روايه للكاتب محمد عبده

لمحة نيوز

—إنت بتهزر، صح؟

—لا… أنا بستنى.

—تستنى إيه؟

—تستنى تأثير القهوة يبدأ.

ساعتها… صوت الكرسي وقع.

وأحمد قال بصوت مخنوق:

—إنت… عملت فيا إيه…؟

تحت الترابيزة… مسكت نفسي بالعافية…
لأول مرة في حياتي… بقيت خايفة من أبويا… بنفس قد ما كنت خايفة على نفسي.

وما كنتش أعرف إن اللي جاي… هيقلب كل حاجة رأس على عقب…

صوت أنفاس أحمد بقى تقيل… متقطع…
كأنه بيحاول يلحق نفسه قبل ما يغرق.

—إنت… إنت حاطط إيه في القهوة؟! —قالها وهو بيكح بعنف.

أبويا رد بنفس الهدوء المخيف:

—حاجة بسيطة… تخليك تسمع كويس.

—أ… أنا مش قادر أتنفس…

—هتتنفس… ما تقلقش. دي مش سم.
أنا مش مجرم زيك.

صوت إزاز بيتحرّك… يمكن أحمد حاول يمسك الكوب… أو يبعده.
لكن واضح إنه ما بقاش متحكم في إيده.

—إنت مجنون… هتندم على اللي بتعمله ده…

—الندم؟ —أبويا ضحك ضحكة خفيفة—
أنا ندمت يوم ما دخلت بيتنا.

الكلام ده خبطني زي الصاعقة.

—أنا؟! —قالها أحمد وهو بيحاول يقف—
أنا اللي وقفت جنبك… أنا اللي…

—إنت اللي كنت بتخطط تسرقني… وتحبسني…
وتاخد البيت اللي تعبت

فيه عمري كله.

سكت لحظة… وبعدين قال بنبرة حاسمة:

—بس للأسف ليك… أنا كنت مستني اللحظة دي.

وفجأة… سمعت صوت “كليك”.

صوت موبايل… أو جهاز تسجيل.

أبويا كمل:

—كل كلمة اتقالت هنا… متسجلة.

الصمت رجع تاني…
لكن المرة دي… كان صمت انهيار.

أحمد قال بصوت مكسور:

—إنت… سجلتلي؟

—من أول ما دخلت.

—وده… ده ما يثبتش حاجة…

—يثبت كل حاجة.
التهديد… التزوير… محاولة الاستيلاء…
كله بصوتك.

سمعت صوت خطوات متلخبطة… واضح إن أحمد بيحاول يتحرك.

—حتى لو… حتى لو… أنا ممكن أخرج من دي…
معايا ناس…

—وأنا معايا الحقيقة.

أبويا قرّب صوته منه وقال:

—وعلى فكرة… الشركة اللي قلت عليها… أصول النيل…
أنا عارف صاحبها.

سكت لحظة… وكمل:

—وهو كمان مستني التسجيل ده.

أحمد شهق:

—إنت… إنت بتقول إيه؟!

—بقول إنك لوحدك… لأول مرة من 12 سنة.

صوت حاجة وقعت على الأرض… يمكن هو نفسه.

أنا ما استحملتش أكتر من كده…
جسمي كله كان بيرتعش… ودموعي نازلة من غير صوت.

12 سنة…
12 سنة وأنا عايشة مع كدبة.

وفجأة… سمعت صوت باب الشقة بيتفتح من برّه.

أبويا

قال بهدوء:

—اتفضلوا… كنا مستنيينكم.

قلبي وقف.

مين اللي دخل…؟

وليه أبويا كان متوقع ده كله…؟

اللحظة دي… عرفت إن الحقيقة لسه ما ظهرتش بالكامل…
وإن اللي جاي… هيكون النهاية الحقيقية لكل حاجة.

باب الشقة اتفتح ببطء…
وصوت خطوات تقيلة دخلت المكان.

—مساء الخير —صوت راجل رسمي قالها بهدوء.

من مكاني تحت الترابيزة، قدرت أشوف رجلين واقفين… أكتر من واحد.
وبعدها الصوت اللي ما كنتش متوقعاه:

—مباحث الأموال العامة.

أحمد اتجمد مكانه.

—إيه الهزار ده؟! —قالها بصوت مهزوز.

أبويا رد بثقة:

—مش هزار… دي نهايتك.

—إنت بلّغت عني؟!

—لا… أنا بس سرّعت اللي كان هيحصل.

واحد من الضباط قال:

—أستاذ أحمد سالم، عندنا بلاغات بخصوص شركات وهمية، وتزوير مستندات، ومحاولات استيلاء على ممتلكات.
ويبدو إن التسجيل اللي معانا بيأكد ده.

أحمد حاول يتكلم… بس صوته ما طلعش.

—لازم تيجي معانا.

صوت الكلبشات كان واضح… حاد… كأنه بيقفل فصل كامل من حياتي.

ساعتها… أبويا قال بصوت عالي:

—اطلعي يا ندى.

جسمي كان تقيل… بس خرجت من تحت الترابيزة

ببطء.
أول ما أحمد شافني… عينه وسعت بشكل مرعب.

—إنتي… كنتي هنا؟!

بصيت له… من غير دموع المرة دي.

—12 سنة… وأنا ما كنتش شايفة الحقيقة.
بس النهاردة… سمعتها بصوتك.

—ندى… استني… أنا أقدر أفسر…

—تفسر إيه؟ —قاطعته—
إنك كنت مستني أبويا يموت؟
ولا إنك كنت ناوي تحبسه؟

سكت… لأول مرة.

الضابط شده وقال:

—الكلام ده تقوله في النيابة.

أخدوه… وخطواته بتبعد… لحد ما اختفى.

والبيت سكت.

بصيت لأبويا…
كان واقف ثابت… بس عينه فيها تعب سنين.

—إنت كنت عارف؟ —سألته.

—حاسس… مش عارف.
بس لما بدأ يزن عليّ في موضوع البيت… قررت أتأكد.

—والقهوة؟

ابتسم ابتسامة خفيفة:

—مهدئ بسيط… يخليه يتلخبط بس… ويقول اللي جواه.

بصيت للترابيزة… للفناجين… للملف.

—والمستند؟

أبويا خد نفس عميق، وفتحه قدامي.

جواه كان فيه كل حاجة…
عقود شركات وهمية… تحويلات فلوس… وأسماء ناس متورطة.

—كنت مستني اللحظة الصح…
بس إنتي جيتي بدري.

قعدت على الكرسي… وحسيت إني أخيرًا بفهم.

مش كل حاجة بتبان من برّه…
ومش كل اللي بنثق فيهم يستاهلوا الثقة.

أبويا

قرب مني وقال:

—انتي كويسة؟

بصيت له… وقلت بهدوء:

—دلوقتي آه.

يمكن خسرت جواز…
بس كسبت نفسي… وأنقذت أبويا… قبل ما نخسر كل حاجة.

وبره… كانت بداية يوم جديد…
بس جوايا… كانت بداية حياة تانية خالص.

تمت حكايات محمد عبده 

تم نسخ الرابط