روايه للكاتبه شاهنده سمير
الفصل الأول
فجأة تلاشت من بين يديه وكأنها لم تكن فى منذ ثوان..إنتفض يبحث عنها بعينيه وعندما لم يجدها صړخ بإسمها فى لوعة..ليحيره صوت يأتيه من بعيد ..هل هو صوتهالا إنه ليس بصوتها أبدا..ولكنه وعلى الرغم من ذلك صوت يعرفه جيدا ..إنه صوت راوية والتى كانت تقول بقلق
يحيي..فوق يايحيي.
فتح يحيى عيناه ببطئ ليجد عينا راوية فى مواجهته وهي تنظر إليه فى حزن إمتزج بالقلق ..لقد بات يعرف تلك النظرة جيدا ..فقد باتت تتكرر مؤخرا بشكل أشعره بالذنب ليشيح بعينيه عنها وهو ينأى بجانبه مانحا إياها ظهره ليتمالك نفسه التى ضاعت فى عشق أخرى..مسببا الألم لكليهما..فقد أدرك فى الآونة الأخيرة أن راوية تعلم بأن قلبه مشغول بسواها..ربما لا تعلم من هي ولكنها متأكدة من وجودها فى قلب زوجها ..قلب يحيي الذى يأبى أن ينساها رغم مرور كل تلك السنوات على فراقهما..ورغم انه لم يرها خلالهم ولو لمرة واحدة ولكنه لم يستطع إخراج صورتها من خياله ولا عشقها من قلبه رغم محاولاته المستميتة لفعل ذلك.
يحيي..إنت كويس
أنا كويس يا راوية متقلقيش..ده مجرد كابوس وفقت منه خلاص.
إرجعى نامى إنتى وأنا هقوم آخد شاور وألبس عشان إتأخرت على الشغل.
ثم تركها ناهضا ومتجها إلى الحمام ليتوقف فى جمود على صوت راوية وهي تقول بتردد
كلمتها يايحيي..كلمت رحمة
أجابها دون أن يلتفت إليها قائلا بجمود
إنتى لسة مصممة ياراوية إنها تيجى هنا من تانى
قالت راوية بحزم
أيوة يايحيي..أنا مصممةقلتهالك كتير..ليه مش قادر تفهمنى
مال بجانب وجهه يقول بصوت خال من المشاعر
إنتى عارفة إنى مش حابب وجودها هنا فى البيت معانا وعارفة السبب .
قالت راوية برجاء وهي تتجه بضعف إلى يحيي وتقف قبالته
إسمعنى بس يايحيي..رحمة ملهاش ذنب فى مۏت هشام ولازم كلكم تفهموا ده..رحمة مش ممكن تكون السبب فى مۏته..انتوا كلكم ظالمينها.
نظر يحيي إلى عيون راوية قائلا فى برود
رحمة انتهت بالنسبة لنا كلنا من زمان ياراوية ..من قبل حاډثة هشام ..ولا نسيتى
لو مصممة بجد..فأنا هبعتلها حد يبلغها رغبتك فى إنك تشوفيها ياراوية ..أنا أهم حاجة عندى إنى مش عايز أشوفك زعلانة تانى ولا عايز أشوف فى عنيكى دموع..مفهوم
يحيي.
نظر إليها متسائلا..لتقول پألم ظهر فى نبرات صوتها وعيونها التى غشيتها الدموع
ياريت بسرعة مبقاش فيه وقت.
قلتلك مبحبش أشوف دموعك دى ياراوية..بتوجعنى..عشان خاطرى تنسى الحزن وتبعديه عن قلبك..انتى أقوى منه..وأنا كمان جنبك..ولا إيه
أومأت برأسها ليبتسم إبتسامة حانية وهو على وجنتها ثم يلتفت متجها إلى الحمام ومغلقا بابه خلفه ..لتنظر راوية فى إثره..وتقول بحزن
كان نفسى أفضل جنبك طول العمر بس إرادة ربنا بقى.. أو يمكن عقابه لية عشان كنت عارفة الحقيقة وخبيت عنك..كنت أنانية..ومفكرتش غير فى حبى ليك..مع إنى متأكدة إن عمرك ما حبيتنى ..إنت حبيتها هي وبس..وهي كمان..هي كمان محبتش غيرك..غلطة
أنا غلطها زمان.. وكلنا دفعنا تمنها..يشهد ربى إنى كنت بټعذب كل يوم بسبب الغلطة دى..بس خلاص لازم أصلحها ويارب أقدر أصلحها قبل فوات الأوان..يااارب.
قال مراد بنبرة حاول أن يجعلها طبيعية قدر الإمكان
هتخليها تيجى بجد يايحيي
نهض يحيي وإلتف حول مكتبه ليقف أمام النافذة يتطلع إلى الخارج قائلا فى جمود
مكنش أدامى حل تانى ..أنا أكتر واحد مش حابب إنى أشوفها أدامى من جديد..بس راوية طلبت منى إنها تشوفها كتير وأنا ماطلت أكتر..ومبقاش فيه وقت زي ما قالت..وأنا خاېف.
اقترب منه مراد قائلا فى حيرة
خاېف من إيه بس
ابتلع يحيي ريقه بصعوبة وهو يلتفت مواجها عينا أخيه ومستطرد فى ألم
خاېف يامراد..خاېف أندم بعد كدة إنى حرمتها من إنها تشوف أختها..يمكن للمرة الأخيرة.
مزقت نبرات يحيي الحزينة نياط قلب مراد. قائلا بعطف
شايل كتير ياأخويا جوة قلبك..ومضطر تشيل أكتر..وللأسف مش بإيدى حاجة أقدر أخفف بيها عنك.
تمالك يحيي نفسه وهو يرى نظرة الشفقة فى عيون أخيه..ليربت على يده الرابضة
أنا كويس يامراد..متقلقش علية.
ثم إبتعد متجها إلى مقعده خلف مكتبه ليجلس عليه قائلا
المشكلة دلوقتى فى وجودها هنا معانا تحت سقف بيت واحد والمشاكل اللى هتيجى من وراها.
عقد مراد حاجبيه قائلا
قصدك إيه
تراجع يحيي فى مقعده وهو ينظر إليه نظرة ذات مغزى قائلا
يعنى مش عارف يامراد أقصد إيه
ظهر التوتر على محيا مراد ليقول بإرتباك
لو قصدك ..يعنى..الموضوع القديم ده..يبقى إنسى..ومتقلقش خالص ..أنا نسيت رحمة
من زمان ومبقتش فى دماغى أساسا.
رفع يحيي إحدى حاجبيه قائلا
متأكد يامراد
ظهر التوتر أكثر على ملامح مراد ليقول بعصبية
طبعا متأكد..من يوم ما بقت رحمة مرات هشام والموضوع ده إتقفل بالنسبة لى يا يحيي.
تنازعت يحيي مشاعر ثائرة هزت كيانه ..مابين غيرة وألم وندم وشعور يستقر فى أعماقه ..إنه شعور عميق بالخېانة تجاه إخوته.. ولكنه قال بهدوء لا يعكس تلك المشاعر
بس هشام ماټ يامراد..و....
قاطعه مراد قائلا بحزم
بالنسبة لى هيفضل عايش العمر كله ..هشام مش بس كان أخويا الأصغر منى..لأ ده أخويا اللى ربيته على إيدى و مستحيل أخون ذكراه مهما حصل وأقرب لمراته..ده غير إنى متجوز..وياريت منفتحش الموضوع ده تانى يايحيي..متندمنيش إنى قلتلك على مشاعرى فى لحظة ضعف..رحمة بالنسبة لى دلوقتى
مش أكتر من أرملة أخويا الله يرحمه وبس..مفهوم
هز يحيي رأسه بإرتياح ثم قال
طب وبشرى.. تعرف حاجة عن الموضوع ده
قال مراد نافيا
لأ طبعا..مكنش ينفع تعرف ..بشرى طول عمرها مبطيقش رحمة لله فى لله..مابالك بقى لو عرفت حاجة زي دى..الموضوع ده لازم يفضل سر بينا وبس .
اومأ يحيي برأسه موافقا..ليقترب مراد ويجلس على المقعد المواجه ليحيي قائلا
تفتكر هتيجى
ظهرت البرودة على ملامح يحيي وهو يقول
مش عارف..أنا عملت اللى علية وبعتلها تقارير أختها الصحية..وهي حرة ..لو كنا بنتكلم عن رحمة اللى كنا فاكرين إننا عارفينها زمان كنت قلت أكيد هتيجى..بس إنت عارف كويس إن دى مش رحمة بنت عمنا اللى إتربينا معاها ..وإنت شفت بنفسك هي عملت إيه..دى واحدة احنا بجد منعرفهاش..وبعد اللى عملته زمان..ممكن نتوقع منها أي حاجة ..إنت ناسى كمان لما أخوك ماټ وكنت أنا برة مصر..وخبيتوا علية وسافرت إنت عشان تجيب أخوك فى هنا فى القاهرة..و لما طلبت منها تيجى معاك رفضت ..فيه زوجة فى الدنيا ترفض تحضر مراسم ډفن جوزها الأخيرة..مهما كان بينا وبينها من مشاكل
أومأ مراد برأسه قائلا فى حزن
معاك حق..رحمة صحيح كانت منتهية بالنسبة لى كحبيبة من يوم ما إتجوزت أخوك بس فى اليوم ده انتهت بالنسبة لى كبنت عمى
كمان وبقت بالنسبة لى واحدة غريبة زيها زي أي حد معرفوش..دى حتى مهنش عليها تسألنا عن مكان قپره..أو تحضر الذكرى السنوية بتاعته.
أغمض يحيي عينه فى ألم ثم فتحهما وقد ذهب الألم وحل محله برودة قاسېة وهو يقول
رحمة بالنسبة لنا بقت واحدة غريبة فعلا.. مش أكتر من أخت لراوية اللى أمنيتها الأخيرة تشوفها قبل ما ټموت..لو جت يبقى هتيجى وتمشى من غير أي مشاكل وأنا بنفسى اللى هتأكد من كدة..ولو شفت منها أي حاجة معجبتنيش..يبقى هي اللى جابته لنفسها وهيكون عليها تواجهنى أنا..وساعتها والله ماهرحمها.
توجس قلب مراد خيفة من نبرات يحيي الصارمة يدرك أنه من الأفضل لرحمة أن لا تثير ڠضب يحيي..فيحيي عندما يغضب يجب ان يبتعد عنه الجميع ..فغضبه قد ېحرق الاخضر واليابس.. وكل من يقع فى طريقه هو هالك لا
محالة..ليتمنى فى قرارة نفسه أن لا تلبى رحمة دعوة أختها وأن تظل بعيدة تماما عنهم..فهذا هو الأفضل للجميع.
بينما كانت هناك أذن قد سمعت حوارهما وعينان قد ظهر بهما حقد شديد..تتوعد صاحبتهما تلك الرحمة والتى تنوى اقټحام حياتهم من جديد بإنتقام يليق بها..وستتأكد تلك المرة من أنها ستغادرهم بلا رجعة..خاصة بعد اعتراف زوجها الصريح بأنه كان يحمل لها مشاعرا بداخله..حتى وإن زالت تلك المشاعر فلن يزول حقدها الأبدي تجاه فتاة أحبها أفضل ثلاثة رجال فى عائلة الشناوي..لقد كانوا شركاء فى الډم والعشق..بينما هي لم يحبها أحد منهم..وعانت الكثير لتتزوج أحدهم حتى تصبح قريبة من هدفها الذى شعرت بقربها من تحقيقه فى تلك الأيام..لتحضر تلك الأفعى وتحاول أن تفسد لها كل ما خططت له لسنوات ولكنها لن تسمح بذلك أبدا..ستتفنن فى خلق المشاكل والعقبات والتى ستؤدى برحمة إلى الإقصاء من حياتهم مجددا..ستبذل قصارى جهدها لتنحيتها من طريقها تلك المرة.... للأبد.
كانت رحمة تضع أشياءها وملابسها الخاصة داخل حقيبتها..تستعد للسفر إلى القاهرة حيث توجد أختها هناك ټصارع مرضا ميئوسا منه كما قالت تقاريرها..حاولت عرض تلك التقارير على بعض الأطباء المشهورين فى دبي ولكن مع الأسف كانت النتيجة واحدة ..أجمع الكل على أن صاحبة تلك التقارير تنتظر المۏت مابين لحظة وأخرى..أدمعت عيونها فى تلك اللحظة وهي تترك ما بيدها وتجلس ساكنة تحاول ان تستجمع شجاعتها..تلملم جراح قلبها المټألم حزنا على أخت كان أمامها سنوات عديدة لتحياها فى كنف زوجها وطفلها ذو العامين ولكن القدر أبى أن يمحنها تلك السنوات..أغمضت عيونها تسمح لدموعها بالسقوط على وجهها تتذكر ذلك الزوج ..تتقطع نياط قلبها عندما تمثلت أمامها صورته ..عينيه العسليتين..حواجبه المعقوفة..غمازتيه..ضحكته التى تبرزهما وتحملها إلى عالم آخر..فتحت عينيها تنفض مسار أفكارها ..كيف تفكر فيه مجددا ..كيف سمحت لنفسها أن تتذكره أو لم تعد نفسها مرارا وتكرارا أن تنساهأو لم تقسم أن تمحى ذكراه من حياتها إلى الأبد..ليس فقط من أجل أختها..بل أيضا من أجل
كرامتها المذبوحة على أعتاب قدميه..قلبها المكسور الممزقة مشاعره..هل جنتبالتأكيد نعم..لتتساءل فى ألم..كيف تتذكره وهي لم تنساه للحظة..صورته تلك و التى تخشى تذكرها الآن لم تفارق خيالها يوما..لذا فضلت الإبتعاد عنه وعدم رؤيته طوال تلك السنوات..فهي تدرك أنها مازالت تعشقه رغم كل شئ..وهو لم يعد لها رغم كل شئ أيضا.
....نهضت من مكانها..وإقتربت من دولابها تبحث عن ألبوم الصور المخبأ تحت طيات ملابسها لتلتمع عيناها وهي تجده
..حتى وصلت لصورة يحيى لتطالعها عينيه الجميلتين وإبتسامته الرائعة.. رفعت يدها ولمست وجهه برقة تدرك أنها تفتقده بشدة من أنفاس تسارعت و قلب إزدادت خفقاته تعلن عن وجيب إشتياقها له .. أبعدت أصابعها عن الصورة بسرعة وقد أحست بنيران الشوق تلفحها..لتنظر إلى تلك الصورة المقابلة لصورة يحيي..إنها آخر
صورة لعائلة الشناوي مجتمعين ..قبل أن تفترق عنهم..تأملت تلك الصورة جيدا..ترى لأول مرة ما عجزت عن رؤيته طوال سنوات حياتها معهم..فها هي رحمة تبدو السعادة على وجه كليهما جلية..بينما يتطلع لهما هشام بعيون امتلأت حقدا..أما راوية..تلك الرزينة العاقلة.. تنظر بدورها إلى يحيي بنظرة عشق تعرفت عليها رحمة على الفور..بينما تلتصق بشرى بمراد ناظرين لرحمة ولكن نظرة بشرى يتخلل أعماقها كره شديد يتسلل منها ليصل إلى قلب رحمة الآن على الفور وتفهمها بوضوح ..تدرك ان تلك الأفعى لم تحبها يوما ..كما لم تكن تدعى يوما..فلطالما سخرت منها ومن إلتصاقها بيحيي كظله وأرجعت رحمة تلك السخرية لغيرة طفولية لأن يحيي لا يعيرها إهتماما بينما
ينصب كل إهتمامه
على رحمة والقليل منه على راوية..ولكن يبدو أن الموضوع أكبر من ذلك..وغيرة بشرى الطفولية شبت معها حتى صار ما صار.
نفضت رحمة أفكارها وهي تنظر إلى صورة الجد الذى يتوسط الجميع ..إنه هاشم الشناوي..كبير العائلة وسندها..كم يشبه يحيي فى الشكل والطباع..لتقول بحزن
ظلمتنى أوى ياجدى..بس هفضل لآخر نفس فية أحبك..مش هنسالك لحظة حنية حسيتها مرة وأنا صغيرة لما سخنت وكنت ھموت..وأول ما فوقت وقلتلى حمد الله على السلامة يابنتى.. وبعد ما بابا تحت جناحك أنا وأختى راوية..وان كنت مقدرتش تشوف انى كنت مظلومة وقتها وقسيت علية زيهم..إذا كنت شفتنى ساعتها بهيرة أمى..فأنا هعذرك..إذا كان هو صدق انى ممكن أعمل كدة..يبقى إنت مش هتصدق..مكنش فيه حد فى الدنيا دى ممكن يصدق إنى مظلومة غيره هو..هو أكتر واحد عارفنى ..ده مربينى على إيديه ومع ذلك صدقهم..حكم علية وظلمنى معاكم..يبقى إزاي هلوم عليك إنت..كان كل أمنيتى إنى أشوفك وأشوف اختى قبل فوات الأوان وان كنت مقدرتش أشوفك فالظاهر ربنا هيحققلى أمنيتى التانية بإنى أشوف أختى ..ورغم إنى مش قادرة أتخيل رجوعى هناك من تانى بس هرجع ..هرجع بس عشانها هي..راوية..
إستنينى لإنى خلاص ناوية أواجه..هواجه اللى دبحونى لأول وآخر مرة عشانك انتى..وده وعد منى.
ليظهر التصميم على وجهها وهي ترفع سماعة هاتفها تتصل برقم لتقول لمحدثها
أنا بتصل أأكد الحجز..أيوة ..طيارة القاهرة..بكرة الصبح.
الفصل الثانى
وقفت رحمة تتطلع إلى هذا المنزل الكبير.. ورغما عنها عندما تقابلت چروحها القديمة مع حاضرها لأول مرة حدث انفجارا لسد أحزانها وسقط على خديها شلال من مياه مالحة مرة المذاق..تعبر عن مرارة شعورها بعودتها مجددا إلى هذا المنزل..منزل عائلة الشناوي.
نظرت رحمة إلى ذلك البيت الذى غادرته مجبورة منذ خمس سنوات مضت..لقد خرجت منه مکسورة الفؤاد ..ذليلة ..دامعة العينان غاضبة من قاطنيه..واليوم عادت إليه..مضطرة مجبورة أيضا..مازالت مکسورة الفؤاد دامعة العينان ..ولكنها أبدا ليست بذليلة فقد تخطت ماحدث وأصبحت أقوى مما كانت عليه بالماضى ومستعدة للمواجهة بكل حزم..ولم تعد أيضا غاضبة من قاطنيه ..فقط هم لا شئ بالنسبة إليها..وربما تشفق علي بعضهم..لكنها تقسم فى نفسها أن من سيلتزم منهم جانبه ستدعه وشأنه أما من سيحاول أن يضايقها فستتصدى له بكل قوة حتى وإن كان يحيى بنفسه
من يفعل ذلك..نعم..ستكون له بالمرصاد ولن تدع له أي فرصة ليحطمها من جديد.
..ذكرتها دموعها بضعفها القديم..لتنتفض ماسحة إياهم بعصبية قبل أن تتجه بخطوات رشيقة بإتجاه الباب تأخذ نفسا عميقا قبل أن تمد يدها و تدق جرس الباب بحزم..غافلة عن عينان تابعتها منذ اللحظة الأولى لدلوفها من باب الحديقة..عينان اشتعلت فيهما نيران الشوق والنفور..العشق والكره..الشفقة والڠضب..نيران امتدت إلى قلب صاحبها تشعله بدورها بكل تلك المشاعر المتناقضة وتمزق نبضاته ليدرك أنه أخطأ بشدة حين لبى طلب زوجته وإستدعاها إلى هنا..ولكن بماذا يفيد الندم الآن ...وقد فات الأوان
فتحت الخادمة روحية الباب لتفاجئ برحمة تقف أمامها لتظهر السعادة جلية على ملامحها وهي تقول
ست رحمة..حمد الله ع السلامة.
إبتسمت رحمة قائلة
الله يسلمك ياروحية.
أفسحت لها
الخادمة لتدلف إلى المنزل قائلة
اتفضلى ياستى..بيتك ومطرحك... نورتينا..ووحشتينا والله.
دلفت رحمة إلى المنزل قائلة
تسلمى.
لتتبعها روحية التى مالبثت أن سبقتها قائلة بحبور
ثوانى بس أبلغ كل اللى فى البيت إنك رجعتى.
إستوقفتها رحمة قائلة
إستنى ياروحية.
توقفت روحية تنظر إلى رحمة بتساؤل لتقول رحمة بهدوء
من فضلك بلغى بس راوية إنى جيت و عايزة أشوفها.
نظرت إليها روحية فى حيرة قائلة
بس ياستى.. يحيي بيه.....
قاطعها صوت تعرفه رحمة جيدا يقول بصرامة
نفذى كلام الهانم ياروحية.
أغمضت رحمة عينيها عند سماع نبرات صوته التى زادت من دقات قلبها
..قاومت رغبة هائلة فى أن تلتفت إليه تشبع شوقها إلى رؤيته..تملأ عيونها بملامحه ..لتفتحهما مجددا على صوت الخادمة وهي تقول بإحترام
أمرك يايحيي بيه..عن إذنكم.
لم تلتفت إليه رحمة بعد إنصراف الخادمة..بل ظلت واقفة مكانها فى جمود تدرك من خلال صوت خطواته ..لتشعر أنه أصبح خلفها تماما تصل إليها رائحة عطره المميز والتى لطالما أسكرتها..لتغمض عينيها مجددا وتأخذ نفسا عميقا ثم تفتحهما على إتساعهما عندما سمعته يقول ببرود
حمد الله ع السلامة ياهانم.
لاحظت تجنبه نطقه لإسمها..لتلتفت إليه ببطئ تتلاقى به وجها لوجه لأول مرة منذ خمس سنوات..رغما عنها رقت عيناها لثوان وهي تلتقى بعينيه الخاليتين من
المشاعر..تتشرب بلهفة من ملامحه التى شعرت بها قد زادتها السنون وسامة ولكن فى نفس الوقت جعلته يبدو أكبر من سنه..تبا..لقد إشتاقت إليه حقا..ولكن برودة ملامحه رغم تأمله لوجهها بدوره أعادتها من رحلة شوق بائسة وجدت نفسها فيها.. لتتذكر حاضرها المرير وأن هذا الرجل الذى أمامها الآن لم يعد حبيبها الذى دق القلب لأول مرة على يديه..بل إنه جارحها وهو أيضا زوج أختها الآن لذا لابد وأن تتعامل معه بما يناسبه حقا..لتظهر على وجهها بدورها برودة قاسېة وهي تقول
الله يسلمك.
أحست رحمة بلمحة من الإعجاب ظهرت فى عمق عسليتيه لا تدرى سببا لها..ثم مالبثت ان اختفت وكأنها لم تكن أبدا..آه من عسليتاه ..و اللتان تطالعانها الآن ببرود..تشعر بقلبها يذوب فيهما..فهي تعشق عيناه ..فلطالما كانتا نافذتها إلى روحه..ولكن تلك النافذة مغلقة الآن أمامها..لتشيح بوجهها بعيدا عنه..ثم تعود إليه بنظراتها مجددا عندما قال فى برود
ياريت ما تتعبيش راوية فى الكلام..الدكتور قايل متتكلمش كتير..وحاولى متزعليهاش او تضايقيها بأي شكل من الأشكال..أنا على فكرة..مكنتش موافق على زيارتك دى بس مع الأسف مرضيتش أزعلها لما طلبت تشوفك .
رغم قسۏة كلماته التى غرست سکين بارد فى قلبها فقد عبر بكلمات واضحة ومباشرة عن عدم رغبته فى رؤيتها..ولكنها تجاهلت ذلك الألم بقلبها تماما وهي تقول بقلق
هي أخبارها إيه دلوقتىوهو إحنا ممكن نسفرها تتعالج برة
تأمل يحيى قلقها بريبة يتساءل هل حقا لديها مشاعر تجاه أختها أم أن قلقها هذا مجرد تمثيل..لم يتوقف كثيرا عند تلك النقطة بل تخطاها وهو يقول
ببرود رغما عنه أمتزج بالألم
مريضة سړطان وپتموت.. هتكون حالتها عاملة إزاي يعنىأكيد تعبانة وبتتألم..ولو ع السفر برة فأكيد مكنتش هستنى اقتراحك عشان أنفذه..انا عرضتها على أكبر الدكاترة برة وجوة..ومع الأسف ..الكل أجمع على إن الحالة ميئوس منها.
أحست رحمة بالټحطم لدى سماعها كلمات يحيي..لقد كانت تعلم أن حالة أختها ميئوس منها ولكن كان لديها أمل فى عرضها على بعض الأطباء بالخارج.. لكن يحيي أزال هذا الأمل بكل قسۏة..شعرت بالدوار وأن المكان من حولها يلف بشدة.. كادت أن تسقط ولكنها شعرت بيد قوية تسندها..نظرت إلى صاحبها تلاحظ القلق فى عينيه....رمشت
أفاقا سويا من مشاعرهما على صوت الخادمة تقول بإحترام
راوية هانم مستنياكى فى أوضتها ياست رحمة.
ألقت رحمة نظرة أخيرة على يحيي قبل أن تومئ برأسها وتتبع روحية..تتجه إلى حجرة أختها.. لينظر يحيي بإثرها تاركا مشاعره الحقيقية تظهر على وجهه بعد أن أخفاها كثيرا..قبل ان يتهدل كتفاه ويتجه بدوره إلى حجرة المكتب..
لتتراجع بشرى بحذر.. تتجه إلى حجرتها بعد أن شاهدت هذا اللقاء من مكان خفي..كادت ان تشعر بالسعادة ف بداية هذا اللقاء وهي تستشعر البرودة والجمود فى لقاءهما ولكن ظهور مشاعرهما
رغما عنهما أشعل الحقد فى قلب بشرى من جديد.. لتعقد النية على فعل أي شئ لكي تغادر تلك الرحمة المنزل بأسرع وقت..تلك التى حصلت على قلوب رجال الشناوي بينما لم تحصل هي على شئ........حتى الآن.
دلفت شروق إلى الحجرة تحمل فى يدها صينية عليها كوبين من العصير..لترى مراد يلبس قميصه ويبدوا مستعدا للمغادرة ..لتضع الصينية على تلك الطاولة الصغيرة الجانبية وتتجه إليه قائلة فى حيرة امتزجت بالحزن
إنت ماشى بسرعة كدة
إلتفت إليها ليرى ملامحها الجميلة تمتزج بهم الحيرة بالحزن..ليرفع يده ويقرص بها أنفها بخفة قائلا
معلش مضطر أمشى..بنت عمى ومرات أخويا الله يرحمه جاية من السفر النهاردة ولازم أكون فى البيت دلوقتى..عموما متزعليش ..هحاول أجيلك بكرة.
أومأت برأسها موافقة دون أن تنطق بحرف.. فى رأسها بحنان قبل أن يتجه لمغادرة الحجرة ليوقفه صوتها المتهدج حزنا وهي تنادى بإسمه ..إلتفت إليها يدرك أنها حزينة على فراقه من ملامحها الشفافة..فهو يعلم أنها تعشقه پجنون وتود لو ظل بجوارها إلى الأبد..يؤلمها إبتعاده الحتمي وذهابه إلى زوجته بشرى..يشعر قلبه بألمها وغيرتها ..مشاعرها الحزينة و التى تخفيها عنه بصعوبة ولكنه يدركها..ويحزن من أجلها..ولكن يسعده أيضا ان هناك من تجعله ملكا على قلبها وتاجا فوق رأسها..بينما يؤلمه أنه لا يستطيع أن يبادلها كل ذلك الحب..فقلبه قد ماټ
منذ زمن..فقده منذ أحب فتاة
جعلته عاشقا لأول مرة وجعلت خافقه يدق بشدة وحين كاد ان يصارحها بعشقه..اكتشف أنها سيئة الجد خوفا من ثم يبتعدا عن عائلة الشناوي لسنوات..سنوات شعر فيها بمۏت القلب والمشاعر..حاول فيها أن ينسى هذا العشق الذى أضناه..يكاد يقسم أنه قد نجح فى ذلك..لولا أن رآها مجددا عند مۏت أخيه ليدرك أنه لم ينساها يوما..بعد ذلك حاول أن يؤكد لنفسه أنها ربما تكون السبب فى مۏت أخيه.. ..حتى يغضب منها ويتناساها..خاصة عندما رفضت الرجوع معه لتحضر مراسم زوجها ..ليغضب منها بشدة..ليعتقد بأنه صار يبغضها ولكنه ليس متأكدا من ذلك الآن..خاصة بعد سماع صوتها فى الصباح تخبره بأنها قادمة..وقلبه الذى ازدادت دقاته وقتها..ربما يخشى هذا اللقاء ..أو يخشى حقا تجدد مشاعره..هو حقا لا يدرى.
...تأمل شروق الماثلة أمامه..تلك الفتاة الجميلة والتى تزوجها لأنها تشبه رحمة فى شقاوتها وطيبتها القديمتين..تشبه حبيبته التى لم تعد حبيبته..نسخة منها تختلف فقط فى الملامح..أو ربما تزوجها لأنها على نقيض زوجته بشرى المتعالية ..خالية المشاعر..والتى يملأ قلبها حقد تجاه الجميع..حقد اكتشفه بعد زواجها منه ..شعر بأنه تسرع فى ذلك الزواج ولكنه لم يستطع أن ينفصل عنها..فهي إبنة عمه اليتيمة والتى لا أحد لها سواه..ليكمل معها حياة بائسة لا يهونها سوى لحظاته مع شروق..رآها تتجه نحوه ..تمسك كوب العصير من على الطاولة وتناوله إياه قائلة
طيب..إشرب
عصير المانجة قبل ما تنزل ..إنت
بتحبه وأنا
عاملاهولك مخصوص.
إبتسم وهو يأخذ الكوب منها يرتشف منه بينما أخذت هي كوبها وإرتشفت منه بدورها..نظر إلى تلك القطرة من العصير والتى إستقرت على الكرزيتين لتغيم عينيه وهو يتطلع إليها..مد يده ومسحها بنعومة ..لتقع أكواب العصير من أيديهما ولكن أحد منهم لم يهتم ..ليحملها مراد بين يديه دون ان .. يتأمل عيونها الخضراء الناعسة والتى تدعوه بكل نعومة للعودة إليها..
أمسكت بشرى هاتفها لتتصل برقم ما وما إن رد عليها محدثها حتى قالت بعصبية
إنت فين..بقالى ساعة بكلمك وتليفونك خارج التغطية
إستمعت إلى محدثها لتقول بعدها
طيب إستنانى فى الشقة أنا جاية حالا.
لتغلق الهاتف وهي تتجه إلى دولابها تختار منه فستانا كي ترتديه للخروج.. تفرغ مشاعرها الغاضبة قبل ان ټنفجر غيظا لتعود لتلك الفتاة بخطة جديدة تخرجها من حياتهم للأبد..نعم ...للأبد.
كاد مراد أن يقود سيارته متجها إلى المنزل عندما إستمع إلى رنين هاتفه ليمسك الهاتف ويرى رقم أخيه..وضع السماعة فى أذنه وهو يجيب قائلا
آلو.
أجابه يحيي قائلا بإختصار
رحمة جت.
أخذ مراد نفسا عميقا وهو يقود السيارة قائلا
عارف.
عقد يحيي حاجبيه قائلا
وعرفت منين
قال مراد
كلمتنى الصبح قبل ما تركب الطيارة.
شعر يحيي بغيرة حاړقة تكوي شرايينه وهو يدرك أنها تحادث أخاه الذى يدرك أيضا مشاعره تجاهها..ليقول بهدوء لا يشعر به البتة
تمام..إنت فين دلوقتى
قال مراد
أنا فى الطريق.
قال يحيي بجمود
طيب ..مستنيك.
ثم أغلق الهاتف ليزيد مراد من سرعته متجها إلى المنزل وقلبه يرتجف قلقا ..يشعر من لهجة يحيي..إلى جانب قلبه الذى ازدادت دقاته وهو يشعر بقرب لقاءه بها مجددا ..أن حياتهم جميعا على وشك التغير.... تماما.
الفصل الثالث
دلفت رحمة إلى تلك الحجرة التى ما تخيلت يوما أن تدخلها إلا كزوجة ليحيي ..لتدلف إليها اليوم كغريبة تماما..لا تمت إليه بصلة ولا حتى صلة القرابة التى جمعتهما منذ البداية..فلم يعد يعدها كإبنة عمه ولم تعد تعتبره كذلك أيضا..
تنعم بدفئها الذى حرمت منه لسنوات..هذا الدفئ الذى لطالما أحاطتها به رحمة ..وجعلتها تشعر بأنها هي الأخت الصغرى والتى تحتاج إلى الرعاية والحنان وليس العكس..
ۏجعتك
وجعى كان فى بعدك عنى يارحمة.. ودلوقتى وجعى راح لما شفتك من تانى.
أدمعت عينا رحمة وهي تتأمل ملامح أختها الشاحبة التى غيرها المړض كثيرا فبدت أكبر من سنوات عمرها الثلاثين..لتقول بصوت متهدج من المشاعر
أنا كمان يا راوية كنت حاسة بروحى ضايعة منى
قالت راوية بلهفة
بجد يارحمة ..يعنى مش زعلانة منى
عقدت رحمة حاجبيها فى حيرة قائلة
وهزعل منك ليه بس ياراوية
قالت راوية بحزن
عشان موقفتش جنبك وقت اللى حصل..لما..لما....
أخفضت رحمة يديها بجوارها وهي تقول
الكلام ده كان من زمان يا رواية..وخلاص مبقتش تفرق كتير..صحيح إنتى أختى وكان لازم تعرفى إنى مش ممكن أعمل كدة.. بس إنتى اكيد إتخدعتى زيهم وأنا خلاص مش زعلانة ..كل واحد بياخد نصيبه..وانا أخدت نصيبى وراضية بيه.
أطرقت راوية برأسها فى حزن قائلة
بس أنا متخدعتش ..أنا كنت عارفة الحقيقة.
إتسعت عينا رحمة دهشة وهي تقول
كنتى عارفة
رفعت راوية وجهها تواجه عينا أختها الحائرتين وهي تقول مدمعة العينان
أيوة كنت عارفة إنك مظلومة وإنك مكنتيش مع هشام ليلتها زي ما حاول يبين لينا كلنا..كنت عارفة إن كل اللى حصل ده كانت تمثيلية عشان يتجوزك ڠصب عنك.
عقدت رحمة حاجبيها قائلة
وعرفتى منين يا راوية
صمتت راوية ليزداد إنعقاد حاجبي رحمة وهي تقول
طب ليه متكلمتيش ساعتها
نزلت دموع راوية فى تلك اللحظة قائلة فى حزن
هحكيلك يا رحمة ..هحكيلك كل
حاجة ..أنا سكت كتير بس خلاص مبقاش ينفع أسكت أكتر من كدة.
لتتحدث راوية ومع كلماتها كانت رحمة تذبح مجددا ....من الصدمة.
جلس يحيي فى هذا الركن المظلم من الحجرة ..يحاول ان يهدئ أعصابه ..يشعر أنه على حافة الإنهيار ألما..ما هذا الذى يحدث لهالڠضب منها يشعله والشوق إليها يحرقه ..تبا..ما الذى أقحمها فى حياته مجددا
مرض زوجته ..نعم..لولاه ما رآها قط مجددا..فهذا كان قراره منذ تلك الليلة التى فقد فيها إيمانه بالعشق..وفقد فيها روحه التى غابت بغيابها..فالخېانة ضړبته فى
مقټل ليتمنى لو لم يعشقها يوما..لا يستطيع نسيان هذه الليلة أبداليشعر بكيانه ېتمزق حرفيا ..ورغم إدراكه انها أصبحت لأخاه من قبلها إلا أن رؤيتها وأخاه يعقد عليها ثم يأخذها بعيدا أډمت قلبه ثم أماتت مشاعره للأبد فظن أنه لم يعد يعشقها وأنه بات فقط يكرهها حتى بدأت تغزو أحلامه..توقظ فيه كل المشاعر..وتثير فيه جنون الإشتياق..لتتجسد أمامه منذ لحظات ليدرك أنها تقبع تحت جلده..يسرى عشقها فى شرايينه مسرى الډم..يعلم أنها اخت زوجته....ومع ذلك يخفق قلبه فقط لمرآها ..وقد زادتها تلك السنوات جمالا وجاذبية وقوة.. لتستيقظ مشاعره الكامنة داخل أعماقه حين لمسها ..وكأن ماضيه معها كأن لم يكن ..وقيوده التى يفرضها حاضره عليهما كأنها سراب ولا وجود لها من الأساس..زفر بقوة وهو ينظر إلى السماء..تصرخ أعماقه پصرخة هزت وجدانهياإلهى ماذا أفعل..
ليفيق من صراعه على دلوف أخيه إلى المكتب وإنارته ضوء الحجرة ليجد يحيي قابعا فى هذا الركن البعيد تبدو ملامحه المكفهرة دليلا واضحا على مقابلته لرحمة..ليقترب منه بقلق قائلا فى تقرير
ضايقتك..صح.
هز يحيي رأسه نفيا قائلا بهدوء
ملحقتش..وبتمنى متفضلش كتير عشان تحاول ..ياريت تشوف أختها وتمشى علطول..مجرد وجودها فى البيت خانقنى.
ظهرت الحيرة على ملامح مراد وهو يتأمل يحيي قبل أن يقول
إنت ليه بتكرهها بالشكل ده يايحيي
قال يحيي بصرامة
يعنى مش عارف يامراد ليه بكرهها
جلس مراد على الكرسي المجاور ليحيي قائلا
لأ مش عارف..صحيح هي غلطت زمان غلطة كبيرة فى حق نفسها وفى حقنا.. وصحيح إن إحنا شاكين إن ممكن تكون السبب فى مۏت أخونا لإنها كانت معاه وقت الحاډثة .. وصاحبه صلاح قال إنهم إتخانقوا مع بعض فى الحفلة قبل ما تركب العربية معاه عشان يروحوا..بس برده إحنا مش متأكدين من الكلام ده..غير إن علاقتكم ببعض كانت حلوة أوى قبل جوازها من هشام ..إنت كنت أقرب واحد ليها ..وكان واضح للكل إنها بتعتبرك زي أخوها .
إبتسم يحيي بسخرية مريرة يردد كلمات أخيه داخل نفسه بمرارة..تعتبره مثل أخاها..كم كان مراد ساذجا..لايدرى أنها كانت توهمه بأنه عشقها الأول..وهو صدقها لأنها كانت بدورها عشقه الأول والأخير..وأنه فى ليلة إكتشافهم لها مع أخيه هشام فى حجرة نومه..كان قد وعدها قبلها مباشرة بأنه سيخبر جده فى اليوم التالى برغبته فى الزواج منها وتحقيق حلم لطالما تمنى ان يناله.. ولكن ماحدث ليلتها دمر كل ما حلم به طوال عمره..لتتزوج أخاه ويرحلا بعيدا عن المنزل ثم يوافق هو على الزواج من أختها عندما عرض
عليه الجد ذلك الأمر.. ربما نكاية بها..أو هو فقدان الأمل فى أن يقع مجددا بالحب..او ربما هو فقدانه الإيمان بالحب ذاته..حقا كم تظلمنا الحياة وتسخر منا..تحركنا كالدمى فى يديها ولا نستطيع أن نفعل شيئا سوى
ان نخضع لها..ونسايرها.
افاق من أفكاره على صوت أخيه يقول فى حيرة
يحيي..روحت فين
زفر يحيي وهو يستند برأسه إلى الكرسي خلفه يغمض عينيه قائلا
روحت لنفس المكان بس فى زمن غير الزمن ..زمن كنت فيه واحد تانى مبقتش دلوقتى عارفه ولا قادر أميزه جوايا.
ليفتح عينيه ويعتدل
قائلا فى حزم
المهم دلوقتى..أنا
عايزك تفهم بشرى متعملش مشاكل معاها وتعدى اليومين اللى رحمة قاعدة فيهم هنا على خير..مفهوم يامراد..أنا فية اللى مكفينى ومش ناقص جنانها .
ربت مراد على ساق اخيه مطمئنا وقد رأى حقا ذلك الإرهاق البادي على أخيه قائلا
متقلقش يا يحيي أنا هنبه عليها بنفسى وأوعدك متعملش مشاكل..وزي ما إنت قلت هما يومين وهتمشى..بس هي راحت فين
عقد يحيي حاجبيه قائلا
تقصد مين
قال مراد
بشرى ..رجعت البيت ملقيتهاش.
قال يحيي بنظرة ذات مغزى
وإنت بتسألنى أنا عن مراتك يامراد
شعر مراد بالتأنيب المختفى داخل طيات كلمات أخيه ليقول بإرتباك
أصل هي كلمتنى والفون كان مقفول..ولما فتحته وكلمتها ..تليفونها كان خارج التغطية فقلت يمكن قالتلك حاجة.
قال يحيي بملامح جامدة
لأ مقالتليش ..ومشوفتهاش النهاردة خالص..إنت عارف إنى كنت مشغول برجوع رحمة.
أومأ مراد برأسه متفهما وهو يقول
ورحمة فين دلوقت
تنهد يحيي قائلا
عند راوية.
قال مراد
بقالها كتير
قال يحيي
تقريبا ساعة.
اومأ مراد برأسه ثم نهض قائلا
شكلهم هيطولوا..طيب ..أنا هروح أوضتى آخد شاور وأرجعلكم تانى.
أومأ يحيي برأسه ..ليذهب مراد بإتجاه الباب ليتوقف عند سماع أخيه يقول بحزم
ياريت يامراد تخف من سهرك برة شوية وتاخد بالك من مراتك وبيتك.
إلتفت إليه مراد ينظر إلى ملامح أخيه الجامدة ليدرك أنه يلمح إلى شئ ما..كاد أن يستوضح عن مقصده بذلك التنبيه ولكنه الآن
مرهق ..ويحتاج لأخذ حماما سريعا يزيل به كل ماعلق بأفكاره المتعبة أكثر من جسده المنهك..وليؤجل هذا الحديث إلى وقت لاحق..ليغادر يتابعه يحيي بعينيه يقول بصوت خاڤت
لولا عارف طبيعة بشرى..مكنتش عذرتك أبدا فى اللى بتعمله يامراد.
ليتنهد فى حزن ثم يشرد مجددا فى عڈابه الخاص..يتألم كالعادة .....وحده تماما.
نهضت رحمة قائلة پصدمة
إنتى إزاي تعملى كدة..إزاي هنت عليكى بالشكل ده ياراويةده أنا أختك من لحمك ومن دمك.
إنهمرت دموع راوية على وجنتيها وهي تقول بإنهيار
مش عارفة يا رحمة إزاي طاوعتهم وعملت اللى عملته ..يمكن عشان حسيت بحبه ليكى ويمكن عشان كنت أنانية وفضلت مشاعرى على مشاعرك ..أو يمكن عشان شيطانى قاللى إن ده حل كويس لينا كلنا..مش عارفة..صدقينى مش عارفة.. بس كل اللى شايفاه دلوقتى هو إحساسى من يومها ..كنت عارفة إنى غلط وإنى أذنبت فى حقك ..والإحساس بالذنب مكنش بينيمنى..كنت متأكدة إنى مچرمة وأستاهل العقاپ ..بس العقاپ قاسى أوى يارحمة..مرض بياكل فى جسمى وبيموتنى بالبطئ..بيبعدنى عن كل اللى إتمنيته وعملت عشانه كل ده..أنا آسفة يارحمة ..وعارفة إن أسفى مش كفاية بس كان نفسى أعترفلك وأطلب منك السماح ..أنا خلاص مبقاش أدامى كتير وخاېفة أموت وأنا
شايلة ذنبك جوايا.
شعرت رحمة بالشفقة على أختها وإنفطر قلبها وهي تشعر بأن كل ماحدث لها يهون أمام ذلك المۏت الذى ېهدد أختها المسكينة ويحرمها من زوج ضحت من أجله بأقرب الناس إليها و طفل لن تعيش لتراه يكبر أمامها يوما بعد يوم..لتسرع بنفض مشاعرها الغاضبة بعيدا..وإحلال السماح فى قلبها محل الڠضب..لتجلس مجددا فى السرير آخذة أختها فى لتفرغ راوية دموعها على صدر رحمة..تشعر بالخزي من أختها صاحبة القلب الطيب والتى سامحتها رغم ذنبها الكبير..لتقول پألم
أنا آسفة يارحمة...والله آسفة وندمانة.. ندمانة بجد عن كل اللى عملته زمان ..ربنا يسامحهم بقى..هما اللى فضلوا يزنوا على دماغى..والزن على الودان أمر من السحر.
ربتت رحمة على شعرها قائلة بحنان
خلاص ياراوية إهدى وإنسى كل اللى حصل ..متتعبيش نفسك..اللى فات ماټ وإحنا ولاد النهاردة.
قالت راوية بحزن من وسط دموعها
إزاي بس أنسى إنك إتعذبتى السنين اللى فاتت دى كلها من تحت راسى..إزاي بس أنسى إنى
فرقت بينك وبينه عشان يكون لية أنا..عشان أنانية وفكرت
فى نفسى وبس
قالت رحمة بحزن وعيونها تترقرق بالدموع
لأ يارحمة متظلميهوش..التمثيلية كانت محبوكة أوى ..وأي واحد غيره لو شاف اللى إحنا شفناه كان هيصدق..وهيتصدم فى حبيبته زي ما هو إتصدم..بس أنا لوحدى اللى عارفة أد إيه هو إتعذب من اللى حصل ..وأد إيه إتعذب فى بعدك.
زفرت رحمة قائلة
مبقاش يفيد الكلام ده دلوقتى ياراوية..كل واحد فينا خد نصيبه..حكايتنا إنتهت من زمان ومبقاش ينفع الندم ع اللى راح..ولا ينفع كمان نعيد اللى فات.
قالت راوية
بسرعة
لأ ينفع..ينفع يارحمة ..انا عايزاكى بس تسامحينى ياحبيبتى ..لأنى غلط فى حقك بس..وانا الله هعوضك عن غلطى ده وهرجع كل حاجة لأصلها.
عقدت رحمة حاجبيها وهي تقول بحيرة
قصدك إيه ياراوية
قالت راوية بأمل
قصدى تتجوزى يحيي يارحمة
نهضت رحمة تقول پصدمة
إنتى بتقولى إيهإنتى اكيد إتجننتى..أتجوزه إزاي وهو جوزك
قالت راوية بحزن
أنا خلاص يارحمة..أوانى قرب ويحيي بعد شوية هيرجع حر ..وساعتها تتجوزيه وكل حاجة تتصلح.
تمزق قلب رحمة من كلمات أختها اليائسة لتعود وتجلس إلى جوارها تمسك يدها قائلة
متقوليش كدة..دى مجرد أزمة فى حياتك...إنتى كويسة ..وهتقاومى مرضك وهتبقى بخير عشان خاطر جوزك وإبنك هاشم..وأنا هفضل جنبك لغاية ماتعدى الأزمة دى.
اغروقت عينا راوية بالدموع وهي تقول بنبرات متهدجة
متضحكيش على نفسك..إنتى عارفة كويس إنى بمۏت وإن كلها أيام وأروح عند اللى خالقنى ..أنا مش خاېفة من المۏت..بس عايزة أروح لربنا وإنتى مسامحانى..عايزة أروحله وأنا مطمنة عليكى وعلى يحيي وهاشم..عايزة أكون متأكدة إنى
قالت رحمة بعيون أغروقت بالدموع
مش هينفع ياراوية..والله ما هينفع..قلتلك أنا ويحيي إنتهينا من زمان..ومش هينفع نرجع تانى لبعض.
قالت راوية فى تصميم
لأ ..هينفع..دى وصيتى الأخيرة ليكى وليه.
إتسعت عينا رحمة قائلة
إنتى قلتى ليحيي الكلام اللى انتى قلتهولى ده
هزت راوية رأسها نفيا قائلة
لأ مقلتلوش..بس كنت مستنياكى ترجعى وتوافقى عشان أقوله.
نهضت رحمة قائلة فى حزم
إوعى تقوليله اي كلمة من اللى إنتى قولتيهالى دلوقتى..لإنى مستحيل هوافق..سامعانى
قالت راوية بخيبة أمل
يبقى هتضطرينى أقوله عن اللى عملته زمان يا رحمة.
إتسعت عينا رحمة قائلة
إنتى إتجننتى ياراوية..هيكرهك وهيمحيكى من حياة إبنه..مش هيجيب سيرتك حتى أدامه ..إنتى متعرفيش يحيي ولا نسيتيه
قالت
أنساه إزاي وأنا عايشة معاه السنين اللى فاتت دى كلهاإذا كان إنتى واللى كانت روحه فيكى ..محى إسمك من حياتنا كلها السنين اللى فاتت دى بسبب اللى حصل.. ولولا انه عارف إنى بمۏت مكنش رجعك هنا من تانى..أمال أنا هيعمل فية إيه ..بس لو مقبلتيش
فأنا مضطرة أحكيله.
قالت رحمة بقلب تمزق من كلماتها
ياراوية إفهمينى بس..اللى إنتى طالباه منى فوق طاقتى..مش هقدر أعمله.
قالت راوية فى تعب
بصى يارحمة.. ياتوعدينى إنك تتجوزى يحيي بعد ما أموت وتكونى أم لهاشم إبنى وتحافظى على سرى عشان خاطره..وعشان أفضل جوة حياته ويحيي ميمحنيش منها ..يا هقوم بنفسى دلوقتى أكشف السر ده ليحيي ويحصل اللى يحصل.
قالت رحمة فى ألم
إنتى بتطلبى منى المستحيل ..إزاي بس أوعدك بوعد زي ده
قالت راوية بحزم وهي تنهض من سريرها
يبقى إنتى مخلتيش أدامى حل تانى..وإفتكرى يارحمة إن إنتى اللى إخترتى.
لتبتعد بإتجاه الباب بضعف..تتابعها رحمة المتمزقة حيرة وألما ولكن ما لبثت ان إتسعت عينيها پصدمة حين سقطت راوية فجأة أرضا أمامها لتصرخ رحمة بإسمها فى لوعة.
الفصل الرابع
إنتفض يحيي على صوت صړاخ رحمة بإسم راوية لينخلع قلبه من صدره وهو يسرع
إلى جناحه.. يشعر بوجود خطب كبير بينما كان مراد بدوره فى حجرته يرتدى ملابسه ويستعد للنزول حين إستمع إلى صرخاتها الآتية من جناح أخيه ليسرع فى إرتدائه بنطاله ثم يخرج مسرعا ..متجها الى هناك ينتابه القلق الشديد..
..تتابع ما يفعله بذهول جزع تخشى ان تكون أختها قد فارقت الحياة..بينما دلف مراد فى تلك اللحظة لينظر إلى هذا المشهد متوجسا بدوره..توقف بجوار رحمة القابعة أرضا
ترفع عينيها إليه وهي مازالت فى حالة من الصدمة وينظر هو إلى ملامحها الشاحبة وذهولها فى شفقة.. ليغمض عينيه ثم يفتحهما مطمئنا إياها ..لتفيق هي من تلك الحالة ببطئ وتقف إلى جواره.. ثم تترك يده بينما تنزل دموعها وهي تتضرع إلى الله من كل قلبها أن تكون أختها بخير.
رغما عنه أحس مراد بقلبه يدق لها ..يشفق على أحزانها ..ويطمئنها على أختها..ولكنه قبض على يديه بقوة كي لا يفعل.. بينما كانت رحمة تنظر إلى يحيي الذى أمسك بزجاجة عطر ونثر على يده .. لتبدأ راوية فى إظهار بعض ملامح الحياة على وجهها ..وهي تعقد حاجبيها پألم ثم تفتح عينيها ببطئ..زفر يحيي بإرتياح ثم لاحظ تلك الدموع العالقة برموشها ليدرك ماحدث بينهما فى غيابه..لابد وأن رحمة أحزنت راوية لسبب ما..وتلك الدموع دليلا على ذلك..ليلتفت إلى رحمة پغضب ويتجه إليها بخطوات سريعة..تبدو على ملامحه كل إمارات الشړ..لتشعر رحمة لأول مرة بالخۏف منه
..يشعر حرفيا بروحه تسحب منه والدموع تترقرق بعينيه ليعقد مراد حاجبيه بحيرة من نظرة الضعف الممتزجة بالحزن القابعة بعيني أخيه والمتلألأة بدموع لم يرها أبدا فى تلك العيون العسلية ..ليطرق يحيي برأسه للحظات ثم يرفع وجهه مجددا ليرى مراد برودة إجتاحت ملامح أخيه وصقيع فى تلك العيون وكأنهما عينان خاليتان من الحياة تماما..وهو يقول بنبرة صارمة
إيه اللى حصل بينكم يارحمة
قالت رحمة بإضطراب
محصلش حاجة.
هدر قائلا
لأ حصل ودموع أختك دليل..هو انا مش قايلك إن راوية تعبانة ومنبه عليكى ما تضايقيهاش
ڠصب عنى ..هي طلبت منى حاجة مش هقدر أعملها ولما رفضت زعلت بس والله ما قصدت أضايقها.. أنا بس مش هقدر أنفذ طلبها.
عقد يحيي حاجبيه قائلا
وإيه هو الطلب ده
أطرقت برأسها أرضا قائلة
دى حاجة تخصنى أنا وهي وياريت متدخلش فيها.
قال يحيي بعصبية
مادام تخص راوية تبقى تخصنى..راوية مراتى ولا نسيتى
قال مراد
اهدى بس يايحيي..الأمور متتاخدش بالشكل ده.
إلتفت إليه يحيي قائلا پغضب
قاطعته رحمة قائلة بحدة
من فضلك..لغاية كدة وكفاية..أنا مسمحلكش.
بتقولى إيه تسمحيلى طب لعلمك بقى ..تسمحيلى أو متسمحليش فأنا حر ..أقول اللى أنا عايزه فى بيتى يا..
ليصمت لثانية ثم يستطرد بسخرية قائلا
يارحمة هانم.
رفعت رحمة
رأسها قائلة بإباء
ومادام ده بيتك كان المفروض تكرم ضيفك فيه..بس الظاهر إنك متعرفش حاجة عن الأصول ياإبن الأصول وأنا ميشرفنيش نكون مع بعض تحت سقف واحد..أنا ماشية من بيتك يا...
لتستطرد بسخرية قائلة
يايحيي بيه.
كادت أن تغادر عندما إستوقفها صوت راوية الضعيف وهي تقول
رحمة..إستنى متمشيش.
إلتفتت إليها رحمة تنظر إلى ملامحها الشاحبة بشدة لتتغير ملامحها الباردة ويظهر القلق على وجهها وهي تقترب من أختها متجاهلة تلك النظرات الغاضبة الثاقبة المنصبة عليها من قبل يحيي..بينما يقف مراد يتابع مايحدث بصمت..لتقول راوية بضعف
أنا عايزة قرارك الأخير يارحمة ..موافقة على طلبى ولا لأ
توقفت رحمة وهي تسترق النظر إلى يحيي الذى يتابع حديثهم عاقدا حاجبيه بشدة..لتبتلع ريقها قائلة بصعوبة
مش وقته يا راوية الكلام ده ..هنأجله لوقت تانى.. إتفقنا
قالت راوية بإصرار
إتسعت عينا رحمة پصدمة..وألقت نظرة مرتاعة على الرجلين الواقفين خلفها فى حالة من الذهول قبل أن يفيق يحيي من صډمته ويقول پغضب
إنتى بتقولى إيه ياراوية إنتى اكيد إتجننتى.
نظرت راوية إليه قائلة فى حزن
بالعكس أنا عقلت..مواجهتى للمۏت خلتنى أفكر بعقلى..مش هلاقى أم لإبنى أحسن من رحمة.. ومش هلاقى حد ياخد باله منك أحسن منها برده..دى رغبتى الأخيرة وياريت تحققوهالى.
فى تلك اللحظة إندفع مراد خارجا من الحجرة تتابعه العيون ..يدرك يحيي فى غيرة وڠضب سبب رحيله المفاجئ بينما إنتابت كل من رحمة وراوية دهشة لذلك الرحيل غريب القسمات.. ليفيقا من دهشتهما على صوت يحيي يقول بحدة موجها حديثه لراوية
ممكن تنسى الكلام اللى انتى بتقوليه
ده خالص..وتركزى فى مرضك وتحاولى تقاوميه بكل قوتك..ومتستسلميش بالشكل ده..لو مش هتقاومى عشان نفسك فقاومى عشان خاطرى وخاطر هاشم.
أدمعت عينا راوية قائلة
متقوليش كدة..قلتلك إنتى هتعيشى ..مش هنسمحلك تمشى بالسهولة دى.
قال يحيي بحدة
مستحيل أوافق على الكلام ده طبعا.
رغما عنها أحست رحمة بحزن مزق فؤادها من لهجته الحادة النافرة منها لتطرق هي بحزن قائلة
أنا كمان..مستحيل هوافق.
زفرت راوية فى يأس قائلة
إنتوا مخليتوش أدامى حل تانى غير إنى أقولك يايحيي....
قاطعتها رحمة قائلة فى صدمة
إستنى يا راوية .
نظرت إليها راوية قائلة فى هدوء
أستنى إيه يارحمة
قالت رحمة فى يأس
أنا..أنا موافقة.
نظر إليها يحيي پصدمة يدرك أنها وافقت على الزواج منه بعد رفضها القاطع منذ قليل والذى مزق قلبه ولكن الڠضب الكامن
فى نفسه أخبره انه لا يريد ايضا أن يقترن بها ..أم أنه وفى أعماق قلبه كان غاضبا من نفسه لأنه أراد ذلك وبشدة..ولكن رغما عنه انتابته الحيرة لقبولها المفاجئ ذاك..لينفض افكاره على تنهيدة إرتياح خرجت من شفاه راوية وهي تلتفت إليه قائلة
وإنت يايحيي لسة رافض
قال يحيي پغضب
إنتوا اكيد إتجننتوا.. وأنا مش مستعد أقف ثانية واحدة وأسمع جنانكم ده..أنا مش موافق وبقولها أدامكم أهو..مش موااافق.
ثم إندفع مغادرا تتابعه عيونهم لتلتفت راوية إلى رحمة
التى أغروقت عيناها بالدموع قائلة
هيوافق ..أهم حاجة كانت إنك إنتى توافقى يارحمة .. أما يحيي فسيبيه علية أنا هعرف إزاي أقنعه.
نهضت رحمة وهي تقول بصوت متهدج
أنا مش هقدر اسامحك أبدا على إنك أجبرتينى على إنى أوافق ياراواية..إنتى بترتكبى اكبر غلطة فى حقنا كلنا وبكرة أفكرك.
ثم غادرت الحجرة بخطوات بطيئة حزينة تتابعها راوية بعينيها قبل أن تقول بهمس
مبقاش فيه بكرة يا رحمة..أنا بصلح الغلط اللى عملته زمان..قبل فوات الأوان..وصدقينى..بكرة إنتى هتسامحينى وهتعرفى إنى كنت صح..وساعتها...
نظرت إلى السماء قائلة
ياريت تفتكرينى بدعوة تخفف عنى ذنوبى اللى شلتها من يوم ما قبلت أكسر قلبك وقلبه يارحمة.
لتغمض عينيها تشعر لأول مرة منذ أمد بعيد......بأنها تفعل الصواب.
هو أنا مش قايلالك إن رحمة جت..ولازم أكون فى البيت.
نظرت إليه بشرى قائلة
متعصبش إزاي بس..إنت نسيت انا قلتلك إيه..جوزى طلع بيحب رحمة هو كمان.. ورحمة رجعت وشكلها هتكوش على كل حاجة من تانى..رجالة وفلوس عيلة الشناوي.. وأنا هطلع من المولد بلا حمص.
أشار إلى عقلها قائلا
وده راح فينزي مادبرتيلها بيه مصېبة قبل كدة..تدبريلها مصېبة من تانى.
زفرت قائلة
مبقاش فية عقل يامجدى يفكر..من ساعة ماعرفت إنها راجعة وسمعت إن مراد بيحبها وأنا هتجنن.
عقد مجدى حاجبيه قائلا
اللى يسمعك دلوقتى يفتكر إنك بتحبى مراد وغيرانة عليه مش آخداه سلمة توصلى بيها للى إنتى عايزاه..وبعدين انتى قلتى إنك سمعتيه بيقول إنه كان بيحبها..كان..يعنى مفيش خوف منها دلوقتى.
نظرت بشرى إليه قائلة فى حقد
مراد فعلا سلمة لفلوس عيلة الشناوي..بس مجرد ما عرفت إنه كان بيحبها خفت..إنت متعرفش رحمة وتأثيرها..هالة البراءة اللى حواليها واللى بتشدك ليها زي السحر..مش كفاية يحيي بيحبها عشان تاخد مركزها وقوتها جوة
العيلة ..دلوقتى
مراد كمان.
يحيي مبقاش يحبها بعد اللى حصل زمان ..ولو لسة فيه
رماد فاضل من
حبهم إحنا هنزيحه خالص ونمحيه..أما مراد فإشغليه ..خليه ميشوفش غيرك..هو انا برده اللى هقولك تعملى إيه عشان تكسبيه..بس متزوديش العيار عشان بغير..
ليصمت لثانية يهدئ مشاعر الغيرة بداخله ثم يستطرد قائلا
صدقينى يابشرى عمر ما رحمة هتكون أد ذكاءك وجمالك..لو آمنتى بده..بسهولة هتغلبيها.
موافقة..إبتسم مجدى
الفصل الخامس
وتسيل دموعها على وجنتيها كدماء سالت من چروح عميقة بروحها..مؤلمة حقا ومزهقة لأنفاسها..لا تدرى كيف وافقت على طلب أختها ..كيف ستستطيع تلبية رغبتها الأخيرة..كيف ستصبح لهذا الرجل الذى ما تمنت يوما غيره والتى أيضا أدركت منذ زمن بعيد أنها لن تستطيع أن تكون له...كيف
نهضت من مكانها تدرك أنها لن تستطيع الحصول على الراحة هنا فى تلك الحجرة لتخرج منها باحثة عن الراحة فى مكان آخر.....مكان لم تكن تحلم بالتواجد فيه ولكن ها هي متجهة إليه....وبكل حزم.
دلفت بشرى إلى حجرتها بعد أن وجدت المنزل ساكنا على غير عادته فى مثل هذا الوقت..إنتابتها الحيرة تتساءل عن مكان وجود الجميع..وكيف كان لقاء زوجها برحمة.. ورحمة براوية..وإلى متى تنوى رحمة المكوث هنا أم أنها تنوى المكوث طويلاأسئلة وأفكار عديدة راودتها.. ولكنها كانت مرهقة للغاية فتركت أفكارها جانبا..ربما فى الصباح تعرف إجابات تلك الأسئلة فكل ماتحتاجه الآن هو حمام دافئ وساعات طويلة من النوم كي تستعيد نشاطها مجددا..وتنجلى أفكارها..لتدبر لتلك الرحمة مصېبة تليق بها..
أضاءت نور الحجرة.
خضتنى يامراد ..إيه اللى مقعدك فى الضلمة كدة
لم يجيبها مراد وإنما سألها بدوره قائلا
كنتى فين يابشرى
قالت بشرى بإرتباك
هكون فين يعنى..كنت..كنت عند صفاء ..أنا والشلة..حفلة بنات كدة ع السريع..خلصتها وجيت.
قال مراد ببرود
ومقلتليش ليه
إتصلت بيك وتليفونك كان مغلق.
نهض مراد قائلا بحدة
يبقى متخرجيش..المفروض إنى لازم أعرف مراتى خارجة فين قبل ما تخرج من البيت وياأوافق ياموافقش..مفهوم
إتسعت عينا بشرى قائلة بإستنكار
إيه الكلام اللى انت بتقوله ده يا مراد..ومن إمتى الكلام ده..هامن أول جوازنا وأنا بخرج ومبقولكش وانت مبتعترضش ومبتهتمش أصلا.
من النهاردة ياستى ههتم وهعترض من النهاردة
ممنوع تخرجى من غير إذنى..كان منظرى وحش اوى أدام يحيي وأنا مش عارف مراتى فين
رفعت بشرى حاجبها الأيسر وهي تقول بسخرية
يحيي..قلتلى..بقى الموضوع فيه أخوك الكبير ومنظرك أدامه وأنا اللى قلت جوزى فجأة بقى مهتم بية وعايز يعرف بروح فين وبعمل إيه.
أحس مراد لثوانى بالإرتباك..فبالفعل سؤاله عن مكان وجودها
ما جاء سوى من تنبيه أخيه عليه..وشعوره انه مقصر فى حياته الزوجية أما فى الحقيقة فهو لا يهتم ببشرى أبدا ولا يود أن يعرف شيئا عنها.. فهي بالنسبة إليه مجرد زوجة أجبر عليها ولم تستطع أن تكسب قلبه بسبب عنجهيتها وتصرفاتها البغيضة..ليفقد أي إهتمام بها كإمرأة رغم جمالها الرائع والذى يحسده عليه الجميع..فلم يشعر معها بتسارع دقات قلبه مثل هذا الذى حدث معه منذ قليل ولم يشعر معها بالراحة كما يشعر مع... شروق.
لا يدرى لما اقټحمت صورة شروق مخيلته الآن..لينفض تلك الصورة وهو ينتبه إلى كلمات بشرى التالية وهي تقول
متحاولش تتعب نفسك..وتدور على كلام تبرر بيه موقفك..وبصراحة انا تعبانة ومش حمل مجادلة معاك وعايزة آخد شاور وأنام..بعد إذنك.
تجاوزته ليعيدها إلى مكانها أمامه..كاد أن تقع فإستندت إليه تخشى السقوط ليدعمها بيديه ..فتحت عينيها بقوة وهي ټشتم رائحة نسائية تعرفها جيدا وتكرهها فى آن واحد..فهي تذكرها بصاحبتها التى تكرهها بدورها..وبشدة..تبا إنها تقليدية للغاية تلك الرحمة..حتى عطرها مازالت تحتفظ به ..ولم تغيره..ولكن ما الذى أتى به على ملابس زوجها..لتنتفض مبتعدة عنه وهي تقول بحدة
إيه الريحة دىفهمنى جتلك منين
عقد مراد حاجبيه قائلا بحيرة
ريحة إيه
قالت بشرى بحدة وهي تشير بإصبعها قائلة
ريحة البرفيوم الحريمى دى.
أحس مراد بالإرتباك لثوانى وهو يدرك أنها رائحة رحمة العالقة به..ليتمالك نفسه قائلا
راوية أغمى عليها ورحمة من قلقها كان هيغمى عليها هي كمان......
قاطعته قائلة بحدة
وإنت طبعا الشهم الهمام اللى لحقتها قبل ما تقع وسندتها ..صح
قال مراد بحدة
بالظبط ..زي ما عملت معاكى دلوقتى..فيها إيه دى كمان
إزدادت نبراتها حدة وهي تقول
بس أنا مراتك.
قال مراد پغضب
وهي كمان مرات أخويا .
قالت بشرى بسخرية
كانت مرات أخوك..كانت ..
تجمدت ملامح مراد وهو يقول
رحمة هتفضل دايما مرات أخويا..فبلاش مشاعرك الغريبة واللى مش مفهومة بالنسبة لى من ناحيتها وناحية راوية اللى بټموت ومع ذلك مشفتش منك شفقة ولا عطف او حنية عليها..ياريت تصفى قلبك قبل
فوات الأوان..ياريت تبعدى من جواه كل مشاعر الغل والكره اللى بحسهم ماليينه قبل ما تخسرى كل حاجة يابشرى..لإنى بجد زهقت ومليت من تصرفاتك.
ليتركها ويغادر الحجرة صافقا الباب خلفه لتقول بشرى بغل
مش ممكن قلبى يصفى من ناحيتهم ولايمكن انسى إنى بكرههم ..الاتنين أخدوا منى حلم حياتى وحب عمرى..واحدة حبها والتانية إتجوزها..وأنا ورغم انى من دمه زيهم..عمره ما شافنى ولا حس بية..ومش ههدى ولا يرتاحلى بال غير لما أخلص منهم الإتنين.
ليظهر فى عيونها كل التصميم وهي تدلف إلى الحمام ..لتستسلم للمياه وتريح أعصابها فالغد يوم طويل وعليها الإستعداد له... تماما.
دلف يحيي إلى حجرته ليجد راوية مازالت تنتظره رغم تأخر الوقت..نظر إليها نظرة طويلة معاتبة قبل ان يتجه إلى الحمام ليوقفه صوتها الضعيف وهي تنادى بإسمه.. لتقول هي بصوت هادئ ولكن يحيي إستشعر حزنها الدفين به
أنا عارفة إنك زعلان منى عشان طلبت من رحمة ومنك حاجة زي دى من غير ماأرجعلك فى الأول وآخد رأيك..بس مكنش ينفع أقولك على رغبتى دى قبل ما آخد موافقتها.
قال يحيي بعتاب
وموافقتى يا راوية ملهاش أي إعتبار عندك ..ولا رأيي تحصيل حاصل بالنسبة لك
إلتمعت عينا راوية بالدموع وهي تقول
تفتكر إن مكانتك عندى قليلة أوى كدة عشان أستخف برأيك..كل الموضوع إن أنا حاسة بيك وعارفة اللى فى قلبك يايحيي.
أطرق يحيي برأسه قائلا بحزن
إنتى متعرفيش حاجة.
أنا عارفة إنك بتحبها.
إتسعت عينا يحيي فى صدمة لتستطرد قائلة
بتحبها من زمان..وأنا كنت عارفة..ولغاية النهاردة مقدرتش تحب غيرها.. بسمعك بتنادى إسمها فى أحلامك..لإنك مش قادر تكون معاها فى الحقيقة..إتجوزت هي أخوك وإتجوزت إنت أختها..بس القدر أهو بيديلكم فرصة تانية وكأن قصتكم مش مكتوب لها تنتهى بالفراق..وكأن مصيركم إنكم تكونوا لبعض مهما حاولوا يفرقوكم.
إنتفض يحيي واقفا وهو يقول
إنتى بتقولى إيه بس..قصة إيه ومصير مينإنتى جرى لمخك حاجة
إبتسمت راوية بحزن
المۏت لما بيكون قريب منك بيخليك تشوف كل حاجة صح وبتحاول تصحح حاجات كتير غلط فى حياتك وحياة اللى حواليك واللى يهموك..وانا عمرى ماكنت صح أد النهاردة..متحاولش تنكر حبك..اللى بيبان جوة عيونك ..فى قاعهم اللى حاولت تخبى حبك فيه..وبيظهر فيهم بس لما بتسمع إسمها ..وعشان كدة محيته من حياتنا كلنا..عشان بيفكرك بيها ..بيفكرك بحبك الأول والأخير.
نظر إليها يترك مشاعره لأول مرة تظهر على وجهه دون أن يواريها كعادته مع الجميع..ليجلس مجددا وهو يقول پألم
كلها..ياريت تقفلى على الموضوع ده لأنه بيوجع أوى..الموضوع ده منتهى بالنسبة لى..وبعدين مش انتى مراتى برده.. إزاي بس تطلبى منى أعمل حاجة زي دى
قالت راوية بحزن
لإنى ھموت
قريب
اوى بطلبها منك ..لإنى مش هكون موجودة فى حياتك وحياة إبننا بطلبها منك ..بطلبها وقلبى پينزف بس لازم أكون واقعية وأطلبها منك.. لإنى لو مطلبتهاش.. وإنت لو موعدتنيش ..مش
هتعملها يايحيي.
نهض يحيي يقول بعصبية
ايوة مش هعملها..لإنى مستحيل هقدر أسامحها..وبعيد عن إنك مراتى وتبقى اختها فالجواز منها أصلا شئ مستحيل افكر فيه لإنها إنتهت بالنسبة لى.. ..فجوازى منها مستحيل هيحصل وده قرارى النهائى ياراوية.
نظرت إليه راوية متفحصة ملامحه وهي تقول
وإن قلتلك إنها هتكون لغيرك من تانى يا يحيي.
لم يستطع يحيي إخفاء صډمته التى ظهرت على وجهه رغما عنه وهو يقول
تقصدى إيه بكلامك ده يارواية
تأكدت راوية فى قرارة نفسها أنه مازال يعشق رحمة ولكنه كبرياؤه الأحمق ما يجعله ينكر مشاعره لتقول بهدوء
توفيق إبن خالتى فى زيارته الأخيرة لية قاللى إنه قابلها فى دبي وإنه لسة بيحبها وعايز يتجوزها وفعلا طلبها للجواز..وأنها طلبت منه يديلها فرصة تفكر ..وبتهيألى لو رفضت إنك تتجوزها هتوافق عليه يايحيي.
قال يحيي بتوتر غاضب
هي قالتلك إنها هتتجوزه
قالت راوية بهدوء
قلتلك قالتله هتفكر..بس طبعا لما أقنعتها تتجوزك ..بقى الموضوع ده بالنسبة لها منتهى..لكن لو رفضت فتوفيق مستعجل ومش بعيد يقنعها ويتجوزها فى أسرع وقت..توفيق عريس كويس وميترفضش..القرار بقى فى إيدك
يايحيي..والوقت بيفوت بسرعة.
تمالك يحيي نفسه الممزقة فى تلك اللحظة ڠضبا وألما وغيرة..ليقول ببرود صقيعي
وقرارى لسة زي ما هو ياراوية ..جوازى من رحمة مستحيل..تتجوز اللى تتجوزه ..صدقينى مبقتش تفرق كتير.
ليغادر الحجرة مسرعا وكأن شياطين الأرض تطارده..تدحض
مهما حاولنا ننكر مشاعرنا مش هنقدر..فى الآخر هنستسلم ليها وساعتها هنعمل أي حاجة..أي حاجة عشان نحميها من الأڈى .
لتغمض عينيها تشعر بالإرهاق الذى أنهك جسدها وروحها......بشدة.
دلف يحيي إلى حجرة ولده يبغى أن يريح قلبه المتعب برؤياه..ربما وجد صغيره مستيقظا لينسى أفكاره التى تحرقه وهو يداعبه..ذلك الملاك الصغير الذى يعشقه والذى يجعله ايضا يحتمل تلك الحياة وآلامها. . بأمان..لا يدرى لماذا شعر بقلبه الآن يذوب .هل لأن هذا المشهد لطالما راود أحلامه منذ أن شب على حبها ودق قلبه من أجلها..أم لإنها الآن تبدو كصورة مجسدة لجمال ملائكي برئ يخلب الألباب..أو ربما لأنها هي فقط رحمة وهذا الذى بين يديها هو طفله الصغير هاشم..وكليهما قطعة من روحه مهما رفض مشاعره وأنكرها..أغمض عينيه عن تلك الصورة الخلابة ليفتحهما مجددا تصارعه أفكاره من جديد..ترى هل سيأسر لغيره..مجددا..
يشعر بأنه لن يتحمل ذلك تلك المرة..ورغم أنها تستحق المۏت لما فعلته به بالماضى ..لكن لابد وأن يعترف أنها لازالت تمتلك قلبه..ذلك القلب الخائڼ العاشق لها حتى المۏت..يدرك وبكل ضعف أنه لن يستطيع أن يتركها لغيره ..فإما هو أو المۏت..ولا خيار آخر أمامها.
تراجع إلى الخلف بحذر..لينظر إليهما نظرة اخيرة قبل أن يغلق الباب متجها إلى حجرته..ليجد راوية مازالت مستيقظة رغم تأخر الوقت ..تتطلع إليه فى حزن..
ثم دلف إلى الحمام وأغلقه خلفه..لتتسع عينا راوية لا تصدق أذنها..ثم مالبثت أن زفرت براحة قبل أن تنظر إلى السماء قائلة
الحمد لله.
لتغلق عينيها وتستسلم لنوم عميق..ترتسم على شفتيها لأول مرة منذ سنوات...إبتسامة إرتياح.
الفصل السادس
قال هشام بسخرية
حبيب القلب هيتجوز بكرة.
نظرت إليه رحمة فى صدمة قائلة
إنت بتقول إيه
إقترب منها يقول بإبتسامة ساخرة باردة الأحرف
بقول إن يحيي فرحه بكرة وتعرفى مين عروسته
مزقتها صدمة ذلك الخبر..يحيي سيتزوج غدا..بعد مرور أيام على زواجها من أخيه..ألم يعشقها يوما..ألم يخبرها أنه يذوب فى هواها..كيف إستطاع نسيانها بتلك السرعة..كيفلتفيق من صډمتها على سؤاله الساخر وهو يقول
مش عايزة تعرفى إسم العروسة..على فكرة..إنتى تعرفيها كويس.
أغمضت عينيها ..لا ليست بشرى..تلك التى تكرهها من كل قلبها ..تعلم
منذ صغرها أنها تكن لها نفس الشعور لتفتح عينيها فى ذهول على كلمات هشام التالية
العروسة
تبقى راوية.. أختك.
قالت بنبرات مرتعشة
كددداب..مستتتحيل..راوية
أخرج من جيبه كارت دعوة ألقاه بوجهها قائلا
إقريه يمكن ساعتها تصدقينى.
إنحنت تأخذ الكارت من على الأرض..تفتحه بيد مرتعشة لتقع عيناها على إسم العريس..يحيي الشناوي..حبيبها الخائڼ الذى تزوج بعد أيام من وعده إياها بالزواج..لتصل عيناها لإسم العروس..راوية الشناوي..أختها..أغمضت عينيها فى ألم..تدرك أنه يعاقبها على زواجها التى أجبرت
.....إستيقظت رحمة تشعر پألم شديد بصدرها..فتحت عينيها لتجد نفسها جالسة على ذلك الكرسي الهزاز ..شعرت ببعض الراحة بعد أن كانت تشعر بذلك الألم فى قلبها والذى يجلبه تجدد تلك
الذكرى فى أحلامها..نهضت ووضعت الصغير فى سريره.. ليفتح عينيه الجميلتين وتراهما رحمة لأول مرة ..كم تشبه عيناه عينا أبيه.. يحيي..ليبتسم وتظهر غمازتيه بدورهما.. كتلك الغمازتين الخاصتين بيحيي تماما..لتدرك ان هاشم قطعة من
أبيه الحجرة..... بهدوء .
ألقى مراد نظرة على بشرى النائمة بعمق إلى جواره ..قبل أن ينهض ويتجه إلى شرفة الحجرة..يقف ناظرا إلى الحديقة بشرود..أخرج من جيبه علبة سجائره والتى لا يلجأ إليها سوى عندما يكون فى قمة توتره.. ليشعل منها سېجارة وينفث دخانها ناظرا إلى الأفق البعيد..لم يستطع النوم بتاتا..يفكر فى ما سمعه البارحة من راوية وطلبها من أخيه الزواج من رحمة..ليشعر بقلبه يشتعل ڼارا..ڼارا أحړقته مجددا وهو يتخيلها زوجة ليحيي..ماالذى يحدث لهألا يكفيهم عڈابه الذى عاش فيه لسنوات وهو يدرك انها أصبحت زوجة لأخيه الأصغر هشام..الآن يريدونها زوجة لأخيه الأكبر يحييوماذا عنه ..ماذا عن مشاعره التى يحملها لها..نعم لقد أدرك البارحة انها مازالت تحتل قلبه..الذى إستكان واشټعل غيرة وهو يتخيلها ملكا لأخيه..إذا ماذا سيفعل إن كانت لأخيه فعلا..أطفأ سيجارته فى منفضة السچائر..يرفض أفكاره ويبعدها بعيدا..فمن الواضح أن أخاه رافضا لذلك الطلب..ولن يقبل به ليعود ويفكر..إن لم تكن ليحيي فيوما ما ستكون لغيره ..ربما عليه الإسراع وعرض الزواج عليها..لتظهر صورة شروق فى تلك اللحظة ماثلة أمامه..عقد حاجبيه وهو يشعر بالحيرة..يتساءل ..ماذا عن شروق..هل سيستطيع التخلى عنها من اجل رحمة..وماذا عن بشرى أيضا..هل سترضى ان تكون رحمة زوجته..رحمة التى تكرهها من كل قلبهاوماذا عن رحمة نفسها هل ستوافقأحس بالإضطراب..بحيرة قاټلة وهو لا يجد إجابة لأي سؤال من تلك الأسئلة التى طرحها عقله عليه..ليزفر بقوة ثم يتجه إلى الداخل ليبدل ملابسه وينزل إلى حجرة الطعام ..ربما وجد الراحة هناك...مع رحمة....بالأسفل.
كادت رحمة ان تتجه إلى جناح أختها لتطمأن عليها..ولكنها نظرت إلى ساعتها التى تشير إلى السابعة صباحا ..تدرك ان الوقت مازال مبكرا وربما كانت نائمة الآن وإلى جوارها يحيي..وعلى الرغم من أنها تدرك أن هذا شئ طبيعي إلا ان مجرد تخيله ېمزق قلبها ألما..إلى جانب شعورها بأنها لن تتحمل أن تواجهه بعد ما حدث البارحة ومعرفته بإقتراح أختها..بل وصيتها ورغبتها الأخيرة كما تردد..هبطت رحمة إلى الأسفل..لتفاجئ بمراد جالسا فى حجرة الطعام لتبتسم قائلة
صباح الخير.
خفق قلبه لإبتسامتها ليبتسم بدوره قائلا
صباح النور.
جلست إلى جواره قائلة
الظاهر إن مش أنا لوحدى اللى صحيت بدرى.
نظر إليها يتأمل ملامحها بطريقة أربكتها قائلا
لأ..مش لوحدك.
إبتلعت ريقها قائلة فى إرتباك
إحمم..هي..بشرى مراتك فين..وأخبارها إيهأصل..يعنى..مشفتهاش إنبارح لما جيت.
كاد مراد أن يتحدث ولكن قاطعه صوت بشرى الذى يحمل سخرية داخل طياته وهي تجيبها قائلة
موجودة ياحبيبتى..والله فيكى الخير وبتسألى عنى..حمد الله ع السلامة.
مازالت بشرى كما هي..حقود..غيور منها..تكرهها وبشدة..هذا ما فكرت فيه رحمة وهي تلتفت إلى بشرى الواقفة أمامها بثبات لتقول بهدوء
الله يسلمك يابشرى..إزيك
قالت بشرى بإبتسامة باردة
بخير يارحمة..إيه مش شايفة بنفسك
إبتسمت رحمة ببرود قائلة
لأ شايفة طبعا..حقيقى متغيرتيش..لسة زي ما إنتى..بشرى بتاعة زمان.
إبتسم مراد بداخله وهو يتذكر كلمات رحمة عن بشرى والتى ذكرته جملتها الأخيرة
بها فقد كانت دائما تقول عنهابشرى كتلة جنان..مما
كان يثير غيظ بشرى وحقدها على رحمة أكثر لتكفهر ملامح بشرى وتظهر نظرة غل فى عيونها كما تظهر تماما الآن ..ليبدو أنها تتذكر كلمات رحمة بدورها..كادت أن ترد عليها حين إستمعوا إلى صوت يحيي الذى صړخ بإسم راوية فى لوعة..لتنتفض القلوب ړعبا وهم يدركون معنى صرخته..لينطلقا بإتجاه حجرته يتآكلهما القلق.. فيما عدا بشرى التى تابعتهما..وفى عيونها إرتسمت نظرة إنتصار وعلى شفتيها ظهرت إبتسامة..وهي تقول بهمس
وأخيرا.
قالت علا بصوت خاڤت موجهة حديثها إلى بشرى الجالسة بجوارها تنظر إلى رحمة پحقد
خفى يابشرى ..مش كدة..الستات أخدت بالها منك.
زفرت بشرى وهي تنظر إلى علا قائلة فى همس حاد
ڠصب عنى..إنتى مش شايفة ستات العيلة عاملين معاها إيه ..وكأنها مبعدتش عنهم بمزاجها سنين..وكأنهم نسيوا إنى انا اللى كنت بزورهم وبودهم وبعملهم الحفلات وبجمعهم..سايبينى أنا وقاعدين حواليها بيواسوها.. هتشل يا علا..هتشل.
قالت علا بهدوء
إهدى بس وإسمعينى..هي أخت المرحومة راوية والطبيعى يكونوا بيواسوها اكتر لإنها الاقرب ليها واللى باين حزنها عليها..إنتى مش شايفة دموعها و حالتها عاملة إزاي..دى لا أكل ولا شرب ولا نوم..تحسيها هيجرالها حاجة.
نظرت
بشرى
إلى علا فى حدة قائلة
حتى إنتى يا علا بتصدقى الحركات بتاعتها دى..هو انا مش ياما كلمتك عنها..دى تمثيلية ياعلا..تمثيلية قصدها تكسب بيها عطف العيلة وشفقتهم..وعطف يحيي ومراد طبعا..دى حرباية وعارفة إزاي تتلون
بألف لون.
قالت علا بهمس
وأهى خطتها نجحت والكل متعاطف معاها..إتعلمى منها بقى ياحبيبتى ومثلى شوية..الناس بيبصولك .
نظرت بشرى بالفعل إلى محيطها لتجد بعض النسوة ينظرون إليها تبدو على ملامحهم الإستنكار..لتشعر ان علا على حق..يجب ان تبدأ التمثيل الآن وحالا وإلا ستكون سيرتها غدا على كل لسان فى تلك العائلة التى تكرهها من كل قلبها..عائلة الشناوي.
لتدمع عيناها على الفور وهي تستحضر كل قدراتها التمثيلية..لتصرخ بلوعة قائلة
ياحبيبتى ياراوية..ملحقتيش تفرحى بهاشم جوة ..كنتى أخت ..والله كنت أخت..ربنا يرحمك ياحبيبتى يارب.
ظهر الحزن على وجوه الجميع وهم يقولون آمين..وبدأت بعض النسوة تتجه إلى بشرى تطلب منها الصبر وذكر الله..يواسونها على مصابها وهي تبكى وتقول
قدر الله وما شاء فعل..ربنا يرحمها برحمته..وحشتنى من دلوقتى.
لتتلاقى عيناها بعيني علا
التى ضمت السبابة والإبهام رافعة اصابعها الثلاثة علامة الكمال خفية..لتكاد بشرى ان تبتسم فى إنتصار ولكنها أخفت تلك الإبتسامة بسرعة لتلتقط رحمة ما حدث وتهز رأسها فى يأس..تمد يدها لتمسح دموعها المتساقطة على وجهها قائلة فى ضعف
ربنا يرحمك ياراوية.
...إنفضت النسوة وإنتهى العزاء..لتقترب روحية من رحمة قائلة فى حنان
قومى ياست رحمة.. كلى لقمة وإرتاحى شوية ..كدة مش كويس علشانك.
قالت رحمة بضعف
مش قادرة ياروحية آكل..أنا هقوم أرتاح فى أوضتى.
قالت روحية بإصرار
مينفعشى ياستى .. إنتى مكلتيش حاجة من ٣ أيام..مفيش حد يقدر يعيش من غير أكل.
قالت رحمة بضعف
مش قادرة احط حاجة جوة بطنى..من فضلك ياروحية سيبينى براحتى.
قالت روحية
بس....
قاطعتها بشرى قائلة بحدة
ما قالتلك مش قادرة..خلصنا بقى..هو إحنا هنترجاها تاكل..ما إنشالله ما أكلت ..دى حاجة تإر....
هدر صوت يحيي من خلفها مقاطعا إياها وهو يقول
فيه إيه..بتزعقى كدة ليه يابشرى
مبزعقش ولا حاجة ..أنا بس...أنا.....
ليتجاهلها يحيي تماما وهو يلقى نظرة على وجه رحمة الشاحب بشدة ..ينتابه القلق من مظهرها الضعيف ..يخشى ان تكون بشرى قد ضايقتها بكلامها ويدرك من إطراقة رأسها أنها لن تتحدث..ليقول موجها حديثه إلى روحية قائلا
فيه إيه ياروحية
قالت روحية فى إحترام
رحمة هانم مكلتش يايحيي بيه وانا كنت بنبهها إنها لازم تاكل قبل ما تطلع اوضتها بس هي رفضت زي كل يوم .
إتسعت عينا يحيي فى صدمة وهو يوجه حديثه إلى رحمة قائلا
إنتى مكلتيش من إمتى يارحمة
رفعت إليه عينان ضړب كل من ضعفهما ودموعهما قلبه فى مقټل وهي تقول بصوت خاڤت
مليش نفس ..مش عايزة آكل.
أنا بسألك سؤال تجاوبينى عليه..مكلتيش من إمتى
قالت روحية بسرعة
من ساعة المرحومة راوية هانم ما ماټت..من ٣ ايام يابيه.
نظر يحيي إلى روحية پصدمة ثم عاد بنظراته إلى رحمة التى بدأت تشعر بدوار خفيف..تود فى تلك اللحظة ان تهرب إلى أمان حجرتها تدرك ان كل العيون عليها وهذا يصيبها بالتوتر والضيق..خاصة عيون هذا الرجل الواقف أمامها..لتسمع صوت بشرى وهي تقول بحدة
إنتوا مكبرين الموضوع أوى على فكرة..إيه يعنى مكلتش..دلع ماسخ بصراحة.
إلتفت يحيي إلى بشرى قائلا بصرامة
إنتى بالذات تسكتى خالص ومسمعش صوتك..مفهوم
نظرت بشرى إليه پصدمة ثم نظرت إلى مراد الذى كان يتابع ما يحدث بملامح جامدة صامتة..لتشعر بالڠضب يهز كيانها لټضرب الأرض بقدميها فى حنق قبل أن تتركهم وتتجه إلى حجرتها بخطوات سريعة غاضبة تتابعها الأعين لينتفض يحيي على صوت روحية وهي تقول بړعب
إلحق يايحيي بيه.
ليلتفت يحيي إلى رحمة التى كادت أن تسقط أرضا ليسندها وقد ظهر الجزع على ملامحه..يدرك أنها أغشي عليها ..لېصرخ بروحية قائلا
هاتى بيرفيوم من أوضتى وحصلينى على أوضتها بسرعة ياروحية..رحمة مستحيل تروح منى تانى.
أسرعت روحية تنفذ اوامر يحيي بينما وقف مراد عاجزا ..كاد أن يذهب وراءهم ولكن إكتشافه الذى مزق كيانه الآن..أصابه بالذهول ليشعر بالإختناق..ليقرر أنه لابد وأن يذهب إلى المكان الوحيد الذى يشعر فيه بالراحة..لذا غادر المنزل متجها بكل حسم......إلى شروق.
الفصل السابع
لقد جزع قلبه حقا خوفا عليها وأنبأه ذلك الشعور الذى يشعر به الآن أنه
لن يستطيع التخلى عنها أبدا ولا حتى للمۏت بقوة وهو يغمض عينيه يتوسل قلبه لها صارخا..بالله عليكى لا تتركينى مجددا..ليترك يدها على الفور وهو يشعر بدلوف روحية إلى الحجرة تمنحه زجاجة العطر الخاصة به لينثر بعض منها على يديه ثم يقربها من أنفها ..جعدت رحمة أنفها وبدأت فى فتح عينيها
حضريلها لقمة بسرعة ياروحية.
فتحت رحمة فاهها لتعترض بضعف
هش..ولا كلمة..هتاكلى وأنا بنفسى اللى هأكلك.
مستنية إيه ياروحية..بسرعة هاتى الأكل.
أومأت روحية برأسها وهي تقول
ثوانى يابيه والأكل يكون عندك.
لتسرع بمغادرة المكان بينما عاد يحيي إلى رحمة
كانت شروق تجلس فى حجرتها تتصفح الإنترنت على هاتفها الجوال حين فوجئت بمراد يدلف إلى الحجرة لتترك الهاتف وهي تنهض بسرعة وتتقدم تجاهه وقد هالها مظهره المنهك الحزين..مالك ياحبيبى فيك إيه
تعبان ياشروق..تعبان أوى.
سلامتك من التعب ياقلب شروق..ياريت تعبك يسيبك وييجى جوايا أنا.
بعد الشړ عنك..متقوليش كدة.
أدمعت عيناها وهي ترى لأول مرة تدرك أنه بات يكن لها بعض المشاعر حتى وإن لم
يعترف بذلك بعد..فلقد كان إتفاقهما عند الزواج أن تمنحه سکينة لا يشعر بها مع زوجته ويمنحها منزلا وزوجا يرعاها بعد أن كادت أن تلقى فى الشارع بلا مأوى لها..من قبل عمها الذى قال لها مباشرة أن أولاده هم أحق بتلك اللقمة التى يمنحها إياها..يإست تماما وقد أصبحت دون أهل أو مأوى..مشت فى الشوارع
حتى بلغ منها اليأس مبلغه لتلقى بنفسها فى وسط الطريق تبغى خلاصا من حياة بائسة.. ليكبح مراد فرامل
سيارته قبل ان يصدمها مباشرة ويهبط منها ..يوبخها بشدة لرعونتها..لټنفجر فى البكاء فيشفق قلبه عليها.. يشعر بوجود مأساة خلف تلك الدموع ..ليأخذ بيدها ويطلب منها ان تحكى له مأساتها لتخبره بكل شئ..لا تدرى حتى الآن كيف باحت له بما لم تبح به لمخلوق....صمت طويلا مفكرا ثم عرض عليها العمل معه فى الشركة لتوافق على الفور ..منحها مبلغ من المال لتبحث عن مسكن قريب..وفى نفس اليوم تقابلت
مع صديقتها
نهاد وهي فى رحلة البحث تلك..لتسكن معها..وتشعر بالحياة وأخير من جديد..ومع مرور الأيام فاجئها مراد بعرضه الزواج منها لتفاجئ اكثر بموافقتها التى أرجعتها وقتها لفضله الكبير عليها.. ولكنها أدركت بعد الزواج أنها وافقت على عرضه لأنها أحبته من النظرة الأولى..أفاقت من شرودها العيون الجميلة دى مش لازم تبكى وأنا موجود.
ربنا ما يحرمنيش منك أبدا.
حركة بسيطة وكلمات أبسط منحاه ة من تلك الفتاة البسيطة رائعة الجمال..والتى منحته ماعجزت عن أن تمنحه إياه بشرى..منحته حب يظهر فى تلك العينين العشبيتين..وفى اهتمامها به وبكل ما يحبه ..ومنحته راحة فى الإستماع إليه وإلى ما يؤرقه ثم بكلمات بسيطة
نظرت إليه بلهفة قائلة
بجد يا مراد
بجد ياشروق.
نهض يحيي قائلا فى توتر
انا هخلى روحية تيجى تأكلك...
قاطعته قائلة
لو سمحت متتعبهاش..أنا هاكل لوحدى.
نظر إلى ملامحها الهادئة قائلا
متأكدة
أومأت برأسها ليقول مكررا
هتاكلى يا رحمة..قلة الأكل مش كويسة علشانك.
وكأنه يهتم إن عاشت أو ماټت..لتقول بعصبية
انا مش طفلة صغيرة على فكرة..ولما أقول هاكل يبقى هاكل..بطل تعاملنى معاملة الأطفال يايحيي..إنت كدة بتخنقنى.
إبتسم بسخرية قائلا
الاحسن إنى أعاملك كطفلة..صدقينى.. ما هو إنى اعتبرك طفلة صغيرة مش عارفة مصلحتها
فين.. أحسن كتير من إنى اعتبرك كبيرة وواعية ﻹن تصرفاتك دى لو اعتبرتها من واحدة كبيرة فهتنزلك من عينى أوى يارحمة..وأظن مش ممكن تنزلى أكتر من كدة.
أغروقت عيناها بالدموع ولكنها أطرقت برأسها حتى لايرى دموعها وضعفها..بينما هو شعر بالندم فور نطقه لتلك الكلمات وهو يرى شحوب وجهها ولكنه أدرك أنه أراد بتلك الكلمات ان يثبت لها أنه ليس ضعيفا أمام سحرها كما ظهر منه..وأنها لا تؤثر به بتاتا..أراد ان يوضح لها رأيه فيها حتى لا تنتابها الشكوك حول مشاعره ورغم انه أراد ان يبثها كل ذلك إلا أن إطراقة رأسها ومظهرها الضعيف الآن جعلاه يشعر بالندم على تفوهه بتلك الكلمات الفارغة ..يدرك أنه إن تركها الآن فلن تأكل وربما حدث لها شيئا وهو لن يسمح بإصابتها بأي سوء..ليعاود الجلوس
بجوارها يمسك بطبق الشوربة مجددا..ويمد يده بالملعقة إليها لترفع وجهها تنظر إليه بدهشة إختلطت بالدموع فى مشهد فطر قلبه..لينظر إليها بعيون قرأت فيهم ندمه الذى يحاول أن يخفيه عنها لتسامحه على الفور على كلماته القاسېة..لاعنة قلبها الذى يذوب به عشقا..لتفتح فاهها وتشرب ..لاتدرى مذاق ما تشربه ولكن كل ما تدركه أن يحيي هو من يذيقها إياه لتستشعره فى فمها .....رائع المذاق.
كانت بشرى تجوب حجرتها جيئة وذهابا..تشعر بالحقد والغيظ ېمزقان كيانها..تبغى الإنتقام ممن كانت السبب فى أن ېصرخ عليها يحيي لأول مرة فى حياتها..لا تدرى ماذا تفعللتتوقف فى مكانها ترفع يدها إلى رأسها تفركها فى حدة وهي تقول
فكرى يابشرى..فكرى..إيه..افكارك الجهنمية راحت فيندماغك دى صدت ولا إيهأكيد من قلة إستعمالها ..بقالك كتير راكناها على الرف..لكن آن الأوان تستخدميها عشان تزيحى العقربة رحمة من طريقك ..بس هتظبطيها إزاي بس
لتزفر قائلة
طول ما أنا عايشة فى التوتر ده وهي أدامى مش هعرف أفكر وأدبرلها مصېبة تاخدها من وشى..وأخلى الطريق يفضالى بقى..كل اللى هيحصل إنى هتعصب وأغلط وأزعل يحيي منى وبس.
لتلتمع عيناها وهي تقول
أيوة ..أحسن حاجة أروح لأخو جدى هاشم البلد..أيوة هروح للحاج صالح ..هناك هدوء وهعرف أفكر براحتى وبالمرة أجدد علاقتى بيهم ..جايز أحتاجلهم فى خطتى.
لتبتسم بإنتصار قائلة
أما إنتى عليكى دماغ يابشرى...ألماس.
لتطلق ضحكة ساخرة ..وهي تمنى نفسها بقرب الخلاص نهائيا .....من رحمة.
إستيقظ مراد ليجد
نظرة أخيرة قبل ان ينهض بحذر..حتى لا يوقظها..فلا طاقة له اليوم برؤية حزنها لرحيله كما يحدث عادة ..تظن هي انها إستطاعت ان تواريه عنه ويدركه هو فى طيات عينيها الخضراوتين الساحرتين..نافذته التى يستطيع من خلالها رؤية مكنون قلبها..تنهد بحزن..كم ود لو
إستطاع ان يبدل قلبه أو يمحى عشق رحمة منه على الاقل كي يستطيع ان يبادلها ذلك العشق الكبير الذى تكنه له..ولكنه للأسف لا يستطيع..رغم انه أدرك مؤخرا حقيقة غابت عنه طوال حياته وهي أن أخاه يعشق رحمة.. والمصېبة الأكبر أن رحمة تعشقه بدورها..ظهرت تلك الحقيقة فى نظرات رحمة إلى يحيي وكلمات يحيي التى خرجت منه دون إرادة..تلك الحقيقة صډمته وأشعلت كيانه حزنا ..فطر قلبه إدراكه أنهم ..أولاد