فات أوان العدل

لمحة نيوز

فات أوان العدل يا عمر… حكاية امرأة اختارت

فات أوان العدل يا عمر… حكاية امرأة اختارت نفسها بعد طول انتظار

مقدمة: عندما تصل الكلمات متأخرة

في حياتي كلمات كثيرة فقدت معناها، لا لأنها خاطئة في جوهرها، بل لأنها قيلت بعد أن انتهى كل شيء. الكلمات المتأخرة لا تُصلح ما فسد، ولا تعيد ما كُسر، بل تكشف فقط حجم الخراب الذي حدث في الصمت.

أكثر كلمة فقدت معناها عندي كانت كلمة “العدل”. كنت أسمعها كثيرًا، تُقال بثقة، تُقال كأنها إجابة جاهزة، وكأنها قادرة وحدها على إغلاق كل الأسئلة المفتوحة. لكنها بالنسبة لي لم تكن أكثر من محاولة لتجميل قرار أناني.

 

عاد عمر من زواجه الثاني وهو يرددها: “ده عدل ربنا”. قالها بهدوء غريب، وكأنه يتوقع أن أتنفس الصعداء، وأن أستوعب الأمر، وأن أبتلع سنوات من الألم في جملة واحدة.

نظرت إلى عينيه طويلًا. لم أرَ عدلًا،

ولم أرَ ندمًا حقيقيًا. رأيت رجلًا يحاول أن يخفف عبء قراره بكلمات أكبر من قدرته على تحمل نتائجها.

ليلة العودة: أول مرة لا أُجيد الانتظار

في تلك الليلة حدث شيء بسيط جدًا، لكنه كان نقطة تحول. نمت قبل أن يعود. لم يكن نومًا عميقًا، بل نوم شخص استسلم للتعب.

 

سنوات وأنا أعد الدقائق، أراقب الساعة، أؤجل نومي حتى أسمع صوت المفتاح في الباب. كنت أظن أن هذا اهتمام، وأن هذا شكل من أشكال الحب. لم يخطر ببالي أن الانتظار المستمر قد يتحول إلى عبء يسرق منك نفسك.

عاد عمر متأخرًا. أيقظني بصوت فيه قلق لم أعد أثق به:

“منى! إنتِ كويسة؟”

فتحت عينيّ ببطء: “أيوة، كويسة.”

نظر حوله كأنه يبحث عن شيء ناقص: “مش متعود أرجع ألاقيكي نايمة.”

قلت وأنا أعدل الوسادة: “الأكل في التلاجة.”

تردد قليلًا، ثم سأل: “مش هتاكلي معايا؟”

أجبته دون تفكير: “سبقتك.”

في

تلك اللحظة شعرت بنظراته في ظهري. لم تكن نظرات حب، بل نظرات رجل فوجئ بأن الأمور لا تسير كما تعود.

صباح مختلف: الخروج من دائرة مغلقة

استيقظت في الصباح وأنا أشعر أن صدري أخف قليلًا. لم أكن أعرف ماذا سأفعل بالضبط، لكنني كنت أعرف أنني لا أريد أن أظل في نفس المكان.

خرجت من البيت دون أن أشرح، ودون أن أترك رسالة. ذهبت إلى الجامعة، إلى المكان الذي دفنت فيه حلمي منذ سنوات خوفًا من اعتراضه، ومن غضبه، ومن جملته الجاهزة: “إنتِ مش محتاجة ده دلوقتي”.

سحبت ملفي القديم من الدرج. الأوراق كانت صفراء قليلًا، كأنها تعكس عمر الانتظار. قدمت طلب استكمال دراستي العليا. عندما وقّعت اسمي، شعرت أن يدي ترتجف، لكنني لم أتراجع.

لم يكن القرار سهلًا، لكنه كان صادقًا.

العمل ليس رفاهية: سيرة ذاتية وبدايات صغيرة

بعد الجامعة جلست في مقهى هادئ. اخترت طاولة جانبية،

فتحت الحاسوب، وبدأت أكتب سيرتي الذاتية من جديد. لأول مرة منذ زمن طويل، كتبتها دون شعور بالذنب.

لم أكتبها كزوجة تبحث عن عمل جانبي، بل كامرأة لها خبرة، ولها طموح، ولها حق في الاستقلال.

أرسلتها إلى عشر شركات، ثم عشر أخرى. كنت أعلم أن الطريق لن يكون سهلًا، لكن مجرد الإرسال كان انتصارًا صغيرًا.

في داخلي صوت متردد سألني: “ولو فشلتي؟”
وصوت آخر أكثر هدوءًا أجاب: “على الأقل حاولتي.”

استعادة الذات: تفاصيل صغيرة تصنع فرقًا

في نهاية اليوم دخلت صالون تجميل قريب. لم أذهب بدافع التحدي، ولا بدافع الغضب، بل لأنني شعرت أنني أريد أن أرى نفسي من جديد.

جلست على الكرسي، نظرت إلى المرآة، ولاحظت كم أهملت ملامحي. لم يكن الإهمال بسبب ضيق الوقت فقط، بل بسبب فكرة قديمة زرعتها داخلي: أنني لست أولوية.

خرجت من الصالون وأنا أشعر أنني أخف. لم أتحول إلى امرأة

أخرى، لكنني تذكرت المرأة التي كنتها قبل أن أذوب في تفاصيل غيري.

تم نسخ الرابط