احببت امير فرعوني

لمحة نيوز

قال لها كواب-خوفو بصوتٍ منخفض حزين: «البوابة ستفتح الآن… إن دخلتِ، لن تعودي كما جئتِ. قد لا تعودين أبدًا.»

نظرت إلى الممر، ثم إلى وجهه. أدركت في تلك اللحظة أن الماضي لم يعد ماضيًا بالنسبة لها، بل وطنًا. هنا لم تكن مجرد طالبة تشرح التاريخ، بل روحًا عاشت داخله.

تذكّرت حياتها في زمنها الأول: محاضرات، كتب، أسئلة بلا إجابات، ووحدة لا يراها أحد. ثم نظرت حولها: مدينة تنبض، ملك شاب يحلم، وزمن يحتاج من يفهمه.

تقدّمت خطوة إلى داخل السرداب… ثم توقفت.

قبل أن تنطق بالكلمات، عاد الزمن يفتح لها نافذة أخيرة.

انشقّ الهواء من حولها، ورأت نفسها واقفة في قاعة المحاضرات. كانت تجلس في الصف الأخير، تنحني فوق دفترها، تكتب بحماس عن الأهرامات، عن خوفو، عن فكرة الخلود. رأت زميلتها تضحك، وأستاذها يشرح بلا شغف، وساعة الحائط تمضي ببطء قاتل.

رأت غرفتها الصغيرة، كتبها المكدّسة، صورًا التقطتها للأحجار دون أن تسمع صوتها الحقيقي. رأت نفسها وحيدة رغم الزحام، تعرف كل شيء عن الماضي… ولا

تنتمي إلى حاضرها.

سمعت صوت أمها يناديها من بعيد، لكن هذه المرة لم يكن باهتًا.

رأت أمها بوضوح، واقفة في المطبخ القديم، ترتدي المريلة نفسها، تقلب الطعام ببطء، وتلتفت كل دقيقة نحو الباب. كان الانتظار محفورًا في جسدها؛ في انحناءة كتفيها، في تنهيدة تخرج بلا صوت.

قالت الأم، كأنها تحدث نفسها: «أكيد جاية… بس اتأخرت شوية.»

ثم توقفت فجأة، وضعت الملعقة جانبًا، وحدّقت في الفراغ، وقالت بصوتٍ خافت كأنه اعتراف أخير: «اللي بيمشي وهو حبيبنا… ما بيرجعش زي ما كان.»

شعرت تويه أن الجملة سكين. كم مرة قالتها أمها؟ كم مرة عادَت متأخرة، أو عادت بجسدها فقط؟

اقتربت منها، رأت شعرة بيضاء لم تكن موجودة من قبل. همست: «سامحيني… أنا كنت هنا، بس روحي كانت دايمًا بعيدة.»

ثم رأت أباها.

كان جالسًا قرب الشرفة، يمسك جريدة قديمة، الصفحات مفتوحة على خبر لا يهم. كان ينظر إلى الشارع، لا ينتظر أحدًا بعينه، بل بقلبه. حين رفع رأسه، بدا أكبر من عمره، وكأن السنوات قررت أن تثقل دفعة واحدة.

قال دون

أن ينظر إليها مباشرة: «أنا عمري ما خفت عليكِ من الدنيا… كنت خايف الدنيا ما تكفيش اللي جواك.»

انهارت تويه. حاولت أن تلمسهما، أن تصرخ، أن تقول إنها لم تكن هروبًا، بل بحثًا عن نفسها. لكن يدها مرّت عبر الفراغ، وعرفت الحقيقة القاسية: الحب لا يمنع الفراق.

قالت وهي تبكي: «أنا ما اخترتش البعد عنكم… أنا اخترت نفسي، ويمكن ده أوجع اختيار.»

التفتت الأم فجأة، كأنها سمعت شيئًا. وضعت يدها على صدرها، وقالت: «قلبي مقبوض… كأني بودّعك.»

أما الأب، فابتسم ابتسامة موجوعة، وقال بصوتٍ ثابت: «اللي يمشي وراه نداءه، يرجع قوي… حتى لو ما رجعش.»

بدأ المشهد يتلاشى. المطبخ، الشرفة، الوجوه التي صنعتها.

صرخت تويه: «أنا بحبكم!»

لكن الصوت لم يعبر الزمن.

اختفى كل شيء، وبقي الوجع. وجع نقيّ، لا يطلب الغفران، بل يحمل معه السلام.

حين عاد السرداب يحيط بها، كانت دموعها حقيقية، وثقل القرار استقرّ في قلبها.

لهذا… حين نطقت بعد لحظات وقالت: «أنا لا أريد العودة»

لم يكن القرار شجاعة فقط.

كان

ثمنًا.

همست: «أنا ممتنة… لكن مكاني ليس هنا.»

تلاشى المشهد كما ظهر، وعاد السرداب يحيط بها.

قالت بثبات لم تتوقعه من نفسها: «أنا لا أريد العودة.»

اهتز المكان، وانطفأ الضوء لحظة، ثم عاد… لكن العالم الآخر اختفى. لم يعد هناك ممر ولا بوابة. فقط الهرم كما هو، مغلقًا، صامتًا.

ابتسم كواب-خوفو ببطء، وكأنه كان يعرف القرار منذ البداية.

مرت السنوات.

أصبحت ندى جزءًا من القصر، مستشارة خفيّة تُفسّر النجوم، وتقرأ النقوش، وتربط بين العلم والحكمة. لم تغيّر التاريخ كما هو مكتوب، لكنها غيّرت ما بين السطور: عدلًا أكثر، رحمةً أوسع، وملكًا يعرف أن الخلود الحقيقي في القلوب لا في الحجارة.

وحين جلس كواب-خوفو يومًا على العرش بعد رحيل أبيه، كانت تقف إلى جواره، لا كملكة مُعلنة، بل كشريكة زمن.

وفي مستقبلٍ بعيد، سيكتب علماء الآثار عن نقوشٍ غامضة داخل الهرم، تذكر امرأة «جاءت من بين النجوم، واختارت أن تبقى».

أما تويه… فقد عاشت عمرها كله في الزمن الذي أحبّته، وحين رحلت، لم تُغلق البوابة.

تركتها مواربة… لمن يجرؤ أن يحب التاريخ حدَّ العبور
تمت بقلمي ورده نسيم.

تم نسخ الرابط