كان زوجي

لمحة نيوز

دخلت الأم قصر ابنها ذي الطوابق الثمانية للمرة الأولى في حياتها، لكن جملةً واحدة قالتها زوجةُ ابنها كانت كافية لأن تُبكيها وتدفعها للعودة إلى القرية في منتصف الليل:
«يا بنيّ، أحبك… لكنني لا أنتمي إلى هذا المكان».

كانت دونيا إلينا تعيش في كوخٍ متواضعٍ من القصب قرب نهر باسيغ في مانيلا، حيث تمتلئ الليالي بصوت صراصير الليل وهمس الماء الهادئ. في الثالثة والسبعين من عمرها، كانت لا تزال تستيقظ قبل الفجر لتسقي حديقتها الصغيرة من الفلفل والطماطم، وتُطعم ما تبقّى لها من دجاجات. كانت حياتها بسيطة، هادئة، يغلّفها شيءٌ من الوحدة، لكنها مشبعة بالذكريات التي تمنحها سببًا للاستمرار.

توفّي زوجها، دون ماتيو، قبل عقود طويلة، ولم يبقَ لها في هذه الدنيا سوى ابنها الوحيد دييغو. كان طفلًا ذكيًا مجتهدًا، مفخرة الحيّ الصغير الذي نشأ فيه. وحين غادر إلى مانيلا للدراسة بمنحة، قال الجميع إنه سيصل

بعيدًا. وقد وصل فعلًا… إلى حدّ أنه كاد يختفي.

على مدى عشر سنواتٍ كاملة، لم تكن دونيا إلينا تتلقّى سوى مكالمةٍ عابرة في عيد الميلاد، أو تحويلًا ماليًا نادرًا بالكاد تمسّه. أما بقية الأخبار، فكانت تصلها همسًا من الجيران:
— «سمعتِ؟ دييغو أصبح رجل أعمال».
— «يعيش في بيتٍ ضخم كما في المجلات».
— «يقود سياراتٍ فاخرة… هل تصدّقين؟»

كانت تبتسم دائمًا وتجيب بالجملة نفسها:
— «هذا يكفيني. المهم أن يكون بخير».

لكن في كل ليلة، وقبل أن تطفئ مصباح الكيروسين، كانت تُخرج صورةً قديمة لدييغو في الثامنة من عمره، مغطّى بالطين ويبتسم، فتقبّلها بحنانٍ صامت.

وفي يومٍ ماطرٍ برذاذٍ خفيف، توقّفت سيارةٌ سوداء رباعية الدفع، ضخمة ولامعة كحيوانٍ مفترسٍ حضري، أمام كوخها. نزل منها دييغو… بالكاد عرفته. بدلةٌ إيطالية، ساعةٌ تساوي أكثر من حديقتها كلّها، شعرٌ مصفّف بإتقان. لكن عينيه… كانتا مطفأتين.

قال

وهو يجثو أمامها، وصوته يتكسّر:
— «أمّي… سامحيني. لا ينبغي أن أترككِ هنا. أريدكِ أن تعيشي معي. في بيتي. هو كبير ومريح… وأنتِ تستحقّين الراحة».

انهمرت دموع دونيا إلينا بلا إرادة:
— «آه يا بني… لم أطلب يومًا شيئًا…»
— «ولهذا تحديدًا، يا أمّي»، قال وهو يمسك بيديها. «لنذهب اليوم. الآن».

ألحّ عليها حتى وافقت. حزمت ثلاثة أطقم من الملابس، والصورة القديمة، وصندوقًا خشبيًا صغيرًا يحوي رسائل زوجها الراحل.

في الطريق إلى مانيلا، كانت تنظر من نافذة السيارة كطفلةٍ ضائعة: أضواء، أبراج عالية، ضجيجٌ لا ينتهي… عالمٌ أغرب عليها من أي وقتٍ مضى.

كان بيت دييغو في ماكاتي قصرًا من الفخامة: ثمانية طوابق، نوافذ لا تنتهي، مدخلٌ يشبه متحفًا. لكن كل ذلك لم يُدهش دونيا إلينا بقدر ما أزعجها نظر زوجة ابنها، ماريانا.

كانت طويلة، أنيقة، متقنة المظهر… لكن ملامحها خالية من أي دفء.
لا ترحيب.
لا حنان.


فقط تحمّلٌ بارد.

مرّ العشاء في صمتٍ ثقيل. ماريانا بالكاد رفعت عينيها عن هاتفها. كان دييغو يتحدّث عن العقود والعمل والسفر، لكن كلما نظرت إليه زوجته، صمت فورًا. كان هناك شيءٌ غير مريح… شيءٌ معتم.

شعرت دونيا إلينا بانقباضٍ في صدرها. هذا ليس دييغو الذي ربّته.

بعد العشاء، وبينما انشغل دييغو بمكالمة عمل «طارئة»، اقتربت ماريانا فجأة. كانت خطواتها هادئة محسوبة، كخطوات فهدٍ في غرفةٍ فاخرة. توقّفت أمام دونيا إلينا مباشرة.

كان وجهها جميلًا تحت أضواء غرفة الطعام الدافئة.
لكن صوتها…
كان حادًا كالجليد.

— «اعذريني، السيدة إلينا…» قالت بابتسامةٍ مصطنعة. «أحتاج أن أسألكِ شيئًا».

ابتسمت دونيا إلينا ببراءة:
— «تفضّلي يا ابنتي».

مالت ماريانا برأسها قليلًا، كأنها تفحص شيئًا معيبًا، ثم قالت بنبرةٍ محايدة تمامًا:
— «دييغو لا يستطيع تحمّل مصاريف إضافية. لديه ما يكفي. أريد فقط أن أعرف…

كم من الوقت تنوين البقاء، لننظّم أمورنا».

 

تم نسخ الرابط