بعد موت زوجها
ـ إيه؟!
أعاد الحقيبة لكتفه، ثم وقف أمامها تمامًا:
ــ ولا بتاجر شوية تجارة… ولا بساعد ناس كده.
سكت لحظة، ثم أضاف:
ــ أنا صاحب مصانع "مجموعة الناصر"… يمكن سمعتي عنها.
فتحت ليلى فمها دون أن تجد كلامًا.
المجموعة التي يعرفها كل أهل المنطقة… مصانع، وشركات تصدير، وأسطول شاحنات.
الرجل الذي يتحدثون عنه دائمًا ولا يظهر إلا نادرًا.
الرجل ذو الثروة الهائلة… والشائعات التي تحيط به دائمًا.
همست:
ــ بس… بس ليه لبس كده؟ وليه… جيت تتجوزني بالشكل ده؟!
ابتسم ابتسامة صغيرة حزينة:
ــ لأن اللي كان بييجي يتقدم بالشكل اللي انتي عارفاه… كانت الناس بتتغير معاه. الطمع، الكذب، التمثيل…
قلبوا حياتي جحيم.
كنت عايز أشوف واحدة تشوف عادل الراجل… مش عادل الفلوس.
نظرت له بصدمة، ثم بخوف…
ــ طب… ليه أنا؟!
نظر إليها نظرة جعلتها تشعر للمرة الأولى منذ شهور أن هناك رجلًا يراها… لا يرى ضعفها، ولا فقرها، ولا كونها أرملة.
ــ عرفت عنك كل حاجة يا ليلى…
عرفت إنك شيلتي بيت، وإنك صبرتي، وإنك مشيتي وسط العاصفة لوحدك.
وعرفت كمان إن جوزك الله يرحمه… كان راجل طيب، وإنك ما خنتيه ولا دنّستي اسمه.
أغمضت عينيها بشدة لتمنع دموعها من السقوط.
ثم لمحت شيئًا في الظلام… سيارة سوداء كبيرة تقف بعيدًا على جانب الطريق، أضواءها مطفأة.
شعرت بقشعريرة:
ــ العربية دي… بتاعة مين؟
قال عادل وكأنه يخبرها خبرًا عاديًا:
ــ بتاعتي… وسوّاقي واقف مستنّي، عشان ياخدنا البيت.
هزّت رأسها بلا وعي:
ــ لأ… لأ لأ… أنا مش فاهمة!
أنا اتجوزتك وأنا
لو كنت غني بالشكل ده… كنت قولت من الأول!
اقترب منها خطوة، لكنها تراجعت.
قال بنبرة جديّة:
ــ كنت خايف تقولي لأ… مش عشاني… عشان كل اللي حواليكي يخوفوكي.
كنت عايزك تختاريني بإرادتك… مش بحسب حسابات الناس.
لم يكن في كلامه ما يطمئنها… ولا ما يخيفها تمامًا.
بل كان يحمل قوة… وغموضًا… وأمانًا لا تعرف مصدره.
طفلها بدأ يبكي… كأنه يشعر بتوترها.
أخذته، وهدهدته وهي تتنفس بسرعة.
قال عادل بهدوء أكبر مما تتحمّل أعصابها:
ــ لو مش مرتاحة… نرجع حالًا.
بس لو وثقتي بيا… هتروّحي بيت عمرك ما شفتي زيّه.
وولَدِك… هيبقى ابنّي.
رفعت ليلى رأسها نحوه…
كانت واقفة بين عالمين:
عالم من الفقر والذل…
وعالم لا تعرفه، لكنه يمسك يدها الآن.
همست بصوت
ــ وإنت… هتعمل فيّا إيه بعد ما آخد القرار؟
هتتغيّر؟
هتتسلّط؟
هتفتكر إني قبلت علشان محتاجة؟
هنا… اقترب عادل خطوة أخرى، ثم قال جملة قلبت كل ما بداخلها:
ــ أنا مش عايز زوجة بس…
أنا عايز شريكة.
عايز واحدة توقف جنبي
سقطت دمعة من عينها…
لأول مرة منذ موت زوجها… شعرت أنه ربما… فقط ربما… الحياة لم تنتهِ.
قالت بخفوت:
ــ طب… نروح.
أشار للسائق من بعيد، فتح الرجل أبواب السيارة، ووقف ينتظر.
وقبل أن تتحرك ليلى، سمعَت صوت خطوات قادمة من خلفها…
صوتٌ تعرفه جيدًا…
وصوت زوجة أبيها يصرخ من آخر الطريق:
ــ ليلىااااااا!! ارجعييييييييييييي!!
إنتي رايحة مع مين؟!!
إنتي مش فاهمة إيه اللي مستنياااااااااكي!!!
التفتت ليلى، فإذا بزوجة أبيها تركض بجنون…
وعادل
وقال جملة جعلت الدم يجمد في عروق ليلى:
ــ خلاص… جه وقت الحساب.