احببت امير فرعوني
كانت «تويه» طالبة في كلية الآثار، من النوع الذي لا يكتفي بحفظ التواريخ، بل يحاول أن يسمع النبض خلف الحجر. كانت مغرمة بالتاريخ الفرعوني حدّ الهوس؛ ترى في النقوش وجوهًا حيّة، وفي أسماء الملوك حكايات لم تُروَ بعد.
في صباحٍ شتويٍّ بارد، انطلقت مع بعثة جامعية إلى هرم خوفو. كان اليوم مخصصًا للممرات المعروفة، الشرح المعتاد، الصور التذكارية… كل شيء مألوف. لكن ندى لم تكن مثل البقية. كانت عيناها تلاحقان الجدران، تبحثان عن شيءٍ لا تعرف اسمه بعد.
بينما كان المرشد يشرح، لمحت شقًا ضيقًا خلف كتلة حجرية، كأنه نفسٌ محبوس. اقتربت بخطوات مترددة، وضعت كفها على الحجر، فشعرت ببرودة غريبة، ليست برودة حجر… بل برودة زمن.
حين انسحب الجمع قليلًا، دفعتها رغبتها القديمة—الفضول—لتدخل. كان الممر ضيقًا، يهبط بزاوية
وصلت إلى سردابٍ واسع، جدرانه مغطاة بنقوش لم ترَ مثلها من قبل. لم تكن مسجلة في أي مرجع دراسي. وقبل أن تلتقط أنفاسها، اهتز المكان، وانطفأ مصباحها.
حين عاد الضوء… لم يكن ضوءًا كهربائيًا.
كانت المشاعل تشتعل على الجدران، والهواء دافئ، ورائحة البخور تملأ المكان. سمعت أصواتًا—لغة تعرفها من الكتب، لكنها لم تتخيل يومًا أن تسمعها حيّة.
خرجت من السرداب لتجد نفسها في مصر أخرى. شمس مختلفة، مدينة نابضة، كهنة، جنود، وناس بملابس فرعونية كاملة. كانت قد عبرت الزمن.
الحراس من انتي وما هذا اللبس
اقتادها الحرس، بدهشة وريبة، إلى القصر. وهناك رأته لأول مرة: شاب طويل القامة، ملامحه حادة وهادئة في آنٍ
كان «كواب-خوفو»… ابن الملك خوفو.
نظر إليها وكأنه يعرفها، أو كأنه كان ينتظرها. سألها من أين أتت، فلم تستطع أن تشرح سوى أنها جاءت من «زمنٍ آخر». لم يضحك. على العكس، بدت على وجهه علامات تصديق غامض.
قال لها بهدوء: «الهرم ليس قبرًا فقط… إنه بوابة. ومن يدخل بقلبٍ صادق، يصل.»
أصبحت توىه ضيفة القصر، تتعلم الحياة اليومية في زمن لم تعد تدرسه، بل تعيشه. رأت خوفو ليس فقط ملكًا، بل أبًا قاسيًا في الظاهر، يخشى الخلود أكثر مما يسعى إليه. ورأت في ابنه أميرًا ممزقًا بين السلطة والحلم.
كانت علاقتها بـكواف -خوفو تنمو ببطء. يحدثها عن رغبته في أن يُذكر بالعدل لا بالحجر، وتحدثه هي عن مستقبلٍ سيذكر اسمه دون أن يعرف قلبه.
كواب بعين دامعه بحبك
تويه ينفع
كواب انا الملك القادم مينفعش التخلي عن واجبي
ترجعي يا تويه
لان الزمن لا يسمح بالهروب طويلاً.
في ليلة اكتمال القمر، قادهاكواب-خوفو إلى سردابٍ خفي أسفل الهرم، يشبه الذي دخلته. قال لها إن البوابة لا تُفتح إلا لمن جاء منها. وإن بقائها ستغيّر أشياء لا يجب أن تتغير.
وقفت تويه بين عالمين: عالم تحبه وتفهمه، وعالم أحبّها دون أن يفهمها.
قال لها: «إن كان لنا لقاء، فسيكتبه الزمن، لا الحجر.»
دخلت السرداب، والدموع في عينيها، وحين فتحتها… كانت مرة أخرى داخل الهرم، والمصباح في يدها، وأصوات زملائها تنادي.
خرجت مختلفة.قلبها معلق بحب كواب
بقلمي ورده نسيم
«التاريخ لا يُكتشف بالحفر فقط… بل بالقلوب التي تجرؤ على العبور.»
وفي تلك الليلة، وقفت تويه أمام فم السرداب، والقمر مكتمل فوق هرم