قصة حقيقية
مبنيا على الهروب وحده بل على شيء أذكى.
شدت حقيبتها إلى جانبها واستدارت فجأة نحو المدخل
لكنها لم تندفع إلى شقتها مباشرة.
بل اتجهت إلى شيء آخر
شيء سيجعل الظل الذي خلفها يتوقف ولو لثانية واحدة.
اندفعت إيما نحو مدخل العمارة بخطوات سريعة لا تركض تماما ولا تمشي ببطء.
كانت تعرف بدافع غامض أن عليها أن تبقى واعية لكل حركة لكل صوت لكل ثانية.
لم تلتفت خلفها.
لكنها كانت تشعر به.
تشعر بثقله في الهواء وبقربه الذي صار أقرب مما ينبغي.
كأن المسافة بينهما لم تعد تقاس بالأمتار بل بالأنفاس.
دخلت المدخل وكان أول ما لاحظته هو العتمة.
الدرج ضيق والجدران مطلية بلون باهت والمصابيح في أعلى السقف مطفأة.
لطالما بدا هذا المكان عاديا في الأيام السابقة لكنه الآن كان مختلفا
كان يشبه فجوة بلا صوت.
في تلك اللحظة سمعت وقع خطوات خلفها.
خطوة.
ثم أخرى.
لم يعد الرجل يحاول التخفي.
ارتجفت يد إيما
كلمات والدها لم تغادر رأسها
اصنعي ضوءا اصنعي صوتا.
رفعت يدها الصغيرة وبدأت ټضرب مفاتيح الإضاءة واحدا تلو الآخر.
مفتاح ثم آخر ثم ثالث.
وفجأة
اڼفجر الضوء في الممر.
أضاءت المصابيح دفعة واحدة كأن المكان استيقظ من نوم عميق.
اختفت الظلال الحادة وتراجع السواد إلى زوايا الجدران.
توقفت الخطوات خلفها.
سمعت إيما صوت الرجل يزفرزفرة قصيرة حادةكأنه لم يتوقع هذا التحول المفاجئ.
لكنها لم تتوقف.
تقدمت نحو أقرب باب شقة ورفعت قبضتها المرتجفة ثم بدأت تطرق.
طرقة واحدة لم تكن كافية.
طرقت ثانية
وثالثة
ثم راحت ټضرب الباب بكل ما تملك من قوة.
النجدة!
من فضلكم ساعدوني!
خرج صوتها مكسورا مرتجفا لكنه كان عاليا.
عاليا بما يكفي ليملأ الدرج وبما يكفي ليكسر ذلك الصمت الخانق الذي كان يلف المكان منذ دقائق.
تردد صداها في الممر وارتد عن الجدران
صارت تشاركها الصړاخ.
توقفت إيما عن الطرق لثانية واحدة فقط لتلتقط أنفاسها ثم عادت ټضرب الباب من جديد.
لم تكن تبكي.
لم تكن تصرخ بلا وعي.
كانت تنفذ ما تذكرته حرفيا.
لا تختبئي لا تسكتي.
من خلفها تحرك الرجل.
لكن هذه المرة
لم يقترب.
رأته إيما بطرف عينها وهو يتراجع نصف خطوة ثم يثبت مكانه.
كان الضوء قد كشف ملامحه جزئيا
وجه جامد عينان متوترتان وعضلات مشدودة كأن حساباته تغيرت فجأة.
لم يعد الوضع كما خطط له.
الضوء موجود.
والصوت أعلى مما يجب.
ثم حدث ما لم يكن يتوقعه أحد.
انفتح الباب.
بصوت حاد اندفع الباب إلى الداخل وظهر رجل في منتصف العمر عريض الكتفين يرتدي ملابس منزلية بسيطة.
كانت ملامحه مشدودة وعيناه تنتقلان بسرعة بين إيما وبين الرجل الواقف أسفل الدرج.
ما الذي يحدث هنا
قالها بصوت مرتفع لا يحمل خوفا بل حزما.
ظهرت زوجته خلفه مباشرة يدها على إطار
تشبثت إيما بحقيبتها لم تستطع الكلام للحظة.
كان صوتها قد تكسر لكن وجودهما وحده كان كافيا.
الټفت الرجل الغريب فورا.
لم يقل شيئا.
لم يحاول التبرير.
لم يبتسم.
تجمد لثانية كأنه يقيس الموقف بسرعة خاطفة
ثم استدار.
خطواته كانت أسرع هذه المرة.
لا تردد فيها ولا تمهل.
خرج من المدخل وعاد إلى الشارع وابتلعه الظلام كما لو أنه لم يكن موجودا أصلا.
ظل الضوء مضاء.
وظل الباب مفتوحا.
وإيما
كانت ما تزال واقفة قلبها يخفق بقوة لكن الخطرللمرة الأولى منذ دقائق طويلةكان يبتعد.
لم تختف رعشة يدي إيما فورا.
كانت ما تزال واقفة قرب الباب المفتوح حقيبتها الوردية مشدودة إلى صدرها وكأنها تمسك بشيء يربطها بالواقع.
كان الضوء في الممر ساطعا على غير العادة يفضح كل زاوية وكل ظل كان قبل دقائق فقط مصدر خوف غامض.
تنفست بعمق مرة ثم ثانية.
لكن قلبها ظل يخفق
انحنى الرجل الذي فتح الباب قليلا ليكون