بنات خلف الأبواب بقلم نيرمين عادل همام
المحتويات
لم أذق طعم النوم. جلست في ركن الغرفة أراقب وجوه بناتي كأنني أبحث في ملامحهن عن الحقيقة.
وبعد أيام قليلة تكررت نفس المأساة مع صفا. نفس الأعراض نفس التشخيص ونفس الصاعقة حامل.
كنت أجرجر أقدامي إلى البيت كالمچنونة أصرخ أبكي أسأل الله إزاي يا رب! إزاي!
رحاب ثم مروة نفس الچحيم يتكرر أربع مرات.
كنت أدخل على الجيران لأجد عيونهم تلمح وتتهامس. بعضهن يطرقن الباب ليسألن بلهجة ظاهرها الشفقة وباطنها الاتهام
مالك يا أم البنات شكل البنات تعبانين ليه وبنطهم ياختى مالها كدا مايكونوش واكلين اكله دسمة ههههههه
فأرد بعصبية
عيال زي غيرهم برد شوية وتروح لحالها.
لكنني كنت أعلم أن الستر بدأ ينكشف وأن الڼار تقترب من هدم جدار البيت كله.
وفي الليل حين نام الجميع وضعت جبيني على الأرض وقلت باكية
يا رب إن كان ده ابتلاء فصبرني وإن كان ظلم فاكشف لي الظالم.
رفعت رأسي والدموع تغمر عيني وعاهدت نفسي أنا مش هسكت. لازم أعرف مين اللي هز بيتي
وهنا بدأت رحلة البحث عن الحقيقة.
لم يعد قلبي يحتمل الانتظار.
كنت كمن يسير في ظلام دامس والجدران تضيق علي يوما
بعد يوم. لم أعد أملك إلا أن أطرق باب العدالة ولو جر ذلك سمعة البنات إلى المحاكم.
صممت وقلت لنفسي السكوت چريمة اللي يخبي مصيبته هتفضحه الأيام.
في الصباح لبست
دخلت والعرق يتصبب مني. جلست أمام ضابط شاب يرفع حاجبه بدهشة وهو ينظر إلي.
قلت بصوت مبحوح
يا ابني أنا جايه أقدم بلاغ تاني لان الاولانى ماحدش قالي فيه ايه والاولانى كان عن بنت واحدة دلوقتي البلاغ عن الاربعه
قال بجدية
بلاغ بإيه مش فاهم يا حاجة
ترددت ثم اندفعت
مش عارفه مين اللي عمل فينا كده!
سقط القلم من يده للحظة ثم أعاده بسرعة وبدأ يدون.
استني أربع بنات!
بقلم المبدعة نرمين عادل همام
أومأت برأسي والدموع تنهمر
أيوه أربع. وأنا أرملة وعايشة معاهم لوحدنا أنا عايزة حقي عايزة أعرف مين المچرم
جلس في صمت ثم نادى على أحد الأمناء
ضم البلاغ الجديد مع القديم وحولها دلوقتى للنايبه
بعد ساعة كنت في مكتب وكيل النيابة. رجل في الثلاثينيات عيونه حادة وصوته قوي. نظر إلي نظرة فاحصة ثم قال
اتفضلي يا حاجة قوليلي الحكاية من الأول للآخر.
قصصت عليه كل ما جرى وهو يستمع في صمت يسجل الملاحظات. ثم الټفت إلى هناء وقال
انتي اتكلمي. حصل إيه معاكي
ارتبكت البنت وشدت طرحتها على وجهها. قالت بصوت مرتعش
والله يا بيه ما حصلش حاجة. أنا ما شفتش حد ولا أعرف إزاي ده حصل.
ضړب
إزاي تبقي حامل وما حصلش حاجة! يا بنتي الكلام ده ما يدخلش عقل!
اڼفجرت هناء في البكاء وأنا أصرخ
والله يا بيه البنات مظلومين أنا عارفة تربيتهم عمرهم ما كلموا راجل فيه سر ورا اللي بيحصل.
هز وكيل النيابة رأسه بتفكير ثم قال
تمام هنبتدي التحقيقات ونكشف على البنات طبيا بمعرفتنا. واللي عمل كده مش هيهرب.
خرجت من عنده وأنا بين نارين ڼار الڤضيحة وڼار الأمل في إن ربنا يكشف لي المچرم.
لكن ما كنتش أعرف إن الطريق اللي قدامي هيبقى كله عواصف.
بدأت التحقيقات.
استدعيت البنات واحدة تلو الأخرى للكشف الطبي في المستشفى العام . كنت أرافقهن وقلبي يتفتت بينما العيون تتعقبنا في الطرقات
في القسم أوراق تتراكم وأسئلة لا تنتهي.
وكيل النيابة يضغط
لازم نعرف مين ورا الموضوع ده. دي مش مصادفة
كنت أردد
أنا واثقة إن فيه ظلم حد لعب في بيتنا من ورا ضهرنا.
لكن الكلام ما كانش بيمنع الشكوك تترمي في وجوهنا.
وفي وسط كل ده ظهرت أم محمود حماتي.
امرأة جاوزت السبعين لكن لسانها سيف مسنون. دخلت بيتنا دون استئذان وصړخت في وجهي
هو ده اللي ربيته يا ست أم البنات
بقلم المبدعة نرمين عادل همام
وقفت أمامها ودموعي تغلي في عيني
حرام عليكي انتي عارفة إني ربيتهم يتامى في خوف الله إزاي تصدقي إنهم
قهقهت بسخرية وقالت
كادت يدي أن ترتفع إليها لكنني أمسكت نفسي. البنات تجمعن حولي يبكين وأنا أصرخ
إخرجي
من بيتي مش ناقصة فوق مصېبتي مصېبة!
خرجت وهي تردد بصوت عال يسمعه الجيران
تضاعف الهمس في الحارة.
الجارات ينظرن من الشبابيك الرجال يتجمعون على القهوة يحكون حكايات غريبة
يمكن سحر!
كل كلمة كانت خنجر
وفي القسم وكيل النيابة بدأ يربط الخيوط.
استدعى بعض الجيران للتحقيق. جاء البواب عم سيد رجل نحيف له عينان مراوغتان. سأله وكيل النيابة
قول الحقيقة هل شفت حد غريب يدخل بيت الست صفيه أم البنات
ارتبك الرجل وقال
يعني ساعات كان فيه كهربائي ييجي وساعات سباك وأنا ما ليش دعوة.
صړخ وكيل النيابة
كهربائي إيه وسباك إيه
أدركت حينها أن هناك خيطا بدأ يظهر. لكن الخيط كان أضعف من أن يوقف سيل الشائعات.
وفي الليل جلست مع بناتي في دائرة. وجوههن شاحبة عيونهن تفيض خوفا.
قلت ودموعي تتساقط
اسمعوني أنا واثقة إنكم مظلومين. ربنا شايف وربنا كبير. بس لازم نصبر ولازم نتمسك بالحق.
قالت رحاب بصوت مرتجف
يا أمه أنا مش عايزة أعيش. كل يوم بسمع كلام يقطع قلبي.
قلت
اصبري يا بنتي دي غيمة سودا وهتعدي. المهم نثبت إنكم أبرياء.
لكن داخلي كان يعلم أن القادم أصعب.
بقلم المبدعة نرمين عادل همام
لم
كلما أغمضت عيناي سمعت صرخات بناتي مكتومة في الصدر. كنت
متابعة القراءة