روايه للكاتب محمد عبده
أطفأ أبي الأنوار، وأخفاني تحت الطاولة وقال لي بصوت حاسم:
“حتى لو سمعتي اسمك، ما تخرجيش.”
وبعد لحظات، اعترف جوزي إنه استحمل 12 سنة جواز بس عشان يستولي على بيت العيلة.
عضّيت على سناني وسكت، لأن على الترابيزة كان فيه فنجان متلعب فيه… ومستند ممكن يدمّرنا كلنا.
الجزء الأول
—ادخلي تحت ترابيزة المطبخ، وما تطلعيش صوت… حتى لو سمعتي حاجة تكسر قلبك.
ده كان أول كلام قاله لي أبويا لما فتح باب بيته الليلة دي.
كنت جاية من غير ما أقول، حوالي الساعة عشرة بالليل، مدفوعة بإحساس غريب مش قادرة أفسّره.
أبويا، الحاج محمود عبدالعاطي، عنده 64 سنة، ميكانيكي على المعاش، وعمره ما كان راجل درامي.
لكن المرة دي مسكني من كتافي، دخلني بسرعة، وقفّل الباب بالمفتاح.
—في إيه يا بابا؟
—ثقي فيّ يا ندى… تحت الترابيزة… حالًا.
الترابيزة الخشب الكبيرة كانت واخدة نص المطبخ.
أمي الله يرحمها كانت جايباها من سوق الأثاث المستعمل وأنا صغيرة.
زحفت تحتها، حضنت ركبتي، وحاولت أتنفس من غير صوت.
أبويا شغّل التلفزيون في الصالة وكأنه عادي جدًا.
بعد 3 دقايق… جرس الباب رن.
أول ما سمعت صوت الخطوات… الدم جمد في عروقي.
أنا ممكن أعرف الصوت ده في أي حتة…
أنا اللي كنت جايبة
كان أحمد سالم… جوزي من 12 سنة.
—مساء الخير يا حاج محمود، كويس إنك صاحي —قال بصوته اللطيف اللي بيستخدمه وهو بيبيع عربيات—
لازم نخلص موضوع البيت.
قعدوا فوق راسي مباشرة.
أبويا عمل قهوة.
البيت ده… في حي قديم في الجيزة… كان كل حاجة يملكها.
اشتغل شيفتات مضاعفة 30 سنة عشان يخلص تمنه، ولسه محافظ على أوضة أمي اللي قضت فيها آخر أيامها.
مش قصر… بس كل حيطة فيه شايلة ذكرى من عمرنا.
بدأ أحمد يشرح إن “لتنظيم الورث”، الأفضل إننا نوقّع تنازل، ويتنقل البيت لشركة اسمها أصول النيل.
حسب كلامه، كل حاجة هتفضل في العيلة، وأبويا هيعيش فيه لحد ما يموت.
—طب ليه الشركة مش باسم ندى؟ —سأل أبويا.
سكت لحظة…
—إجراءات مؤقتة… شغل ورق بس.
الجملة دي خبطتني زي القلم.
“شغل ورق بس”… نفس الجملة اللي قالها من سنين لما حاول يقنعني نكتب بيت أبويا باسمه معايا.
أنا بحكم شغلي كمحاسبة، اكتشفت إن كلامه ملوش أي أساس، ورفضت.
وقتها افتكرت الموضوع خلص.
فجأة… أبويا طلع ملف.
—إنت جبت الورق ده الأسبوع اللي فات.
أحمد وطّى صوته وقال:
—ده تقرير طبي… حضرتك بقيت تنسى كتير، وتتلخبط في المواعيد، وعايش لوحدك.
لو مضيت، كله هيبقى تمام.
لو ما مضتش… هقدّم
حسيت ضوافري بتغرز في كف إيدي.
أبويا كان في كامل وعيه.
ولا عمره شاف الدكتور اللي اسمه مكتوب في التقرير ده.
أحمد مش بس عايز يسرق البيت…
ده مستعد يثبت إنه فاقد الأهلية ويحبسه في دار مسنين عشان ياخده.
—معاك لحد يوم الجمعة يا حاج محمود —قالها ببرود—
تمضي بالذوق… يا إما هتخسر البيت… وحريتك كمان.
تحت الترابيزة… فهمت إني عشت 12 سنة مع راجل عمري ما عرفته.
وما كنتش متخيلة اللي أحمد كان ناوي يعمله بعد كده…
فضلت مستخبية تحت الترابيزة، وقلبي بيدق كأنه هيطلع من صدري.
كل كلمة كانت بتتقال فوقي كانت بتكسر حاجة جوايا.
أبويا سكت شوية… وبعدين قال بهدوء غريب:
—وإنت فاكر إني همضي بسهولة كده؟
أحمد ضحك ضحكة خفيفة، فيها ثقة زيادة عن اللزوم:
—مش موضوع سهولة يا حاج محمود… الموضوع إن مفيش قدامك اختيار تاني.
سمعت صوت فنجان القهوة وهو بيتحط على الترابيزة.
الصوت كان عادي… بس أنا كنت عارفة إن في حاجة مش طبيعية.
أبويا قال:
—اشرب الأول يا أحمد… واضح إنك تعبان.
—متشكر.
لحظة صمت عدّت…
وبعدين صوت رشفة قهوة.
إيدي بدأت ترتعش.
“فنجان متلعب فيه”… الجملة اللي قالها أبويا قبل ما
كان قاصد إيه؟
فجأة… أحمد كحّ.
كحة خفيفة في الأول… بعدها أقوى.
—القهوة طعمها غريب شوية…
أبويا رد بهدوء ثابت:
—يمكن عشان الحقيقة مُرّة.
الصمت اللي حصل بعدها كان تقيل… تقيل بطريقة تخوّف.
أحمد قال بنبرة متوترة:
—إنت… إنت حاطط إيه في القهوة؟
أبويا ما ردش على طول.
سمعت صوت ورق بيتفتح… نفس الملف.
—قبل ما تسألني أنا حاطط إيه… خليني أسألك أنا الأول…
التقرير ده جايبه منين؟
—قولتلك… دكتور…
—الدكتور ده مات من 3 سنين.
سكون.
سكون مرعب.
حسيت إن الهوا نفسه وقف.
أحمد حاول يتمالك نفسه:
—أكيد في لخبطة في الأسماء…
—ولا لخبطة ولا حاجة… الاسم، الختم، الإمضاء… كله مزوّر.
صوت الكرسي اتحرك بعنف.
—إنت بتتهمني بتزوير؟!
—أنا مش باتهمك… أنا متأكد.
لحظة… وبعدها صوت نفس تقيل من أحمد.
—حتى لو… الورق ده يقدر يدخل المحكمة، وانت عارف ده كويس.
وفي الآخر… أنا اللي هكسب.
أبويا قال بهدوء أخطر من العصبية:
—يمكن…
بس في حاجة إنت ما تعرفهاش.
وقتها… سمعت صوت حاجة بتتحط على الترابيزة… حاجة تقيلة.
—إيه ده؟ —سأل أحمد.
—مستند…
لو وصل للجهات الصح… مش بس هتخسر البيت…
إنت هتخسر كل حاجة.
سكت لحظة… وكمل:
—شغلك…
قلبي وقع.
أنا ما كنتش عارفة أبويا مخبي إيه…
بس من نبرة صوته… عرفت إن اللي في إيده أقوى بكتير من أي حاجة أحمد متخيلها.
أحمد حاول يضحك… بس ضحكته كانت مهزوزة: