كنت صماء
تبعها تومي بحقيبة ظهر صغيرة رأسه منخفض وعيناه تتجنبان المكان وكأنه يعرف مسبقا أن هذا الملجأ المؤقت لن يكون مؤقتا على الإطلاق.
فتحت الباب فاندفعت نحوي سارة وعانقتني بقوة.
كانت رائحتها خليطا من عطر رخيص وتوتر مكبوت.
قالت وهي تنظر إلى وجهي بقلق مبالغ فيه يا نهار أبيض إنت شكلك تعبانة قوي. بتاكلي كويس
ابتسمت ابتسامة باهتة محاولة قراءة شفتيها تشجيع جميل بصراحة. أنا كويسة بس مرهقة شوية.
لم تنتظر ردا.
دخلت البيت كما لو كان ملكها توجهت مباشرة إلى غرفة الضيوف ثم أعلنت بصوت عال كأنني أسمع تومي أوضتك هنا. وأنا هاخد الحمام اللي فوق عشان حاجتي كتير.
خلال ساعة واحدة تحول ملاذي الهادئ إلى غرفة عمليات لإدارة أزمة سارة الشخصية.
جلست أمامي على طاولة المطبخ أخرجت دفترا وقلما وقالت بحماس اسمعي متوفرة علي صفحة روايات و اقتباسات..أنا أقدر أساعدك في كل حاجة. مكالمات مواعيد مشاوير. اعتبريني السكرتيرة بتاعتك.
في الحقيقة لم تكن فكرة سيئة تماما.
سارة كانت دائما جيدة في التعامل مع الناس جذابة عندما تريد شيئا.
وإذا كانت ستتولى الأمور التي أصبحت شبه مستحيلة علي ربما ينجح هذا الترتيب.
وخلال الأسبوع الأول أثبتت نفسها بشكل مدهش.
حددت مواعيد الأطباء ردت على الهاتف بأدب احترافي وتولت شركة التأمين عندما حاولوا تخفيض مستحقاتي.
لأول
قالت ذات مساء بعد جدال طويل مع شركة الاتصالات شوفت إحنا فريق جامد. إنت المخ وأنا اللسان.
كان تومي إضافة سهلة للحياة اليومية.
طفل هادئ بطبعه يفضل الألعاب الإلكترونية والكتب على الضجيج الذي كان يستنزفني.
كان يفهم أنني لا أسمعه إلا إذا نظرت مباشرة إلى وجهه فكان يلمس كتفي بلطف قبل أن يتحدث.
قال لي ذات يوم وهو ينقر على كتفي ماما قالت إنك مش بتسمعي خالص ده بيوجع
هززت رأسي مبتسمة لا يا حبيبي مش بيوجع بس كله ساكت.
فكر قليلا ثم قال بجدية طفل أكبر من عمره أحيانا كنت أتمنى البيت عندنا يبقى ساكت. ماما وبابا كانوا دايما بيزعقوا.
انكسر قلبي قليلا من أجله.
ربما لهذا السبب تمسكت بتحمل وجود سارة من أجل تومي.
لكن العيش مع سارة كان كالتعايش مع إعصار مفيد.
أعادت ترتيب المطبخ غيرت أماكن الأثاث عشان الطاقة ونصبت نفسها مترجمتي الرسمية مع العالم الخارجي.
قالت وهي تثبت سبورة بيضاء في المطبخ إنت محتاجة نظام. الروتين هو اللي هيطلعك من الحالة دي متوفرة علي صفحة روايات و اقتباسات...
وكانت محقة جزئيا.
وجود شخص يتولى المكالمات والمواعيد خفف عني عبئا هائلا.
حتى إنها نجحت في زيادة مستحقاتي من الإعاقة بعد مشادة طويلة مع الضمان الاجتماعي.
قالت بفخر إنت كنت سايبة الناس دي تدوس عليك. ساعات لازم
لكن سارة
كان صوتها عاليا في كل شيء.
لها رأي في ملابسي أكلي نومي وحتى طريقة حزني.
كانت تنتقد قضائي أياما كاملة بالبيجامة وفرضت ما أسمته أحد العناية بالنفس الذي يتضمن ماسكات وجه وخروجا إجباريا.
العزلة مش صحية
كانت تقول وهي تجرني حرفيا إلى السوق أو المكتبة.
روبرت ماكنش هيحب يشوفك كده.
كنت أريد أن أصرخ أن روبرت كان يحب الهدوء
لكن الصراخ يحتاج طاقة لم تكن لدي.
تكيف تومي مع الروتين الجديد بمرونة طفل تعلم مبكرا قراءة مزاج الكبار.
كان يؤدي واجباته يرتب أغراضه ولا يشتكي.
وذات مساء وجدته في غرفة المعيشة يكتب حروفا ببطء شديد.
سألته بتعمل إيه
رفع كتابا صغيرا عن لغة الإشارة كنت بفكر أتعلم ده عشان نكلم بعض من غير ما تتعبي نفسك في قراءة شفايفي.
كتمت دموعي.
طفل في الثامنة يظهر من التعاطف ما عجز عنه كثير من البالغين.
دي حاجة جميلة قوي يا تومي ممكن نتعلم سوا.
جلسنا ساعة كاملة نتعلم إشارات بسيطة
شكرا من فضلك بحبك.
لأول مرة منذ الحادث شعرت بالأمل.
لكن سارة دخلت الغرفة فجأة.
نظرت إلى أيدينا المتحركة وسألت إيه ده
قال تومي بفخر بتعلم لغة الإشارة عشان أعرف أتكلم مع طنط غريس.
تغير تعبير وجه سارة لشيء لم أفهمه حينها.
قالت ببرود حلو بس غريس بتتحسن في قراءة الشفايف كل يوم. متوفرة علي صفحة روايات و اقتباسات..
أدرك الآن
أن تلك كانت أول مرة شعرت فيها بعدم ارتياح سارة لأي شيء يجعل إعاقتي دائمة
وليس مرحلة مؤقتة تعتمد فيها علي بالكامل.
الجزء الثالث أمل بنسبة ستين بالمئة
تحول مكتب الدكتورة مارتينيز إلى مكان مألوف بالنسبة لي كأنه غرفة إضافية في منزلي.
شهور طويلة قضيتها بين أطباء سمعيات وأعصاب واختصاصيين لا أستطيع حتى نطق أسمائهم.
كل زيارة كانت تتبع النمط ذاته
فحوصات صور أسئلة متفائلة ثم خيبة أمل جديدة.
كانت الدكتورة تتحدث ببطء شديد تبالغ في تحريك شفتيها كان الضرر كبيرا
لكن ذلك لا يعني التوقف عن المحاولة.
سارة كانت تحضر كل المواعيد.
تدون الملاحظات تطرح الأسئلة وتبحث بلا كلل عن حلول.
طب إيه رأيك في العلاج بالخلايا الجذعية اللي قريت عنه
والعملية الجديدة اللي بيعملوها في ألمانيا
معظم الخيارات لم تكن مناسبة.
سماعات الأذن عديمة الفائدة فالمشكلة لم تكن في شدة الصوت متوفرة علي صفحة روايات و اقتباسات..بل في وصول الإشارة إلى الدماغ.
زراعة القوقعة التقليدية كانت خطيرة جدا بسبب موقع تلف العصب.
كل طريق مسدود كان يشعرني وكأنني أفقد روبرت مرة أخرى.
سارة رغم كل شيء لم تفقد حماسها. مش هنستسلم. إنت صغيرة قوي على إنك تقبلي بكده.
كنت ممتنة لإصرارها
حتى وإن شعرت أحيانا أنه نابع من حاجتها هي للإصلاح
لكن الضغط المالي كان يزداد.
التحاليل الزيارات