت الأصوات بالأغاني الشعبية القديمة التي توارثتها الأجيال.
كان الاحتفال بسيطا لكنه دافئ صادق يشبه القلوب التي اجتمعت.
تشاركت الأيدي الطعام البسيط خبزا طازجا خرج لتوه من التنور وثمارا ناضجة قطفت مع أول ضوء وقلوبا مفتوحة لا تعرف التكلف.
جلس الإخوة الثلاثة بين المزارعين
لم يعودوا غرباء بينهم
لم يعودوا ضيوفا عابرين
بل جزءا من المشهد ومن الحكاية.
أيديهم الخشنة تمسك الطعام بامتنان
ووجوههم تحمل سلاما لم يعرفوه من قبل
سلاما لا تمنحه الشهادات
ولا تشتريه المناصب
ولا تصنعه الألقاب
بل يمنحه الصدق والانتماء والعمل المشترك.
نظر كاردينغ إلى أمه وقد لمعت عيناها بالفخر والسكينة وقال بصوت خافت لكنه واثق كمن يسلم أمانة
تمت المهمة يا أمي.
ابتسمت الأم ودموع الفرح تلمع في عينيها ورفعت نظرها إلى السماء كأنها تشكر الله على وعد طال انتظاره وقالت
الابن الفلاح علم الأبناء الناجحين معنى الثروة الحقيقية.
فإن الطين على الأحذية
لا
بل يكشف من الذي يحمل العالم على كتفيه حقا.